Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:34–37
8:34Page 181
وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤
But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، معنى (ما) هاهنا: إيجاب [[في (ح): (لإيجاب).]] العذاب عليهم، ومخرجها مخرج الاستفهام، وهو أبلغ في معنى الإيجاب، أي: لا جواب لمن سأل عن مثل هذا يصح في نفي العذاب عنهم، والمعنى: لم لا يعذبهم الله وهذا فعلهم [[قال أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 490: الظاهر أن (ما) استفهامية، أي: أي شيء لهم في انتفاء العذاب، وهو استفهام معناه التقرير، أي: كيف لا يعذبهم وهم يتصفون بهذه الحالة، وقيل (ما) للنفي، فيكون إخبارًا، أي: وليس لهم أن لا يعذبهم الله، أي ليس ينتفي العذاب عنهم مع تلبسهم بهذه الحال.]]؟ وموضع (أن) في قوله: (ألا) نصب على معنى: أي شيء في ألاّ يعذبهم الله، إلا أنه لما حذف الجار عمل معنى الفعل.
قال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يريد المقيمين على الشرك حتى ماتوا أو قتلوا ببدر [[رواه بنحوه ابن أبي حاتم 5/ 1693، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 339.]]، وكذلك قال عطية [[رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 328.]]، والضحاك [[رواه ابن جرير 9/ 234 - 235، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 383.]]، والكلبي [[لم أقف عليه.]]، وغيرهم [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 234 - 235]] قالوا: قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: المشركين خاصة بعد خروج من عنى بقوله: (وهم يستغفرون) من بينهم.
واختلفوا في هذا العذاب، فقيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر [[رواه ابن جرير 9/ 237، وابن أبي حاتم 5/ 1693، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 381، عن ابن عباس.]]، وقال ابن أبزى [[هو: سعيد بن عبد الرحمن. تقدمت ترجمته.]]: هذا العذاب لحقهم يوم فتح مكة [[رواه ابن جرير 9/ 234 ، وابن أبى حاتم 5/ 1693.]]، وقال ابن عباس: هذا عذاب الآخرة، والذي في الآية الأولى: عذاب الدنيا [[رواه ابن جرير 9/ 235.]]
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [قال أبو إسحاق: مفعول الصد محذوف، المعنى: وهم يصدون عن المسجد الحرام أولياءه [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 412، ولم يذكر أبو إسحاق الزجاج أن المفعول محذوف، بل ذكر المعنى مباشرة، فلعل الواحدي عبر عما فهمه من عبارة الزجاج، أو أن هناك سقطًا في بعض النسخ، ويرجح الأول أن ابن الجوزي نقل قول الزجاج في "زاد المسير" 3/ 352، ولم يذكر ما ذكره الواحدي.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (س).]]، وقال الكلبي: صدوا النبي ﷺ وأصحابه أن يطوفوا، قال ابن إسحاق: أي: إياك ومن آمن بك [["السيرة النبوية" 2/ 366، ونص قول ابن إسحاق: أي من آمن بالله وعبده، أي أنت ومن اتبعك.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ قال الحسن: إن المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام؛ فرد الله عليهم [[رواه البغوي 3/ 354، وانظر: "زاد المسير" 3/ 352، و"الوسيط" 2/ 458.]]، وقال الكلبي: وما كانت قريش أولياء المسجد الحرام، إن أولياء المسجد إلا [[ساقط من (م).]] المتقون الكفر والشرك والفواحش [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 181، عن الكلبي، عن ابن عباس، وهو في "تفسير السمرقندي" 2/ 16 مختصرًا.]]، وأوجز أبو علي القول في معنى الآيتين فقال في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: أي: عذاب الاستئصال؛ لأن أمم الأنبياء إذا أُهلكوا [[في (م) و (س): (هلكوا). وما أثبته موافق لما في "الحجة".]] لم يكن أنبياؤهم فيهم، وعلى هذا قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: 21]، وقال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود: 81]، الآية، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: ومؤمنوهم يستغفرون ويصلون، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بالسيف في [[ساقط من (ح).]] صدهم عن المسجد الحرام المسلمين من غير أن يكون لهم عليه [[في (س): (عليهم)، وكذلك هو في "الحجة"، وأثبت ما في (ح) و (م) لأنه أصح في المعنى ولأن به يستقيم معنى قول الواحدي: وهذا معنى قوله (وما كانوا أولياءه).]] ولاية [[اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 348.]] ، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ وهذا العذاب غير الأول، وإنما هو عذاب بالسيف، وليس بانتقام عام شامل كالأول.
وقال عطاء عن ابن عباس: وما كانوا للنبي بأولياء [[سبق بيان وهاء هذه الرواية، وهذا القول لا يدل عليه السياق إذ ليس للنبي ﷺ ذكر في هذه الآيات بضمير الغائب، وللمفسرين في عود هاء الكناية في هذه الكلمة قولان:
1 - أنها ترجع إلى المسجد، وهو الراجح لأنه أقرب مذكور، وقد نسب ابن الجوزي 3/ 352 هذا القول إلى الجمهور، واختاره الثعلبي 6/ 58/ ب، والبغوي 3/ 354، والزمخشري 2/ 156، وابن كثير 2/ 339. والمعنى: وما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وأهله، وإنما أولياؤه المتقون وهم النبي ﷺ ومن آمن به.
2 - أنها ترجع إلى الله تعالى، وهذا اختيار ابن جرير 9/ 239. والمعنى: وما كان المشركون أولياء الله.]]، ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يريد: غيب علمي، وما سبق في قضائي وقدرتي [[لم أجد أحدًا ذهب إلى هذا المعنى، ولا دلالة في الآية عليه، والذي عليه المفسرون أن المعنى: ولكن أكثرهم لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، أو لا يعلمون أن أولياء المسجد هم المتقون، انظر: " تفسير ابن جرير" 9/ 239، وابن الجوزي 3/ 352، وأبي السعود 4/ 20، وذهب السمرقندي 2/ 16 إلى أن المعنى: لا يعلمون توحيد الله.]].
وقول من قال: إن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها، ليس بشيء، وهذا يروى عن الحسن وعكرمة [[أخرجه عنهما ابن جرير 9/ 238، ورواه عن الحسن جمع من المفسرين منهم النحاس في: "الناسخ والمنسوخ" 2/ 381، والثعلبي 6/ 58 ب، والبغوي 3/ 354.]]، وقال أهل العلم وأصحاب المعاني: هذا غلط؛ لأن الخبر لا ينسخ [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 238، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 381، و"المحرر الوجيز" 6/ 286.]].
وذكر أبو إسحاق الزجاج معنى آخر لهذه الآية هو أليق بما قبلها وهو أنه قال في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: المعنى: وأي شيء لهم في ترك العذاب، أي في دفعه عنهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412.]].
ومعنى هذا الكلام: وأي شيء لهم في ترك عذابهم، أي: إنا وإن تركنا عذابهم يكفيهم من الخسارة في حالتهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وأنهم حرموا موالاة محمد ﷺ ولو أراد الله بهم خيرًا ما فعلوا ذلك [[هذا فهم الواحدي لعبارة الزجاج، والذي أراه أن الزجاج لم يقصد هذا المعنى، وإنما مراده: وأي شيء يدفع عنهم العذاب وهم يصدون عن المسجد الحرام. ويدل على هذا المعنى كلامه اللاحق، فقد قال بعد تفسير الآية: فأعلم الله النبي ﷺ أنه لم يكن ليعذبهم بالعذاب الذي وقع بهم من القتل والسبي وهو بين أظهرهم، ولا ليوقع ذل العذاب بمن يؤول أمره إلى الإسلام منهم، وأعلمه أنه يدفع العذاب من جملتهم الذي أوقعه بهم. "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 412، فالجملة الأخيرة تفسير لقوله السابق الذي ذكره الواحدي.]].
وشرح صاحب النظم المذهبين في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ شرحًا شافيًا فقال: قوله [[ساقط من (س).]]: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أصحاب العربية اختلفوا في معنى هذه الكلمة وفي قولهم: ما لزيد قائمًا؟ فزعم بعضهم أن قولك: مالك وما لزيد؟ استفهام عن حال أنكرتها، فإذا قلت: ما لزيد قائمًا؟ فكأنك قلت: ما له في القيام؟ أي: أي شيء [له فيه من نفع أو غيره؟ وهذا وجه قول الزجاج [[يعني قول الزجاج في تفسير الآية: المعنى: أي شيء لهم في ترك العذاب، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412.]]، قال: وقال بعضهم: إن قولك: (مالك)، مثل قولك: (لم)، وأصل (لم): (لما)، أي: لأي شيء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح)]] كان هذا؟ إلا أنهم إذا جعلوا (ما) مع حرف الصفة في موضع الاستفهام حذفوا ألف (ما) مثل قوله عز وجل: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: 1]، و ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: 43]، و ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2].
ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام، واللام [[ساقط من (س).]] لا تقوم بنفسها إلا مضافة إلى شيء، فلما تأخرت هاهنا أضافوها إلى [[ساقط من (ح).]] الاسم المستفهم عنه، فقالوا: مالك قائمًا؟ بمعنى: لم قمت؟ أو لم أنت قائم؟ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا﴾ [ص: 62] بمعنى: لم لا نرى رجالًا؟ فإذا أضفت اللام إلى المستفهم عنه لم يحتج إلى فعل لدلالة النعت بانتصابه على الفعل مثل قولك: مالك قائمًا؟ وإذا أضفت اللام إلى نفسك وأنت مستفهم فلابد من إظهار فعل يدل على الاستفهام مثل قولك: مالي أراك قائمًا؟، كما قال تعالى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: 20]، ولا يجوز: مالي قائمًا؟ وأنت تريد أن تستفهم عن غيرك، فإن أنت [[ساقط من (م) و (س).]] عنيت نفسك جاز، مثل قولك: مالي ضعيف؟ أي: لِمَ أنا ضعيف؟ فقوله عز وجل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 34] يكون معناه على ما رتبنا: لم لا يعذبهم الله؟ إلا أن اللام منقولة عن موضعها إلى غيره [[سبق قول أبي علي الجرجاني: ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام واللام لا تقوم بنفسها إلا مضافة إلى شيء اهـ، وهو يعني هنا: أن اللام في قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ﴾ نقلت عن موضعها وأخرت عن (ما) إذا الأصل: لِمَ، ثم أضيفت اللام إلى الاسم المستفهم عنه فصارت الكلمة: مالهم، ثم زيدت (أنَ)، فإذا أعدنا الكلمة إلى أصلها، وحذفنا الزيادة، صارت الجملة: لم لا يعذبهم.]]، و (أن) في قوله: ﴿أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ زيادة مقحمة [[ذهب الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 349 أيضًا إلى القول بزيادة (أن) وقد رد عليه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 675 بقوله: لو كان كما قال لرفع (يعذبهم) و (أن) في موضع نصب، والمعنى: وما يمنعهم من أن يعذبوا، فدخلت (أن) لهذا المعنى اهـ. والجدير بالتنبيه أن قول بعض النحاة عن شيء في كتاب الله: زيادة مقحمة، مما ينافي الأدب مع القرآن إذ العبارة توحي بأن هذا اللفظ مما لا فائدة له، والحق أنه ما من لفظ في كتاب الله إلا جيء به لمعنى، كالتوكيد أو الإشارة إلى معنى خفى.]]، ألا ترى أنه قال في موضع آخر: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: 20] بلا (أن)، وقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: 104]، فزاد (أن)، ومنه قول الشاعر [[لم يتبين لي من هو، والرجز بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (غرب) 3/ 3643. و"لسان العرب" (غرب) 6/ 3228.]]:
مالك لا تذكر أم عمرو ... إلا لعينيك غروب تجري
ولو قال: مالك أن لا تذكر كان (أن) زيادة.
8:35Page 181
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥
And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، الحراني [[هو: عبد الله بن الحسن بن أحمد أبو شعيب الحراني، لغوي محدث مؤدب صدوق، لازم ابن السكيت مدة إحدى وعشرين سنة، وتوفي في بغداد سنة 295 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 435، و"إنباه الرواة" 2/ 115، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 536، و"البداية والنهاية" 11/ 107.]] عن ابن السكيت [[هو: شيخ العربية يعقوب بن إسحاق بن يوسف البغدادي النحوي المشهور بابن السكيت، أخذ عن أبي عمرو الشيباني والأصمعي وأبي عبيدة والفراء وغيرهم، وكان حجة في العربية مع التدين والفضل، له نحو عشرين مصنفًا نافعًا، أشهرها "إصلاح المنطق"، توفي سنة 244 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 14/ 273، و"إنباه الرواة" 4/ 56، و"نزهة الألباء" 2/ 138، و"بغية الوعاة" 2/ 549.]] قال: المكاء: الصفير، يقال: مكا يمكو مكْوًا ومُكوًّا [[في "المشوف المعلم": مكاءً. وانظر: "لسان العرب" (مكا) 7/ 425.]]: إذا جمع يديه ثم صفر فيهم [["المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" (م ك و) 2/ 730 مختصرًا، وهو كذلك في "تهذيب اللغة" (مكا) 4/ 3432.]]. قال: والأصوات مضمومة إلا حرفين: النداء والغناء [["تهذيب اللغة"، الموضع السابق.]].
هذا معنى المكاء في اللغة، ثم [يقال: مكت است الدابة تمكو مكاءً: إذا نفخت بالريح، ذكره أبو عبيد عن أبي زيد [[المصدر السابق 4/ 3432 بنحوه]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] ويقال للطعنة إذا فهقت [[في "لسان العرب" (فهق) 6/ 3480: الفهق: اتساع كل شيء ينبع منه ماء أو دم، وطعنة فاهقة: تفهق بالدم.]]: مكت تمكو، قال عنترة: تمكو فريصته كشدق الأعلم [[عجز بيت من معلقة عنترة وصدره:
وحليل غانية تركت مجدلًا
وهو في "ديوانه" ص 207، و"تفسير الطبري" 9/ 240، و"شرح القصائد السبع الطوال" ص 340.]]
أراد: تصفر فريصته بالدم، قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان [[هو: المنتجع بن نبهان الأعرابي، وهو من بني نبهان من طيِّئ، لغوي أخذ عنه علماء زمانه، وأكثر عنه الأصمعي.
انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 157، و"إنباه الرواة" 3/ 323.]]: ما تمكو فريصته؟ فشبك أصابعه وجعلها على فمه ونفخ فيها [[انظر: "شرح القصائد السبع الطوال" ص 341.]]، وأراد بالأعلم: البعير.
فأما المكاء: فهو (فعال) من مكا إذا صفر، وهو طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي [[في (ح): المكائي، وهو خطأ. ففي "الصحاح" (مكا) 6/ 2495: المكاء: بالمد والتشديد: طائر، والجمع: المكاكي، والمكَاء: مخفف، الصفير.
وفي"لسان العرب" (مكا) 7/ 425: المكَّاء: بالضم والتشديد: طائر في ضرب القنبرة إلا أن في جناحيه بلقًا، سمي بذلك لأنه يجمع يديه ثم يصفر فيها صفيرًا حسنا.]]. وأما التصدية: فهو التصفيق، يقال: صدّى يصدي تصدية: إذا صفق بيديه، وأصله من الصدى وهو الصوت الذي يرد عليك الجبل، وأنشد ابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" ص 190.]]:
ضنت بخدّ وجلت عن خدّ ... وأنا من غرو الهوى أصدّي [[الرجز لبشار بن برد كما في "ديوانه" 2/ 222، وهو بلا نسبة في "غريب القرآن" == لابن قتيبة ص 190، و"زاد المسير" 3/ 353، وقد ترك ابن قتيبة بيتًا بين هذين البيتين ونصه كما في الديوان:
ثم انثنت كالنفس المرتد
وقد تحرف في الديوان قوله: غرو، إلى عرق، واحتار المحققان في توجيهه. والغرو: العجب، وغروت: عجبت، ويقال: لا غرو: أي ليس بعجب، انظر: "الصحاح" (غرا) 6/ 2446.]]
أي: أصفق بيدي من عجيب الهوى.
وقال أبو عبيدة: أصلها: تصددة، فأبدلت الياء من الدال، قال ومنه قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] أي: يعجون [[انظر: قول أبي عبيدة في "سر صناعة الإعراب" 2/ 762، ولم يذكره في "مجاز القرآن" 1/ 246.]]، وأنكر أبو جعفر الرستمي [[هو: أحمد بن محمد بن يزديار بن رستم أبو جعفر النحوي الطبري، البغدادي، كان متصدرًا لإقراء النحو، ومؤدبًا لأولاد الوزير ابن الفرات، وصنّف عدة كتب وكان حيًّا عام 304 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 5/ 115، و"إنباه الرواة" 1/ 163، و"بغية الوعاة" 1/ 387.]] هذا القول على أبي عبيدة، وقال: إنما هو من الصدى وهو الصوت، فكيف يكون مضعفًا [["سر صناعة الإعراب" 2/ 762.]].
وقال أبو علي: ليس ينبغي أن يقال هذا خطأ؛ لأنه قد ثبت بقوله ﴿يَصُدُّونَ﴾ وقوع هذه الكلمة على الصوت أو ضرب منه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يكون (تصدية) منه، فيكون [[في المصدر السابق: فتكون.]] (تفعلة) من ذلك، وأصله [[في المصدر السابق: أصلها.]]: تَصْددَه، مثل: (التحلة) [[التحلية: ما كفر به اليمين. انظر: "لسان العرب" (حلل) 2/ 975.]]، (والتعلّة) [[التعلة: ما يتعلل به، ومنه تعلة الصبي أي ما يعلل به ليسكت، المصدر السابق (علل) 5/ 3079.]]. ألا ترى أن أصلهما: تحلله وتعلله، فلما قلبت الدال الثانية من (تصدده) تخفيفًا اختلف اللفظان [[في "سر صناعة الإعراب": الحرفان.]]؛ فبطل الإدغام [["سر صناعة الإعراب" 2/ 762.]].
قال [[يعني أبا علي الفارسي.]]: ويمكن أن تكون (التصدية) مصدرًا من (صدّ) إذا منع، من قوله [[صدر بيت لعمرو بن كلثوم، وعجزه:
وكان الكأس مجراها اليمينا
انظر: "ديوانه" ص 65، و"كتاب سيبويه" 1/ 222.]]:
صددت الكأس عنا أم عمرو
بني الفعل منه على (فعّل) للتكثير على حد: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ [[يوسف: 23.]]، والمصدر من (فعّل) على (تفعيل) و (تفْعلة) إلا أن (تفعلة) في هذا كالمرفوض في [[في "الحجة": من.]] مصدر التضعيف كأنهم عدلوا عنه إلى (التفعيل) نحو: التحقيق، والتشديد، والتخفيف، لما يكون فيه من الفصل بين المثلين في الحرف الذي بينهما، كما لم يجعلوا شديدة في النسب، كحنيفة وفريضة، وكما لم يجعلوا شديدًا وشحيحًا كفقيه وعليم في الجمع لما كان يلتقي من [[في "الحجة": في.]] التضعيف، فعدلوا عنه إلى (أفعِلاء) و (أفعِلة) نحو: أشداء وأشحة؛ لما لم يظهر المثلان في ذلك، فلما خرج المصدر على ما هو مرفوع [[هكذا في جميع النسخ، والصواب: مرفوض، بدلالة قوله السابق إلا أن (تفعلة) في هذا كالمرفوض وكما في"الحجة".]] في هذا النحو أبدل من المثل الثاني الياء، وكأن التصفيق منع من المصفق للمصفق به [وزجر له] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]]، وفي الحديث: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" [[رواه البخاري (1203، 1204) "صحيحه" أبواب العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء، ومسلم (422) "صحيحه" كتاب الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة.]]، هذا كله كلام أبي علي [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 147 - 148.]].
واختار الأزهري مذهب أبي عبيدة فقال: صدى: أصله صدد [[في "تهذيب اللغة": صد ويصدّد.]]، فكثرت الدالات فقلبت إحداهن ياء، كما قالوا: قصّيت أظفاري، قال ذلك أبو عبيد [[انظر: "لسان العرب" (صدد) 4/ 2411.]]، وابن السكيت [[انظر: "تهذيب إصلاح المنطق" ص 503.]]، وغيرهما [[قال ابن سيده: التصدية: التصفيق والصوت، على تحويل التضعيف، ونظيره: قصيت أظفاري في حروف كثيرة، قال: وقد عمل فيه سيبويه بابًا، وقد ذكر منه يعقوب وأبو عبيد أحرفًا. "لسان العرب" (صدد) 4/ 2410.]]، قال: ومثل هذا قوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: 6] أصله: تصدد، من الصدد وهو ما استقبلك وصار قبالتك [["تهذيب اللغة" (صد) 2/ 1985. وقد تصرف الواحدي بعبارة الأزهري.]]. فقد صح إذن مذهب أبي عبيدة في هذا الحرف بموافقة الإمامين أبي عبيد وابن السكيت.
وأما التفسير فقال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك وقتادة: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق [[رواه عن المذكورين جميعًا ابن جرير 9/ 240 - 243، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 6796.]].
قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون [[رواه ابن جرير 9/ 241، والثعلبي 6/ 59 أ، والبغوي 3/ 355.]].
وقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي ﷺ في الطواف ويستهزءون به ويصفرون يخلطون عليه طوافه وصلاته [[رواه الثعلبي 6/ 59 أ، والبغوي 3/ 355، ورواه بمعناه ابن جرير 9/ 242، وابن أبي حاتم 5/ 1697.]].
وقال مقاتل: كان إذا صلى رسول الله ﷺ في المسجد يقومون علي يمينه ويساره بالصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته [["تفسير مقاتل" ل 121 أ، وقد نقل الواحدي معنى قوله.]]، وقال حسان يذكر ذلك ويذمهم به [[ساقط من (ح).]]:
إذا قام الملائكة ابتعثتم ... صلاتكم التصدي والمكاء [[البيت لحسان كما في "لسان العرب" (مكا) 7/ 4251 وليس في "ديوانه".]]
فعلى ما ذكره مجاهد ومقاتل كان التصدية والمكاء إيذاء للنبي ﷺ، وعلى قول ابن عباس كان ذلك نوع عبادة لهم، واختار أبو إسحاق هذا [فقال: أعلم الله أنهم كانوا مع صدهم أولياء المسجد الحرام كان تقربهم إلى الله بالصفير والتصفيق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412 مع تصرف يسير.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (س).]]، وهذا القول أشبه بظاهر اللفظ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾ وكأنهم جعلوا ذلك صلاة لهم.
قال ابن عرفة [[هو: إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة == الأزدي، المعروف بنفطويه، الإمام الحافظ النحوي، كان عالمًا بالحديث والعربية، مبرزًا في الفقه الظاهري، توفي سنة 323 هـ.
انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 154، و"إنباه الرواة" 1/ 211، و"نزهة الألباء" ص 194، و"سير أعلام النبلاء" 15/ 75.]] وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة، ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] فألزمهم ذلك أعظم الأوزار، وهذا كقولك: زرت عبد الله فجعل جفائي صلتي، أي: أقام الجفاء مقام الصلة فاستحق بذلك عيبي ولائمتي، وأنشد أبو بكر:
قلت [[في (ح): (قلت له)، وفي (م): (فقلت).]] أطعمني عُميم تمرًا ... فكان تمرك كهرة [[في (ح): (نهرة).]] وزبرًا [[لم أهتد لقائله.]]
أي: أقام الصياح عليّ مقام إطعامي التمر [[انظر: قول ابن الأنباري مختصرًا في "تفسير البغوي" 3/ 355.]]، قال [[يعني ابن الأنباري، انظر: قوله هذا في"زاد المسير" 3/ 354.]]: وفيه وجه آخر وهو أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له، كما تقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء، يريد من السخاء عيبه فلا عيب له، وأنشد:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا [[البيت للنابغة الجعدي في رثاء أخيه، انظر: "ديوانه" ص 173، و"كتاب سيبويه" 1/ 367، و"الخزنة" 3/ 334.]] وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، قال ابن عباس والحسن والضحاك وابن جريج وابن إسحاق: يريد عذاب السيف يوم بدر [[ذكره عنهم سوى ابن عباس -رضي الله عنه- الماوردي 2/ 316، وانظر قول ابن عباس في: "تنوير المقباس" ص 181، وانظر قول الضحاك وابن جريج في: "تفسير الطبري" 9/ 244، وقول ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 2/ 317.]]، وقال بعضهم: يقال لهم في الآخرة: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [[انظر: "النكت والعيون" للماوردي 2/ 316، و"البحر المحيط" 4/ 491.]].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بما كنتم تجحدون أن الله معذبكم، ومُوقِع بكم ما أوقع يوم بدر، قاله ابن إسحاق [[نص عبارة ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 2/ 317: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون: أي لما أوقع بهم يوم بدر من القتل.]]، وقال مقاتل: فذوقوا العذاب ببدر بما كنتم تجحدون توحيد الله [["تفسير مقاتل" ل 121 أمع اختلاف يسير.]].
8:36Page 181
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦
Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية، قال سعيد بن جبير [[رواه ابن جرير 9/ 244 ، وابن أبي حاتم 5/ 1697، وابن سعد وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن عساكر كما في "الدر المنثور" 3/ 334.]]، وابن أبزى [[رواه ابن جرير، الموضع السابق، والثعلبي 6/ 59 ب.]]، ومجاهد [[رواه ابن جرير 9/ 245، وعبد بن حميد وأبو الشيخ كما في" الدر المنثور" 4/ 334.]]، والحكم [[رواه ابن جرير، الموضع السابق، وابن أبي حاتم 5/ 1697، والثعلبي 6/ 59 ب، والبغوي 3/ 356.]] بن عتيبة [[في (ح) و (س): (عيينة)، وكذلك في "النكت والعيون" 2/ 317، و"تفسير البغوي" 3/ 356، وفي" تفسير الثعلبي" 6/ 59 ب: عتبة، والصواب: عتيبة كما في "تفسير ابن جرير" 9/ 245، و"الدر المنثور" 4/ 334: وهو: الحكم بن عتيبة -مصغر عتبة- أبو محمد الكندي الكوفي تابعي ثقة ثبت فقيه كان صاحب سنة وإتباع، وعبادة وفضل، وهو من كبار أصحاب إبراهيم النخعي، توفي سنة 115 هـ أو قبلها. انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 331، و "تذكرة الحفاظ" 1/ 117، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 208، و"تهذيب التهذيب" 1/ 467.]]: نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد ﷺ يوم أحد، وكان قد استأجر ألفين من أحابيش كنانة [[هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وعقيل والديش والحيا والمصطلق. انظر: "المحبر" ص 267.]]. وقال مقاتل [["تفسيره" ل 121 أ، وانظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 60 أ، والبغوي 3/ 356.]] والكلبي [[" تفسير الثعلبي"، والبغوي، الموضعين السابقين.]]: نزلت في المطمعين يوم بدر، وكانوا اثنى عشر رجلاً من كبار قريش [[القول بنزول الآية في المطعمين يوم بدر أولى من القول بنزولها في المنفقين يوم أحد؛ لأن سورة الأنفال تتحدث على وجه العموم عن غزوة بدر، ولقول ابن عباس فيما رواه البخاري في "صحيحه" (4645) لما سئل عن سورة الأنفال، قال: نزلت في بدر اهـ. وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالكفار في كل زمان ينفقون أموالهم ليصدوا عن دين الله، وليطفؤا نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وينصر أولياءه، ويخذل أعداءه.]].
وقوله تعالى: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [إن قيل: لم يعلموا أنها سبيل الله فكيف قيل: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (س)]] قيل: إنهم قصدوا إلى الصد عنها وهي [[في (س): (وعن).]] سبيل الله [[يعني أن غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يعلموا أنه == كذلك، ويمكن أن يقال بأن زعمائهم كانوا يعلمون ذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14].]].
وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ أخبر أنهم ينفقون أموالهم، ثم قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ بمعنى: فسيقع الإنفاق الذي يكون حسرة بذهاب الأموال وفوت المراد، ونصر الله عز وجل المسلمين حتى يغلبوهم.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خص الكفار ولم يقل: وإلى جهنم يحشرون؛ لأنه كان فيهم من أسلم [[يعني سيسلم، وعبارة الثعلبي 6/ 60 أ: خص الكفار لأجل من أسلم منهم.]].
8:37Page 181
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧
[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.
قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية فيها طريقان للمفسرين:
أحدهما: أن المراد بالخبيث والطيب [[ساقط من (س).]] في هذه الآية: الكافر والمؤمن، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي [[سيذكر المؤلف روايته ورواية مرة.]] ومرة الهمداني [[هو: مرة بن شراحيل الهمداني أبو إسماعيل الكوفي، المفسر أدرك النبي ﷺ ولم يره، كان عالمًا كبير الشآن بصيرًا بالتفسير، توفي سنة 76 هـ أو قريبًا من ذلك.
انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 116، و"حلية الأولياء" 4/ 161، و "تذكرة الحفاظ" للذهبي 1/ 67، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 74، و"طبقات المفسرين" للداودي 2/ 317.]]، وعلى هذا (اللام) في قوله: (ليميز) متعلق بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أي: إنما يحشرون إليها للميز بين المؤمن والكافر، قال الوالبي عن ابن عباس: ليميز أهل الشقاوة من أهل السعادة [[رواه بنحوه ابن جرير 9/ 246.]]، وقال مُرّة: يميز المؤمن في علمه السابق الذي خلقه حيث [[في" تفسير الثعلبي": حين.]] خلقه طيبًا من الكافر الذي خلقه خبيثًا في علمه السابق [[رواه الثعلبي 6/ 60 أ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾، قال مرة: يلحق بعضهم ببعض فيجعلهم في جهنم [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، قال الليث: الركم: جمعك شيئًا فوق شيء حتى تجعله ركامًا مركومًا كركام الرمل والسحاب ونحو ذلك من الشيء المرتكم بعضه على بعض [[في "تهذيب اللغة" (ركم) 2/ 1463، والنص في كتاب "العين" (ركم) 5/ 369]].
قال المفسرون: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أي: يجمعه حتى يصير كالسحاب المركوم فيجعله في جهنم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 60 ب، والبغوي 4/ 356، وبنحوه في" تفسير ابن جرير" 9/ 246 - 247.]].
ووحد الخبر [[ساقط من (م).]] لتوحيد قوله: ﴿الْخَبِيثَ﴾.
وروى عطاء عن ابن عباس للآية معنى آخر على هذا الطريق وهو أنه قال في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ يريد أنه أخر أجل هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكل أمة قبل أمة محمد إذا كذبوا نبيهم لم يؤخروا وعذبوا، فجعل الله ميقات هذه الأمة إلى يوم القيامة فقال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قال: يريد المؤمن والكافر، يريد أن في أصلاب الكفار مؤمنين، وكذلك يميزون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)﴾ [يس: 59]، ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ يريد في جهنم يضيقها عليهم، ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ مثل ما يدرج الثوب، يريد: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [[الرحمن: 41، ونصها: فيؤخذ.]] مثل قوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: 32] كلما يسلك الخرز [[في (ح): (الخرزة).]] في الخيط، يريد يدخل من دبره ويخرج من حلقه ويجمع بين ناصيته وقدميه [[ظاهر سياق المؤلف أن الكلام السابق من قوله. روى عطاء، إلى هنا من كلام ابن عباس -رضي الله عنهما- ولم أجد من روى هذا الأثر أو بعضه، وقد سبق بيان أن رواية عطاء عن ابن عباس مفقودة، وهي موضوعة.]].
الثاني: أن المراد بالخبيث والطيب: نفقة الكافر على عداوة محمد ﷺ ونفقة المؤمن في جهاد المشركين، وهو قول الكلبي وابن زيد، واختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 412.]] وابن الأنباري [[لم أقف عليه.]]، قال الكلبي: يعني العمل الخبيث من العمل الطيب فيثيب على الخبيث النار وعلى الطيب الجنة [[رواه الثعلبي 6/ 60 أ، والبغوي 3/ 356، وذكره السمرقندي 2/ 17.]].
وقال ابن زيد: يعني الإنفاق الطيب في سبيل الله من الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان، فتجعل نفقاتهم [[في (ح): (نفاقهم)، وهو خطأ.]] في قعر جهنم ثم يقال لهم: الحقوا بها [[رواه الثعلبي 6/ 60 أ، وذكره ابن الجوزي 3/ 356 دون قوله: فيجعل ... إلخ.]].
وقال أبو إسحاق: أي: ليميز ما أنفقه المؤمنون في طاعة الله مما أنفقه المشركون في معصية الله [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412.]].
قال أبو بكر [[يعني ابن الأنباري، ولم أقف على قوله هذا.]]: فإن قيل على هذا: فأي فائدة في إلقاء أموالهم في جهنم وهي لا تستحق تعذيبًا ولا تجد ألمًا [[في (ح): (إثمًا)، وهو خطأ.]]؟ فيقال: إن الله تعالى يجعل أموالهم الحرام في النار ليعذبهم بها، ويوصل الآلام إليهم من جهتها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 35]، وقد ذكر الزجاج هذا بعينه وقال في قوله: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ أي: يجعل ما أنفقه المشركون بعضه على بعض ويجعل ذلك عليهم في [[ساقط من (ح).]] النار فيعذبون به كما قال الله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ [التوبة: 35] الآية [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 413.]].
قال أبو بكر: وجواب آخر وهو أن الله تعالى يدخل أموالهم جهنم [[في (س): (إلى جهنم).]] لتعززهم بها وافتخارهم بجمعها وأنه لا شيء كان أجلّ عندهم منها، فأراهم هوانها عليه، والحال الدنية التي أصارها إليه، قال: ويكشفه حديث النبي ﷺ: "إذا كانت القيامةُ تزيَّنت الدُّنيا بأحسنِ هيئتها وتزخرفت بأجملِ زخارفها وقالت: يا ربِّ هبني لوليٍّ من أوليائك، فيقول الله تعالى: أنت أقل شأنًا عندي من ذلك، ثم يأمر بها إلى النار" [[لم أعثر عليه في مظانه من كتب الترغيب والترهيب والموضوعات.]] فيرون أنه يفعل ذلك بها ليُري المؤثرين بها قلتها عنده وهوانها عليه.
قال: واللام في قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلقة بالكلام المتقدم ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لكي يمييز الله الخبيث من الطيب [[لم أقف على قول أبي بكر ابن الأنباري هذا.]].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يعني الذين كفروا وأنفقوا أموالهم في طاعة الشيطان هم الذين غبنت صفقتهم وخسرت تجارتهم أنهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences