Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:107–110
9:107Page 204
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧
And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ الآية، قرأ نافع وابن عامر: (الذين) بغير واو [[وكذلك قرأ أبو جعفر المدني، وقرأ الباقون بالواو، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 167، و"التبصرة في القراءات" ص 216، و"تقريب النشر" ص 121.]]، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة [[انظر: "كتاب المصاحف" لأبي بكر ابن أبي داود ص 49، و"كتاب السبعة في القراءات" ص 318.]]، فمن ألحق [[في (ح): لحق.]] الواو جعله معطوفًا على ما قبله من قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: 101] [(وآخرون اعترفوا)] [[[التوبة: 102] وهي ساقطة من النسخة (ح).]] ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: 106] أي ومنهم آخرون، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أي: ومنهم الذين اتخذوا، ومن لم يلحق الواو لم [[في (ح): (ولم)، وهو خطأ.]] يجز أن يكون (الذين) بدلًا من قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ كما تبدل المعرفة من النكرة؛ لأن أولئك غير هؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا [[ساقط من (ى).]]، وإذا لم يكونوا هم لم يجز أن يبدلوا منهم، ولكن من لم يلحق الواو جاز [[في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 240 الذي نقل منه هذا النص: جاز قوله على ... إلخ.]] على أمرين أحدهما: أن تضمر: ومنهم الذين اتخذوا؛ كما أضمرت الحرف مع الفعل في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: 106] أي فيقال لهم: أكفرتم؛ فكذلك حذف الخبر مع الحرف اللاحق له هاهنا.
والثاني: أن تضمر الخبر على تقدير: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ منهم، وحسن حذف الخبر لطول الكلام بالمبتدأ وصلته، ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25] والمعنى فيه: ينتقم منهم، أو يعذبون، ونحو ذلك مما يليق بهذا المبتدأ [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 240 - 241.]].
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: (هؤلاء كانوا اثني [[في (ح): (اثنا).]] عشر رجلًا من المنافقين بنوا مسجدًا يضارون به مسجد قباء) [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 22 - 26، وابن أبي حاتم 6/ 1898، والبغوي 4/ 93، وابن الجوزي 3/ 499، والرازي 16/ 193، و"الدر المنثور" 3/ 494 - 495.]].
والضرار محاولة التفسير، كما أن الشقاق محاولة ما يشق، قال أبو إسحاق: (وانتصب (ضرارًا) لأنه [[في (ى): (كأنه)، وهو خطأ.]] مفعول له، المعنى: اتخذوه للضرار ولما ذكر بعده، فلما حذفت اللام أفضى الفعل فنصب، قال: وجائز أن يكون مصدرًا محمولًا على المعنى [لأن معنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] قوله: ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾: ضاروا به ضرارًا [[عبارة الزجاج: لأن اتخاذهم المسجد على غير التقوى معناه ضاروا به ضرارًا. أهـ. وعبارة الواحدي لا تؤدي هذا المعنى.]]) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 468 بتصرف.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكُفْرًا﴾، قال ابن عباس: (يريد ضرارًا للمؤمنين وكفرًا بالنبي ﷺ وما جاء به) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 193، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 524.]]
وقال الزجاج: (لأن عناد النبي ﷺ كفر) [[" معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469.]]، وقال غيره: (اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن علي النبي ﷺ والإسلام) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 193 دون تعيين القائل ولم أجد من عينه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال المفسرون: (يفرقون به جماعتهم؛ لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيختلفوا [[في (ح): (فيتخلفوا)، والصواب ما في (م) و (ى) وهو موافق لما في "تفسير ابن جرير" والثعلبي.]] بسبب [[في (ى): (بشرك)، وهو خطأ.]] ذلك، ويفترقوا عن النبي ﷺ، فيؤدي إلى التحزب، واختلاف الكلمة وبطلان الألفة) [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 23، والثعلبي 6/ 148 أ، والبغوي 4/ 92 بمعناه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قالوا: يعني أبا عامر الراهب [[هو: عبد عمرو ويقال عمرو بن صيفي بن مالك بن أمية الأوسي، المعروف بأبي عامر الراهب، كان في الجاهلية يذكر البعث ودين الحنيفية، فلما بُعث الرسول ﷺ عانده وحسده وخرج عن المدينة، وشهد مع قريش وقعة أحد، ثم خرج إلى الروم فمات هناك سنة تسع أو عشر. انظر: "السيرة النبوية" 3/ 12، و"الإصابة" 1/ 360 - 361.]] الذي سماه رسول الله ﷺ الفاسق، وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب، فلما خرج رسول الله ﷺ عاداه، وقال: لا أجد قوماً يقاتلونك [[في (ى): (يقاتلونكم).]] إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح [[في (ى): (السلاح).]] وابنوا لي مسجدًا فإني آتٍ من عند قيصر بجند فأخرج محمدًا وأصحابه، فبنوا هذا المسجد، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد) [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 24، والبغوي 4/ 94، و"الدر المنثور" 3/ 494.]].
قال الزجاج: (والإرصاد: الانتظار) [["معاني القرآن وإعرابه " 2/ 468.]].
وقال ابن قتيبة: (﴿وَإِرْصَادًا﴾ أي ترقبًا بالعداوة [[في (ى): (للعداوة)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.]]) [["تفسير غريب القرآن" ص 199.]]، وقال الأكثرون: (الإرصاد: الإعداد) [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 23، والثعلبي 6/ 148 أ، والبغوي 4/ 94، والزمخشري 2/ 214، و"المفردات في غريب القرآن" (رصد) ص 196، و"تهذيب اللغة" (رصد) 2/ 1414.]]، روى أبو عبيد عن الأصمعي والكسائي: (رصدت فلانا أرصده: إذا ترقبته، وأرصدت له شيئًا أرصده: إذا أعددت له) [["تهذيب اللغة" (رصد) 2/ 1413.]]، قال الأعشى:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا [[البيتان في ديوان أعشي قيس ص 46 من قصيدة طويلة يمدح بها النبي ﷺ ويذكر بعض أساسيات الدين، ومعالم الأخلاق.]]
وقال الليث: (يقال أنا لك مُرصد بإحسانك حتى أكافئك به) [[ساقط من (ح).]]، قال: (والإرصاد في المكافأة بالخير) [["تهذيب اللغة" (رصد) 2/ 1414، والنصان في كتاب: العين (رصد) 7/ 96.]]، وقال ابن الأعرابي: (أرصدت في الخير والشر جميعًا بالألف) [["معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 253 بنحوه.]].
[وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني من قبل بناء مسجد الضرار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى مسجد رسول الله ﷺ[وذلك أنهم قالوا لرسول الله -ﷺ-] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى).]]: إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية) [[رواه ابن إسحاق وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 495، وانظر: "السيرة النبوية" 4/ 185.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال الزجاج: (أطلع الله نبيه -ﷺ- على طويتهم وعلى أنهم سيحلفون كاذبين) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469.]].
9:108Page 204
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨
Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.
قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الآية، قال المفسرون: (إن أهل مسجد الضرار قالوا للنبي ﷺ: إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فنهاه الله عن ذلك، وقال: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [[رواه عن ابن عباس بنحوه ابن جرير 11/ 24، وابن أبي حاتم 6/ 1881، وانظر "الدر المنثور" 3/ 494 - 495.]]، قال ابن عباس وغيره: (يريد لا تصل فيه أبدًا) [[رواه البغوي 4/ 95، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 204، وانظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 26، وابن الجوزي 3/ 500.]].
ثم بين أي المسجدين أحق بالقيام فيه، فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ اللام تأكيد للقسم، كأنه قيل: والله لمسجد أسس، أي [[في (ى): (أو بني أر بنيت)، وهو خطأ.]] بنيت حدوده ورفعت من قواعده، هذا معنى التأسيس، والتقوى: خصلة من الطاعة يحذر بها العقوبة، ثعلب عن ابن الأعرابي: (التقاة والتقية والتقوى والاتقاء: كله واحد) [["تهذيب اللغة" (تقي) 1/ 443.]]، والتقوى اسم، وموضع التاء واو وهي (فَعْلى) من وقيت مثل (شروى) من شريت وهذا بما قد تقدم الكلام فيه، قال ابن عباس: (أسس على التقوى: بني على الطاعة، وبناه المتقون الموحدون) [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 204 مختصرًا.]]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (من) هاهنا: تدل على البداية؛ لأنها نقيضة (إلى) كقولك من كذا إلى كذا، قال زهير:
لمن الديار بقُنَّة الحِجْر [[ساقط من (ى).]] ... أقوين من حِجَج ومن شَهْر [[البيت مطلع قصيدة في "شرح ديوان زهير" ص 86، ونسب إليه أيضاً في "زاد المسير" 3/ 500، و"خزانة الأدب" 9/ 443.
والقنة: الجبل الصغير الذي ليس بمنتشر، أر الجبل السهل المنبسط على الأرض. وأقوين: خلون من السكان. وقوله: من شهر: أراد: من شهور، ورواية ثعلب: ومن دهر. والحجر: بكسر الحاء، موضع، والمعروف بهذا الاسم منازل ثمود، أما بفتح الحاء فهي مدينة اليمامة. انظر: "شرح الديوان" و"خزانه الأدب" نفس الموضعين السابقين، و"لسان العرب" (قنن).]]
وقوله تعالى: ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ معناه أول الأيام إذا ميزت يومًا يومًا، كما تقول: أعطيت كل رجل في الدار، أي كل الرجال إذا ميزوا رجلاً رجلاً [[ذكر ابن جرير معنيين لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فقال: (من أول يوم): ابتدئ في بنائه .. وقيل: معنى قوله (من أول يوم) مبدأ أول يوم، كما تقول العرب: لم أره من يوم كذا، بمعنى: مبدؤه، و (من أول يوم) يراد به: من أول الأيام، كقول القائل: (لقيت كل رجك)، بمعنى (كل الرجال). "تفسير ابن جرير" 11/ 26.]]
﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، قال الزجاج: (أن) في موضع نصب، المعنى: أحق بأن تقوم فيه) [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469.]]، وهذا كما قلنا في قوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾ [التوبة: 97] فإن قيل لم قال: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟ قيل: للمظاهرة في الحجة بأنه لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا أحق.
واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال ابن عُمر، وزيد ابن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وابن المسيب: هو مسجد رسول الله -ﷺ- بالمدينة) [[انظر آثارهم في "تفسير ابن جرير" 11/ 26 - 27، والثعلبي 6/ 148/ ب، و"الدر المنثور" 3/ 496.]]. وروي ذلك عن النبي -ﷺ- أنه قال: "هو مسجدي" رواه الخدري [[رواه عنه مسلم (1398)، كتاب: الحج، باب: بيان أن المسجد الذي أسس .. إلخ، والترمذي (3599)، كتاب: تفسير القرآن، والنسائي في "سننه"، كتاب: المساجد، ذكر المسجد الذي أسس على التقوى 2/ 36، وأحمد في المسند 3/ 8.]] وأُبي بن كعب [[رواه عنه أحمد في "المسند" 5/ 116، وابن جرير 11/ 28، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب والضياء في "المختارة" كما في "الدر المنثور" 3/ 496.]]، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وقال في رواية الوالبي والعوفي: هو مسجد قباء [[أخرج رواية الوالبي، ابن جرير في "تفسيره" 11/ 27، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1886، والبيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 262، وأخرج رواية العوفي، ابن جرير 11/ 27، والثعلبي 6/ 149/ أ، والبغوي 4/ 96.]]، وهو قول الحسن [[انظر: "تفسير هود بن محكم" 2/ 168، و"البحر المحيط" 5/ 97.]] وابن زيد [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 28، والثعلبي 6/ 149/ أ، وابن أبي حاتم 6/ 1882.]] وعروة بن الزبير [[انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.]] واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469.]].
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد الأنصار) [[لم أقف عليه.]]، ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال الحسن: (أي من الذنوب) [[انظر: "تفسير هود بن محكم" 2/ 168.]]، وقال ابن عباس والكلبي وغيرهما: (يعني غسل الأدبار بالماء) [[رواه عن ابن عباس، الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 204، ورواه عن الكلبي، الثعلبي في "تفسيره" 6/ 149 ب، وانظر: "الوسيط" 2/ 525، و"تفسير البغوي" 4/ 96، و"الدر المنثور" 3/ 497.]]، ويروى أن رسول الله -ﷺ- أتاهم وهم في مسجدهم فقال: "إن الله قد أحسن الثناء عليكم في طهوركم فبم تتطهرون؟ " فقالوا: نغسل أثر الغائط بالماء، فقال النبي ﷺ "دوموا عليه" [[رواه بنحوه ابن ماجه في (354)، في الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء، وأحمد 3/ 422، والحاكم في "المستدرك"، في الطهارة 1/ 155 وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح باعتبار شواهده. انظر: "إرواء الغليل" 1/ 85.]].
قال المفسرون: (كان من عادة هؤلاء في الاستنجاء [استعمال الأحجار ثم الماء بعدها وهو الأكمل والأفضل في باب الاستنجاء) [[ذكره الزمخشري في "الكشاف" 2/ 214 بغير سند.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ أي: من الشرك والنفاق والأنجاس، قالوا: فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله ﷺ أصحابه [[من (ى).]] فقال: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فأحرقوه واهدموه" [[رواه بنحوه ابن جرير 11/ 23، والثعلبي 6/ 147 ب، والبغوي 4/ 94، وانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 185، و"الدر المنثور" 3/ 495.]] ففعلوا ذلك، وأمر أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف [[انظر: "تفسير الثعلبي" والبغوي، الموضعين السابقين.]].
9:109Page 204
أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩
Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ الآية، البنيان: مصدر الغفران، يراد به المبني هاهنا، نحو ضرب الأمير ونسج اليمن، قال أدو زيد: (يقال بني يبنى بنيًا وبناءً وبنية وبنيانًا، وأنشد:
بني السماء فسواها ببنيتها ... ولم تُمد بأطناب ولا عُمُد [[لم أهتد إلى قائله، وهو في المصدر التالي بلا نسبة.]] [[انظر قول أبي زيد في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 219.]]
وجمع البنية: بني، ويجوز أن يكون البنيان جمع بنيانة إذا جعلته اسمًا؛ لأنهم قد قالوا: بنيانة في الواحد، قال الشاعر [[من (م).]]:
كبنيانة القريي موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق [[البيت لكعب بن زهير كما في ديوان أبيه زهير بشرح ثعلب 257 من قصيدة مشتركة بينهما، وليس في ديوان كعب، و"الأغاني" 17/ 89، و"البحر المحيط" 5/ 103، و"المحرر الوجيز" 3/ 84 بلفظ: القاري، ونسبه الفارسي في "الحجة" 4/ 219، و"إيضاح الشعر" ص 343 إلى أوس بن حجر، وليس في ديوانه.
والقريي: ساكن القرية، والدف: الجنب، والنسع: سير تشد به الرحال، والأبلق: الأبيض في سواد.
والشاعر يصف دابته، ويشهها ببنيان القرية. انظر: "شرح الديوان"، الموضع السابق، و"لسان العرب" (نسع) و (بلق).]]
وقرأ نافع وابن عامر (أُسِّس) بضم الألف، (بنيانُه) رفعًا [[وقرأ الباقون (أسس) بفتح الألف والسين (بنيانه) بنصب النون. انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 167، و"إرشاد المبتدي" ص 356، و"تقريب النشر" ص 121.]]، فمن قرأ بفتح الألف بني الفعل للفاعل [[في (م): اللفظ)، وهو خطأ.]] الباني [[في (ح): (الثا)، وفي (م): (الثاني)، وكلاهما خطأ.]] والمؤسس، فأسند الفعل إليه، كما أضاف البنيان إليه في قوله (بنيانه) وكما أن المصدر مضاف إلى الفاعل كذلك الفعل يكون [[ساقط من (ح) وفي (م): (يكون الفعل مبنيًّا).]] مبنيًّا له، ويدل على ترجيح هذا الوجه اتفاقهم على قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾، ومن بني الفعل للمفعول لم يبعد أن يكون في المعني كالأول؛ لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه [[في (خ) و (ى): (كبنائه).]] هو له، والقراءة الأولى أرجح [[لعله يعني من حيث المعنى، وقد قال ابن جرير في "تفسيره" 11/ 32: (وهما قراءتان متفقتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى (من) إذ كان هو المؤسس أعجب إلى).]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد مخافة من الله، ورجاء ثوابه ورضوانه) [["تنوير المقباس" ص 204 بمعناه.]]، يريد أنهم طلبوا مرضاة الله في بنيانه [[في (خ) و (ى): (بنائه).]].
وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ قال الحسن: (هذا مثل لنفاقهم، أي مثلهم كمثل من أسس بنيانه على سهل وتراب ليس له أجل، فانهار ولم يثبت [[في (ى) و (م): (لم يلبث)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.]] البناء) [[ذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 169 بنحوه.]].
وقال أبو إسحاق: (المعنى أن من أُسس بنيانه على التقوى خير ممن أُسس بنيانه على الكفر، وهذا مَثَل، المعنى: إن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا كبناءٍ على جرف جهنم تتهور بأهلها فيها) [[جمع المؤلف بين قولين للزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469، 470.]].
قال ابن عباس في قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾، يريد: صيرهم النفاق إلى النار [[رواه البغوي في "تفسيره" 4/ 97.]].
وشرح أبو علي الفارسي هذه الآية أبلغ شرح فقال: (يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البانئين ويجوز أن يكون بين البناءين، فإذا عادلت بين البانئين كان المعنى: المؤسس بنيانه متقيًا خير أم المؤسس بنيانه غير متق؟ لأن قوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ يدل على أن بانيه غير متق لله، ولا خاش له، وإن عادلت بين البناءين قدرت حذف المضاف كأنه قيل: أبناء من [[ساقط من (ى).]] أسس بنيانه متقيًا خير أم بناء من أسس بنيانه على شفا جرف [[في (ى): (جرف هار)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.]]؟ والبنيان يراد به المبني لأنه إنما يؤسس المبني، والجار من قوله: ﴿عَلَى تَقْوَى﴾ في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسس بنيانه متقيًا، وكذلك قوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ لأ ن معناه غير متق، أو معاقبًا على بنائه) [[اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 222، 223 باختصار، ونصب قوله (أو معاقبًا) بناء على أنه حال، والجملة مقدرة، ونص عبارة أي علي: (والمعنى: أمن أسس بنيانه غير متق، أو: من أسس بنيانه معاقبًا على بنائه).]].
قال أبو عبيدة: (الشفا: هو الشفير) [[أهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 269.]]، وشفا الشيء: حرفه، ومنه يقال: أشفى على كذا: إذا دنا منه، والجرف: ما ينجرف بالسيول من الأودية، وهو جانبها الذي ينحفر بالماء أصله، فيبقى واهيًا، قال شِمْر (يقال: جُرْف وأجراف وجُرْفَةٌ وهي المهواة) [[أهـ. كلام شمر، انظر: "تهذيب اللغة" (جرف (1/ 585.]]، وأصله من الجرف والاجتراف، وهو اقتلاع الشيء من أصله، فالجرف ما جرفه السيل، ويقرأ (جُرْفٍ) و ﴿جُرُفٍ﴾ مخففًا ومثقلًا [[قرأ ابن عامر وحمزة وخلف وأبو بكر عن عاصم (جرف) بإسكان الراء، والباقون بضمها. انظر: "كتاب السبعة" ص 318، وكتاب "إرشاد المبتدي" ص 356، و"تحبير التيسير" ص 121.]] وهما لغتان كالشُغْل والشُغُل والعُنْق والعُنُق.
وقوله تعالى: ﴿هَارٍ﴾، قال الليث: (الهور: مصدر هار [الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد مكانه وهو [[هكذا، وكذلك هو في "تهذيب اللغة"، وفي كتاب "العين" (فهو) وهو أليق بالسياق.]] جرف هار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] هائر، فإذا سقط فقد إنهار وتهور) [["تهذيب اللغة" (هور) 4/ 3691، والنص في كتاب "العين" (هور) 4/ 82.]]
[وقال الزجاج: (هار: هائر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] وهذا من المقلوب، كما قالوا: لاث الشيء به إذا دار [[في (ح): (أراد)، وهو خطأ.]]، فهو لاثٍ، والأصل لائث) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 470.]].
قال أبو علي: (الهمزة من [[في (ى): (في)، والمثبت موافق للمصدر التالي.]] (هائر) منقلبة عن الواو؛ لأنهم قد قالوا: تهور الناء: إذا تساقط وتداعى، وتهور الليل: إذا مضى أكثره، وهذا في الليل كالمثل والتشبيه بالباء، ويجوز في العين إذا قلبت همزة في هذا النحو ضربان، أحدهما: أن يُعل بالحذف كما أعل بالقلب، فيقال هار [[كررت في (ح).]] وشاك السلاح، والآخر أن يُعلّ بقلبها إلى موضح اللام فيصير في التقدير: (فالع)، ويجوز في قوله:
خيلان من قومي ومن أعدائهم ... خفضوا أسنتهم فكلٌّ ناعي [[البيت للأجدع بن مالك الهمداني كما في "اللسان" (نوع) 8/ 4579 و (نعا) 8/ 4486، و"الأصمعيات" ص 69، و"التنبيه" للبكري ص 25.]]
أن يكون مقلوبا من النائع الذي يراد به العطشان، من قوله:
والأسلَ النياعا [[في (ى): (النياعيا).]] [[البيت بتمامه:
لعمر بني شهاب ما أقاموا ... صدور الخيل والأسل النياعا
وهو للقطامي كما في "المخصص" 14/ 35، و"لسان العرب" (نوع) 8/ 4579 أو لدريد بن الصمة كما في "الصحاح" (نوع) 3/ 1294. والأسل: أطراف الأسنة.]]
أي العطاش إلى دماء من يغزون [[في (ح): (لا يغزون)، وهو خطأ.]]، ويجوز أن يكون من قولك: نعى ينعى، وهو أن تقول: يالثارات فلان، ويجوز في (هار) أن يكون على قول من حذف. فيقال: جرف هارٌ، وفي محل الخفض: جرفٍ [[ساقط من (ى).]] هارٍ، ووزنه من (فعل) (قال) لأن العين محذوفة [[ما بين العلامين ليس من كلام أبي علي في "الحجة".]]، ويجوز أن يكون على القلب، كأنه هاري، وإذا دخل التنوين سقط الياء لالتقاء الساكنين نحو قاضٍ ورامٍ، قال الأخفش: (ويقال هار يهار، مثل خاف يخاف) [[أهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 225 - 227 باختصار وتصرف، ولم أجد كلام الأخفثس في كتابه "معاني القرآن".]].
وقرى [[في (ى): (ويقال).]] (هار) بالإمالة [[وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويحيى عن أبي بكر عن عاصم، وقالون عن نافع، والداجوني عن ابن عامر. انظر: "كتاب السبعة" ص 319، و"إرشاد المبتدي" ص 356، و"تحبير التيسير" ص 121.]]، وهي حسنة لما في الراء من التكرير، فكأنك قد لفظت براءين مكسورتين وبحسب كثرة الكسرات تحسن الإمالة.
وقوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الانهيار والانهيال متقاربان في المعنى كما تقاربا في اللفظ، قال الشاعر [[هو: تميم بن أُبي بن مقبل، والبيت في "ديوانه" ص326، و"الشعر والشعراء" ص 299، ورواية البيت فيهما:
يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حينًا وينهاه الثرى حينًا
وانظر: البيت بلا نسبة بمثل رواية المؤلف في "الحجة" 4/ 229.
والشاعر يصف نسوة كما في "الشعر والشعراء"، الموضع السابق، والنقا: الكثيب من الرمل. انظر: "لسان العرب" (نقا) 8/ 4532.]]:
كمثل هيل نقًا طاف الوليد به ... ينهار حينًا وينهاه الثرى حينا
وفاعل (انهار): البنيان، والكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى الباني أي انهار البنيان بالباني ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنه معصية وفعل لما كرهه الله من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، وهذه الآية بيان عما يوجبه تأسيس البنيان على التقوى من الله والرضوان من أن صاحبه هو الأفضل، مما يجب له من ثواب الله وكرامته، خلاف من أسسه على الفساد، فكان كمن بني على شفير النار، قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل على أن جهنم في الأرض؛ لأن البناء إنما ينهار إلى أسفل) [[لم أجد من ذكر هذا القول، ولم يتبين لي من أبو إسحاق هذا، ويبعد أن يكون الزجاج؛ لأنه يرى الانهيار -المذكور من باب التمثيل حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: وهذا مثل، المعنى: (أن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا وكفرًا كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها). "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 470، كما يبعد أن يكون أبا إسحاق الثعلبي؛ لأنه فسر الآية بمثل تفسير الزجاج فقال: (هذا مثل لضعف نياتهم وقلة بصيرتهم في عملهم)، "تفسير الثعلبي" 6/ 150 أوإلى مثل قولهما ذهب كثير من المفسرين كابن جرير 11/ 32، والسمرقندي 2/ 75، والزمخشري 2/ 215، وذهب بعض المفسرين إلى ظاهر اللفظ، قال القرطبي في "تفسيره" 8/ 265: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين:
الأول: أن ذلك حقيقة، وأن النبي ﷺ إذ أرسل إليه فهدم رؤي الدخان يخرج منه، من رواية سعيد بن جبير، وقال بعضهم: (كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة)، وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان، وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال: (جهنم في الأرض ثم تلا ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ وقال جابر ابن عبد الله: (أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ﷺ).
والثاني: أن ذلك مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم فكأنه انهار إليه، وهوى فيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 9]، والظاهر الأول؛ إذ لا إحالة في ذلك، والله أعلم.]].
9:110Page 204
لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠
Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.
قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، ذكرنا الكلام في ﴿لَا يَزَالُ﴾ عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 217] [[انظر: النسخة الأزهرية 1/ 132 أوقد قال في هذا الموضع: (وقوله تعالى: (ولا يزالون) يعني مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له يقال: ما يزال يفعل كذا أو لا يزال، ولا يقال منه فاعل ولا مفعول، ومثله من الأفعال كثير .. ومعنى (لا يزالون): أي يدومون، وكأن هذا مأخوذ من قولهم: زال عن الشيء، أي تركه، فقولك: ما زال يفعل كذا، أي لم يتركه).]].
وقوله تعالى: ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾ هو مصدر يراد به المفعول، وإذا كان كذلك كان المضاف محذوفًا تقديره: لا يزال بناء [[في (ح): (بنيان).]] المبني الذي بنوه ريبة، ومعنى: ﴿الَّذِي بَنَوْا﴾ مع قوله: ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾ يبين معنى ذلك البناء، إذ قد يجوز أن يراد به المستقبل لو لم يوصف بالماضي، وقوله تعالى: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الريبة والريب: الشك، قال ابن عباس: (يريد شكًا في قلوبهم، كما قال في سورة البقرة لأهل العجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 93] [[رواه بنحوه الثعلبي 6/ 150 أ، والبغوي 4/ 97، ورواه مختصرًا من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي الإمام ابن جرير 11/ 33، وابن أبي حاتم 6/ 1884، والبيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 262.]] وهذا قول ابن زيد [[رواه ابن جرير 11/ 34، وابن أبي حاتم 6/ 1884.]] والضحاك [[ذكره مختصرًا الماوردي في "تفسيره" 2/ 405، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 525، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 266، وأشار إليه ابن أبي حاتم 6/ 1885.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد الموت) [[رواه ابن جرير 11/ 33، وابن أبي حاتم 6/ 1885، والبيهقي في دلائل النبوة 5/ 262.]]، وقال الضحاك: (يقول: لا يزالون في شك منه إلى الموت) [[رواه الثعلبي 6/ 150 ب، والبغوي 4/ 97، وأشار إليه ابن أبي حاتم 6/ 1885.]]، ونحو هذا قال مجاهد وقتادة: (إلى الممات) [[رواه عنهما ابن جرير 11/ 33.]]، وقال أبو عمرو: (معناه حتى يموتوا فيستيقنوا) [[لم أجد من ذكره، ولم يتبين لي من أبو عمرو هذا، والقول في "تفسير الثعلبي" 6/ 150 ب منسوبًا لقتادة والضحاك.]]، هذا الذي ذكرنا قول المفسرين، ومعنى الآية على ما قالوا: إن الريبة في التردد هي المعنى بالحيرة، يقول: لا يزالون شاكين مترددين في الحيرة، يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين، كما حُبب [[في (ح): (تحبب)، وهو خطأ.]] العجل إلى قوم موسى، قال أبو علي: (والمعنى: لا يخلص لهم إيمان ولا ينزعون [[في (ى): (يرجعون)، والمثبت موافق للمصدر التالي.]] عن النفاق، ولا تثلج قلوبهم بالإيمان أبدًا، ولا يندمون على الخطيئة التي كانت منهم في بناء المسجد) [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 230 باختصار.]]، قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون الله -جل وعز- جعل عقوبتهم أن ألزمهم الضلال بركوبهم هذا الأمر الغليظ) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 470.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَأ أَن﴾ (إلا) هاهنا بمعنى (حتى) لأنها استثناء من الزمان المستقبل، والاستثناء منه منتهي إليه، فاجتمعت مع (حتى) في هذا الموضع على هذا المعنى، وموضع (أن) نصب، وفي ﴿تُقَطَّعَ﴾ قراءتان: ضم التاء [[وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي، وأبي بكر عن عاصم، وخلف. انظر: "كتاب السبعة" ص 319، و"تقريب النشر" 121، و"إتحاف فضلاء البشر" 245.]]، ومعناه: إلا أن تبلى وتتفتت قلوبهم بالموت، وقرأ حمزة وابن عامر ﴿تَقَطَّعَ﴾ بفتح التاء [[وهي كذلك قراءة أبي جعفر ويعقوب، وحفص عن عاصم. انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.]]، بمعنى تتقطع، ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الأولى؛ إلا أن الفعل أسند إلى القلوب لمّا [[في (ى): (وما)، وهو خطأ.]] كانت هي البالية المتقطعة، وهذا مثل: مات زيد، ومرض عمرو، وسقط الحائط، ونحو ذلك مما يسند الفعل فيه إلى من حدث فيه، وإن لم يكن له، ويدل على صحة ما قلنا إن معنى (إلا) هاهنا: الغاية، ما روي أن في حرف أُبىَّ: (حتى الممات) [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 231، و"البحر المحيط" 5/ 101، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف.]] وهذا يدل على أنهم يموتون على نفاقهم، فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوه من الإيمان، وأخذوا به من الكفر، وفي قراءة الحسن (إلى أن) [["إتحاف فضلاء البشر" ص 245، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 452، و"تفسير ابن جرير" 11/ 33 - 34.]] مخففة بمعنى حتى، وهو اختيار أبي حاتم ويعقوب [[هو: يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي مولاهم، أبو محمد البصري، أحد القراء العشرة، وإمام أهل البصرة ومقرئها، كان عالمًا بالعربية ووجوهها، والقراءات واختلافاتها، فاضلًا نقيًا تقيًا، توفي سنة 205 هـ.
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 157، و"غاية النهاية في طبقات القراء" 2/ 386.]] [[انظر: "تفسير الثعلبى" 6/ 150 ب، و"تقريب النشر" 121، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 245.]]، هذا الذي ذكرنا مذهب عامة المفسرين وقول أصحاب المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 452، وللزجاج 2/ 471، و"تفسير ابن جرير" 11/ 34 - 35، والبغوي 4/ 97، و"الدر المنثور" 3/ 500.]]، وفي الآية قول آخر زعم المبرد أن الآية على تقدير حذف المضاف كأنه قيل لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا ريبة، أي: حزازة وغيظًا في قلوبهم منكم ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم [[انظر قول المبرد في: "تفسير الثعلبي" 6/ 150 ب، وابن الجوزي 3/ 503، ولم أجده فيما بين يدي من كتب المبرد.]]، وهذا قول السدي [[رواه الثعلبي 6/ 150 أ، والبغوي 4/ 97، ورواه مختصرًا ابن جرير 11/ 34.]] وحبيب بن أبي ثابت [[هو: حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيي الكوفي، تابعي ثقة فقيه جليل، وكان مفتي الكوفة، وتوفي سنة 119 هـ.
انظر: "تذكرة الحفاظ" 1/ 116، و"تهذيب التهذيب" 1/ 347، و"تقريب التهذيب" ص150 (1084).]] [[انظر قوله في "تفسير الثعلبي" 6/ 150 ب، ورواه مختصرًا ابن جرير 11/ 34، وابن أبي حاتم 6/ 1885.]]
والقول هو الأول [[يعني القول بأن معنى (تقطع قلوبهم) أي يموتوا، وقد رواه ابن جرير 11/ 33 - 35 عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة، وعن مجاهد وقتادة وحبيب بن أبي ثابت وابن زيد.]]، والآية بيان عما يوجبه البناء على الفساد من كون القلب على الريبة الموجبة للحيرة، حتى تتقطع حسرة حين لا تنفع الندامة، ولا يمكن استدراك الخطيئة، أو حتى تنقطع بالموت، فحينئذ يستيقن أنه كان مسيئاً بما فعل من النفاق، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد بخلقه، الصادق منهم والشاك ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما جعل للصادقين من الثواب، وللكاذبين [[في (ى): (للكافرين).]] من العقاب) [[لم أقف عليه.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences