Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:25–28
8:25Page 179
وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥
And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الآية [[ساقط من (س) وكتب الناسخ بدله: للمؤمنين.]]، معنى الفتنة هاهنا: البلية التي يظهر فيها باطن [[يعني: ما أخفاه]] أمر الإنسان، وأصلها من الاختبار -كما ذكرنا قبل [[انظر: "تفسير البسيط" [الأعراف: 155].]] - وسميت البلية فتنة لأنها كالاختبار للناس [[في (م): (للإنسان).]]؛ فمن تعرض لها وأثارها دل على سوء دخلته، ومن قعد عنها وطلب إماتتها دل على صلاح نيته وحسن سريرته.
وهذه الآية محتملة وجهين من التفسير والإعراب: أحدهما: أن هذا أمر باتقاء الفتنة التي تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح جميعًا ولا تقتصر على الذين ظلموا دون غيرهم، وهذا مذهب ابن عباس؛ لأنه قال في هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب [[رواه ابن جرير 9/ 218، وابن أبي حاتم 5/ 1682، وهو من رواية علي بن أبي طلحة الصحيحة.]]؛ فعلى هذا الفتنة هو إقرار المنكر وترك التغيير له، ونحو هذا قال أبو روق والكلبي وابن زيد.
قال أبو روق: تصيب الصالح والطالح [[ذكره هذا القول من غير نسبة: أبو حيان في "البحر" 4/ 482 - 483، ولم أجد من ذكره عن أبي روق.]].
وقال الكلبي: تصيب الظالم والمظلوم، ولا يكون بالظلمة وحدهم خاصة، ولكنها عامة [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 179 مختصرًا عن الكلبي عن ابن عباس.]].
وقال ابن زيد: الفتنة: الضلالة [[رواه ابن جرير 8/ 219، وابن أبي حاتم 5/ 1681.]]، يعني افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضاً.
ووجه الإعراب على هذا التفسير ما ذكره الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 407.]] وحكاه الزجاج عنه [[لم يصرح الزجاج باسم الفراء بل قال: زعم بعض النحويين ... إلخ. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 410]]، وهو أن قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جزاء فيه طرف من النهي، نحو قولك: أنزل عن الدابة لا تطرحك، ولا تطرحنَّك [[في (ح) و (س): (ولا تطرحك) ، وهو خطأ.]]، فهو جواب الأمر بلفظ النهي، المعنى: إن تنزل عنه [[هكذا في جميع النسخ، وهو كذلك في أصل "معاني القرآن وإعرابه" كما أشار المحقق إلى ذلك، لكنه جعل الضمائر كلها بالتذكير وهو صواب إذ في "لسان العرب" (دبب) 3/ 1314: الدابة: التي تركب، وقد غلب هذا الاسم على ما يركب من الدواب، وهو يقع على المذكر والمؤنث، وحقيقته الصفة اهـ. وكذلك ذكر أبو علي الفارسي الجملة بالتذكير، انظر: "الإغفال" ص 835.]] لا يطرحك [[في (ح) و (س): (لا تطرحك).]]، فإذا أتيت بالنون الخفيفة والثقيلة كان أوكد للكلام.
وشرح أبو بكر بن الأنباري هذا القول فقال: إن قال قائل كيف دخلت النون في قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ وهو خبر ولا وجه لدخولها في الأخبار.
فالجواب: أن هذا الكلام تأويله تأويل الخبر؛ إذ كان [[في (م): (لو كان)، وهو خطأ.]] المعنى: واتقوا فتنة إن لا تتقوها [[في "زاد المسير": إن لا يتقوها ... إلخ.]] لا تصيب الذين ظلموا [[يعني: خاصة.]]، أي: لا تقع بالظالمين دون غيرهم لكنها تقع بالصالحين والطالحين، فلما ظهر الفعل ظهور النهي، والنهي راجع إلى معنى الأمر؛ إذ القائل إذا قال [[في "زاد المسير": يقول، وسقط: إذا.]]: لا تقم، يريد دع القيام، ووقع هذا جوابًا للأمر أو كالجواب له، فأكد له شبه النهي فدخلت النون المعروف دخولها في النهي، ومثل [[ذكر ابن الجوزي إن التمثيل بالآية المذكورة لقول آخر عن ابن الأنباري في سبب دخول النون، فقال: الثاني أنه نهي محض، معناه: لا يقصدن الظالمون هذه الفتنة فيهلكوا، فدخلت النون لتوكيد الاستقبال، كقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾.
انظر: "زاد المسير" 3/ 342، وسيذكر المؤلف هذا القول عن ابن الأنباري شرحه للوجه الثاني في الآية.]] هذا قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ [سُلَيْمَانُ﴾ [[اهـ. ما نقله ابن الجوزي من كلام ابن الأنباري، انظر: "زاد المسير" 3/ 343 باختصار واختلاف يسير.]] [النمل: 18] تأويله: إن تدخلوا لا يحطمنكم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (س).]]، فدخلت النون على الخبر لشبهه لفظ النهي، قال: وسبيل النون الشديدة والخفيفة أن تدخلا في ستة مواضع: في الأمر، والنهي، والاستفهام، وجواب اليمين، و (إما) إذا كانت جزاء، و (ما) إذا كانت صلة، كقولك: قومن، ولا تقومن، وهل تقومن، وإما تقومن أقم، والله لتقومن، وعن قليل ما تندمن [[هذه المواضع التي ذكرها المؤلف اقتصر عليها جمهور النحاة، وذهب بعض المحققين كابن هشام إلى جواز التوكيد في مواضع أخرى منها:
أ- بعد (لا) النافية، كقوله تعالى في الآية المذكورة: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ على أحد القولين في معناها، وكقول النابغة الذبياني يخاطب عمرو بن هند:
لا أعرفنك معرضا لرماحنا ... في جف تغلب واردي الأمرار
ومنع الجمهور من ذلك لأن النفي يضاد التوكيد.
ب- بعد (لم)، كقول الشاعر:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخًا على كرسيه معممًا
جـ- بعد أداة جزاء غير (إما) كقول الشاعرة ابنة مرة الحارثي:
من تثقفن منهم فليس بآئب ... أبدًا وقتل بني قتيبة شافي
ويرى سيبويه أن هذا الوجه والذي قبله خاص بالضرورة الشعرية، كما جوز ابن جني في "اللمع" ص 316 قياس دخول نون التوكيد في النفي.
انظر تفصيل ما سبق بيانه في: "كتاب سيبويه" 3/ 511 - 521، و"أوضح المسالك" 3/ 126 - 135، و"النحو الوافي" 4/ 167 - 184، وانظر أيضًا: "البحر المحيط" 4/ 483 - 484، حيث دليل على جواز دخول نون التوكيد على المنفي بـ (لا).]].
الوجه الثاني [[يعني في سبب دخول النون في قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ والوجه الأول ما ذكره قبل هذا الوجه، وكلا الوجهين لابن الأنباري كما في "زاد المسير" 3/ 343.]]: أن هذا أمر باتقاء فتنة تقتصر على الظالم وتصيبه بليتها، وهذا الوجه مروي في التفسير أيضًا عن ابن عباس، روي عنه أنه قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [في الرؤوس دون الأتباع، وروى عطاء عنه: يريد: لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [[وردت قراءة شاذة بهذا اللفظ، رويت عن علي وزيد بن ثابت وأبي جعفر الباقر والربيع بن أنس وأبي العالية وابن جماز، انظر: "المحتسب" 1/ 277.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]]
وقال الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير [[رواه ابن جرير 9/ 218، والثعلبي 6/ 52 أ، وإيراد هذا القول وما بعده من الأقوال التي تشير إلى أن الآية نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ يوم الجمل بعد قول المؤلف إن معنى الآية أمر باتقاء فتنة تقتصر على الظالم -أمر في غاية الخطورة، إذ يفهم منه أن من قيل أن الآية نزلت فيهم- وهم أهل يوم الجمل ظالمون، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة في الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ واعتقاد عدالتهم ونزاهة قصدهم، والترضي عنهم، وسلامة الصدور نحوهم، وأن المقتتلين في يوم الجمل وصفين مجتهدون منهم المصيب المأجور، ومنهم المخطئ المعذور. انظر: "العواصم من القواصم" ص 248، و"منهاج السنة النبوية" 4/ 448 - 450. وسيأتي مزيد بيان لذلك.]].
وقال الزبير: لقد قرأناها زمانا وما ندري من عني بها، فإذا نحن المعنيون بها [[رواه ابن برير 9/ 218، وابن أبي حاتم 5/ 1682، وبمعناه أحمد في "المسند" 1/ 165، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 321، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد ونعيم بن حماد في "الفتن" وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 99. رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.]]، وقال ابنه عبد الله: لقد خوفنا بها ونحن مع رسول الله ﷺ وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة [[لم أجد من روى هذا القول عن عبد الله بن الزبير، بل رواه بنحوه عن أبيه -رضي الله عنهما- الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 257، وابن جرير 9/ 218 ، وذكره ابن كثير 2/ 331 بلفظه ونسبه لابن جرير ولم أجده فيه.]].
وقال السدي: نزلت هذه الآية في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجول فاقتتلوا [[رواه ابن جرير 9/ 218، والثعلبي 6/ 52 ب، وبمعناه ابن أبي حاتم 5/ 1682، والبغوي 3/ 346.]].
قال الحسن أيضًا: الذين ظلموا منكم خاصة فلان وفلان، وهو يوم الجمل خاصة [[لم أجد من رواه بهذا اللفظ، وقد رواه بمعناه مع تسمية من نزلت فيهم ابن جرير 9/ 218، والثعلبي 6/ 52 أ، وذكره هود بن محكم الهواري في كتابه "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 82، بلفظ: يعني أصحاب النبي عليه السلام. وسيأتي توضيح المراد منه.]]، ونحو هذا قال مقاتل والضحاك [[رواه البغوي 3/ 346، وعبد بن حميد كما قال السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 46.]] وقتادة [[رواه البغوي 3/ 346.]]: أن هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول الله ﷺ أصابتهم الفتنة يوم الجمل [[هذا القول وما روي عن السلف بمعناه يحتاج إلى إيضاح من عدة نقاط:
أولاً: ليس ما وقع بين الصحابة -رضي الله عنهم- يوم الجمل سبب لنزول الآية؛ لأن العلماء اشترطوا في السبب أن يقع أيام نزول الآية متقدما عليه، انظر: "البرهان في علوم القرآن" 1/ 26، و"الإتقان في علوم القرآن" 1/ 42، و"مناهل العرفان" 1/ 101.
ثانيًا: للسلف مفهوم في معنى قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، أوسع من اصطلاح المتأخرين، قال الزركشي في "البرهان" 1/ 31: عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم؛ لا أن هذا كان السبب في نزولها اهـ.
وقد سبقه شيخ الإِسلام ابن تيمية فقال في "مقدمة أصول التفسير" ص 16 ما نصه: وقولهم: نزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن == هذا داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية كذا.
ثالثًا: على قول من قال من السلف: إن هذه الآية نزلت في أهل يوم الجمل من الصحابة، وقول الزبير: نحن المعنيون بها، يكون معنى الآية: إن هناك من ظلم، وهم قتلة عثمان -ومعلوم أنهم ليسوا من الصحابة- فعمت العقوبة وأصابت من لم يظلم من أصحاب رسول الله ﷺ.
وليس المعنى أن بعض الصحابة ظلم، فأصابت العقوبة الجميع، كما قد يفهم من سياق المؤلف للأقوال، إذ من الثابت أن كلا الطرفين من أصحاب رسول الله ﷺ في وقعة الجمل يريد الإصلاح، وإنما أثار الفتنة، وأوقد نار الحرب أولئك البغاة الذين قتلوا عثمان -رضي الله عنه- وكرهوا اتفاق أصحاب رسول الله ﷺ خوفًا من سيف الحق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" 4/ 465: لما طلب طلحة والزبير الانتصار من قتلة عثمان، قامت قبائلهم فقاتلوهم؛ ولهذا كان الإمساك عن مثل هذا هو المصلحة، كما أشار به على على طلحة والزبير، واتفقوا على ذلك، ثم إن القتلة أحسوا باتفاق الأكابر، فأثاروا الفتنة، وبدأوا بالحملة على عسكر طلحة والزبير، وقالوا لعلي: إنهم حملوا قبل ذلك، فقاتل كل من هؤلاء وهؤلاء دفعًا عن نفسه، ولم يكن لعلي ولا لطلحة والزبير غرض في القتال أصلاً، وإنما كان الشر من قتلة عثمان.]].
ووجه إعراب الآية على هذا القول ما ذكره أبو إسحاق، وهو أن قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ [نهي بعد أمر، والمعنى: اتقوا فتنة، ثم نهى بعد، ثم [[هكذا، وفي "الإغفال": فقال: وهو الصواب.]] قال ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (س).]] الفتنة الذين ظلموا أي: لا يتعرضن [الذين ظلموا] (¬2) لما ينزل بهم معه العذاب [[في "الإغفال": من العذاب.]] [[هذا قول أبي إسحاق الزجاج كما في "الإغفال" ص 836، وليس في "معاني القرآن وإعرابه"، وقد ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 46 - 47 أن لهذا الكتاب عدة نسخ مختلفة المخارج، وقد عارض بعضها ببعض حتى حصل منها نسخة أخرى اهـ.
والجدير بالذكر أن أبا على الفارسي سمع نسخته من المؤلف، كما في "الإغفال" ص 1.]].
وشرح أبو بكر هذا القول فقال: قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي محض معناه: لايقصدن الظالمون هذه الفتنة فيهلكوا فلفظ النهي كأنه للفتنة، وهو للذين ظلموا، ومثله قوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: 18] أمرتهم بالدخول ثم نهتهم أن يحطمهم سليمان فقالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ فلفظ النهي لسليمان ومعناه للنمل، كما تقول: لا أرينك هاهنا، فلفظ النهي لنفسك ومعناه: لا تكونن هاهنا فإني أراك [[انظر: قول ابن الأنباري مختصرًا في "زاد المسير" 3/ 342.]].
قال صاحب النظم: تأويل هذا: واتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا منكم خاصة [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 393 وهذا القول مرجوح، والأول هو الراجح لأمرين:
أولاً: موافقته للظاهر المتبادر من الآية.
ثانيًا: أنه مؤيد بقول النبي ﷺ لما سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث". رواه البخاري (7292) كتاب الفتن، باب: قول النبي: "ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب". ومسلم (28801)، كتاب الفتن، باب: اقتراب الفتن.
وروى الترمذي في "سننه" (2168) كتاب الفتن، باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه". قال الترمذي: هذا حديث صحيح.]]، يريد أن في نهيه بقوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ [إخبارًا أن تلك الفتنة مصيبة [[ساقط من (ح).]] للذين ظلموا، كما تقول: اتق بلية لا تصيبن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (س)]] المتعرض لها، يفهم من هذا أنك أمرت باتقاء فتنة تصيب من تعرّض لها، فقوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي في موضع وصف النكرة، وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا، يؤكد هذا ما روي في حرف عبد الله: واتقوا فتنة أن تصيب الذين ظلموا [[ذكر هذه القراءة ابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 262 - 264، وأبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 482 - 483، وقراءة ابن مسعود المشهورة: (واتقوا فتنة لتصيبن الذين ظلموا).
انظر: "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالوية ص 49، و"زاد المسير" 3/ 342، و"الجامع لأحكام القرآن" 7/ 393، و"البحر المحيط" 4/ 482 - 483.]]، واختار أبو علي الفارسي الوجه الثاني، وقال: إنه قول أبي الحسن [[يعني الأخفش الأوسط، وانظر قوله في كتابه "معاني القرآن" 1/ 347.
وهو: سعيد بن مسعدة البلخي ثم البصري، إمام النحو، وأبرع تلاميذ الخليل بن أحمد وسيبويه كان من أعلم الناس بالكلام، وأحذقهم بالجدل لكنه كان معتزليًّا، وله كتب كثيرة في النحو والعروض ومعان القرآن وغيرها، توفي سنة 215هـ، وقيل غير ذلك.
انظر: "أخبار النحويين البصريين" ص 66، و"طبقات النحويين واللغويين" ص 72، و"نزهة الألباء" ص 107، و"إنباه الرواة" 2/ 36، و"سير أعلام النبلاء" 10/ 206.]]، ولا يصح عندنا إلا قوله، دون القول الأول، وقال: إنه نهي بعد أمر، واستغني عن استعمال حرف العطف معه لاتصال الجملة الثانية بالأولى كما استغنى عن ذلك بقولهم [[يعني المختلفين في شأن أصحاب الكهف، وفي "الإغفال": بقوله.]]: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22]، و ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39]، ومحال أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي، [ودخول النون هاهنا يمنع [[في (ح): (لمنع)، وهو خطأ.]] أن تكون ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جوابًا للأمر] [[ما بين المعقوفين معنى كلام أبي علي الفارسي ونصر كلامه: ومما يدل على أن لفظ أمر فلا يجوز أن يكون جزاء دخول النون فيه، والنون لا تدخل في الجزاء.]]، وأطال الكلام في إبطال القول الأول ونصرة قول أبي الحسن [[انظر: "الإغفال" ص 837، وعمدة أبي علي الفارسي في إبطال القول الأول دخول == النون على قوله تعالى: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ وهو منفي، وقد سبق توجيه المؤلف لذلك، وذهب أبو حيان إلى قياس دخول النون على المنفي وذكر له شواهد عدة، انظر: "البحر المحيط" 4/ 482 - 485.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [قال عطاء: يريد لمن عطّل حدوده وانتهكها [[لم أجد من ذكره.]]، وفي قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾] [[ساقط من (س).]] حث على لزوم الاستقامة خوفًا من الفتنة ومن عقاب الله بالمعصية فيها.
8:26Page 180
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦
And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية، قال أبو علي: هذا من الذكر الذي يكون عن النسيان، والمعنى: قابلوا حالكم التي أنتم عليها الآن بتلك الحال المتقدمة ليتبين لكم موضع النعمة فتشكروا عليه [[أي: على موضع النعمة.]] [["الحجة للقراء السبعة" 3/ 428.]]، قال الكلبي [[رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص180 عنه عن ابن عباس.]] والفراء [["معاني القرآن" 1/ 407.]]: نزلت في المهاجرين خاصة.
وقال عكرمة: يعني النبي ومن معه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة [[رواه ابن جرير 9/ 219 - 220، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 310، و"معالم التنزيل" 3/ 347.]]. وقال الكناني: يعني حين كانوا بمكة في عنفوان [[عنفوان الشيء: أوله، انظر: "الصحاح" (عنف) 4/ 1407، و"مجمل اللغة" (عنف) 3/ 632.]] الإِسلام قبل أن يكملوا أربعين [[ذكره الثعلي 6/ 53 أبلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس [[ذكره ابن الجوزي 3/ 343، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 453.]] والكلبي [[ذكره الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص180 عنه عن ابن عباس، وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 394.]]: في أرض مكة.
وقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾، قال ابن عباس: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ إذ أخرجتم منها، والناس هاهنا: العرب [[ذكره ابن الجوزي 3/ 343 بمعناه.]] يريد المشركين، ونحو ذلك قال الكلبي [[انظر: "تفسير عبد الرزاق الصنعاني" 1/ 2/ 258، وابن جرير 9/ 220، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص180 عنه عن ابن عباس.]] وغيره [[كالسدي فيما رواه عنه ابن جرير 9/ 220، وقتادة فيما رواه عنه ابن أبي حاتم 5/ 1682.]]، وقال عكرمة وقتادة: هم كفار قريش [[رواه بمعناه ابن جرير 9/ 219 - 220، ورواه البغوي 13/ 347 عن عكرمة بلفظ: كفار العرب. وانظر: القرطبي 7/ 394.]]، وقال وهب: يعني فارسًا والروم [[رواه ابن جرير 13/ 478، وابن أبي حاتم 3/ 238 أ، والثعلبي 6/ 53 أ، والصنعاني 1/ 2/ 258، ولم يذكر الروم، وذكره السيوطي في "الدر" 4/ 47، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.]].
وقوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾ أي جعل لكم مأوى ترجعون إليه وتسكنون فيه، قال ابن عباس: فضمكم إلى الأنصار [[ذكره القرطبي 7/ 394، وبمعناه ابن الجوزي 3/ 343 ن والفيروزأبادي ص 180 وأبو حيان 5/ 306.]]، وقال السدي والكلبي والكناني: فآواكم إلى المدينة دار الهجرة [[رواه ابن جرير 13/ 479 عن السدي، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" == 3/ 343 إلى ابن عباس والأكثرين، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 180 عن الكلبي عن ابن عباس.]].
﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾، قال ابن عباس: يريد بقوته [[رواه الفيروزأبادي ص 180 بلفظ: أعانكم وقواكم بنصرته يوم بدر.]]، وقال السدي: وأيدكم بالأنصار [[رواه ابن جرير 9/ 220 بمعناه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 322، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.]]، وقال الكلبي والكناني: وأيدكم بنصره يوم بدر بالملائكة [[رواه البغوي 3/ 347 عن الكلبي، وكذلك المؤلف في "الوسيط" 2/ 453، ونسبه ابن الجوزي 3/ 343 إلى الجمهور.]].
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني الغنائم ببدر في قول ابن عباس [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 180، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 485.]] والكلبي [[رواه البغوي 3/ 347.]] والكناني [[لم أجد من ذكره عنه.]]، يريد أحلّها لكم ولم تحل لأحد قبلكم.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، قال عطاء: يريد: كي تطيعوا [[لم أجد من ذكره عنه.]]، قال أهل المعاني: وهذا تذكير بالنعمة في تقويتهم بعد الضعف، وأمنهم بعد الخوف، ونصرهم على أعدائهم، وبسط أرزاقهم [[لم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني، وانظر معناه في: "تفسير ابن جرير" 9/ 219، و"البحر المحيط" 4/ 485.]].
8:27Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧
O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخون والخيانة والمخانة: خون الحق [[أي تنقصه وعدم الوفاء به، قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" (خون) 2/ 231: الخاء والواو والنون أصل واحد، وهو التنقص، يقال: خانه يخونه خونًا: وذلك نقصان الوفاء.]] الذي قد ضمن فيه التأدية، وخان: يتعدى إلى مفعولين، نحو: اعطى، ويجوز أن يقتصر على أحدهما، ويدلك على تعدي (خان) إلى مفعولين قول أوس:
خانتك ميّة ما علمت كما ... خان الإخاء خليلَه لبد [["ديوانه" ص 22. قال ابن منظور: لبد: اسم آخر نسور لقمان بن عاد وتزعم العرب أن لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أُهلكوا خُيّر لقمان بين بقاء سبع بَعْرات سمْر، من أظْبٍ عفر، في جبل وعر، لا يسمها القطر، أو بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلص بعده نسر، فاختار النسور، فكان آخر نسوره يسمى لبدًا، وقد ذكرته الشعراء. "لسان العرب" (لبد) 7/ 3984.]]
قال ابن عباس في رواية عطاء [[ذكرها ابن الجوزي 3/ 344، وأبو حيان 4/ 486، ورواها مختصرة الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 180 من رواية الكلبي.]]، والزهري [[رواه عنه ابن جرير 9/ 221، والثعلبي 6/ 53 ب، ورواه مختصراً مالك في "الموطأ" ص 321، ورواه عن الزهري، عن كعب بن مالك الإمام الصنعاني في "المصنف" 5/ 407.]] والكلبي [[رواه الثعلبي 6/ 53 ب، ورواه مختصرًا الفيروزأبادي ص180 عنه عن ابن عباس.]] وعبد الله [بن أبي قتادة [[رواه ابن جرير 9/ 222، وابن أبي حاتم 5/ 1684، وابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 3/ 254، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 323 - 324، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وسعيد بن منصور وأبي الشيخ.]]] [[في (ح): (بن أبي، وقتادة)، وهو خطأ وما أثبته موافق للمصادر السابقة، وهو عبد الله بن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي المدني تابعي ثقة قليل الحديث، توفي سنة 99 هـ. انظر: "التاريخ الكبير" 1/ 3/ 175، و"الكاشف" 1/ 586، و"تهذيب التهذيب" 2/ 404.]]: نزلت هذه الآية في أبي لبابة [[هو: أبو لبابة بن عبد المنذر الأوسي الأنصاري أحد نقباء الأنصار، شهد بيعة == بيعة العقبة، وكذلك بدرًا وقيل: بل استعمله النبي ﷺ على المدينة حين خرج إلى بدر، وكانت راية بني عمرو معه يوم الفتح، توفي في خلافة علي، ويقال بعد سنة 50 هـ.
انظر: "أسد الغابة" 5/ 284، و"الإصابة" 4/ 168، و"تهذيب التهذيب" 4/ 578.]] حين بعثه رسول الله ﷺ إلى قريظة لما حاصرهم، وكان أهله وولده فيهم قالوا: يا أبا لبابة ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعد فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي: إنه الذبح فلا تفعلوا، فكانت تلك منه خيانة لله ورسوله [[جميع روايات الأثر التي ذكرها المؤلف ضعيفة، فروايتا عطاء والكلبي عن ابن عباس ساقطتان، وروايتا الزهري وابن أبي قتادة مرسلتان، وقد رواه عبد الرزاق في "المصنف" 5/ 406، عن الزهري، عن كعب بن مالك، والزهري لم يدرك كعبًا الذي مات سنة 40 هـ، والزهري ولد سنة 50 هـ. على أقل تقدير.
انظر: "تهذيب التهذيب" 8/ 384، 9/ 387، وقال ابن جرير 13/ 483: جائز أن تكون نزلت في أبي لبابة، وجائز أن تكون نزلت في غيره، ولا خبر عندنا بأي ذلك كان يجب التسليم له بصحته.]].
وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من رسول الله ﷺ فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك [[رواه ابن جرير 13/ 483 مختصرًا.]].
وقال ابن زيد: نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويسرون الكفر [[رواه مختصرًا ابن جرير 13/ 483.]]، ونحو هذا قال محمد بن إسحاق، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ثم تخالفونه [[في "السيرة النبوية": تخالفوه اهـ. وهو الصواب لأنه معطوف على الفعل المجزوم.]] في السر إلى غيره [["السيرة النبوية" 2/ 669.]].
وقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته [[رواه ابن جرير 9/ 223، وابن أبي حاتم 5/ 1683 - 1684، والثعلبي 6/ 54 أ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾، قال الفراء: إن شئت جعلت (وتخونوا) جزمًا على النهي، وإن شئت جعلته صرفًا [[الصرف: أن يصرف المتكلم الفعل الثاني عن معنى الفعل الأول المتقدم عليه، وانظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 275، وقال الفراء في "معاني القرآن" 1/ 33: فإن قلت: وما الصرف؟ قلت: أن تأتي بالواو معطوفة على كلام في أوله حادثة لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصرف.]] ونصبته كقول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله [[هذا صدر بيت، وعجزه:
عار عليك إذا فعلت عظيم
وقد اختلف في قائله، فقيل: هو الأخطل، وهذا رأي سيبويه في "الكتاب" 3/ 42، وقيل: المتوكل الليثي، وقيل: الطرماح بن حكيم، وقيل: سابق البربري، انظر: "الخزانة" 8/ 564، و"معجم شواهد العربية" 2/ 887.
قال في خزانة الأدب، الموضع السابق: والصحيح أنه لأبي الأسود الدؤلي اهـ. وهو في "ديوانه" ص 404، ونسب إليه في "شرح التصريح" 2/ 238، و"شرح شذور الذهب" ص 310، و"همع الهوامع" 2/ 13.]] [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 408 بتصرف.]]
والجزم مذهب الأخفش [[هو: أبو الحسن سعيد بن مسعدة. تقدمت ترجمته.]] [[ذكر مذهبه هذا الثعلبي 6/ 54 أ، ولم يتعرض الأخفش لتفسير الآية في كتابه "معاني القرآن"، ولكنه ذكر رأيه في مثلها وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] ، هو في هذه المواضع يذهب إلى جواز == النصب والجزم، حيث قال: إن شئت جعلت (وتكتموا الحق) نصبًا، إذا نويت أن تجعل الأول اسمًا فتضمر مع (تكتموا)، (أن) حتى تكون اسمًا، وإن شئت عطفتها فجعلتها جزمًا على الفعل الذي قبلها. "معاني القرآن" للأخفش 1/ 71، وانظر تفاصيل الخلاف في المسألة في: "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 448.]]، ويدل على صحته ما روي في حرف عبد الله، (ولا تخونوا أماناتكم) [["معاني القرآن" للفراء 1/ 408، و"تفسير الرازي" 15/ 52، ولم يشر إليها أصحاب القراءات الشاذة.]]، وقد ذكرنا الوجهين بالشرح في قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42].
وذهبت طائفة إلى أن قوله: ﴿وَتَخُونُوا﴾ جواب للنهي بالواو [[ساقط من (م).]]، والعرب تجاوب بالواو كما تجاوب بالفاء [[ذكر هذا القول الثعلبي 6/ 54 أ، ومكي في "مشكل إعراب القرآن" ص 314، والرازي 15/ 152، وأبو حيان 4/ 486.]]، ومنهم من يجعل الواو بدلاً من الفاء، وكلا الوجهين قد شرحنا في قوله: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: 27]، في قراءة من قرأ بالنصب [[وهي قراءة حفص وحمزة ويعقوب، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 143، و"إرشاد المبتدئ" ص 307، و"تحبير التيسير" ص 108.]].
والأمانة هاهنا: مصدر سمي به المفعول [[ساقط من (ح).]] ولذلك جمع، قال ابن عباس في رواية الوالبي: الأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفرائض، يقول: لا تنقصوها [[في (ح): (لا تنقضوها)، وكذلك في "تفسير الثعلبي" وابن كثير، وما أثبته موافق لمصادر تخريجه عدا الثعلبي وابن كثير.]] [[رواه ابن جرير 9/ 223، وابن أبي حاتم 5/ 1684، والثعلبي 6/ 54 أ، وانظر: == "زاد المسير" 3/ 345، و"الوسيط" 2/ 453، وابن كثير 2/ 333، وصحيفة علي ابن أبي طلحة ص 251.]].
وقال الكلبي: أما خيانة الله ورسوله: فمعصية الله ورسوله، وأما خيانة الأمانة: فكل أحد مؤتمن على ما افترض الله عليه إن شاء خانها، وإن شاء أداها لا يطلع عليه أحد إلا الله [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" للشيخ هود بن محكم 2/ 29.]].
وقال قتادة في قوله: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ إن دين الله أمانة [[في (ح)، و (س): هي أمانة، وأثبت ما في (م) لموافقته لما في المصدرين التاليين.]]، فأدوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده [[رواه الثعلبي 6/ 54 ب، والبغوي 3/ 348.]].
وهذه الأقوال توجه على قول من قال: موضع [[في (س): (في قول من قال في موضع)، وهو خطأ.]] ﴿وَتَخُونُوا﴾ جزم وعلى هذا الوجه قول ابن زيد: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ قال: يعني دينكم، وقد فعل ذلك المنافقون [[رواه ابن جرير 13/ 485، وابن أبي حاتم 3/ 238 ب، والثعلبي 6/ 54 أ.]].
وقال السدي: إذا خانوا الله ورسوله فقد خانوا أماناتهم [[رواه ابن جرير 13/ 484، والثعلبي 6/ 54 أ، والبغوي 3/ 348.]]، وهذا يتوجه على قول من يقول بالصرف، أو يجعل الواو جوابًا للنهي، بمعنى: لا تخونوا الله والرسول فتخونوا أماناتكم، أي إنكم إذا خنتم الرسول فقد خنتم أماناتكم.
واختار أبو علي الجزم وقال: يمكن أن يكون هذا من باب حذف المضاف، فيكون المعنى: ولا تخونوا ذوي أماناتكم، قال: وهذا أشبه بما قبله، وذوو الأمانة: نحو المودع والمعير والموكل والشريك ومن يدك في ماله يد أمانة لا يد ضمان [[اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 1/ 218.]]، ثم حذفت المضاف [[يعني لفظ (ذوي) في قوله: والمعنى: ولا تخونوا ذوي أماناتكم، وقد ساق المؤلف العبارة على وجه الخطاب للتمثيل، ولا يخفى أنه لا يعني الجملة القرآنية، إذ لا يصح أن يخاطب بشر بأنه حذف شيئًا من القرآن.]]، وقد ذكرت إحدى مفعولي الخيانة، ولم تذكر الثاني وهو المنهي عن الخيانة فيه [[ساقط من (س).]]، وإذا لم [[ساقط من (س).]] تقدر حذف المضاف فقد ذكرت المنهي عن الخيانة فيه ولم تذكر صاحب الأمانة، كقولك: أعطيت درهمًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تعلمون أنها أمانة من غير شبهة، وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ما في الخيانة، خلاف الجهال بتلك المنزلة [[ذكر هذا القول الماوردي في "النكت" 2/ 311 ولم يعين القائل.]]، وقال صاحب النظم: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] أن ما فعلتم من الإشارة إلى الحلق خيانة لله ورسوله [[ذكر هذا القول المؤلف في "الوسيط" 2/ 454، كما ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 348 لكن من غير نسبة.]].
8:28Page 180
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨
And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي محنة [[انظر: "الصحاح" (فتن) 6/ 2175.]]، يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى أو تجنبه فيستحق الثواب أو العقاب.
قال المفسرون: وكان لأبي لبابة مال وأهل وولد في قريظة، ولذلك مال إليهم في إطلاعهم على أن حكم سعد فيهم القتل [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 53 أ، والبغوي 3/ 347، وابن الجوزي 3/ 345، و"أسباب النزول" ص 238 - 239 للمؤلف، و"الجامع لأحكام القرآن" 7/ 396.]].
وقال ابن زيد: فتنة: اختبار اختبرتم بها، وقرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35] [[رواه ابن جرير 9/ 224، وابن أبي حاتم 5/ 1685، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 324.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد لمن نصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وأدى أمانته، ولم يخن نفسه ولا ربه ولا نبيه ولا أحدًا من المؤمنين [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 454، وذكره مختصرًا من غير نسبة البغوي في "تفسيره" 3/ 348.]].
وهذه الآية بيان عن حال الأموال والأولاد في الافتتان بهما حتى يركب الإنسان كل [[ساقط من (م).]] عظيم لغلبة الهوى فيهما، فيحرم عظيم الأجر لما لا يبقى [[في (ح): (لم يبق)، والصواب ما أثبته، والمعنى: يُحرم الإنسان عظيم الأجر لأجل ما لا يدوم عليه من المتاع العاجل بل سيرحل عنه.]] عليه من عاجل النفع.
قال عبد الله بن أبي قتادة [[تابعي من أبناء الأنصار. تقدمت ترجمته.]]: ذكر الله تعالى أن مناصحة أبي لبابة وخيانته إنما كانت لأن أهله كان فيهم [[لم أجد من ذكره بهذا اللفظ، وقد رواه ابن جرير 9/ 222 بلفظ: نزلت في أبي لبابة ، وزاد ابن أبي حاتم 5/ 1684: حين أشار إلى بني قريظة أنه الذبح.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences