Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:57–68
7:57Page 157
وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.
قوله تعالى: ﴿وهُوَ الذي يرسل الرياح نشرًا [[في (ب): ﴿بُشْرًا﴾، وهي قراءة سبعية كما في "السبعة" ص 283 وستأتي.]] بين يدي رحمته﴾، مضى الكلام في الرياح في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 101 أ.]] بأبلغ الاستقصاء، فأما قوله: ﴿نُشْرًا﴾. يقال [[في (ب): (فيقال).]] أنشر الله الريح مثل أحياها فنشرت هي أي: حييت والإنشار بمعنى: الإحياء يستعمل في الريح، وكذلك لفظ الإحياء [[انظر: "العين" 6/ 251، و"المنجد" لكراع ص 339، و"الجمهرة" 2/ 734، و"تهذيب اللغة" 4/ 3571، و"الصحاح" 2/ 827، و"المجمل" 3/ 868، و"مقاييس اللغة" 5/ 430، و"المفردات" ص 805، و"اللسان" 7/ 4423 (نشر).]].
قال المرّار [[المَرَّارُ بن سعيد بن حبيب الفقْعسي، أبو حسان، شاعر أموي مكثر. انظر: "الشعر والشعراء" ص 467، و"الأغاني" 10/ 366، و"معجم المرزباني" ص 304، و"الأعلام" 7/ 199.]]:
وَهَبَّتْ لَهُ رِيحُ الجنُوبِ وأحْيَيَتْ ... لَهُ رَيْدَةُ يُحْي المِيَاةَ نَسِيمُهَا [[الشاهد في "الحجة" لأبي علي 4/ 35 - 36، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 217، و"اللسان" 3/ 1790 (ريد)، و"البحر المحيط" 4/ 316. وَرْيدَة أي: ريح لينة. انظر: "اللسان" 3/ 1790 (ريد).]] ومما يدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت كما وصفت بالحياة. قال:
إني لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ ... فَأُقْعُدُ اليَوْمَ وأَسْتَرِيحُ [[لم أهتد إلى قائله، وهو في "الحجة" لأبي علي 4/ 36، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 217، و"اللسان" 7/ 4295 (موت) و7/ 4423 (نشر)، و"البحر المحيط" 4/ 317، و"الدر المصون" 5/ 348.]]
فقوله: ﴿نُشُرًا﴾ جمع: نشُور مثل رَسُول ورُسُل، والنشور بمعنى: المنتشر؛ كالرَّكوب معنى: المركوب، فكأن المعنى: رياح منتشرة، فمن قرأ ﴿الرِّيَاحَ﴾ [[قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿الرَّيَاحَ﴾ على التوحيد، وقرأ الباقون: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ بضم الباء وسكون الشين، وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ بضم النون وسكون الشين، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون، وسكون الشين، وقرأ الباقون: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين. انظر: "السبعة" ص 283، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 420، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269 - 270.]] بالجمع حسن وصفها بقوله: ﴿نُشُرًا﴾ لأنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ ﴿الرِّيح﴾ واحدة ﴿نُشُرًا﴾ جمعًا كقراءة ابن كثير، فإنه أراد بالريح الكثرة كقولهم: كثر الدرهم والدينار، والشاء [[في (أ): (الشاة)، وأصل النص في "الحجة" لأبي علي 4/ 23 وفيه: الشاء.]] والبعير، وكقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع، كقول عنترة:
فِيهَا اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ [["ديوانه" ص 17، و"الحجة" لأبي علي 4/ 33، و"الدر المصون" 5/ 350، والشاهد من معلقته المشهورة قال النحاس في "شرح المعلقات" 2/ 13 - 14: (الحلوبة المحلوبة يستعمل في الواحد والجميع على لفظ واحد، والخوافي أواخر == ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم: الأسود) اهـ. وانظر: شرحه في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 305.]] وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ خفف الشين كما يقال: كُتْبٌ ورُسْل، وقرأ حمزة والكسائي ﴿نَشْرًا﴾؛ والنشر مصدر نشرت الشيء ضد طويته، ويراد بالمصدر هاهنا المفعول، والرياح كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية فأرسلها الله تعالى منشورة بعد إنطوائها، فقوله: ﴿نَشْرًا﴾ مصدر حال من الرياح، ويجوز أن يكون النشر هاهنا الذي هو الحياة من قولهم: أنشر الله الميت فنشر. قال الأعشى:
يَا عَجَبَا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ [["ديوانه" ص 93، و"مجاز القرآن" 2/ 70، و"الجمهرة" 2/ 734، و"الاشتقاق" ص 242، و"تهذيب اللغة" 4/ 3570، و"الصحاح" 2/ 828، و"الخصائص" 3/ 325، و"مقاييس اللغة" 5/ 430، و"اللسان" 7/ 4423 (نشر)، و"الدر المصون" 5/ 347 وصدره: حتَى يقول النَّاسُ مِمَّا رَأَوا. وفي "حاشية الديوان": (الناشر الذي بعث من قبره، والمعنى: وعندئذٍ يتعجب الناس مما يرون فيقولون: يا عجبا للميت الذي بعث من جديد) اهـ.]]
فإذا حملته على ذلك -وهو الوجه- كان المصدر يراد به الفاعل، كما تقول: أتاني ركضًا أي: راكضًا، ويجوز أن يكون انتصاب قوله: ﴿نَشْرًا﴾ انتصاب المصادر لا الحال من باب (صُنْعَ الله)؛ لأنه إذا قال: ﴿يُرْسِلُ اَلريَاحَ﴾ دل هذا الكلام على نشر الريح نشرًا، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ جمع بشيرًا على (بُشْر) من قوله: ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46] أي: تبشر بالمطر والرحمة. قال الفراء: (النُشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب) [["معاني الفراء" 1/ 381.]]. قال ابن الأنباري: (واحدها نشور، وأصل هذا من النَّشْر وهو الرائحة الطيبة) [[لم أقف عليه.]]. ومنه قول امرئ القيس:
............ ونَشْرَ القُطُرْ [["ديوانه" ص 69، و"المنجد" لكراع ص 339، و"تفسير الطبري" 8/ 209، و"تهذيب اللغة" 4/ 3571، و"الصحاح" 2/ 827، و"اللسان" 7/ 4423 (نشر)، والخزانة 9/ 231 وتمامه:
كَأنَّ المُدَامَ وصَوْبَ الغَمَام ... ورِدحَ الخُزَامىَ ........
وفي "حاشية الديوان": (المدام: الخمر، وصوب الغمام: ماء السحاب، والخزامى: خيري البر وهو نبت حسن الريح، ونشر القطر: ريح العود الذي يتبخر به) اهـ.]]
وقال أبو عبيدة: (﴿نُشُرًا﴾ أي: متفرقة من كل جانب) [["مجاز القرآن" 1/ 217، ومثله قال اليزيدي في "غريب القرآن" ص 146.]].
قال أبو بكر: (هي المنتشرة الواسعة الهبوب، والنشر: التفريق، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة بالمنشار، والنشر المنتشر) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 218، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 301، و"تفسير غريب القرآن" ص 178، و"معاني الزجاج" 2/ 345، و"تفسير الطبري" 8/ 209، و"نزهة القلوب" للسجستاني ص 454، و"معاني النحاس" 3/ 44.]].
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نَشْرًا﴾ يجوز أن يكون من باب حذف المضاف على معنى: ذوات نشر أي: ريح طيبة [[ما تقدم في توجيه القراءات هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 32 - 39، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 409، و"إعراب القراءات" 1/ 186، و"الحجة" لابن خالويه ص 157، ولابن زنجلة ص 285، و"الكشف" 1/ 465.]].
وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: بين يدي المطر) [[لم أقف عليه.]].
وقال الكلبي: (قدّام مطره) [["تنوير المقباس" 2/ 100، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 196، وهذا قول أكثر المفسرين. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 210، والسمرقندي 1/ 547، والبغوي 3/ 238، وابن عطية 5/ 539.]].
وقال أبو إسحاق: (أي: بين يدي المطر الذي هو رحمته) [["معاني الزجاج" 2/ 345، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 45.]]
قال أبو بكر: (اليدان تستعملهما العرب في المجاز على معنى التقدمة، يقال: تكون هذه الفتن بين يدي الساعة، يريدون قبيل [[في (ب): (قبيل أن يكون تقوم)، وهو تحريف.]] أن تقوم، تشبيهًا وتمثيلاً، إذ كانت يد الإنسان تتقدمانه، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به) [[ذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 243، ونحوه قال الطبري في "تفسيره" 8/ 210.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾، يقال: أقلَّ فلان الشيءَ أي [[في (ب): (إذا حمله).]] حَمَله، وكذلك استقَلَّه [[انظر: "المفردات" ص 681، و"اللسان" 6/ 3738 (قلل).]]، والمعنى: حتى إذا حملت هذه الرياح سحابًا ثقالًا بما فيها من الماء، قاله المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 210، و"معاني الزجاج" 2/ 345، و"النحاس" 3/ 45، و"تفسير السمرقندي" 1/ 547.]].
وقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي: سقنا السحاب، والسحاب لفظه مذكر وإن كان جمع سحابة، لذلك ذكَّر الكناية، وهو من باب تمر وتمرة وجَوْز وجَوْزة [[أصل السَّحْب الجَرُّ، ومنه السحاب لجره الماء ولجر الريح له وانسحابه في الهواء == والجمع سحاب وسُحُب وسحائب. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1637، و"الصحاح" 1/ 146، و"مقاييس اللغة" 3/ 142، و"المفردات" ص 399، و"اللسان" 4/ 1948 (سحب).]].
﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ليس فيه نبات) [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: (إلى مكان لا ينبُت) [["تنوير المقباس" 2/ 101.]].
وقال أبو بكر: (أي: سقنا السحاب لبلدِ وإلى بلدٍ محتاج إلى المطر لانقطاعها عنه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وابن الجوزي 3/ 219.]]. فمنهم من يجعل اللام بمعنى إلى، كما يقال: هديته للدين وإلى الدين، ومنهم من يجعله لام أجل فيقول: سقناه لأجل بلدٍ ميتٍ [[انظر: "كتاب اللامات" للزجاجي ص 144، وللهروي ص 23، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 317: (اللام في ﴿لِبَلَدٍ﴾ عندي لام التبليغ كقولك قلت لك) اهـ.]]، وأما البلد فكل موضع من الأرض عامرٍ أو غير عامر خالٍ أو مسكونٍ فهو بلد، والطائفة منه (بَلْدة)، والجميع البلاد، والفلاة تسمى: بلدة [[هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 383.
وانظر: "العين" 8/ 42، و"المنجد" ص 143، و"الجمهرة" 1/ 301، و"الصحاح" 2/ 449، و"المجمل" 1/ 134، و"مقاييس اللغة" 1/ 298، و"المفردات" ص 142، و"اللسان" 1/ 340 (بلد).]]؛ قال الأعشى [[الشاهد في "ديوانه" ص 146، و"تهذيب اللغة" 1/ 383، و"تفسير الرازي" 14/ 142، و"اللسان" 1/ 341 (بلد)، و"الدر المصون" 5/ 352، وهو من معلقة أعشى قيس المشهورة، وفي "حاشية الديوان": (مثل ظهر الترس: شبهها بظهر الدرع في انبساطها وإقفارها لأنها لا شيء فوق ظهرها، وحافاتها: نواحيها، والزجل: الأصوات المختلطة) اهـ.]]: وَبَلْدَةٍ مِثْلِ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍ ... للجِنِّ بِاللَّيْلِ في حَافَاتِهَا [[في (أ): (في حافتها).]] زَجَلُ
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾، قال الزجاج وابن الأنباري [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وابن الجوزي 3/ 219، والرازي 14/ 142، و"الخازن" 2/ 243.]]: (جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء) [["معاني الزجاج" 2/ 345، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 45، والسمرقندي 1/ 548، والظاهر عودة الضمير إلى أقرب مذكور وهو بلد أي أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء، أفاده أبو حيان في "البحر" 4/ 317 - 318.]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. الظاهر أن الكناية تعود إلى الماء؛ لأن إخراج الثمرات كان بالماء، وقال الزجاج: (وجائز أن يكون فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات؛ لأن البلد ليس يخص به هاهنا بلد دون غيره) [["معاني الزجاج" 2/ 345، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 45، والأول أظهر وهو اختيار الزجاج في "معانيه"، والسمرقندي 1/ 548، وابن عطية 5/ 540، 541، وقال السمين في "الدر" 5/ 351: (الأحسن هو العود على الماء ولا ينبغي أن يعدل عنه) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: مثل ذلك الإخراج الذي أشرنا إليه نخرج الموتى. وقال أبو بكر: (أي: نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات بعد أن صاروا رفاتا في التراب كإحياء الأرض بالنبات) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 346، و"بدائع التفسير" 2/ 258.]].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) [["تنوير المقباس" 2/ 101.]].
وقال الزجاج: (أي: لعلكم بما بينا [[في (ب): (لما بينا).]] لكم تستدلون على توحيد الله عز وجل وأنه يبعث الموتى. و (لعل) ترجٍ، والله يعلم أيتذكرون أم لا، وإنما خوطب العباد على قدر علمهم وما يرجوه بعضهم من بعض) [["معاني الزجاج" 2/ 246، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 46.]]، وقد مضت هذه المسألة في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 21.]].
7:58Page 158
وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨
And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.
وقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ الآية. قال المفسرون: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة وبالأرض السبخة الملحة)، وهو قول ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 212، وابن أبي حاتم 5/ 1503 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والسدي.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 239، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 173.]] والحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 25، والقرطبي 4/ 231، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، والماوردي 2/ 232، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 320، والطبري 8/ 212 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 173.]] والسدي.
قال أبو بكر: (فشبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن فوعاه وعقله وانتفع به فبان أثره عليه بالبلد الطيب؛ إذ كان البلد الطيب يُمرع ويُخصب ويحسن أثر المطر فيه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن ولا يؤثر فيه أثرًا محمودًا بالبلد الخبيث؛ إذ كان لا يمرع ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وابن الجوزي 3/ 220 عن المفسرين.]].
وقال الحسين بن الفضل: (شبه الله المؤمن والكافر بالأرض، وشبه نزول القرآن بالمطر، وعلى قدر طيبة [[في (ب): (طيب).]] التربة ورداءتها زكاء النبت وزيادته) [[لم أقف عليه، وانظر: "الأمثال" للحسين بن الفضل البجلي ص 44.]]. وهذا الذي ذكره أبو بكر والحسين هو [[في (أ): (وهو).]] معنى قول قتادة [[سبق تخريجه.]].
وقال الكلبي: (هذا مثل للمؤمن والكافر، المؤمن يعمل عمله طوعًا لله بإذن ربه من غير كد ولا عناء، والكافر لا يعمل عمله إلا في شدة وكدّ لغير الله) [["تنوير المقباس" 2/ 101، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 25.]]، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ دليل على أن ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون ذلك إلا بتوفيق من [[لفظ: (من) ساقط من (ب).]] الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. قال الكلبي: (﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السبخة من الأرض) [["تنوير المقباس" 2/ 101، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 198.]]. قال الفراء: (يقال: خَبُث الشيء يَخْبثُ خُبْثًا وخَبَاثة) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 145، عن الفراء ولم أقف عليه في "معانيه"، والخَبيث والخُبْث، الرِديء خلاف الطيب، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 973، عن الليث قال: (خَبُث الشيء يخبث خبْثًا فهو خبيث، وبه خُبْث وخباثة، وأخبث فهو مُخْبِث إذا صار ذا خُبْث وشر) اهـ. وانظر: "العين" 4/ 248 - 249، و"الجمهرة" == 1/ 258، و"الزاهر" 2/ 139، و"الصحاح" 1/ 281، و"مقاييس اللغة" 2/ 238، و"المفردات" ص 272، و"اللسان" 2/ 1088 (خبث).]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ النكد العسر الممتنع [[انظر: "الجمهرة" 2/ 680، و"الصحاح" 2/ 545، و"المجمل" 3/ 884، و"مقاييس اللغة" 5/ 475 - 476، و"المفردات" ص 833 (نكد).]] من إعطاء الخير على جهة البخل.
وقال الفراء: (النَّكَد المصدر يقال: نَكِد نَكَدًا فهو نَكِدٌ) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 382.]].
وقال الليث: (النكد الشؤم واللؤم وقلة العطاء وألا يهنأه من يعطاه، ورجل أنَكَد ونَكِد) [["تهذيب اللغة" 4/ 3660، وانظر: "العين" 5/ 331 (نكد) وقوله (من يعطاه) الأولى ما يعطاه.]]. وأنشد:
وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ... لاَ خَيرْ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ [[لم أعرف قائله، وهو في "العين" 5/ 331، و"تفسير الطبري" 8/ 211، و"تهذيب اللغة" 4/ 3660، و"تفسير الماوردي" 2/ 232، وابن عطية 5/ 542، والرازي 14/ 145، و"اللسان" 8/ 4538 (نكد)، و"البحر المحيط" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 352.]]
الأزهري: (المنكود: العطاء النزر القليل) [["تهذيب اللغة" 4/ 3660، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 46: (النَكِد في اللغة: النزر القليل) اهـ. ونحوه في "مجاز القرآن" 1/ 217، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"نزهة القلوب" ص 445، و"تفسير المشكل" ص 85.]].
وقال أبو بكر: (النكد معناه في اللغة: العسر المبطي البعيد الخير، وهو في صفة البلد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 198 مع إنشاد الشاهد.]]. وأنشد غيره: لاَ تُنْجِزُ الوعْدَ إنْ وعَدْتَ وإن ... أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نكدَا [[لم أعرف قائله. وهو في "مجاز القرآن" 1/ 217، و"تفسير الطبري" 8/ 211، وابن عطية 5/ 542، وابن الجوزي 3/ 220، و"اللسان" 1/ 436 (تفه)، و"تفسير الخازن" 2/ 244، و"البحر المحيط" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 352.]]
فقوله: نكدًا نُصب على الحال، وكذلك في الآية كما تقول: لا يخرج فلان إلا راكبًا [[النصب على الحال هو قول الأكثر، ويجوز نصبه على المصدر على معنى ذا نكد. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 620، و"المشكل" 1/ 295، و"البيان" 1/ 366، و"التبيان" ص 380، و"الفريد" 2/ 319، و"الدر المصون" 5/ 352.]].
قال قتادة وأبو روق [[لم أقف عليه عنهما.]]: (﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ إلا عسرًا).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ مضى معنى تصريف الآيات في مواضع.
وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. قال عطاء: (يريد لنعم الله، ويوحدونه، ويطيعون أمره) [[لم أقف عليه.]].
وقال بعض أهل النظر: (ذكر الشكر في آخر الآية، إشارة إلى نعمتين مذكورتين في الآية للمؤمن، وهو أن الله تعالى لم يجعله كالبلد الخبيث، والثاني: أنه أذن له في الإيمان والطاعات كما أذن للبلد الطيب في إخراج النبات) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 212، والسمرقندي 1/ 548، والرازي 14/ 145.]].
7:59Page 158
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩
We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day."
قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [قرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ [[في (ب): (قرئ غير).]]، رفعًا وخفضًا [[قرأ الكسائي ﴿غيرِه﴾ بكسر الراء، وقرأ الباقون برفعها. انظر: "السبعة" ص 284، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 420، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 270.]]، فأما من خفض فقال الفراء: (يجعل (غير) نعتًا للإله، وقد يرفع فيجعل تابعًا للتأويل في ﴿إِلَهٍ﴾، ألا ترى أن الإله لو نزعت منه (مِن) [[لفظ: (من) ساقط من (ب).]] كان رفعًا) [["معاني الفراء" 1/ 382.]]، وقال أبو إسحاق: (الرفع على معنى: ما لكم إله غيره ودخلت (مِنْ) مؤكدةَ، و (مِنْ) خفض جعله صفة لإله) [["معاني الزجاج" 2/ 348.]] فقد اتفقا كما ترى على أن (غير) في القراءتين صفة لإلهٍ، الرفع على الموضع، والخفض على [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 621، و"المشكل" 1/ 295، و"البيان" 1/ 367 ، و"التبيان" ص 380، و"الفريد" 2/ 320.]] اللفظ، ولا بد من إضمار محذوف في الكلام، وهو خبر ﴿ما﴾؛ لأنك إذا جعلت (غير) من صفة الإله، لم يكن للنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف كقولك: (زيد العاقل)، وتسكت حتى تذكر خبره، ويكون التقدير: ما لكم من إله غيره في الوجود، ونحو ذلك لا بد من هذا الإضمار [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 40، وقال السمين في "الدر" 5/ 354: (في الخبر وجهان: أظهرهما أنه ﴿لَكُمْ﴾، الثاني: أنه محذوف أي: ما لكم من إله في الوجود أو في العالم غير الله و ﴿لَكُمْ﴾ على هذا تخصيص وتبيين) اهـ.]].
وقال أبو علي: (وجه من قرأ بالرفع قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 62]، فكما أن قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بدل من قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾، كذلك قوله: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ [[كذا في "النسخ"، و"الحجة" لأبي علي (4/ 40) والأولى: كذلك قوله: ﴿غَيْرُهُ﴾ وجاء في سورهِ الأعراف الآية (3) قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾؛ قرأ حمزة والكسائي ﴿غَيْرِ﴾ خفضًا، وقرأ الباقون رفعًا. انظر: "السبعة" ص 284.]] يكون بدلاً من قوله ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد إلا). وعلى ما ذكره أبو علي (غير) يكون رفعًا بالاستثناء، ولا يحتاج إلى إضمار الخبر، قال: (وهذا الذي ذكرنا أولى أن يُحمل عليه من أن يجعل غير صفةً لإله على الموضع [["الحجة" لأبي علي 4/ 40، وقال: (لأن كون (إلا) استثناء أعرف وأكثر من كونها صفة، وإنما جعلت صفة على التشبيه بغير) اهـ. وانظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 285، و"معاني القراءات" 1/ 410، و"إعراب القراءات" 1/ 189، و"الحجة" لابن خالويه ص 157، ولابن زنجلة ص 286، و"الكشف" 1/ 467.]].
7:60Page 158
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠
Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."
No commentary for this ayah
7:61Page 158
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١
[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
No commentary for this ayah
7:62Page 158
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢
I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.
قوله تعالى [[تنبيه: (لم يتعرض المؤلف -رحمه الله تعالى- لتفسير باقي الآية: 59 والآيتين: 60 و61).]]: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾. وقرأ أبو عمرو [[قرأ أبو عمرو: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ بسكون الباء، وتخفيف اللام، وقرأ الباقون بفتح الباء، وتشديد اللام، انظر: "السبعة" ص 284، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 420، و"التيسير" ص 111، و"النشر" 2/ 270.]] ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مخففة من الإبلاغ، وكلا الأمرين قد جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ [هود: 57] والتشديد قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [[انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 41 - 42 و"معاني القراءات" 1/ 410، و"إعراب القراءات" 1/ 190، و"الحجة" لابن خالويه ص 157، ولابن زنجله ص 286، و"الكشف" 1/ 467.]] [المائدة: 67].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾. قال الفراء: (والعرب لا تكاد تقول: نصحتك، إنما يقولون: نصحت لك، فأنا أنصح لك نصيحة ونصاحةً ونصحًا وقد يجوز نصحتك) [["معاني الفراء" 1/ 92 فيه: (العرب لا تكاد تقول: شكرتك إنما تقول: شكرت لك ونصحت لك ولا يقولون: نصحتك وربما قيلتا قال النابغة ...) اهـ. يقال: نَصَحْتُك نُصْحا ونَصَاحة وهو باللام أفصح، والاسم النصيحة. انظر: "الصحاح" 1/ 410، و"كتاب الأفعال" للسرقسطي 3/ 192.]].
قال النابغة:
نصحتُ بَنِي عَوْفٍ فلم يَتَقَبَّلُوا ... رسولي ولم تَنْجَحْ لديهم رسَائِلي [["ديوان النابغة الذبياني" ص 128، و"الصحاح" 1/ 410، و"تفسير الرازي" 14/ 151، و"اللسان" 7/ 4438 (نصح)، وفي "الديوان" (وصاتي) بدل (رسولي)، و (وسائلي) بدل (رسائلي)، وبنو عرف قومه وهم بنو عوف بن سعد ابن ذبيان. انظر: "نهاية الأرب" ص 344.]]
ومعنى النصح: إخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة وهو خلاف الغش [[انظر: "العين" 3/ 119، و"الجمهرة" 1/ 544، و"تهذيب اللغة" 4/ 3582، و"المجمل" 3/ 780، و"المقاييس" 5/ 435، و"المفردات" ص 808 (نصح).]].
قال ابن عباس: (يريد: أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه، وأحب لكم ما أحب لنفسي. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يريد: إني أعلم أن ربي غفور رحيم لمن رجع عن معاصيه، وأن عذابه أليم شديد لمن أصرّ على معاصيه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 199، وفي "تنوير المقباس" 2/ 102 نحوه.]].
وقال أهل النظر: (في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حثٌّ لهم على طلب العلم من جهته، وتحذير من مخالفته) [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 151.]].
7:63Page 158
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣
Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"
قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: موعظة من الله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 199، والبغوي 3/ 241.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾. قال الفراء: (﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى: (مع) كما تقول: جاءنا الخير على وجهك ومع وجهك، ويجوزان جميعًا) [["معاني الفراء" 1/ 383، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 214.]]، وقال ابن قتيبة: (أي: على لسان رجل منكم) [["تفسير غريب القرآن" ص 179، وهو قول مكي في "تفسير المشكل" ص 85.]].
وقال غيره [[الظاهر أنه قول الطبري 8/ 214، قال: (أوعجبتم أن جاءكم تذكير من الله وعظة يذكركم بما أنزل ربكم على رجل منكم) اهـ.]]: (معناه: ذكر من ربكم منزل على رجل)، فـ (على) من صلة الإنزال المحذوف، وعلى هذا دل كلام ابن عباس في هذه الآية؛ لأنه قال في قوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾: (يريد أوحى الله إليه، وبعثه إليكم لينذركم) [[في "تنوير المقباس" 2/ 102 نحوه.]]. وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: يعرفون نسبه، فهو منكم نسبًا.
7:64Page 158
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤
But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾، قال ابن عباس: (عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته وشدة بطشه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والبغوي 3/ 242، وابن الجوزي 3/ 221، والرازي 14/ 153، و"الخازن" 2/ 246.]].
وقال الزجاج: (أي: قد عَمُوا عن الحق والإيمان) [["معاني الزجاج" 2/ 347، وهو قول الطبري 8/ 215، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد.]].
قال الليث: (يقال [[لفظ: (يقال) ساقط من (ب).]] رجل عمٍ إذا كان أعمى القلب) [["العين" 2/ 266، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2576 من قول الفراء ونفطويه.]].
وقال أبو معاذ النحوي [[أبو معاذ النحوي: الفضل بن خالد المروزي الباهلي مولاهم إمام نحوي، لغوي، مقرئ، روى عنه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 25 وقال: (له كتاب في القرآن حسن) اهـ. توفي سنة 211 هـ. انظر: "معجم الأدباء" 5/ 565، و"غاية النهاية" 2/ 9، و"بغية الوعاة" 2/ 245، و"طبقات المفسرين" للداودي 2/ 32.]]: (رجل عم في أمره لا يبصره [[جاء في (أ): (رجل عم لا يبصره)، ثم كتب عليه: لا بصيرة له، والنص في "تهذيب اللغة" 3/ 2577.]]، ورجل أعمى في البصر)، قال زهير [["ديوانه" ص 110، و"تهذيب اللغة" 3/ 2577، والرازي 14/ 153، و"اللسان" 5/ 3115 (عمى)، و"الدر المصون" 5/ 357، وأوله: (وأعلم ما في اليوم والأمس قبله)، وهو من معلقته المشهورة. انظر: "شرح ديوان زهير" لثعلب ص 49، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 289، وللنحاس 1/ 125.]]:
وَلَكِنِّني عَنْ عِلْمِ مَا فيِ غَدٍ عَمِ
وعلى هذا الوجه فسر ابن عباس؛ حيث قال: (عميت قلوبهم) [[سبق تخريجه.]]. وهو اختيار الحسين [[لفظ: (الحسين) ساقط من (ب).]] بن الفضل فإنه قال: (عمين في البصائر وأعمى في البصر) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 191 ب.]]، ألا ترى أن قوم نوح لم يكونوا أَضِرَّاءَ مكافيف، إنما وصفوا بعمى القلب، وقد يكون العمي والأعمى كالخَضِر والأخضر [[قال السمين في "الدر" 5/ 357: (عَمين: جمع عَم، قيل: عم إذا كان أعمى البصيرة غير عارف بأموره، وأعمى أي: في البصر، وقيل: عم وأعمى بمعنى كخضر وأخضر، وقيل: عمٍ فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها كفرح وضيق ولو أريد الحدوث لقيل عام كما يقال: فارح وضائق) اهـ، وانظر: "الصحاح" 6/ 2439، و"مقاييس اللغة" 4/ 133، و"المجمل" 3/ 628، و"المفردات" ص 588 (عمى).]]، وفَعِل يأتي كثيرًا في النعوت من فَعِلَ يفعل نحو: حذِرٍ وطمِعٍ وهرِمٍ وعَجِلٍ. ومن المعتل: شجي وصدٍ للعطشان، ونسي، إذا اشتكى نساه فهو أنسى ونسي. ذكره ابن السكيت [[قال ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 155 وص180 وص370: (رجل عَمِي القلب وعم عن الصواب ورجل شج: إذا غص باللقمة ورجل صَدٍ للعطشان وصَدْيان وصاد، وإذا اشتكى الرجل نساه قلت: نَسِي يَنْسَى نسى فهو نَسٍ وقد نسيت الشيء: إذا لم تذكره، وقد أنسيته ما كان يحفظه، وأنسأته البيع: إذا أخرت ثمنه عليه) اهـ. ملخصًا.]].
7:65Page 158
۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥
And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ الآية. انتصب: ﴿أَخَاهُمْ﴾ بقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ في أول الكلام، وهو قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: 59] و [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] المعنى: وأرسلنا إلى عاد ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾، وهذا قول الفراء، والزجاج، والأخفش [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 383، والأخفش 2/ 305، والزجاج 2/ 347، وهو قول الأكثر، انظر: "تفسير الطبري" 8/ 215، و"إعراب النحاس" 1/ 622، و"المشكل" 1/ 296، و"التبيان" ص 381، و"الفريد" 2/ 323، و"الدر المصون" 5/ 358.]]، ومعنى ﴿أَخَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ابن أبيهم) [[ذكره القرطبي 7/ 230.]].
وقال الكلبي: (ليس بأخيهم في الدين، ولكنه أخوهم في النسب؛ لأنه منهم، فلذلك جعله أخاهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والرازي 14/ 154، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 177، وقال: (أخرجه ابن المنذر من طريق الكلبي عن ابن عباس) اهـ.]]. قال الزجاج: (وقيل للأنبياء: (أخوهم) وإن كانوا كفرة، يعني: أنه قد أتاهم بشر مثلهم من بني أبيهم آدم وهو أحجّ عليهم، قال: وجائز أن يكون (أخاهم)؛ لأنه من قومهم ليكون أفهم لهم بأن يأخذوا عن رجل منهم) [["معاني الزجاج" 2/ 247.]].
وقال بعض أهل النظر: (قوله تعالى: ﴿أَخَاهُمْ﴾ يعني: صاحبهم ورسولهم، والعرب تسمي صاحب القوم أخ القوم، ومنه قوله ﷺ: "إن أخا صداء [[صُداء: اسم قبيلة من كهلان من القحطانية من اليمن. انظر: "اللباب" لابن الأثير
2/ 236، و"نهاية الأرب " ص 286، والمراد به هنا: زياد بن الحارث الصُدائي،
صحابي له وفادة، انظر: "الإصابة" 1/ 557]] قد أذن [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] إنما يقيم من أذن" [[أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 475 - 476، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" 1/ 326 - 327، وابن أبي شيبة 1/ 196 (2246)، وأحمد 4/ 169، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" ص 214، وابن ماجه كتاب الأذان والسنة فيه، باب: السنة في الأذان رقم (717)، وأبو داود كتاب الصلاة، باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر رقم (514)، والترمذي كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن من أذن فهو يقيم رقم (199)، والبيهقي في "سننه" 1/ 381 وص 399 وفيه عبد الرحمن زياد بن أنعم الأفريقي قاضيها ضعيف في حففه، قاله الحافظ في "التقريب" ص 340 (3862) لكن الحديث له طرق. وقال الترمذي: (العمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم) اهـ.]] يريد [[لفظ: (يريد) ساقط من (أ).]] صاحبهم، ومن هذا قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38] أي: صاحبتها وشبيهتها، وهذا كثير في كلامهم) [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 155.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وحدوا الله ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ قال: يريد: أفلا تخافون نقمته) [["تنوير المقباس" 2/ 103، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1508 بسند جيد، عن ابن عباس قال: (﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدوه) اهـ.]].
7:66Page 158
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾. قال مقاتل: (أي: في حمق) [["تفسيرمقاتل" 2/ 45.]].
وقال عبد الله بن مسلم: (أي: في جهل) [["تفسير غريب القرآن" ص 179، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 347: (السفاهة: خِفة الحلم والرأي، يقال: ثوب سفيه إذا كان خفيفًا) اهـ، ونحوه، قال النحاس في "معانيه" 3/ 47، وقال الطبري 8/ 215: (أي: في ضلال عن الحق والصواب) اهـ.]].
قال ابن عباس: [(يريد)] [[لفظ: (يريد) ساقط من (ب).]] تدعونا إلى دين لا نعرفه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والبغوي 3/ 242، وجاء في كتاب "اللغات" لأبي عبيد ص 152، وابن حسنون ص 25، و"الوزان" ص 4 بسند جيد عن ابن عباس قال: (سفاهة: جنون بلغة حمير).]]، ومضى معنى السفاهة في أول سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 13.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريدون كاذبًا فيما جئت به) [["تنوير المقباس" 2/ 103، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200.]].
وقال مقاتل: (من الكاذبين فيما تقول من نزول العذاب بنا) [["تفسير مقاتل" 2/ 45.]].
وقال الكلبي: (من الكاذبين في ادعائك بالنبوة) [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾: (فكفروا به ظانين [لا] [[لفظ (لا) عليها طمس في (ب).]] مستيقنين) [["معاني الزجاج" 2/ 347.]]، وهو قول الحسن، قال: (كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 156، وأبو حيان في "البحر" 4/ 324، وقال ابن عطية 5/ 549: (هو ظن على بابه لأنهم لم يكن عندهم إلا ظنون وتخرص) اهـ.]]. وقال بعض أهل النظر: (الظن هاهنا معناه: العلم، والظن بمعنى العلم كثير في الكلام)، ذكرنا ذلك [[انظر: "البسيط" [البقرة: 78].]] في سورة البقرة.
7:67Page 158
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧
[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
No commentary for this ayah
7:68Page 159
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨
I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. قال الضحاك: (أمين على الرسالة) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 192 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 201، وابن الجوزي 3/ 222.]]. وقال الكلبي: (قد كنت فيكم قبل اليوم أمينًا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 192 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 201، والبغوي 3/ 242، وابن الجوزي 3/ 222.]]. والقولان ذكرهما الفراء [["معاني الفراء" 1/ 384.]]، ومعنى الأمين: الثقة في نفسه، وهو فعيل من أَمِنَ يَأمن أَمنًا فهو آمِن وأمين بمعنى واحد، ويقال أيضاً: ما كان فلان أمِينًا ، ولَقَد أمن يَأمن أمانة فهو أَمِين، والمأمون: الذي يأمنه غيره [[انظر: "العين" 8/ 388، و"تهذيب اللغة" 1/ 209، و"الصحاح" 5/ 2071، و"مقاييس اللغة" 1/ 133، و"المفردات" ص 90، و"اللسان" 1/ 141 (أمن).]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences