Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:6–11
9:6Page 187
وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦
And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية، قال الفراء: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ في موضع جزم وإن فرق بين الجازم والمجزوم بـ"أحد" وذلك سهل في (إن) خاصة دون حروف الجزاء؛ لأنها شرط وليست باسم، فلم يحفلوا أن يفرقوا بينها وبين المجزوم بالمرفوع والمنصوب، فأما المنصوب فمثل قولك: إن أخاك ضربت ظلمت، والمرفوع مثل قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: 176] ولو حولت "هلك" إلى (يهلك) [[في "معاني القرآن": إن يهلك.]] لجزمته [["معاني القرآن" للفراء 1/ 422.]]، ونحو هذا قال الزجاج، فقال: وإنما يجوز الفصل في باب (إن) لأن (إن) أم الجزاء، لا تزول [[في (ح) و (ي): (لا تزال)، والمثبت من (م) وهو موافق لـ "معاني القرآن وإعرابه".]] عنه إلى غيره، فأما أخواتها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر، قال الشاعر [[البيت لعدي بن زيد العبادي، كما في ملحق "ديوانه" 156، و"خزانة الأدب" 3/ 46، و"كتاب سيبويه" 3/ 113.]]:
فمتى واغل يزرهم [[في النسخة (ح) و (م): (ينبهم)، وأثبت ما في النسخة (ى) لأنه موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه"، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم أو طعامهم ولم يدع. انظر: "مجمل اللغة" (وغل) 4/ 931، و"القاموس المحيط"، باب اللام، فصل الواو ص 1069.]] يحيوه ... وتُعطفْ عليه كأس الساقي [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432.]]
قال ابن عباس: " ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ممن لم يكن له عهد" [[لم أقف على مصدره.]]، وقال محمد بن إسحاق: "أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم" [["السيرة النبوية" 4/ 202.]]، وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب: فقال: إن [[في (ح): (إذا)، وما أثبته موافق للمصدر الثاني.]] أراد الرجل منا أن يأتي محمدًا بعد انقضاء هذا الأجل فيسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟! فقال علي: لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية [["تفسير الثعلبي" 6/ 81 أ.]]، وقال الزجاج: "المعنى: إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 431.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، قال السدي [[رواه ابن جرير 14/ 80، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 386.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ.]]: "يعني القرآن"، وقال عطاء عن ابن عباس: "يريد: ما أعد [[في (ي): (ما عطا)، وسقطت (ما) من النسخة (ح).]] الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب وما افترض في دينه من الصلاة والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت وجميع الفرائض" [[لم أعثر عليه.]].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قال: "يريد: الموضع الذي يأمن فيه" [[رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 187.]] يريد: إذا لم يتب، فإن تاب ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقال ابن زيد: "يقول: إن لم يوافقه ما تتلو [[في (ح): (يتلى)، والمثبت موافق لـ"تفسير ابن جرير".]] عليه فأبلغه مأمنه" [[رواه ابن جرير 10/ 80، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1756.]].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يفعل كل هذا لأنهم جهلة، لا يعلمون دين الله وتوحيده وما افترض عليهم، وقال أبو إسحاق "أي: الأمر ذلك، أي: وجب أن يعرّفوا ويجاروا؛ لجهلهم بالعلم فربما يتبينون به الإسلام" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 431.]].
وهذا بيان عن حال الطالب للعلم [[في (ى): (طالب العلم).]]، وليس له عهد من الإمام، حتى يسمع الدليل على الحق، ثم يُردّ إلى مأمنه لينظر في أمره، وقال الحسن في هذه الآية: "إن استعاذك فأعذه حتى يسمع كلام الله، فتقيم عليه حجة الله، وتبين له دين الله، فإن أسلم فقد دخل في عز الإسلام وإن أبى فأبلغه مأمنه ولا تعرض له" [[لم أعثر عليه في مظانه من كتب التفسير.]].
وقال أهل العلم: "الكافر الحربي إذا دخل دار الإسلام كان مغنومًا مع ماله إلا أن يدخل مستجيرًا لغرض شرعي، كاستماع كلام الله رجاء الإسلام، أو دخل لتجارة، فإن دخل بأمان صبي أو مجنون فأمانهما شبهة أمان [[أمان المجنون لا يصح بالإجماع كالصبي غير المميز، أما الصبي المميز فللعلماء في أمانه قولان:
الأول: لا يصح أمانه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
الثاني: يصح أمانه، وهو قول مالك، والرواية المشهورة عن أحمد، وهو الصحيح، لقول الرسول ﷺ "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم". رواه البخاري (3179)، كتاب الجزية، باب: إثم من عاهد ثم غدر 4/ 217، ومسلم (1370)، كتاب الحج، باب فضل المدينة. وانظر: "المهذب" 2/ 235، و"المغني" 13/ 77.]]، فيجب تبليغه مأمنه، وهو أن يبلغ محروسًا في نفسه وماله إلى مكانه الذي هو مأمن له، ومن دخل منهم دار الإسلام رسولاً فالرسالة له [[ساقط من (م).]] أمان [[ساقط من (ى).]]، ومن دخل ليأخذ مالاً له في دار الإسلام، ولماله أمان فأمان ماله أمانه [[في (ى): (أمان).]] " [[انظر: "المهذب في فقه الإمام الشافعي" 2/ 263 بنحوه]].
9:7Page 188
كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧
How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال الفراء: "هذا على التعجب [كما تقول: كيف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] يستبقى مثلك؟ أي لا ينبغي أن يستبقى، قال: وإذا استفهمت بشيء من حروف الاستفهام فلك أن تدعه استفهامًا ولك أن تنوي به الجحد، من ذلك قولك: هل أنت إلا كواحد [[في (م): (واحدًا).]] منا؟! [معناه: ما أنت إلا واحد منا" [["معاني القرآن" 1/ 423.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] وقال غيره من أهل المعاني: "في الآية محذوف تقديره: كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد" [[هذا القول للحوفي في "البرهان" 11/ 142 ب، وذكره الرازي 15/ 229، والقرطبي 8/ 78 دون تعيين القائل.]].
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال الزجاج: "أي: ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينكثوا"، قال: "وموضع "الذين" نصب بالاستثناء" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432.]].
واختلفوا في المعنيّ بقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ والذي يشهد له ظاهر اللفظ أنهم بنو ضمرة وبنو كنانة الذين ذكروا في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 4] وهو قول السدي [[رواه الثعلبي 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15، ورواه ابن جرير 10/ 81 بلفظ: هم بنو جذيمة بن الدئل، ورواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 3/ 386 بلفظ: هم بنو خزيمة بن فلان.]] وابن إسحاق [[انظر: "السيرة النبوية" 4/ 202 وسيذكر المؤلف لفظه.]] والكلبي [[سقط اسم الكلبي من النسخة (ح)، وانظر قوله في: "تفسير الثعلبي" 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15.]] قالوا: "هم قبائل بني جذيمة [[هم بنو جذيمة بن عامر بن عبد كنانة. انظر: "جمهرة أنساب العرب" 187.]] وبنو مدلج [[هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.]] وبنو ضمرة [[هم بنو ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. المصدر السابق ص 185، و"نهاية الأرب" ص 293.]] وبنو الدئل [[هم بنو الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 184، و"نهاية الأرب" ص 61.]] من بني بكر [[هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص180، و"نهاية الأرب" 180، وليس لبكر من هذه القبائل سوى بني ضمرة وبني الدئل، أما بنو جذيمة وبنو مدلج فهم أبناء أخويه.]].
وكذلك قال ابن جريج [[لم أقف على من ذكره، وقد رواه ابن جرير 10/ 81 عنه عن محمد بن عباد.]].
قال محمد بن إسحاق: "هم قبائل من بني بكر [[في السيرة النبوية: من بني بكر.]] الذين [[ساقط من (ح) و (ى).]] كانوا دخلوا في عهد قريش مع النبي -ﷺ- يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين النبي -ﷺ- وبين قريش، فلم يكن نقضه إلا هذا الحي من قريش [[في المصدر السابق زيادة. وبنو الدئل من بني بكر. اهـ. وهو الصواب.]] فأمر النبي -ﷺ- باتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر" [[المصدر السابق 4/ 544.]].
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد ما أوفوا بعهدهم أوفوا بعهدكم" [[رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص188.]]، وقال الزجاج: "أي ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فأقيموا أنتم" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432، وجملة: فأقيموا أنتم ليست من كلام الزجاج.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني من اتقى الله وراقبه في أداء فرائضه، والوفاء بعهده لمن عاهده.
9:8Page 188
كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨
How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ الآية، قال الفراء [["معاني القرآن وإعرابه" 1/ 424.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.]] وابن الأنباري وجميع أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 186، و"إعراب القرآن" له 2/ 6، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب ص 324، و"البرهان" للحوفي 11/ 143.
قلت: قوله "جميع أهل المعاني" فيه نظر؛ فإن الأخفش الأوسط قدر المضمر بقوله: كيف لا تقتلونهم. انظر: "معاني القرآن" له 1/ 355، وجوز أبو البقاء أن يكون المقدر: كيف تطمئنون إليهم. انظر: "التبيان في إعراب القرآن" ص 415.]]: "أي كيف يكون لهم عهد وحالهم ما وصف في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا﴾ الآية، ولكنه حذف ما يتعلق به (كيف)؛ لأنه قد ذكر قبل هذا في الآية المتقدمة فاكتفى به، قال الفراء: "وإذا أعيد الحرف وقد مضى معناه استجازوا حذف الفعل، وأنشدوا [[في "معاني القرآن": كما قال الشاعر.]]: وخبرتماني أنما الموت في القرى ... فكيف وهذي هضبة وكثيب [[البيت لكعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه أبا المغوار الذي مات في البادية، وكان أخوه فرّ به من وباء المدينة انظر: "الأصمعيات" ص97، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 269، و"كتاب سيبويه" 3/ 487، و"لسان العرب" (تفسير هذا) 6/ 3780 (قول).
يقول الشاعر: لقد أخبرني الناس أن الموت يكون في القرى حيث الوباء، فكيف مات أخي في الصحراء حيث الهضاب والكثبان وطيب الهواء.]] [["معاني القرآن" للفراء 1/ 424.]]
أي فكيف مات وليس بقرية، وأنشد أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.]] وأبو بكر قول الحطيئة:
فكيف ولم أعلمهُم خذلوكمُ ... على معظَم ولا أديمكمُ قدُّوا [["ديوانه" ص 140، وفيه: على موطن، ونسب إليه أيضاً في "معاني القرآن" للفراء 1/ 424، و"معاني القرآن" للزجاج 2/ 479، و"الدر المصون" 6/ 16.
وقوله: على معظم: أي أمر عظيم. والأديم: الجلد، وقده: شقه، والمراد: لم يطعنوا في أعراضكم ولم يأكلوا لحومكم بالغيبة.]]
أراد: فكيف يكون ما تقولون حقًّا والأمر على ما أصف.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يقال: ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا صرت فوقه، قال الليث: "الظهور: الظفر بالشيء" [["تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2259 ت والنص في كتاب "العين" (ظهر) 4/ 37.]]، وأظهر الله المسلمين على المشركين أي أعلاهم عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14] وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9]، أي: ليعليه [[ساقط من (ى).]]، قال أهل المعاني: "الظهور: العلو بالغلبة [[ساقط من (ى).]]، وأصله خروج الشيء إلى حيث يصلح أن يدرك" [[في "المفردات" (ظهر) ص 318: ("ظهر الشيء: أصله أن يحصل شيء على ظهر الأرض ثم صار مستعملًا في كل بارز مبصر". اهـ. باختصار.]]، قال ابن عباس: "يريد: أن يقدروا عليكم" [["تنوير المقباس" ص 188 بمعناه.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾، قال الليث: "رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوبًا [[في "تهذيب اللغة" وكتاب العين: رقبانًا.]]، وهو أن ينتظره، ورقيب القوم حارسهم" [["تهذيب اللغة" (رقب) 2/ 1448، ونحوه في كتاب "العين" (رقب) 5/ 154.]]، وقوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: 94] أي لم تحفظه، وقيل: لم تنتظر [[هذا قول ابن جريج، والأول قول ابن عباس، رواه عنهما ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 4/ 548.]]، وهذان معنيان يرجعان إلى واحد، وهو أن معنى الرقوب: العمل في الأمر على ما تقدم به العهد، فالحفظ والانتظار داخل في هذا، قال ابن عباس: "لا يحفظوا" [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 81 ب، والبغوي 4/ 15.]]، وقال الضحاك: "لا ينتظروا" (¬7)، وقال قطرب: "لا يراعوا" (¬7).
واختلفوا في معنى الإل [[في (ى): (الأول)، وهو خطأ.]]، فقال أبو عبيدة: "الإل: العهد" [["مجاز القرآن" 1/ 253 ونص قوله: العهد والعقد واليمين.]]، وقال الفراء: "الإل: القرابة" [["تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184، و"لسان العرب" (ألل) 1/ 112.]]، وقال إسحاق: "وقيل [[ساقط من (ي).]]: الإل: الحلف، يعني الجوار، وقيل: الإل: اسم من أسماء الله -عز وجل-" [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 433.]].
وأما قول المفسرين: فقال ابن عباس والضحاك: "قرابة" [[رواه عنهما ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 81 أ، وابن أبي حاتم 6/ 1758.]]، وهو رواية منصور [[هو ابن المعتمر.]] عن مجاهد [[رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1758 من رواية ابن أبي نجيح.]]، وقال قتادة: "الإل: الحلف" [[رواه ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15.]]، وقال السدي وابن زيد: "هو العهد" [[رواه عنهما ابن جرير 10/ 84، والثعلبي 6/ 82 أ.]]، وهو إحدى الروايات عن مجاهد [[هي رواية ابن أبي نجيح وخصيف عنه. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 85، و"تفسير الإمام مجاهد" ص 365.]]، وقال في سائر الروايات: "الإل هو الله -عز وجل-" [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 83، والثعلبي 6/ 82 أ، وابن أبي حاتم 6/ 1758.]]، وهو قول أبي مجلز [[هو: لاحق بن حميد الشيباني السدوسي البصري، من كبار التابعين، إمام ثقة، مشهور بكنيته، توفي سنة 106هـ على القول المشهور.
انظر: "الكاشف" 3/ 217، و"تهذيب التهذيب" 4/ 582، و"تقريب التهذيب" ص 586 (7490).]] [[رواه ابن جرير 10/ 83، والثعلبي 6/ 82 أ، قال ابن حجر في"فتح الباري" 6/ 267: "عن مجاهد: الإل: الله، وأنكره عليه غير واحد".]]، وبكل هذه المعاني في الإل جاءت الأشعار، قال حسان:
لعمرك إن إلك من قريش ... كإل السقب [[في (ح): (السيف)، وهو خطأ.]] من رأل النعام [["ديوانه" ص 216، و"تفسير ابن جرير" 10/ 85، و"لسان العرب" (ألل) 1/ 113. == والسقب: الذكر من ولد الناقة، كما في "الصحاح" (سقب) 1/ 148، والرأل: ولد النعام، كما في المصدر نفسه (رأل) 4/ 1703. والمعنى: ما قرابتك من قريش إلا كقرابة ولد الناقة من ولد النعام، فأنت دعي ملصق فيهم.]]
يعني القرابة، وقال أوس بن حجر: لولا بنو مالك والإل مرقبة ... ومالك فيهم الإلاء والشرف [["ديوانه" ص31، وتفسير الثعلبي 6/ 81 ب.]]
يعني الحلف، وقال آخر [[لم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في "تفسير الطبري" 10/ 85، والثعلبي 6/ 82 أ، و"البرهان" للحوفي 11/ 145 ب، و"الدر المصون" 6/ 17.]]:
وجدناهم كاذبًا إِلّهم ... وذو الإِلّ والعهد لا يكذب
يعني العهد، وفي حديث أبي بكر أنه قال: "إن هذا الكلام لم يخرج من إل" [[ذكر هذا الأثر أبو عبيد في غريب الحديث 1/ 100، والثعلبي في "تفسيره" 6/ 82 أ، ونصه عنده: إن ناسًا قدموا على أبي بكر -رضي الله عنه- من قوم مسيلمة فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرءوا، فقال أبو بكر: إن هذا ... إلخ.]]، يعني الله -عز وجل-.
قال أبو إسحاق: "وليس عندنا بالوجه قول من قال: الإل اسم من أسماء الله معروفة ومعلومة كما تُليت في القرآن، وسمعت في الأخبار، ولم يسمع الداعي يقول في الدعاء يا إل، قال: وحقيقة "الإل" عندي على [[ساقطة من (ى).]] ما توجبه اللغة: تحديد الشيء [[في (ى): (تحديدًا للشيء)، وما أثبته موافق لسائر النسخ، و"معاني القرآن وإعرابه"، و"تهذيب اللغة".]]، فمن ذلك الألة: الحربة [[في (ح): (الجزية)، وهو خطأ.]] وأذن مؤَلَّلة [[في "معاني القرآن وإعرابه"، و"تهذيب اللغة". آذن مؤللة: إذا كانت محددة.]]، فالإل يخرج في جميع ما فسر من العهد والقرابة والجوار من [[في"معاني القرآن وإعرابه" و"تهذيب اللغة": على.]] هذا، إذا [[هكذا في جميع النسخ و"تهذيب اللغة"، وفي"معاني القرآن وإعرابه": فإذا.]] قطت في العهد: بينهما إلّ، [فتأويله أنهما قد حددا في أخذ العهود] [[ما بين المعقوفين ساقط من "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع، كما يظهر بالمقابلة مع هذا النص ومع "تهذيب اللغة" و"لسان العرب" (ألل).]] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434، و"تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184 - 185 مع اختلاف يسير.]]، وكذلك في الجوار والقرابة، وقال الأزهري: "إيل من أسماء الله -عز وجل- بالعبرانية، فجائز أن يكون أعرب فقيل: إل [[في"تهذيب اللغة": إسرائيل.]] " [["تهذيب اللغة" (أل) 1/ 184 - 185، وقد نسب الأزهري الجملة الأولى لابن السكيت.]].
وقال بعض أهل المعاني: "الأصل في جميع ما فسر به الإل: العهد، وهو مأخوذ من قولهم ألّ يؤلّ [[في (ى): (يؤول).]] إلا، إذا صفا وبرق ولمع، ومنه الألّه للمعانها، وأذن مؤللة: مشبهة بالحربة في تحديدها، فالعهد سمي إلا [[في (ح) و (ى): (الإل).]] لظهوره وصفائه من شائب الغدر" [[ذكر نحو هذا القول الرازي في "تفسيره" 15/ 231.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ الذمة: العهد، وجمعها ذمم وذمام، وهو كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها المذمة، وقال أبو عبيدة: "الذمة: ما يتذمم منه" [["مجاز القرآن" 1/ 253، ونص قوله: "الذمة: التذمم ممن لا عهد له".]]. يعني ما يجتنب فيه الذم، يقال: تذمم فلان أي: ألقى عن نفسه الذم، نحو: تحوب [[تحوب: قال أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 221: "قد يكون التحوب: التعبد== والتجنب للمأثم" اهـ. وفي "لسان العرب" (حوب) 2/ 1036، يقال: "تحوب: إذا تعبد، كأنه يلقي الحُوب عن نفسه، كما يقال: تأثم، وتحنث".]] وتأثم وتحرج، وذُكر في التفسير الوجهان في معنى الذمة، فقال الأكثرون: العهد، وهو قول ابن عباس [[رواه ابن جرير 10/ 84، وابن أبي حاتم 6/ 1758.]]، ومن فسر الإلّ بالعهد قال: "إنما كرر لاختلاف اللفظين للتأكيد والمعنى واحد" [[هذا قول ابن زيد، انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 84، و"البرهان" للحوفي 11/ 145 أ.]]، وهو مذهب المبرد [[لم أقف على مصدره.]]، وحكى محمد بن جرير [[يعني الطبري، انظر: "تفسيره" 10/ 85، والقول لأبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 253.]]: "إن الذمة في هذا الموضع: التذمم ممن لا عهد له".
وقوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ [وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]﴾، قال ابن عباس: "يريد: يقولون بألسنتهم كلاما حلوًا، وفي القلب [[في (ى): (قلوبهم).]] ضمير لا يحبه الله" [["تنوير المقباس" ص 188 بمعناه.]]، وقال سعيد بن جبير: "يرضونكم بالحسن من القول وتأبى قلوبهم الوفاء به" [[لم أقف على مصدره.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: كاذبون" [[ذكره ابن الجوزي 3/ 403 بمعناه.]]، وقال غيره: "ناقضون العهد" [[هذا قول ابن جرير باختصار، انظر: "تفسيره" 10/ 85.]]، وقال أهل المعاني: "الكفار كلهم فاسقون وتخصيص أكثرهم ههنا [[ساقط من (ى).]] على وجهين: أحدهما: أنه أراد المتمردين، والثاني: أنه وضع الخصوص موضع العموم" [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 13.]].
9:9Page 188
ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩
They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.
قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، ومضى الكلام في حقيقة معنى هذا في مواضع [[انظر: "البسيط" آل عمران: 77، 187، 199، المائدة: 44.]]، قال مجاهد: "أطعم أبو سفيان بن حرب حُلفاءه وترك حلفاء النبي -ﷺ-" [[رواه ابن جرير 10/ 86، وابن أبي حاتم 6/ 1759، وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" 3/ 387، وانظر: "تفسير الإمام مجاهد" ص 365.]]، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي -ﷺ- بتلك الأكلة [[هذا التعليل من كلام المؤلف، ولعل المقصود أن أبا سفيان اشترى ذمم حلفائه بمثل ذلك الإطعام، فنقضوا عهد النبي -ﷺ-.]].
قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: فأعرضوا عن طاعة الله، وقال عطاء: "كان أبو سفيان يعطي البعير والناقة والطعام ليصد الناس بذلك عن متابعة النبي -ﷺ-" [[ذكره الثعلبي 6/ 82 ب.]]، وعلى هذا: معنى "فصدوا عن سبيله": منعوا الناس [[ساقط من (ح) و (ى).]] به عن الدخول في الإسلام، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي من اشترائهم [[في (ى): (اشتراء).]] الكفر بالإيمان.
9:10Page 188
لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠
They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.
قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ يعني هؤلاء الناقضين للعهد الذين اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً، وهذا ذم لهم بترك المراقبة للعهد والذمة للمؤمن، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾، قال الكلبي: "أي المعتدون للحلال إلى الحرام بنقض العهد" [[رواه الفيرزأبادي في "تنوير المقباس" ص 188 عن الكلبي عن ابن عباس.]].
9:11Page 188
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١
But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قال ابن عباس: "يريد: عن الشرك" [[المصدر السابق، نفس الموضع.]].
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ قال ابن مسعود: "أُمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة جميعاً ولم يُزك فلا صلاة له" [[رواه ابن جرير 10/ 87، والثعلبي 6/ 82 ب، والبغوي 4/ 16.]]، وقال ابن زيد: "افترضت الصلاة مع الزكاة جميعًا ولم يفرق بينهما وأبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة" [[رواه ابن جرير 10/ 87، والثعلبي 6/ 82 ب.]]، وقال: "يرحم الله أبا بكر ما كان [[(كان) ساقطة من (ى).]] أفقهه" [[هذا الأثر تابع للأثر السابق. وانظره في المصدرين السابقين.]].
وقال أهل العلم: "هذه الآية دليل على أن الصلاة والزكاة مقرونتان بالشهادة في كف السيف وحقن الدم ودليل على أن المؤاخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعًا لأن الله تعالى شرطهما في إثبات المؤاخاة ومن لم يكن من أهل وجوب الزكاة وجب عليه أن يقر بحكمها فإذا أقر بحكمها دخل في الصفة التي تجب بها الأخوة" [[انظر نحو هذا القول في كتاب "الأم" 1/ 424، و"أحكام القرآن" للهراسي 3/ 177، و"الإكليل استنباط التنزيل" ص116.]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، قال الفراء: "معناه: فهم إخوانكم، يرتفع مثل هذا من الكلام بأن يضمر له اسمه مكنيًا عنه كقوله [[في (ى): (قوله)، وفي "معاني القرآن": ومثله.]]: {فَإِنْ لَمْ ﴿تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: 5] أي: فهم إخوانكم" [["معاني القرآن" 1/ 425.]].
قال أبو حاتم: "قال أهل البصرة أجمعون: "الإخوة" في النسب، و"الإخوان" في الصداقة، قال: وهذا غلط، يقال للأصدقاء وغير الأصدقاء: إخوة وإخوان قال الله سبحانه [[في (ح): (قال الله تعالى)، وفي "تهذيب اللغة": قال الله جل وعز.]] وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] لم يعن [[في (ى): (يعني).]] النسب، وقال -عز وجل-: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ [النور: 61] وهذا في النسب" [["تهذيب اللغة" 1/ 128 بنحوه.]].
قال ابن عباس: "حرمت هذا الآية دماء أهل القبلة" [[رواه ابن جرير 10/ 87 وفي سنده رجل لم يسم.]].
﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [أي: نبينها، يعني آيات القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] أنها من عند الله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences