Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:16–19
10:16Page 210
قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦
Say, "If Allāh had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it.1 Then will you not reason?"
﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
هَذا جَوابٌ عَنْ لازِمِ اقْتِراحِهِمْ وكِنايَتِهِ عَنْ رَمْيِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ بِالكَذِبِ عَنِ اللَّهِ فِيما ادَّعى مِن إرْسالِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في الجَوابِ قَبْلَهُ. ولِكَوْنِهِ جَوابًا مُسْتَقِلًّا عَنْ مَعْنًى قَصَدُوهُ مِن كَلامِهِمْ جاءَ الأمْرُ بِهِ مَفْصُولًا عَنِ الأوَّلِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِهِ وأنَّهُ لَيْسَ بِتَكْمِلَةٍ لِلْجَوابِ الأوَّلِ.
صفحة ١٢٠
وفِي هَذا الجَوابِ اسْتِدْلالٌ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لَمْ يَخْتَلِقِ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ بِدَلِيلٍ التَفَّتْ في مَطاوِيهِ أدِلَّةٌ، وقَدْ نُظِّمَ فِيهِ الدَّلِيلُ بِانْتِفاءِ نَقِيضِ المَطْلُوبِ عَلى إثْباتِ المَطْلُوبِ إذْ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ﴾ تَقْدِيرُهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوهُ عَلَيْكم ما تَلَوْتُهُ، فَإنَّ فِعْلَ المَشِيئَةِ يَكْثُرُ حَذْفُ مَفْعُولِهِ في جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، وإنَّما بُنِيَ الِاسْتِدْلالُ عَلى عَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ نَفْيَ تِلاوَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ مُدَّعى الكُفّارِ لِزَعْمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكانَ الِاسْتِدْلالُ إبْطالًا لِدَعْواهُمُ ابْتِداءً وإثْباتًا لِدَعْواهُ مَآلًا. وهَذا الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِن بَدِيعِ الِاسْتِدْلالِ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا آتِيَكم بِهَذا القُرْآنِ لَما أرْسَلَنِي بِهِ ولَبَقِيتُ عَلى الحالَةِ الَّتِي كُنْتُ عَلَيْها مِن أوَّلِ عُمْرِي.
والدَّلِيلُ الثّانِي مَطْوِيٌّ هو مُقْتَضى جَوابِ لَوْ، فَإنَّ جَوابَ لَوْ يَقْتَضِي اسْتِدْراكًا مُطَّرِدًا في المَعْنى بِأنْ يُثْبِتَ نَقِيضَ الجَوابِ، فَقَدْ يُسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِهِ وقَدْ يُذْكَرُ، كَقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلْمى بْنِ رَبِيعَةَ:
فَلَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
فَتَقْدِيرُهُ هُنا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ لَكِنَّنِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكم. وتِلاوَتُهُ هي دَلِيلُ الرِّسالَةِ لِأنَّ تِلاوَتَهُ تَتَضَمَّنُ إعْجازَهُ عِلْمِيًّا إذْ جاءَ بِهِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، وبَلاغِيًّا إذْ جاءَ كَلامًا أعْجَزَ أهْلَ اللُّغَةِ كُلَّهم مَعَ تَضافُرِهِمْ في بَلاغَتِهِمْ وتَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ، ولَيْسَ مِن شَأْنِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَكُونَ فائِقًا عَلى جَمِيعِهِمْ ولا مِن شَأْنِ كَلامِهِ أنْ لا يَسْتَطِيعَ مِثْلَهُ أحَدٌ مِنهم.
ولِذَلِكَ فُرِّعَتْ عَلى الِاسْتِدْلالِ جُمْلَةُ ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَذْكِيرًا لَهم بِقَدِيمِ حالِهِ المَعْرُوفَةِ بَيْنَهم وهي حالُ الأُمِّيَّةِ، أيْ قَدْ كُنْتُ بَيْنَ ظَهْرانَيْكم مُدَّةً طَوِيلَةً، وهي أرْبَعُونَ سَنَةً، تُشاهِدُونَ أطْوارَ نَشْأتِي فَلا تَرَوْنَ فِيها حالَةً تُشْبِهُ حالَةَ العَظَمَةِ والكَمالِ المُتَناهِي الَّذِي صارَ إلَيْهِ لَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ، ولا بَلاغَةَ قَوْلٍ واشْتِهارًا بِمُقاوَلَةِ أهْلِ البَلاغَةِ والخَطابَةِ والشِّعْرِ تُشْبِهُ بَلاغَةَ القَوْلِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ عَنْ وحْيِ القُرْآنِ، إذْ لَوْ كانَتْ حالَتُهُ بَعْدَ الوَحْيِ حالًا مُعْتادًا وكانَتْ بَلاغَةُ الكَلامِ الَّذِي
صفحة ١٢١
جاءَ بِهِ كَذَلِكَ لَكانَ لَهُ مِنَ المُقَدِّماتِ مِن حِينِ نَشْأتِهِ ما هو تَهْيِئَةٌ لِهَذِهِ الغايَةِ وكانَ التَّخَلُّقُ بِذَلِكَ أطْوارًا وتَدَرُّجًا. فَلا جَرَمَ دَلَّ عَدَمُ تَشابُهِ الحالَيْنِ عَلى أنَّ هَذا الحالَ الأخِيرَ حالٌ رَبّانِيٌّ مَحْضٌ، وأنَّ هَذا الكَلامَ مُوحًى إلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ بِذاتِهِ عَمَلٌ فِيهِ.
فَما كانَ هَذا الكَلامُ دَلِيلًا عَلى المُشْرِكِينَ وإبْطالًا لِادِّعائِهِمْ إلّا لِما بُنِيَ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ فَكانَ ذِكْرُ القُرْآنِ في الِاسْتِدْلالِ هو مَناطُهُ، ثُمَّ لَمّا فَرَّعَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إذْ كانَ تَذْكِيرًا لَهم بِحالِهِ قَبْلَ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ولَوْلا ذانِكَ الأمْرانِ لَعادَ الِاسْتِدْلالُ مُصادَرَةً، أيِ اسْتِدْلالًا بِعَيْنِ الدَّعْوى لِأنَّهم يَنْهَضُ لَهم أنْ يَقُولُوا حِينَئِذٍ: ما أرْسَلَكَ اللَّهُ إلَيْنا وقَدْ شاءَ أنْ لا يُرْسِلَكَ إلَيْنا ولَكِنَّكَ تَقَوَّلْتَ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ.
فَهَذا بَيانُ انْتِظامِ هَذا الدَّلِيلِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ آلَ الدَّلِيلُ بِهَذا الوَجْهِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ والأُمِّيَّةِ. ولِكَلِمَةِ ﴿تَلَوْتُهُ﴾ هُنا مِنَ الوَقْعِ ما لَيْسَ لِغَيْرِها لِأنَّها تَتَضَمَّنُ تالِيًا كَلامًا، ومَتْلُوًّا، وباعِثًا بِذَلِكَ المَتْلُوِّ.
فَبِالأوَّلِ تُشِيرُ إلى مُعْجِزَةِ المَقْدِرَةِ عَلى تِلاوَةِ الكِتابِ مَعَ تَحَقُّقِ الأُمِّيَّةِ لِأنَّ أُسْلُوبَ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ غَيْرُ الأُسْلُوبِ الَّذِي عَرَفَهُ العَرَبُ مِن شُعَرائِهِمْ وخُطَبائِهِمْ.
وبِالثّانِي تُشِيرُ إلى القُرْآنِ الَّذِي هو مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ الآتِي بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ والإرْشادِ الدِّينِيِّ الَّذِي هو مِن شَأْنِ أنْبِياءِ الأدْيانِ وعُلَمائِها، كَما قالَ - تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] . وبِالثّالِثِ تُشِيرُ إلى أنَّهُ كَلامٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فانْتَظَمَتْ بِهَذا الِاسْتِدْلالِ دَلالَةُ صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ في رِسالَتِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
والتِّلاوَةُ: قِراءَةُ المَكْتُوبِ أوِ اسْتِعْراضُ المَحْفُوظِ، فَهي مُشْعِرَةٌ بِإبْلاغِ كَلامٍ مِن غَيْرِ المُبَلِّغِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] في سُورَةِ الأنْفالِ.
صفحة ١٢٢
و﴿أدْراكُمْ﴾ عَرَّفَكم. وفِعْلُ الدِّرايَةِ إذا تَعَلَّقَ بِذاتٍ يَتَعَدّى إلَيْها بِنَفْسِهِ تارَةً وبِالباءِ أيْضًا، يُقالُ: دَرَيْتُهُ ودَرَيْتُ بِهِ. وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِعْمالِ الثّانِي وهو الأكْثَرُ في حِكايَةِ سِيبَوَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ بِحَرْفِ النَّفْيِ عَطْفًا عَلى ﴿ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أمَرَنِي بِتِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْكم ولا أعْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُ بِلامِ ابْتِداءٍ في مَوْضِعِ لا النّافِيَةِ، أيْ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ فَتَكُونُ عَطْفًا عَلى جَوابِ لَوْ فَتَكُونُ اللّامُ لامًا زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ كَشَأْنِها في جَوابِ لَوْ. والمَعْنى عَلَيْهِ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ لَجَعَلَكم تَدْرُونَ مَعانِيَهُ فَلا تَكْذِبُوا.
وتَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ﴾ تَفْرِيعُ دَلِيلِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ ومُلازَمَتِها لِطَرَفَيْها.
والعُمُرُ: الحَياةُ. اشْتُقَّ مِنَ العُمْرانِ لِأنَّ مُدَّةَ الحَياةِ يُعَمِّرُ بِها الحَيُّ العالَمَ الدُّنْيَوِيَّ. ويُطْلَقُ العُمُرُ عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَوْ عاشَ المَرْءُ مِقْدارَها لَكانَ قَدْ أخَذَ حَظَّهُ مِنَ البَقاءِ. وهَذا هو المُرادُ هُنا بِدَلِيلِ تَنْكِيرِ عُمُرًا ولَيْسَ المُرادُ لَبِثْتُ مُدَّةَ عُمْرِي؛ لِأنَّ عُمْرَهُ لَمْ يَنْتَهِ بَلِ المُرادُ مُدَّةٌ قَدْرُها قَدْرُ عُمُرٍ مُتَعارَفٍ، أيْ بِقَدْرِ مُدَّةِ عُمُرِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. والمَعْنى لَبِثْتُ فِيكم أرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ.
وانْتَصَبَ عُمُرًا عَلى النِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ.
واللُّبْثُ: الإقامَةُ في المَكانِ مُدَّةً. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: فِيكم عَلى مَعْنى في جَماعَتِكم، أيْ بَيْنَكم.
وقَبْلُ وبَعْدُ إذا أُضِيفا لِلذَّواتِ كانَ المُرادُ بَعْضَ أحْوالِ الذّاتِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ. وضَمِيرُ قَبْلِهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ.
وتَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها تَفْرِيعٌ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ عَلى نُهُوضِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِمْ، إذْ قَدْ ظَهَرَ مِن حالِهِمْ ما يَجْعَلُهم كَمَن لا يَعْقِلُ.
صفحة ١٢٣
ولِذَلِكَ اخْتِيرَ لَفْظُ تَعْقِلُونَ لِأنَّ العَقْلَ هو أوَّلُ دَرَجاتِ الإدْراكِ. ومَفْعُولُ تَعْقِلُونَ إمّا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ السّابِقِ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ مِثْلَ هَذا الحالِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأُمِّيَّةِ والإتْيانِ بِهَذا الكِتابِ البَدِيعِ في بَلاغَتِهِ ومَعانِيهِ لا يَكُونُ إلّا حالَ مَن أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِسالَتَهُ إذْ لا يَتَأتّى مِثْلُهُ في العادَةِ لِأحَدٍ ولا يَتَأتّى ما يُقارِبُهُ إلّا بَعْدَ مُدارَسَةِ العُلَماءِ ومُطالَعَةِ الكُتُبِ السّالِفَةِ ومُناظَرَةِ العُلَماءِ ومُحاوَرَةِ أهْلِ البَلاغَةِ مِنَ الخُطَباءِ والشُّعَراءِ زَمَنًا طَوِيلًا وعُمْرًا مَدِيدًا، فَكَيْفَ تَأتّى ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ المُعْتادِ دَفْعَةً لِمَن قَضى عُمْرَهُ بَيْنَهم في بِلادِهِ يَرْقُبُونَ أحْوالَهُ صَباحَ مَساءَ، وما عُرِفَ بَلَدُهم بِمُزاوَلَةِ العُلُومِ ولا كانَ فِيهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا مَن عَكَفَ عَلى العِبادَةِ وانْقَطَعَ عَنْ مُعاشَرَةِ النّاسِ.
وإمّا أنْ يُنَزَّلَ تَعْقِلُونَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، أيْ أفَلا تَكُونُونَ عاقِلِينَ، أيْ فَتَعْرِفُوا أنَّ مِثْلَ هَذا الحالِ لا يَكُونُ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ.
10:17Page 210
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٧
So who is more unjust than he who invents a lie about Allāh or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾
لَمّا قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْها بِما لا قِبَلَ لَهم بِالتَّنَصُّلِ مِنهُ أعْقَبَتْ بِالتَّفْرِيعِ عَلى افْتِرائِهِمُ الكَذِبَ وذَلِكَ مِمّا عُرِفَ مِن أحْوالِهِمْ مِنَ اتِّخاذِهِمُ الشُّرَكاءَ لَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ [يونس: ١٣] أيْ أشْرَكُوا إلى قَوْلِهِ: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ في قَوْلِهِمْ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] . وفي ذَلِكَ أيْضًا تَوْجِيهُ الكَلامِ بِصَلاحِيَتِهِ لِأنْ يَكُونَ إنْصافًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم إذْ هم قَدْ عَرَّضُوا بِنِسْبَتِهِ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ حِينَ قالُوا ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ [يونس: ١٥]، وصَرَّحُوا بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا أقامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ ما يَكُونُ لَهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ أنَّ المُفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا والمُكَذِّبِينَ بِآياتِهِ كِلاهُما أظْلَمُ النّاسِ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُما، وذَلِكَ مِن مُجاراةِ الخَصْمِ لِيَعْثُرَ، يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ أنَّهُ إنْصافٌ بَيْنَهُما فَإذا حَصْحَصَ المَعْنى وُجِدَ انْصِبابُهُ عَلى الخَصْمِ وحْدَهُ.
صفحة ١٢٤
والتَّفْرِيعُ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، وهو تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِمّا تَضَمَّنَ أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ.
ومَحَلُّ أوْ عَلى الوَجْهَيْنِ هو التَّقْسِيمُ، وهو إمّا تَقَسُّمُ أحْوالٍ، وإمّا تَقَسُّمُ أنْواعٍ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والظُّلْمُ: هُنا بِمَعْنى الِاعْتِداءِ. وإنَّما كانَ أحَدُ الأمْرَيْنِ أشَدَّ الظُّلْمِ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى الخالِقِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ وبِتَكْذِيبِ آياتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ، ومَوْقِعُهُ يَقْتَضِي شُمُولَ عُمُومِهِ لِلْمَذْكُورِينَ في الكَلامِ المُذَيَّلِ (بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ) فَيَقْتَضِي أنَّ أُولَئِكَ مُجْرِمُونَ، وأنَّهم لا يُفْلِحُونَ.
والفَلاحُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ناظِرٌ إلى شُمُولِ عُمُومِ المُجْرِمِينَ لِلْمُخاطَبِينَ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُجْرِمِينَ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها.
10:18Page 210
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨
And they worship other than Allāh that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allāh." Say, "Do you inform Allāh of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him.
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ [يونس: ١٥] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. فَهَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرى مِن قَصَصِ أحْوالِ كُفْرِهِمْ أنْ قالُوا ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ [يونس: ١٥] حِينَ تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ القُرْآنِ، ومِن كُفْرِهِمْ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ويَقُولُونَ هم شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ.
والمُناسَبَةُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ أنَّ في كِلْتَيْهِما كُفْرًا أظْهَرُوهُ في صُورَةِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ وإيهامِ أنَّ العُذْرَ لَهم في الِاسْتِرْسالِ عَلى الكُفْرِ، فَلَعَلَّهم (كَما أوْهَمُوا أنَّهُ إنْ أتاهم
صفحة ١٢٥
قُرْآنٌ غَيْرُ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ أوْ بُدِّلَ ما يَرُومُونَ تَبْدِيلَهُ آمَنُوا) كانُوا إذا أنْذَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِعَذابِ اللَّهِ قالُوا: تَشْفَعُ لَنا آلِهَتُنا عِنْدَ اللَّهِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ (عَلى مَعْنى فَرْضِ ما لا يَقَعُ واقِعًا) ”إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى“ . وهَذا كَقَوْلِ العاصِ بْنِ وائِلٍ، وكانَ مُشْرِكًا، لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وهو مُسْلِمٌ، وقَدْ تَقاضاهُ أجْرًا لَهُ عَلى سَيْفٍ صَنَعَهُ ”إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ صاحِبُكَ (يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ) فَسَيَكُونُ لِي مالٌ فَأقْضِيكَ مِنهُ“ .
وفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآيَةَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ويَعْبُدُونَ إلَخْ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [يونس: ١٧] فَإنَّ عِبادَتَهم ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم مِنَ الِافْتِراءِ.
وإيثارُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ لِما تُؤْذِنُ بِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مُخْطِئُونَ في عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِعَطْفِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِتَحْقِيرِ رَأْيِهِمْ مِن رَجاءِ الشَّفاعَةِ مِن تِلْكَ الأصْنامِ، فَإنَّها لا تَقْدِرُ عَلى ضَرٍّ ولا نَفْعٍ في الدُّنْيا فَهي أضْعَفُ مَقْدِرَةً في الآخِرَةِ.
واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في يَعْبُدُونَ ويَقُولُونَ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى عِبادَتِها، أيْ عَبَدُوا الأصْنامَ ويَعْبُدُونَها تَعْجِيبًا مِن تَصْمِيمِهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ ومِن قَوْلِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّ المُتَصَرِّفَ هو اللَّهُ.
وقُدِّمَ ذِكْرُ نَفْيِ الضَّرِّ عَلى نَفْيِ النَّفْعِ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ المُشْرِكِينَ الإقْلاعُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وقَدْ كانَ سَدَنَتُها يُخَوِّفُونَ عَبَدَتَها بِأنَّها تُلْحِقُ بِهِمْ وبِصِبْيانِهِمُ الضُّرَّ، كَما قالَتِ امْرَأةُ طُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدُّوسِيِّ حِينَ أخْبَرَها أنَّهُ أسْلَمَ ودَعاها إلى أنْ تُسْلِمَ فَقالَتْ: ”أما تَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن ذِي الشَّرى“ . فَأُرِيدَ الِابْتِداءُ بِنَفْيِ الضُّرِّ لِإزالَةِ أوْهامِ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ الصّادَّةِ لِكَثِيرٍ مِنهم عَنْ نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ.
صفحة ١٢٦
وقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِتَهَكُّمٍ بِهِمْ بِأنَّهم قَدْ أخْبَرُوا اللَّهَ بِأنَّ لَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ هَذا لَمّا كانَ شَيْئًا اخْتَرَعُوهُ وهو غَيْرُ واقِعٍ جَعَلَ اخْتِراعَهَ بِمَنزِلَةِ أنَّهم أعْلَمُوا اللَّهَ بِهِ وكانَ لا يَعْلَمُهُ فَصارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ بُطْلانِهِ لِأنَّ ما لَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَهو مُنْتَفٍ. ومِن هَذا قَوْلُ مَن يُرِيدُ نَفْيَ شَيْءٍ عَنْ نَفْسِهِ: ما عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنِّي وفي ضِدِّهِ قَوْلُهم في تَأْكِيدِ وُقُوعِ الشَّيْءِ: يَعْلَمُ اللَّهُ كَذا، حَتّى صارَ عِنْدَ العَرَبِ مِن صِيَغِ اليَمِينِ.
و﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ بَعْدَ يَعْلَمُ العائِدِ عَلى ما، إذِ التَّقْدِيرُ: بِما لا يَعْلَمُهُ، أيْ كائِنًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِما تَعْمِيمُ الأمْكِنَةِ، كَما هو اسْتِعْمالُ الجَمْعِ بَيْنَ المُتَقابِلاتِ مِثْلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ بَعْدَ العاطِفِ لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى النَّفْيِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتُنَبِّئُونَ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والإنْباءُ: الإعْلامُ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى﴾ إنْشاءُ تَنْزِيهٍ، فَهي مُنْقَطِعَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وما في قَوْلِهِ: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ عَنْ إشْراكِهِمْ، أيْ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ ثابِتًا لَهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”تُشْرِكُونَ“ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّها تَعْقِيبٌ لِلْخِطابِ بِجُمْلَةِ قُلْ. وعَلى الوَجْهَيْنِ فَهي مُسْتَحِقَّةٌ لِلْفَصْلِ لِكَمالِ الِانْقِطاعِ.
10:19Page 210
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩
And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.
﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
صفحة ١٢٧
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ويَعْبُدُونَ وجُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] . ومُناسَبَةُ الِاعْتِراضِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] لِأنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ واخْتِراعَ صِفَةِ الشَّفاعَةِ لَها هو مِنَ الِاخْتِلافِ الَّذِي أحْدَثَهُ ضُلّالُ البَشَرِ في العَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها في أوَّلِ النَّشْأةِ، فَهي مِمّا يَشْمَلُهُ التَّوْبِيخُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [يونس: ١٨] وصِيغَةُ القَصْرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ الخَبَرِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ عَجِيبٌ هو مِنَ الحِكَمِ العُمْرانِيَّةِ والحَقائِقِ التّارِيخِيَّةِ بِالمَكانِ الأسْمى، إذِ القَصْرُ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى صِيغَتَيْ إثْباتٍ لِلْمُثْبَتِ ونَفْيٍ عَمّا عَداهُ، فَهو أقْوى مِن تَأْكِيدِ رَدِّ الإنْكارِ، ولِذَلِكَ يُؤْذِنُ بِرَدِّ إنْكارٍ شَدِيدٍ.
وحَسَّنَ القَصْرَ هُنا وُقُوعُهُ عَقِبَ الجِدالِ مَعَ الَّذِينَ غَيَّرُوا الدِّينَ الحَقَّ ورَوَّجُوا نِحْلَتَهم بِالمَعاذِيرِ الباطِلَةِ كَقَوْلِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقَوْلِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] فَإنَّها وقَعَتْ في سِياقِ المُجادَلَةِ مَعَ أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] وأهْلُ الكِتابِ لا يُنْكِرُونَ أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً فَآيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ تُشِيرُ إلى الوَحْدَةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّفَرُّقِ الطّارِئِ عَلَيْها بِاعْتِبارِ الِاخْتِلافِ المُشْعِرِ بِالمَذَمَّةِ والمُعَقَّبِ بِالتَّخْوِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ إلى آخِرِهِ، وآيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ تُشِيرُ إلى الوَحْدَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُها الحَنِيفِيَّةُ الفِطْرِيَّةُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّفَرُّقِ الَّذِي طَرَأ عَلَيْها بِأنَّ اللَّهَ بَعَثَ النَّبِيئِينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ثُمَّ جاءَ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ عَرَضًا عَقِبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] . وأُرِيدَ بِهِ الِاخْتِلافُ بَيْنَ أتْباعِ الشَّرائِعِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣]
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والنّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْبَشَرِ. وتَعْرِيفُهُ لِلِاسْتِغْراقِ. والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي لَها حالٌ واحِدٌ في شَيْءٍ ما.
صفحة ١٢٨
والمُرادُ هُنا أُمَّةٌ واحِدَةٌ في الدِّينِ. والسِّياقُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّها واحِدَةٌ في الدِّينِ الحَقِّ وهو التَّوْحِيدُ لِأنَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُمْكِنُ اتِّفاقُ البَشَرِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ سَلامَةِ الِاعْتِقادِ مِنَ الضَّلالِ والتَّحْرِيفِ. والإنْسانُ لَمّا أُنْشِئَ أُنْشِئَ عَلى فِطْرَةٍ كامِلَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ التَّكَلُّفِ. وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - دُونَ الأعْمالِ؛ لِأنَّها قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الحاجاتِ، فَإذا جازَ أنْ يَحْدُثَ في البَشَرِ الضَّلالُ والخَطَأُ فَلا يَكُونُ الضَّلالُ عامًّا عَلى عُقُولِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ النّاسَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - كانُوا أُمَّةً واحِدَةً مُتَّفِقِينَ عَلى التَّوْحِيدِ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا فَطَرَ الإنْسانَ فَطَرَهُ عَلى عَقْلٍ سَلِيمٍ مُوافِقٍ لِلْواقِعِ، ووَضَعَ في عَقْلِهِ الشُّعُورَ بِخالِقٍ وبِأنَّهُ واحِدٌ وضْعًا جِبِلِّيًّا كَما وضَعَ الإلْهاماتِ في أصْنافِ الحَيَوانِ. وتَأيَّدَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ لِأبِي البَشَرِ وهو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ثُمَّ إنَّ البَشَرَ أدْخَلُوا عَلى عُقُولِهِمُ الِاخْتِلافَ البَعِيدَ عَنِ الحَقِّ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ الباطِلِ والتَّخَيُّلِ والأوْهامِ بِالأقْيِسَةِ الفاسِدَةِ. وهَذا مِمّا يَدْخُلُ في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦]، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِ النّاسِ أُمَّةً واحِدَةً الوَحْدَةُ في الحَقِّ، وأنَّ المَقْصُودَ مَدْحُ تِلْكَ الحالَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ فَسادِ الشِّرْكِ وإثْباتُ خَطَأِ مُنْتَحِلِيهِ بِأنَّ سَلَفَهُمُ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهم في فَسادِ العُقُولِ، وقَدْ كانَ لِلْمُخاطَبِينَ تَعْظِيمٌ لِما كانَ عَلَيْهِ أسْلافُهم، ولِأنَّ صِيغَةَ القَصْرِ تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ إبْطالُ زَعْمِ مَن يَزْعُمُ غَيْرَ ذَلِكَ.
ووُقُوعُهُ عَقِبَ ذِكْرِ مَن يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أصْنامًا لا تَضُرُّهم ولا تَنْفَعُهم يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالإبْطالِ، فَإنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ هو دِينُ الحَقِّ، ولِذَلِكَ «صَوَّرُوا إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ يَسْتَقْسِمانِ بِالأزْلامِ في الكَعْبَةِ. فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ كَذَبُوا واللَّهِ إنِ اسْتَقْسَما بِها قَطُّ، وقَرَأ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران»: ٦٧] وبِهَذا الوَجْهِ يُجْعَلُ التَّعْرِيفُ في النّاسُ لِلِاسْتِغْراقِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ العَرَبُ خاصَّةً بِقَرِينَةِ الخِطابِ ويَكُونَ المُرادُ تَذْكِيرَهَمْ بِعَهْدِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ كانَ هو وأبْناؤُهُ وذُرِّيَّتُهم عَلى الحَنِيفِيَّةِ والتَّوْحِيدِ
صفحة ١٢٩
كَما قالَ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨]، أيْ في عَقِبِهِ مِنَ العَرَبِ، فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ، وأنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ مَذْمُومٌ، وأنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ أرادَ إمْهالَ البَشَرِ إلى يَوْمِ الجَزاءِ لَأراهم وجْهَ الفَصْلِ في اخْتِلافِهِمْ بِاسْتِئْصالِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ. وهَذِهِ الكَلِمَةُ أُجْمِلَتْ هُنا وأُشِيرَ إلَيْها في سُورَةِ الشُّورى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤]
والأجَلُ: هو أجَلُ بَقاءِ الأُمَمِ، وذَلِكَ عِنْدَ انْقِراضِ العالَمِ، فالقَضاءُ بَيْنَهم إذَنْ مُؤَخَّرٌ إلى يَوْمِ الحِسابِ. وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ في بَيانِ مَعْنى (الكَلِمَةِ) قَوْلُهُ في سُورَةِ هُودٍ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨] ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وسَيَأْتِي بَيانُها.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences