Al-Wahidi (al-Basit)At‑Tawbah · 9:31–34

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:31–34

9:31Page 191

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾، قال أبو عبيد: الأحبار: "الفقهاء" [[لم أجده إلا في "تفسير الرازي" 16/ 37، وهو كثير النقل من "البسيط" للواحدي، ويغلب على الظن أنه وهم من المؤلف فإن عبارة أبي عبيد في "غريب الحديث" 1/ 60 نصها: وأما الحبر من قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ فإن الفقهاء يختلفون فيه فبعضهم يقول: حَبْرٌ، وبعضهم يقول: حِبْرٌ، وقال الفراء: "إنما هو حِبْرٌ يقال للعالم ذلك".

فلعل المؤلف نظر نظرة عجلى إلى هذا النص وحسب أن كلمة (الفقهاء) فيه تفسير للأحبار، لا سيما أنه موطن اشباه، والله أعلم.]]، واختلفوا في واحده فبعضهم يقول: حَبْر، وبعضهم يقول حِبْر، قال: وقال الفراء: "إنما هو حِبْر، يقال ذلك للعالم".

وقال الأصمعي: "لا أدري أهو الحَبر أو الحِبر للرجل العالم" [[ا. هـ. كلام أبي عبيد، و"غريب الحديث" 1/ 61، وانظر: قول الفراء أيضًا في "تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721، و"تفسير ابن جرير" 10/ 113 - 114 ولم أجده في "معاني القرآن".]].

وكان أبو الهيثم يقول: واحد الأحبار حَبر بالفتح لا غير، وينكر الكسر [[ساقط من (ح).]] [["تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721.]].

ابن السكيت عن ابن الأعرابي: حِبْر وحَبْر للعالم [["إصلاح المنطق" ص 32، والمصدر السابق، نفس الموضع.]].

[وقال الليث: "هو حِبْر وحَبْر للعالم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] ذميا كان أو مسلما بعد [[في عبارة النسخة (ى) اضطراب، ونصها: ذميًّا كان أو مسلمًا بعد حبر وحبر أن يكون ... إلخ.]] أن يكون من أهل الكتاب" [["تهذيب اللغة" (حبر) 1/ 721، والنص في كتاب "العين" (حبر) 3/ 218، وانظر إطلاق الحبر على العالم المسلم ولو لم يكن من أهل الكتاب في "صحيح البخاري" (6736)، كتاب الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابن.]].

والكلام في الرهبان قد مضى عند قوله: ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: 82] [[انظر: النسخة (ح) 2/ 67 أحيث قال: (وأما الرهبان فهو جمع راهب، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان، قال الليث: الرهبانية مصدر الراهب، والترهب: التعبد في صومعة .. وأصل الرهبانية من الرهبة بمعنى المخافة).]].

وقال أهل المعاني: "الحبر: العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها، والراهب: الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية، وكثير استعماله في متنسكي النصارى" [[انظر: "تفسير الرازي" 16/ 37.]].

قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾: فقهاؤهم وعبادهم" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1784 بلفظ: الأحبار: القراء، وفي "تنوير المقباس" ص191: "اتخذوا أحبارهم": علماءهم.]]. وقال الضحاك: "علماؤهم وقراؤهم" [[رواه ابن جرير 10/ 114، وابن أبي حاتم 6/ 1784.]].

وقال عدي بن حاتم: "انتهيت إلى رسول الله -ﷺ- وهو يقرأ من سورة براءة فقرأ هذه الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! وكان عدي نصرانيا، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه [[في (م): (فتستحلونه).]]؟ " فقلت بلى، فقال: "فتلك عبادتهم" [[رواه الترمذي (3095)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب آداب القاضي، رقم (20350) 10/ 198، وابن جرير 10/ 114، وابن أبي حاتم 6/ 1784، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 415، وزاد نسبته إلى ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، وفي سند الترمذي والبيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم غطيف بن أعين، وهو ضعيف كما في "تقريب التهذيب" ص 443 (5364)، وكتاب "الضعفاء والمتروكين" ص324، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.

لكن للحديث طرق انظرها في: "كتاب تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 66.]].

وقال أبو البختري [[هو: سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، أبو البختري الكوفي، تابعي فقيه ثقة، وكان مقدم الصالحين القراء الذين ثاروا على الحجاج في فتنة ابن الأشعث، وقتل في وقعة الجماجم سنة 83 هـ.

انظر: "سيرأعلام النبلاء" 4/ 279، و"تهذيب التهذيب" 2/ 38، و"شذرات الذهب" 1/ 92.]] في هذه الآية: "أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية" [[رواه الثعلبي 6/ 98 أ، ورواه بمعناه ابن جرير 10/ 115.]].

وقال الربيع: "قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك [[من (م).]] الربوبية في بني إسرائيل؟ فقال: إنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، (فقالوا [[في (ى): (فقال).]]: لن نسبق أحبارنا بشيء) [[ما بين القوسين تحرف في تفسير ابن جرير (تحقيق: شاكر) هكذا: "قال: لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى" وأشار المحقق إلى أنه لم يهتد للصواب، وحذفت الجملة برمتها في طبعة الحلبي، فليصحح.]]، فما أمرونا به ائتمرنا، وما نُهينا [[هكذا في جميع النسخ، والأولى: نهونا، كما في تفسير ابن جرير والثعلبي.]] عنه انتهينا، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم" [[رواه الثعلبي 6/ 98ب، وبنحوه ابن جرير 10/ 115، وأشار إليه ابن أبي حاتم 6/ 1784.]].

قال أهل المعاني: "معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث [[ساقط من (ح).]] أطاعوهم في كل شيء، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: 96] أي كنار" [[ذكره الثعلبي 6/ 98 ب، والقرطبي 8/ 120 منسوبا إلى أهل المعاني دون تعيين.]].

وهذا بيان أن مخالف أمر الله في التحريم والتحليل كالمشرك في عبادة الله، لأن استحلال ما حرم الله كفر بالإجماع، وكل كافر مشرك، ومن اعتقد طاعة أحد لعينه أو لصفة فيه فأطاعه في خلاف ما أمر الله فهو من الذين ذكروا في هذه الآية أنهم كانوا يعتقدون وجوب طاعة أحبارهم، فأخبر الله تعالى أنهم اتخذوهم أربابًا.

وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: اتخذوه ربًا" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 191 بلفظ: اتخذوا المسيح ابن مريم إلهًا.]].

[وقوله -عز وجل-] [[من (م).]] ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾، قال: يريد في التوراة والإنجيل" [[ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 490، ورواه الفيروزأبادي ص 191 بلفظ: في جملة الكتب.]]، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو الذي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [[في (م): (وهو الذي لا إله غيره).]] سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه نفسه أن يكون له ولدٌ، أو شريك، قال الزجاج: "معناه: تنزيها له عن شركهم" [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 444.]].

9:32Page 192

يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، قال ابن عباس: "يريدون أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم" [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 426، والمصنف في "الوسيط" 2/ 491، وبنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.]]، فمعنى نور الله في قول أكثرهم: الإسلام [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 116، وابن أبي حاتم 6/ 1784، والثعلبي 6/ 98 ب.]]، يعني أنهم يكذبون به، ولعرضون عنه، يريدون إبطاله بذلك.

وقال الكلبي: "يردون [[في (ح): (يريدون)، وهو خطأ.]] القرآن بألسنتهم تكذيبًا له" [[رواه الثعلبي 6/ 98 ب، والبغوي 4/ 39.]]، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.

قال الفراء: "لم يجىء عن العرب حرف على (فعل) (يفعل) مفتوح العين في الماضي والغابر إلا وثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق، غير أبى يأبى، جاء نادرًا" [["تهذيب اللغة" (أبى) 1/ 113، وقد زاد اللغويون: قلى يقلى، وغشى يغشى، وشجى يشجى، وجبى يجبى. انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.]]، ويقال: رجل أبيٌّ، وأبيان [[ساقط من (ى).]]، وأباء: ذو إباء شديد، وأخذه إباء [[في (ح): (إباءة)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "تهذيب اللغة" (أبى) 1/ 113.]]: إذا كان يأبى الطعام فلا يشتهيه.

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، قال ابن عباس: "إلا أن يظهر دينه" [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.]].

قال الفراء: "دخلت (إلا) لأن في (أبيت) طرفًا من الجحد، ألا ترى أن (أبيت) كقولك: لم أفعل [[في النسخة (ح) اضطراب وتحريف، ونص قول الفراء فيها: ودخلت (إلا) أن في أثبت طرفًا من الجحد ألا ترى أن أثبت لقولك لم أفعل ... إلخ، وما في (م) و (ى) موافق لما في "معاني القرآن".]]، ولا أفعل، ولولا ذلك لم يجز دخول (إلا) كما إنك لا تقول: ضربت إلا أخاك، ولا ذهب إلا أخوك، [دون أن تقول: ضربت القوم، وذهب القوم] [[ما بين المعقوفين ليس موجودًا في "معاني القرآن" 1/ 433.]] وأنشد:

فهل [[في "معاني القرآن": وهل.]] لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنما [[في (ح) و (م): (ابنا، والصواب ما في (ي) كما في "معاني القرآن" 1/ 433.]] [[البيت للمتلمس، وهو في "ديوانه" ص30 وانظر: "الأصمعيات" ص 245، و"خزانة الأدب" 10/ 58، و"المقاصد النحوية" 4/ 568، و"المقتضب" 2/ 93.]] وقال الزجاج: "دخلت (إلا) ولا جحد في الكلام، وأنت لا تقول: ضربت إلا زيدا؛ لأن الكلام غير دال على المحذوف، وإذا قلت: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ فالمعنى: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره، والحذف مستعمل مع الإباء" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 444.]]، وأنكر قول الفراء فقال: "لو جاز ما قال على أن فيه طرفًا من الجحد لجاز: كرهت إلا أخاك، ولا دليل ههنا على المكروه ما هو؟ ولا من هو؟ فـ (كرهت) مثل (أبيت) [إلا أن أبيت] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (ح).]] الحذف مستعمل معها [[ساقط من: (ح).]] " [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 444 وأكثر الجمل منقولة بالمعنى.]].

9:33Page 192

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، قال ابن عباس: "يريد: محمدًا ﷺ [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.]] ﴿بِالْهُدَى﴾ قال: بالقرآن [[رواه الثعلبي 6/ 99 أ، والفيروزأبادي ص 192.]]، وقيل: بالبيان الذي يؤدي إلى نعيم الثواب في الجنة" [[ذكره بنحوه الثعلبي في الموضع السابق، ولم يعين القائل.]]، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: "يريد الحنيفية" [[رواه الفيروزأبادي ص 192 بلفظ: "دين الإسلام، شهادة أن لا إله إلا الله".]]، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [قال ابن عباس: "ليظهر الرسول على الدين كله" [[رواه ابن جرير 10/ 117، وابن أبي حاتم 6/ 1786، والبيهقي في "سننه" 9/ 306، والثعلبي 6/ 99 أوهو من رواية علي بن أبي طلحة.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] يعني [[من (م).]]: ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهر عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء.

وقال في رواية عطاء: "ليعليه على جميع الأديان" [[رواه بمعناه ابن أبي حاتم 6/ 1786 ب، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب النكاح، رقم (13986) 7/ 280 من رواية عكرمة.

قال الإمام الشافعي: "فقد أظهر الله جل ثناؤه دينه الذي بعث به رسول الله -ﷺ- على الأديان بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الكتاب، ودين الأميين فقهر رسول الله ﷺ الأميين .. وقتل من أهل الكتاب وسبق حتى دان بعضهم الإسلام، وأعطى بعضٌ الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه ﷺ وهذا ظهور الدين كله".

"سنن البيهقي الكبرى"، كتاب السير، باب ظهور دين النبي 9/ 301.]]، وعلى هذا اختلفوا: فقال أبو هريرة والضحاك: "ذلك عند خروج عيسى" [[رواه عن أبي هريرة الإمام ابن جرير 10/ 116، وفي سنده راوٍ لم يسم. ورواه أيضاً عبد بن حميد وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 176، وذكره عنه بغير سند الثعلبي 6/ 99 أ، والبغوي 4/ 40 وقد روياه في نفس الموضع عن الضحاك. وقد جاء في "الصحيحين" ما يشهد له من بعض الوجوه، وهو قول النبي -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". رواه البخاري (2476)، كتاب المظالم، باب كسر الصليب، ومسلم (155)، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى -عليه السلام- ...]].

وقال السدي: "ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في دين الإسلام، أو أدى الخراج" [[رواه الثعلبي 6/ 99 أ، وذكره القرطبي 8/ 121.]]، وقال الكلبي: "لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك" [[رواه الثعلبى في الموضع السابق.]].

وقال أهل المعاني: "معناه: ليعلي دين الإسلام على كل دين بالحجة والغلبة" [[رواه بنحوه الثعلبي 6/ 99 ب، عن الحسين بن الفضل الموصوف بأنه إمام عصره في معاني القرآن كما في "طبقات المفسرين" للسيوطي ص 37، وهو أيضاً قول النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 14.]]، وقد صح ظهوره عليها فحجة هذا الدين أقوى الحجج، والغلبة لهذا الدين على سائر الأديان؛ فإن أهل الإسلام يغزون أهل سائر الملل، [وأهل سائر الملل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] لا يغزون أهل الإسلام [[هذا يوم كان المسلمون أمة واحدة معتصمين بحبل الله، مستمسكين بدينه، وكان الله يدافع عنهم، ويعلي شأنهم، ويقذف الرعب في قلوب أعدائهم، أما اليوم بعد أن طال على المسلمين الأمد، وقست قلوبهم، وتفرقت كلمتهم، وقذف في قلوبهم الوهن -حب الحياة وكراهية الموت- فقد تسلط عليهم الأعداء، وأصبحت بلاد المسلمين نهبًا لكل طامع، وصدق فيهم قول نبيهم ﷺ: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذٍ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل". رواه أحمد 5/ 178 بسند صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" رقم (8183).]].

وقيل: أراد في جزيرة العرب [[ذكره بمعناه الثعلبي 6/ 99 ب، والبغوي 4/ 40، وبلفظه القرطبي 8/ 122، وأبو حيان 5/ 33، ولم يعين أحد منهم القائل.

وهذا القول فيه نظر؛ فقد صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وذلًا يذل الله به الكفر". رواه أحمد في "المسند" 4/ 6،103/ 4.]]، وحصل ذلك بإجلاء أهل الذمة منها، وظهور الدين فيها كلها.

9:34Page 192

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ قال ابن عباس: "يريد أن كثيراً من الفقهاء والعباد من أهل الكتاب" [[ذكره السمرقندي 2/ 46 بلفظ: الأحبار: العلماء، والرهبان: أصحاب الصوامع، وبنحوه في "تنوير المقباس" ص 292.]]، وقال السدي: "أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى" [[رواه ابن جرير 10/ 117، وابن أبي حاتم 6/ 1787، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 417.]].

وقوله تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هو ما ذكرنا في مواضع من أخذهم الرشى [[الرشى: بضم الراء وكسرها، جمع رشوة، وهي ما يعطاه من يعين على الباطل. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (رشا) 2/ 226، و"لسان العرب" (رشا) 3/ 1653.]] في الحكم وما كانوا يصيبونه من المآكل من سفلتهم، وخافوا ذهاب ذلك عنهم بتصديق النبي -ﷺ- لو صدقوه، فصرفوا الناس عن الإيمان به، فذلك قوله [[ساقط من (ح).]]: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: "يريد قريظة والنضير وصدهم [[في (ح) و (ى): (فصدهم).]] عن طاعة الله" [[في "تنوير المقباس" ص 192: ("ويصدون عن سبيل الله": عن دين الله وطاعته.]]، قال أهل المعاني: "أراد بقوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يتملكونها، فوضع يأكلون موضعه؛ لأن الأكل عرّضهم لذلك" [[انظر: "زاد المسير" 3/ 428، و"مفاتيح الغيب" 16/ 43 ولبم أجد من ذكره من أهل المعاني.]].

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ذكر في محل "الذين" قولان: أحدهما: النصب بالعطف على اسم إن، فيكون المعنى ويأكلها الذين يكنزون. والثاني: الرفع بالاستئناف [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 14 - 15، و"البحر المحيط" 5/ 36، و"الدر المصون" 6/ 41.]]، والقولان مبنيان على سبب النزول.

واختلفوا في نزول الآية، فالأكثرون على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ إلى آخره مستأنف نازل في هذه الأمة، قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ يريد: من المؤمنين" [[ذكره بنحوه ابن الجوزي 3/ 429.]]، وقال السدي: "أما الذين يكنزون الذهب والفضة فهم أهل القبلة" [[رواه ابن جرير 10/ 118، وابن أبي حاتم 6/ 1788.]]، وروي عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية فقال: هم أهل الكتاب، وهي خاصة [عامة] [[رواه ابن جرير 10/ 120 من رواية العوفي.]]، قال أهل العلم: "أراد أن الآية نازلة في أهل الكتاب وهي خاصة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] فيمن لم يؤد الزكاة من المسلمين، عامة في جميع أهل الكتاب من أنفق ومن [[من (م).]] لم ينفق؛ لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا" [[القول لابن جرير، انظر: "تفسيره" 10/ 121، والمتبادر إلى الذهن أن معنى قول ابن عباس -إن صح عنه -: هي خاصة في أهل الكتاب، عامة فيمن فعل فعلهم من المسلمين.]]، وقال أبو ذر: "كنت بالشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب، فقلت: إنها لفينا وفيهم" [[رواه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب ما ذكر في الكنز .. == 3/ 212، ورواه مطولاً البخاري (1406)، كتاب: الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، وابن جرير 10/ 121 - 122، والثعلبي 6/ 103 ب.]].

وأصل الكنز في كلام العرب: الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، على ظهر الأرض كان أو في بطنها، يدل على ذلك قول الهذلي [[هو: المتنخل الهذلي، وهو مالك بن عويمر أو عمرو بن عثمان بن حبيث الهذلي، أبو أثيلة، شاعر مجيد، من نوابغ شعراء هذيل. انظر: "خزانة الأدب" 2/ 135، و"الشعر والشعراء" ص 438، و"الأعلام" 5/ 264.]]:

لا دَرَّ دَرّي إن أطعمت نازلكم ... قِرْف الحتيّ وعندي البر مكنوز [[البيت منسوب للمتنخل في "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1263، و"جمهرة اللغة" (برر) 1/ 67، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 550، و"لسان العرب" (برر) 1/ 254، كتاب "المعاني الكبير" 1/ 384، ونسب البيت لأبي ذؤيب الهذلي في كتاب "الحيوان" 5/ 285، و"شرح شواهد الشافية" ص 488، ونسب أيضًا للمتلمس، وهو في ملحق "ديوانه" ص 291.

قال ابن قتيبة: "يقال: لا در در فلان: أي لا كانت له حلوبة ولا رزق، والحتي: سويق المقل، والقرف: ما انقشر منه" كتاب "المعاني الكبير" 1/ 384.]]

وقال الليث: "يقال: كنز الإنسان مالاً يكنزه، والكنز: اسم للمال إذا أحرز في وعاء" [["تهذيب اللغة" (كنز) 4/ 3192، ونحوه في كتاب "العين" (كنز) 5/ 321.]]، يقال: كنزت البر في الجراب فاكتنز، واختلفوا في المراد بهذا الكنز، وترك هذا الإنفاق، فالذي عليه الأكثرون -وهو الإجماع اليوم- أن المراد بهذا الكنز هو جمع المال الذي لا تؤدى زكاته [[انظر: "المصنف" للصنعاني 4/ 106 - 108، ولابن أبي شيبة 3/ 190، و"تفسير ابن جرير" 10/ 117 - 122، وابن أبي حاتم 6/ 1788 - 1789، والثعلبي 6/ 100 أ - 101 ب، و"الدر المنثور" 3/ 417 - 419.]].

ومعنى قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يؤدون زكاتها وهذا مذهب عمر وابنه وجابر، وقول ابن عباس [[سيأتي تخريج قول ابن عباس ومن ذكر قبله.]] والضحاك [[رواه الثعلبي 6/ 100 أ.]] والسدي [[رواه ابن جرير 10/ 118، والثعلبي 6/ 100 أ.]]، قال ابن عمر: "كل ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز، وإن كان فوق الأرض" [[رواه الصنعاني في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب إذا أديت زكاته فليس بكنز، رقم (7141) 4/ 107، وابن جرير 10/ 118، وابن أبي حاتم 6/ 1788، والثعلبي 6/ 100 أ، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب تفسير الكنز رقم (7230) 4/ 139، ورواه مختصرًا مالك في "الموطأ"، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الكنز 1/ 218، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب ما قالوا في المال الذي تؤدى زكاته فليس بكنز 3/ 190.]]، وقال عمر: "ما أدي [[في (ى): (ما أدري).]] زكاته فليس بكنز" [[رواه الصنعاني وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي في المصادر السابقة، نفس المواضع.]]، وقال جابر: "إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز" [[المصادر السابقة، نفس المواضع، عدا ابن جرير وابن أبي حاتم، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله ... إلخ رقم (7239) 4/ 141.]].

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ "يريد: الذين لا يؤدون زكاة أموالهم" [[رواه ابن جرير 10/ 121، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 417، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.]].

وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا جمع المال وإن أديت الزكاة، قال [[في (ى): (وقال)، وهو خطأ.]] علي -رضي الله عنه-: "كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه [[في (ح): (عنه).]] الزكاة أو لم تؤد" [[رواه الصنعاني في "المصنف"، كتاب الزكاة، باب كم الكنز؟ رقم (7150) 4/ 109، وابن جرير 10/ 119، وابن أبي حاتم 6/ 1788، والثعلبي 6/ 100 ب.]]، وقال عبد الواحد بن زيد [[هو: عبد الواحد بن زيد القاص، أبو عبيدة البصري، عابد قاص مشهور، له حكايات في الزهد والرقائق، لكنه لبس له علم بالحديث، قال البخاري: منكر الحديث، يذكر بالقدر، وقال الجوزجاني: سيء المذهب، ليس من معادن الصدق، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه. انظر: "حلية الأولياء" 6/ 155، و"صفة الصفوة" 3/ 217، و"تعجيل المنفعة" 1/ 830.]]: "كل ما فضل من المال عن حاجته [[ساقط من (ح).]] صاحبه إليه فهو كنز" [["تفسير الثعلبي" 6/ 100 ب.]]، وروى ثوبان عن رسول الله -ﷺ- أنه قال لما نزلت هذه الآية: "تبًا للذهب تبًا للفضة يقولها ثلاثًا" قالوا: يا رسول الله: فأي المال نتخذ؟ قال: "لسانا ذاكرًا، وقلبا شاكرًا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه" [[رواه الترمذي (3094)، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، وابن ماجه، (1856) كتاب النكاح، باب أفضل النساء، وأحمد في "المسند" (5/ 278، 282، 366)، وابن جرير 10/ 119، والواحدي في "أسباب النزول" (ص 250)، وصححه الألباني كما في "صحيح ابن ماجه" (1505)، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 71: حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب.]].

وعن أبي ذر قال: أتيت رسول الله -ﷺ- وهو في ظل الكعبة، فلما رآني قد أقبلت قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة، [هم الأخسرون ورب الكعبة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] " قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: "الأكثرون، إلا من قال بالمال في عباد الله هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم" [[رواه البخاري (6638)، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي؟ ومسلم (990)، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، والترمذي (617)، كتاب الزكاة، باب ما جاء عن رسول الله -ﷺ- في منع الزكاة من التشديد، والنسائي، كتاب الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة 5/ 10، 11.]].

وروي هنا أيضًا عن جماعة من الصحابة أنهم ذهبوا إلى أن [[ساقط من (ى).]] هذه الآية فيمن ادخر المال عن الإنفاق في سبيل الله بعد الزكاة أيضًا [[ذكر منهم علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو هريرة وعمار بن ياسر. انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 101 أ، وابن كثير 2/ 388، وبعض الأسانيد إليهم ضعيفة.]].

والصواب: القول الأول؛ لأنه لا وعيد لمن جمع المال من الحلال وأدى الزكاة لقوله ﷺ: "من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه" [[حديث ضعيف، رواه أبو داود في "المراسيل" عن الحسن عن النبي -ﷺ-، كما في "تلخيص الحبير" 2/ 160، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله ... إلخ رقم (7241) 4/ 142، وانظر "ضعيف الجامع الصغير"، رقم (5379).]]، وقوله ﷺ: "نعما بالمال الصالح للرجل الصالح" [[رواه الإمام أحمد في "المسند" 4/ 202، وذكره البغوي في "شرح السنة"، كتاب الرقاق، باب استحباب طول العمر ... 7/ 319 بغير سند.]]، وقول ابن عمر -وسئل عن هذه الآية-، فقال: "من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، وما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله فيه" [[رواه ابن ماجه (1787)، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، والبيهقي في "السنن الكبرى"، باب تفسير الكنز .. رقم (7229) 4/ 139، ورواه البخاري (1404) مختصرًا، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز.]]، فعلى هذا من كان له دراهم أو دنانير فدفنها تحت الأرض وهو [[من (م).]] يؤدي زكاتها فهو بمعزل عن [[في (ى): (من).]] الوعيد المذكور في هذه الآية، ولا يطلق اسم الكنز بالشرع على ذلك المال [[ومما يؤيد ذلك ما يأتي:

أ- أن الله تعالى شرع الوصية والمواريث، ولو كان انفاق جميع المال واجبًا لما كان لمشروعية ذلك فائدة.

ب- نهي النبي -ﷺ- سعدًا أن يتصدق بجميع ماله، بل وأن يتصدق بأكثر من الثلث وذلك في مرضه الذي غلب على ظنه موته فيه، ثم تعليل النبي -ﷺ- ذلك بقوله: " .. فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم" رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير .. 4/ 47، وهذا الحديث كان بعد فتح مكة كما جاء في أوله، فهو مبين ما استقر عليه الإسلام.]]، وإن كان له مال فوق الأرض وهو لا يؤدي زكاته فذلك المال بالشرع يسمى [[في (م): (يسمى بالشرع) ... إ الخ.]] كنزًا، ولحقه الوعيد.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال الفراء والزجاج: "إن شئت جعلت الكناية [[يقصد الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ بالإفراد، وهو يعود إلى الذهب والفضة، وكان الظاهر أن يقول: ولا ينفقونهما.]] راجعة إلى مدلول عليه، وهو الكنوز كأنه قال: ولا ينفقون الكنوز" [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 434، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 445.]]، قال الزجاج: "ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال [[اهـ. كلام الزجاج، المصدر السابق، نفس الموضع.]]؛ لأن الأموال هي الذهب والفضة، قال: ويجوز أن تكون: ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهمب لأنه داخل في الفضة" [[المصدر السابق، نفس الموضع.]]، وهذا معنى قول الفراء: "وإن شئت اكتفيت بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:11] فجعله [[في (ج): (فجعلها).]] للتجارة، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] [[قد كرر ناسخ (ح) ذكر هذه الآية وزاد بعد الموضع الأول قوله: فجعله للتجارة.]] فجعله للإثم، وأنشدوا [[عبارة الفراء: وقال الشاعر في مثل ذلك.]]:

نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف [[البيت لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي كما في "مجاز القرآن" 1/ 39، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 279، و"شرح شواهد الإيضاح" ص128، و"اللسان" (فجر) وقيل: هو لقيس بن الخطيم، كما في "زيادات ديوانه" ص239، و"تلخيص الشواهد" ص 205، و"الدرر اللوامع" 5/ 314، و"كتاب سيبويه" 1/ 75، ونسب في "الإنصاف" ص 85 لدرهم بن زيد الأنصاري.]]

وأنشد الفراء للفرزدق:

إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي [[في (ح): (وأتى).]] وكان وكنت غير غدور [[البيت للفرزدق كما في: "الإنصاف" 8555، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 226، و"كتاب سيبويه" 1/ 76، و"لسان العرب" (قعد) 6/ 3688 وليس في ديوانه.]] ولم يقل غدورين، وذلك لاتفاق المعنى يكتفى بذكر الواحد" [["معاني القرآن" 1/ 434.]].

وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة قال: "صار الخبر عن أحدهما كالخبر [[في (ى): (عن الآخر).]] عنهما، وأنشد قول ضابيء البرجمي [[هو بن الحارث بن أرطاة البرجمي التميمي. تقدمت ترجمته.]]:

فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب [[البيت لضابىء البرجمي كما في "الأصمعيات" ص 184، و"الإنصاف" ص 85، و"خزانة الأدب" 9/ 326، و"كتاب سيبويه" 1/ 75، و"لسان العرب" (قير) 6/ 3793، و"نوادر أبي زيد" ص 20.]] [["مجاز القرآن" 1/ 257 بنحوه.]]

وإلى هذا ذهب صاحب النظم وزاد بياناً فقال: "الذهب والفضة في أنهما جميعًا ثمنان للأشياء كلها [[ساقط من (ى).]] ويكنزان، وهما جميعًا جوهران يدخران يجريان في عامة الأمور مجرى واحداً، فاقتصر في الكناية عن أحدهما دون الآخر؛ إذ [[ساقط من (ى).]] في ذكر أحدهما ذكر لهما [[في (ح) و (ى): (ذكرهما).]] جميعًا"، وقال أبو بكر بن الأنباري: "اكتفى بإعادة الذكر على الفضة لأنها أقرب إلى العائد وأعم وأغلب، كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ [البقرة: 45] ردّ الكناية إلى الأغلب والأقرب" [[ذكر قول ابن الأنباري بلفظ مقارب الثعلبي في "تفسيره" 6/ 102 أ.]].

وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي ضع الوعيد بالعذاب الأليم موضع [[في (ى): (مع).]] البشرى بالنعيم، ويجوز أن يكون المعنى: فأخبرهم؛ لأن أصل البشرى: ما يظهر في بشرة الوجه من فرح أو غم، إلا أنه أكثر [[في (م): (كثر).]] في الفرح، وكلا القولين بما مضى الكلام فيه [[انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 97.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском