Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Anfal · 8:67–72

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:67–72

8:67Page 185

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧

It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allāh's enemies] in the land. You [i.e., some Muslims] desire the commodities of this world,1 but Allāh desires [for you] the Hereafter. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية، قال عكرمة [[هو: عكرمة بن عمار العجلي كما في سند مسلم وأحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وليس عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس كما هو المتبادر ، وقد رواه عكرمة هذا == عن أبي زميل، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، كما في رواية مسلم. انظر: مصادر تخريج الأثر التالية.]]، عن ابن عباس: لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله ﷺ "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ "، فقال أبو بكر: هم بنو العم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا منهم فتمكن عليًا من عقيل [[هو: عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي أخو علي بن أبي طالب، شهد بدرًا مشركًا، وأخرج إليها مكرهًا فأسر ولم يكن له مال ففداه عمه العباس، ثم أسلم قبل صلح الحديبية، وشهد مؤته، وتوفي في أول خلافة يزيد بن معاوية.

انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 50 (230)، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 218، و"تهذيب التهذيب" 2/ 129.]] حتى يضرب عنقه، وتمكن حمزة [[هو: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، الإمام البطل الضرغام أسد الله، وسيد الشهداء، وعم رسول الله ﷺ استشهد في معركة أحد سنة 3 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 1/ 423 (559)، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 171، و"الإصابة" (1826).]] من أخيه العباس حتى يضرب عنقه، وتمكنّي من فلان -نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر حتى يعلم ربنا أنه ليس في قلوبنا للكفار هوادة، قال عمر: فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر [[رواه بنحوه مسلم في "صحيحه" (1763) كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، 3/ 1383 - 1385 (1763)، وأحمد في "المسند" 1/ 30، 32، وابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 366، وابن جرير 10/ 44.]].

قال ابن مسعود: ثم قال رسول الله -ﷺ-: "أنتم [[في (ح): (هل أنتم)، ولا داعي لهذه الزيادة وليست موجودة في مصادر تخريجه.]] اليوم عالة فلا ينفلتن [[في (م): (يفلتن)، وفي (س): (يلفتن)، والأخير خطأ.]] أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" [[رواه مطولًا الترمذي في "سننه" (3084) كتاب تفسير القرآن، باب: سورة الأنفال، وأحمد 1/ 383، وابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 370، وابن جرير 10/ 44، والواحدي في "أسباب النزول" ص 242، وفي "الوسيط" 2/ 471، والحاكم في "المستدرك" كتاب المغازي 3/ 22، وصححه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 6/ 117: فيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات.]]، وعن عبيدة السلماني [[هو: عبيدة بن عمرو، وقيل: ابن قيس بن عمرو السلماني المرادي، أبو عمرو الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي -ﷺ- بسنتين ولم يلقه، كان من أئمة العلم، فقيهًا محدثًا ثقة، توفي سنة 72 هـ على المشهور.

انظر: "الكاشف" 1/ 694 (3647)، و"تهذيب التهذيب" 3/ 45.]] قال: قال رسول الله -ﷺ- لأصحابه في أسارى بدر: "إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم"، وكانت الأسارى سبعين، فقالوا: بل نأخذ الفداء نستمتع به، ونتقوى به على عدونا، ويستشهد منا بعدتهم [[رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 14/ 368 (18533)، والترمذي (1567) كتاب السير، باب: ما جاء في قتل الأسارى أو الفداء، وقال: حديث حسن غريب ورواه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" الإحسان 11/ 118 (4795)، والحاكم في "المستدرك" 2/ 140، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 360، بعد سياق الحديث: هذا حديث غريب جدًا، ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلاً، فالله أعلم. اهـ.

وقال العلامة علي القاري في "مرقاة المفاتيح" 4/ 251: قال التوربشتي: هذا الحديث مشكل جدًا لمخالفته ما يدل على (كذا) ظاهر التنزيل، ولما صح من== الأحاديث في أمر أسارى بدر أن أخذ الفداء كان رأيًا رأوه فعوتبوا عليه، ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وأظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: 165]، وممن نقل عنه هذا التأويل من الصحابة علي -رضي الله عنه- فلعل عليًا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها، فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة، ومما جرأنا على هذا التقدير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان، من بين أصحابه، فلم يروه غيره، والسمع قد يخطئ، والنسيان كثيرًا يطرأ على الإنسان، ثم إن الحديث روي عنه متصلًا وروي عن غيره مرسلاً، فكان ذلك بما يمنع القول بظاهره.

وقال الطيبي: أقول -وبالله التوفيق-: لا منافاة بين الحديث والآية؛ وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختبار والامتحان، ولله أن يمتحن عباده لما شاء، امتحن الله تعالى أزواج النبي -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ الآيتين [الأحزاب: 28، 29]، وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]، وامتحن الناس بالملكين، وجعل المحنة في الكفر والإيمان بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولعل الله تعالى امتحن النبي -ﷺ- وأصحابه بين أمرين: القتل، والفداء، وأنزل جبريل-عليه السلام- بذلك هل هم يختارون ما فيه رضا الله تعالى من قتل أعدائه، أم يؤثرون العاجلة من قبول الفدية، فلما اختاروا الثاني عوتبوا بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾.

قلت -بعون الله- (القائل علي القاري): إن هذا الجواب غير مقبول؛ لأنه معلول ومدخول؛ فإنه إذا صح التخيير، لم يجز العتاب والتعيير، فضلاً عن العذاب والتعزير، وأما ما ذكره من تخيير أمهات المؤمنين، فليس فيه أنهن لو اخترن الدنيا لعذبن في العقبى ولا في الدنيا، وغايته أنهن يحرمن من مصاحبة المصطفى، لفساد اختيارهن الأدنى بالأعلى، وأما قضية الملكين وقضية تعلم السحر، فنعم امتحان من الله وابتلاء، لكن ليس فيه تخيير لأحد؛ ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى: =]].

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قال عبيدة: طلبوا الخيرتين [[يعني: الغنيمة والشهادة.]] كلتيهما فقتل منهم يوم أحد [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 46، والثعلبي 6/ 72 ب.]]، فعند ابن عباس وجميع المفسرين: نزلت الآية في فداء أسارى بدر، فادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف، فأنزل الله هذه الآية ينكر على نبيه ذلك، يقول: ما كان لنبي أن يحبس كافرًا قدر عليه من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ قبل الإثخان في الأرض، قال قتادة: كان هذا يوم بدر فاداهم رسول الله -ﷺ- بأربعة آلاف أربعة آلاف، ولعمري ما كان أثخن رسول الله -ﷺ- يومئذٍ، وكان أول قتال قاتل المشركين [[رواه الثعلبي 6/ 71 ب، وبنحوه ابن جرير 10/ 45، ومختصراً ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 367.]].

قال صاحب النظم: (كان) يقع في الكلام في أحوال مختلفة:

منها أن يكون دلالة على المضي كقولك: كان زيد قائمًا، فمعناه كان فيما مضى.

ومنها أن يكون بمعنى وقع وحدث كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: 280].

وقد يكون ماضيًا وراهنا، مثل قوله -عز وجل- في مواضع: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [[النساء: 96، 100، 152، الفرقان: 70، الأحزاب: 5، 50، 59، 73، الفتح: 14.]] أي: كان وهو كذلك، ومنه قول الشاعر:

له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم [[البيت لزهير بن أبي سلمى وهو في "ديوانه" ص 152، وانظر: "لسان العرب" (أرم) 1/ 66، وهو يمدح هرم بن سنان المري.

وأرم: جمع أرومة، وهي الأصل، والذاهبين: الموتى. انظر: "شرح الديوان" ص 206، 211.]]

أي: ولكل ذي [[ساقط من (ح).]] حسب أروم في كل وقت وزمان.

ويكون بمعنى الاستقبال كقول عدي [[لم يتبين لي من هو، والمعروف أن البيت للطرماح بن حكيم كما في "ذيل ديوانه" ص 572، و"لسان العرب" مادة (كون) 7/ 3962، و"معجم شواهد العربية" ص 113، و"المعجم المفصل" 1/ 263، ونص البيت:

فإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد]]:

واستيجاب ما كان في غد

معناه: ما يكون في غد، وقد يكون زيادة كقوله [[عجز بيت، وصدره:

فكيف ولو مررت بدار قوم

والبيت للفرزدق وهو في "شرح ديوانه" 2/ 835، ونسب إليه أيضًا "خزانة الأدب" 9/ 222، و"كتاب سيبويه" 2/ 153، و"لسان العرب" (كنن) مادة (كون) 7/ 3961.

وقد ذهب سيبويه إنى زيادة (كان) أيضاً. انظر: الموضع السابق، وقال ابن منظور== قال أبو العباس: إن تقديره: وجيران كرام كانوا لنا، قال ابن سيده: وهذا أسوغ؛ لأن (كان) قد عمل في موضع الضمير وفي موضع (لنا) فلا معنى لما ذهب إليه سيبويه أنها زائدة هنا. "لسان العرب"، الموضع السابق.]]:

وجيران لنا كانوا كرامِ ويكون بمعنى صار، كقوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: 37] معناه: فصارت، وإذا كان بمعنى صار حسن دخول (كان) عليه، مثل قولك: كان زيد كان مريضا، بمعنى كان صار مريضًا، فالأول للمضي [[في (ح): (للماضي).]]، أي: كان ذلك فيما مضى، والثاني للمصير إليه، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ﴾ مثل هذا المعنى، أي: ما كان لنبي أن يصير له أسرى، على النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يستأسر أحدًا، ولكن يقتلهم حتى يثخن في الأرض.

قال: وقد قيل: إن معنى (كان) وجب وانبغى، على تأويل: ما انبغى لنبي وما وجب له أن يكون له أسرى.

قال أبو عبيد: يقول: لم يكن لنبي ذلك فلا يكن لكم [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 197.]].

وقرأ أبو عمرو [[لفظ (عمرو) ساقط من (ح).]]: (أن تكون) بالتاء [[قرأ أبو عمرو من السبعة بتاء التأنيث، وقرأ الباقون بالياء على التذكير. انظر: كتاب "السبعة في القراءات" ص 359، و"التبصرة في القراءات" ص 213.]]، على لفظ الأسرى؛ لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير والرجال فهو مؤنث اللفظ، ومن قرأ بالياء فلأن الفعل متقدم، والأسرى مذكّرون في المعنى، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل، وكل واحد من ذلك إذا انفرد يذكر [[بياض فى (ح).]] الفعل معه، مثل: جاء الرجال، وحضر قبيلتك، وحضر القاضي امرأةٌ [[امرأة: فاعل مؤخر.]]، فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى، والكلام في الأسرى والأسارى قد مضى في سورة البقرة [[انظر: النسخة الأزهرية 1/ 68ب، وقد قال في هذا الموضع: أسير: (فعيل) في معنى (مفعول) فجمعه يكسر على (فعلى) نحو: لديغ ولدغى، وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى، وإذا كان كذلك فالأقيس: الأسرى، وهو أقيس من الأسارى، كما أن الأسارى أقيس من قولهم: أُسراء، وأطال الكلام حول هذه الكلمة.]].

قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال الفراء: حتى يغلب على كثير من الأرض [["معاني القرآن" 1/ 418، وفيه زيادة (في) قبل (الأرض)، وذكر الواحدي هذا القول في "الوسيط" 2/ 372، دون هذه الزيادة أيضًا.]]، وقال الزجاج: معناه: حتى يبالغ في قتل أعدائه، قال: ويجوز أن يكون: حتى يتمكن في الأرض، والإثخان في كل شيء: قوة الشيء [[في (ح): (قوته).]] وشدته، يقال: قد أثخنه [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 425 (أثخنته)، ولم يُذكر في المطبوعة الكلام الذي بعده مما يدل على أن في المخطوطة التي اعتمد عليها المحقق سقط، وكلام الزجاج ينتهي عند قوله: قوته عليه، بدلالة "زاد المسير" 3/ 380.]] المرض: إذا اشتدت قوقه عليه، وكذلك: أثخنه الجراح، قال أبو عبيدة: حتى يغلب ويبالغ [["مجاز القرآن" 1/ 250.]].

وروى ثعلب [[ساقط من (ح).]]، عن ابن الأعرابي: أثخن: إذا غلب وقهر [["تهذيب اللغة" (ثخن) 1/ 475.]].

قال ابن عباس: حتى يثخن فيهم القتل [["تنوير المقباس" ص 185 بنحوه، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1732 بلفظ: حتى يظهر على الأرض.]]، وقال مجاهد: الإثخان: القتل [[رواه ابن جرير 10/ 43، وابن أبي حاتم 5/ 1732، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 367.]]، وقال الكلبي: حتى يغلب في الأرض [["تنوير المقباس" ص 185 عنه، عن ابن عباس، ولفظه: حتى يغلب في الأرض بالقتال.]].

وقال أهل المعاني: الإثخان ههنا معناه: تغليظ الحال بكثرة القتل، والثخانة: الغلظ، وكل شيء غليظ فهو ثخين [[القول للحوفي في "البرهان" 11/ 107 أ.]].

وقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ مضى الكلام في العرض عند قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: 169]، قال ابن عباس: تريدون الفداء [["تنوير المقباس" ص 185 بنحوه، وفي "تفسير الثعلبي" 6/ 72 أ، أثرًا طويلًا عنه وفيه: أسرع المؤمنون في الغنائم وأخذ الفداء.]]، ونحو ذلك قال المفسرون [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 42 - 44، والثعلبي 6/ 72 ب، والبغوي 3/ 376.]]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، قال ابن عباس: يريد لكم الجنة [["زاد المسير" 3/ 381، و"الوسيط" 2/ 472.]]، قال محمد بن إسحاق: أي بقتلهم، لظهور الدين الذي يريد إظهاره، الذي تدرك به الآخرة [["السيرة" لابن هشام 2/ 323.]].

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد منيع [[ساقط من (ح).]] قوي حكيم في خلقه [[لم أقف له على مصدر، وفي "تنوير المقباس": (عزيز): بالنقمة من أعدائه، (حكيم): بالنصرة لأوليائه.]].

قال أهل التفسير [[اللفظ لابن جرير في "تفسيره" 10/ 42.]]: يقول: إن أنتم طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم؛ لأن الله ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يقهر ولا يغلب، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير أمور خلقه.

والآية بيان عما يجب أن يجتنب من اتخاذ الأسرى للمن والفداء قبل الإثخان في الأرض بالقتل الذي يدعو إلى الحق، ويصد عن الشرك، مع الإعراض عن العمل للدنيا إلى العمل للآخرة بالباقية، قال الوالبي، عن ابن عباس في هذه الآية قال: ذلك يوم بدر، والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله بعد هذا في الأسارى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4]، فجعل الله النبي والمؤمنين بالخيار، إن شاءوا [قتلوهم وإن شاءوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] استبعدوهم، وإن شاءوا فادوهم [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 42، والثعلبي 6/ 71 ب، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 209، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 390، والبيهقي في كتاب "السنن الصغرى" كتاب السير، باب: ما يفعل بالرجال البالغين من أهل الحرب بعد الأسر 3/ 384 (3550).]].

8:68Page 185

لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨

If not for a decree from Allāh that preceded,1 you would have been touched for what you took by a great punishment.

قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، قال عطاء عن ابن عباس: لولا كتاب من الله سبق يا محمد أن الغنائم لك ولأمتك حلال ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [[لم أجد من ذكر هذه الرواية، وقد رواه ابن أبي حاتم 5/ 1734 من رواية الوالبي بلفظ: لولا كتاب من الله سبق، يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ورواه أبن جرير 10/ 45 من رواية العوفي بلفظ: كان قد سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال.]]، ونحو هذا قال سعيد ابن جبير [[رواه ابن أبي حاتم 5/ 1734.]].

وقال قتادة: سبق لهم الخير، وأنه سيحل لهم الغنائم [[رواه ابن جرير 10/ 47.]]، وهذا قول عطية [[هو: العوفي، وقد روى قوله ابن جرير 10/ 45 عنه، عن ابن عباس.]]، والأعمش [[انظر: قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 2/ 262، وابن جرير 10/ 45 - 46.]].

ورواية الوالبي وابن [[هكذا، والصواب: أبو، انظر: "الوسيط" 2/ 472.]] الجوزاء، عن ابن عباس: أن الكتاب الذي سبق هو أن الله كتب أنه يحل الغنيمة وفداء الأسارى لمحمد ولأمته [[انظر: "الوسيط" 2/ 472، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1734 من رواية الوالبي، ورواه ابن جرير 10/ 45 من رواية عطية العوفي.]]. وقال الحسن: إنهم أخذوا الفداء قبل أن يؤمروا به فعاب الله ذلك عليهم وقال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في أنه أطعم هذه الأمة الغنيمة [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 45.]].

وقال محمد بن إسحاق: لولا كتاب من الله سبق أني لا أعذب إلا بعد النهي -ولم يكن نهاهم- لعذبتكم فيما صنعتم [["سيرة ابن هشام" 2/ 323.]]، وهو قول ابن مسعود [[انظر: "الوسيط" 2/ 472، ولم أقف عليه في مصدر آخر.]].

ونحو هذا قال مجاهد فقال: لولا كتاب من الله سبق، لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] سبق أن لا يؤاخذ قومًا فعلوا شيئًا بجهالة [[رواه ابن جرير 10/ 47 وفيه زيادة.]].

وقال ابن زيد: سبق من الله العفو عنهم والرحمة لهم [[رواه ابن جرير 10/ 47، وابن أبي حاتم 5/ 1734.]]، وقال جماعة من المفسرين: سبق أنه لا يعذب أحدًا ممن شهد بدرًا مع النبي -ﷺ- [[هذا قول مجاهد والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 46 - 47، وابن الجوزي 3/ 382.]].

وقال أبو علي الفارسي: المراد بقوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾ ما في الآية الأخرى من قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: 54] الآية [["المسائل الحلبيات" ص 305 - 306.]].

وقال ابن زيد: لم يكن أحد من المسلمين ممن حضر إلا أحب الغنائم غير عمر جعل لا يلقى أسيرًا إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله: مالنا والغنائم، نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله، فقال رسول الله ﷺ: "لو عذبنا في هذا الأمر ما نجا غيرك" [[رواه ابن جرير 10/ 48، وابن أبي حاتم 5/ 1735، والأثر ضعيف؛ لأن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم من الطبقة الثامنة (الطبقة الوسطى من أتباع التابعين)، وهو ضعيف. انظر: "تقريب التهذيب" ص 340 (3865).]].

وقال ابن إسحاق: قال رسول الله -ﷺ-: "لو نزل عذاب من السماء لم ينج إلا سعد بن معاذ لقوله: يا رسول الله: كان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال" [[رواه ابن جرير 10/ 48، عن ابن إسحاق، ولم أجده في مظانه في "سيرة ابن هشام"، وقد روى ابن إسحاق قول سعد دون قول الرسول ﷺ. انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 269.]].

وروى عطاء، عن ابن عباس [و] [[هكذا في جميع النسخ، وهي زيادة لا معنى لها.]] قال [[ساقط من (م) و (س).]]: قال رسول الله ﷺ: "لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر" [[لم أجده بهذا السياق، وقد ذكر شطره الأول المصنف في"الوسيط" 2/ 473، وذكره الزمخشري 2/ 168 دون ذكر الراوي، ورواه ابن جرير 10/ 48، عن ابن زيد، كما رواه ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر كما في "الدر المنثور" 3/ 366 وروى شطره الثاني الترمذي في"سننه" كتاب المناقب 5/ 619 (3686)، وأحمد في"المسند" 4/ 154، والحاكم في"المستدرك" كتاب معرفة الصحابة 3/ 85 وصححه، ووافقه الذهبي.]]؛ لأنه أشار على النبي -ﷺ- أن يقتل الأسارى [[هذا التعليل للشطر الأول فقط كما هو ظاهر.]].

8:69Page 185

فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، قال المفسرون: لما نزل قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، أمسكوا عن مد أيديهم إلى شيء من الغنائم فنزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ [[هذا معنى أثر عن أبي هرير -رضي الله عنه-، ورواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 368 - 369، وانظر: "الوسيط" 2/ 473، و"تفسير البغوي" 3/ 377.]]، قال الزجاج: ودخلت الفاء على تقدير: قد أحللت لكم الغنائم فكلوا، قال: و ﴿حَلَالًا﴾ منصوب على الحال [[هذا القول غير موجود في "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع، تحقيق د/ عبد الجليل عبده شلبي. وقد ذكره بلفظ مقارب ابن الجوزي 3/ 382.]].

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: غفر لكم ما أخذتم من الفداء ورحمكم لأنكم أولياؤه [["الوسيط" 2/ 473.]].

وقال رسول الله -ﷺ-: "لم تحل الغنائم لمن كان قبلنا ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا" [[رواه البخاري (3124)، كتاب الخمس، باب: قول النبي -ﷺ-: "أحلت لكم الغائم"، ومسلم (1747)، كتاب الجهاد والسير، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة واللفظ له.]].

8:70Page 186

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allāh knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful."

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾، قال المفسرون يعني أسرى المشركين الذين أخذ منهم الفداء ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾: إسلامًا [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 48 واللفظ له، و"تفسير الثعلبي" 6/ 73 ب، والبغوي 3/ 378.]].

قال الزجاج: إرادة للإيمان [[ليس موجودًا في كتاب "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع.]]، قال أهل المعاني: معنى الخير ههنا: البصيرة في فى دين الله، وحسن النية في أمر الله [[لم أقف عليه، وفي "البرهان" للحوفي 11/ 116 أ: إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا.]]، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفدية.

قال أبو إسحاق: فجائز أن يكون: يجازيكم في الآخرة، وجائز أن يكون: يخلف عليكم في الدنيا [[ليس موجودًا في كتاب "معاني القران وإعرابه" المطبوع.]]، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: ما كان من كفركم به، وقتالكم رسوله.

قال ابن عباس وغيره: نزلت هذه الآية في العباس، كان أحد العشرة [[ذكر ابن إسحاق أن المطعمين في بدر اثنا عشر رجلاً هم: العباس بن عبد == المطلب، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام بن خويلد، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر السهمي، وسهيل بن عمرو. انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 311.]] الذين ضمنوا طعام أهل بدر، وكان خرج بعشرين أوقية [[الأوقية: اسم لأربعين درهمًا، انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 5/ 2178، و"لسان العرب" (وقي) 1/ 4903.]] من ذهب ليطعم به الناس، فأخذت منه في العرب، ولم تحسب من فدائه، وكلف فداء بني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، فقال العباس: يا محمد تركتني أتكفف قريشًا ما بقيت؛ فأنزل الله هذه الآية، فقال العباس -بعدما أسلم-: فأبدلني الله عشرين عبدًا أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم، ومما أحب أن لي بها جميع أموال أهل [[ساقط من (س).]] مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي [[رواه الثعلبي 6/ 73 أ- ب وفيه زيادة، وبنحوه المصنف في "أسباب النزول" ص 245، عن الكلبي. وقد روي الأثر بمعاه بعدة روايات مطولًا ومختصرًا، فرواه أحمد في "المسند" 1/ 353، وابن جرير 10/ 49 - 50، وابن أبي حاتم 5/ 1736، والحاكم في "المستدرك" كتاب معرفة الصحابة 3/ 324، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 102: رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" باختصار ورجال "الأوسط" رجال "الصحيح"، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. وأصل قضية فداء العباس في "صحيح البخاري" (3049) كتاب الجهاد، باب. فداء المشركين 4/ 161.]].

8:71Page 186

وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١

But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allāh before, and He empowered [you] over them. And Allāh is Knowing and Wise.

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾، قال المفسرون: نزلت في العباس وأصحابه من الأسارى [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 50، وابن أي حاتم 5/ 1737، والثعلبي 6/ 73 أ.]].

قال ابن عباس: إنهم قالوا للنبي ﷺ آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله لننصحن لك على قومنا [[رواه ابن جرير 10/ 50.]]، يقول الله تعالى: إن خانوك في هذا وكان قولهم خيانة.

وقال ابن جريج: أراد بالخيانة هاهنا: الخيانة في الدين وهو الكفر [[رواه البغوي 3/ 379 بنحو، وانظر: "الوسيط" 2/ 473.]]، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل أن كفروا بالله: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ببدر، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى القتال، وأرادوا الخيانة لرسول الله ﷺ وقال الحسن: وإن يريدوا خيانتك مرة أخرى فيرجعوا إلى الكفر بعد ما مننت عليهم، ويخونوك بالقتال معك [[كذا في جميع النسخ.]]، والعون عليك: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ وقاتلوك ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ فإن رجعوا مرة أخرى أمكنك المرة الأولى [[ذكره هود 2/ 105 بمعاه.]].

وقال ابن كيسان: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يعني: نكث ما أعطوا من أنفسهم لئلا يقاتلوك ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ فأعطوا العهود فيما كان ينزل بهم من البلاء، ويسألونه الرزق، ويقولون: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ [يونس: 22] و ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 189] فامكن منهم [[لم أقف على مصدره، وقد ذكره مختصرًا الرازي في "تفسيره" 15/ 206 من غير نسبة.]]، وهذا القول يدل على أن أولئك الأسارى عاهدوا أن لا يقاتلوه.

وقال تعالى: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ قال الأزهري: يقال: أمكنني الأمر يمكنني [[ساقط من (ح).]] فهو ممكن، ولا يقال: أنا أُمكنه، بمعنى أستطيعه، يقال: لا يمكنك الصعود إلى الجبل، ولا يقال: أنت تمكن الصعود إلى الجبل [["تهذيب اللغة" (مكن) 4/ 3447 بتصرف يسير.]].

ومفعول الإمكان محذوف على معنى: فأمكن المؤمنين منهم، أو فأمكنك منهم.

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بخيانةٍ إن خانوها، حكيم في تدبيره عليهم، ومجازاته إياهم، قاله أبو إسحاق [[ليس موجودًا في كتابه"معاني القرآن وإعرابه" المطبوع، وقد ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 384.]].

8:72Page 186

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢

Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني المهاجرين الذين هجروا قومهم وديارهم إلى المدينة في نصرة الدين، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ يعني الأنصار أسكنوا المهاجرين [[في (ح): (أمكنوا للمهاجرين).]] ديارهم ونصروهم على أعدائهم ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: يعني في الميراث، جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام [[رواه عن ابن عباس البخاري كتاب الفرائض، باب: ذوي الأرحام (6747)، وأبو داود (2921) كتاب الفرائض، باب: نسخ ميراث العقد، وانظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 51 - 54، والثعلبي 6/ 74 ب، والسمرقندي 2/ 28، والبغوي 3/ 379، وابن الجوزي 3/ 385، و"الدر المنثور" 3/ 370 - 372.]]، وكانوا يتوارثون في الهجرة والنصرة، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر، ولم ينصر، وهو قوله [[ساقط من (م).]]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وقال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة والإسلام [[في (م): بالإسلام والهجرة.]]، وكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه [[رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 262، وابن جرير 10/ 53، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 394، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" 3/ 371 - 372.]]، وهذا قول مجاهد [[رواه ابن جرير 10/ 52، وأشار إليه ابن كثير 2/ 363 - 364.]]، والحسن [[رواه ابن جرير 14/ 80، وذكره الهواري 2/ 107 بغير سند.]]، والكلبي [["تنوير المقباس" ص 186 عنه، عن ابن عباس.]]، والسدي [[رواه ابن جرير 10/ 53.]].

وقرئ قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾ بكسر الواو وفتحه [[قرأ حمزةُ وحده بكسر الواو، والباقون بفتحها، انظر: كتاب "السبعة" ص 309، و"الغاية" ص163، و"تحبير التيسير" ص119.]]، قال الزجاج: من فتح [[في (م): (فتحها).]] جعلها من النصرة والنسب، قال: والولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة؛ ليفصل بين المعنيين، وقد يجوز كسر (الولاية)؛ لأن في تولي بعض القوم بعضًا جنسًا من الصناعة نحو: القِصارة [[القصارة: حرفة القصار، قال ابن منظور: قصر الثوب قِصَارة، عن سيبويه، وقصَّره، كلاهما: حوَّره ودقَّه، ومنه سمي القصار، وقصرت الثوب تقصيرًا، مثله، والقصّار والمقصّر: المحور للثياب؛ لأنه يدقها بالقَصَرَة التي هي القطعة من الخشب، وحرفته القِصَارة. "لسان العرب" (قصر) 6/ 3649. وفي "المعجم الوسيط" (قصر) 2/ 267: القصّار: المبيض للثياب، وهو الذي يهيئ النسيج بعد نسجه ببله ودقه بالقصرة، والقصرة: مدقة القصار.]]، والخياطة، فهي مكسورة، قال: والولاية على الإيمان واجب [[في"تهذيب اللغة": واجبة.]]، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، ويقال: وليٌّ بين الولاية، ووال بين الولاية [[أقوال الزجاج السابقة ساقطة من كتاب "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع، وقد ذكر أكثرها الأزهري في "تهذيب اللغة" (ولي) 4/ 3955، وذكر بعضها ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 385.]].

قال الفراء: وقد سمعنا الفتح في المعنيين جميعًا [["معاني القرآن" 1/ 419.]]، قال أبو علي: الفتح أجود هاهنا؛ لأن الولاية هاهنا من الدين [[اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 4/ 166.]]، والكسر في السلطان، قال أبو الحسن: وكسر الواو لغة في الأخرى [["معاني القرآن" لأبي الحسن الأخفش 1/ 352 وقد اختصر الواحدي عبارته فلم يظهر المعنى، ونص قوله: ما لكم من ولايتهم من شيء، وهو في (الولاء)، وأما في (السلطان) فـ (الوِلاية)، ولا أعلم كسر (الواو) في الأخرى إلا لغة اهـ. يعني بالأخرى (الولاية) من الولاء، وقد نص الفراء أيضًا على ثبوت هذه اللغة، انظر: "معاني القرآن" 1/ 419.]].

قال ابن عباس والمفسرون: ثم نسخ هذا الحكم بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [[هذا بعض أثر ابن عباس السابق.]].

قال أبو بكر بن الأنباري: كان الله تعالى تعبدهم في أول الهجرة بأن لا يرث المسلمين [[مفعول به مقدم.]] المهاجرين إخوانُهم الذين لم يهاجروا، ولا يرثون هم إخوانهم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فصار الثاني هو المعمول به، ورفض الأول.

وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: إن [[ساقط من (م).]] استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا فلا تخذلوهم وانصروهم، إلا إن استنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد فلا تغدروا، ولا تنقضوا العهد، وهذا يدل على أن ولاية الإيمان واجبة.

وقال بعض المفسرين: لما نزل قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قام الزبير فقال: هل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا؟ فنزل: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ [[لم أجده فيما بين يدي من المصادر إلا في "تفسير الرازي" 15/ 210 - 211.]].

قال قتادة: في هذه الآية نُهي المسلمون عن النصر على قوم بينهم ميثاق، فوالله لأخوك المسلم أعظم عليك حرمة [[يعني إذا كان المسلم منهيًّا عن نصرة أخيه المسلم على الكافر ذي الميثاق، فنصرته على أخيه المسلم إذا اقتتلا أشد نهيًا.]] وحقًا [[رواه ابن أبي حاتم 5/ 1740، وأبو الشيخ كما في"الدر المنثور" 3/ 372.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском