Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:20–22
10:20Page 210
وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠
And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."
﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨] فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ افْتِراءَهم في جانِبِ الإلَهِيَّةِ نَفى بُهْتانَهم في جانِبِ النُّبُوَّةِ.
والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قَبْلَ ذَلِكَ في الآيَةِ، فَإنَّ مَعْرِفَةَ المُرادِ مِنَ الضَّمِيرِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ المُعادِ. وقَدْ كانَ ذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ ومُناجاتِهِمْ في أيّامِ مُقامِهِ بَيْنَهم بَعْدَ البَعْثَةِ هو شُغْلُهُمُ الشّاغِلُ لَهم، قَدْ أُجْرِيَ في كَلامِهِمْ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ بِدُونِ سَبْقِ مُعادٍ، عَلِمَ المُتَخاطِبُونَ أنَّهُ المَقْصُودُ. ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
صفحة ١٣٠
ولَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، وشَأْنُ التَّحْضِيضِ أنْ يُواجَهَ بِهِ المُحَضَّضُ لِأنَّ التَّحْضِيضَ مِنَ الطَّلَبِ وشَأْنُ الطَّلَبِ أنْ يُواجَهَ بِهِ المَطْلُوبُ، ولِذَلِكَ كانَ تَعَلُّقُ فِعْلِ الإنْزالِ بِضَمِيرِ الغائِبِ في هَذِهِ الآيَةِ مُؤَوَّلًا بِأحَدِ وجْهَيْنِ:
إمّا أنْ يَكُونَ التِفاتًا، وأصْلُ الكَلامِ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْكَ وهو مِن حِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] أيْ قُلْ لَهم أقِيمُوا، ونُكْتَةُ ذَلِكَ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ.
وإمّا أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ صَدَرَ مِنهم فِيما بَيْنَهم لِيُبَيِّنَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ شُبْهَةً عَلى انْتِفاءِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ صَدَرَ مِنهم لِلْمُسْلِمِينَ طَمَعًا في أنْ يَرُدُّوهم إلى الكُفْرِ.
والآيَةُ: عَلامَةُ الصِّدْقِ. وأرادُوا خارِقًا لِلْعادَةِ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] وهَذا مِن جَهْلِهِمْ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وتَحْكِيمِهِمُ الخَيالَ والوَهمَ في حَقائِقِ الأشْياءِ، فَهم يَفْرِضُونَ أنَّ اللَّهَ حَرِيصٌ عَلى إظْهارِ صِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ وأنَّهُ يَسْتَفِزُّهُ تَكْذِيبُهم إيّاهُ فَيَغْضَبُ ويُسْرِعُ في مُجاراةِ عِنادِهِمْ لِيَكُفُّوا عَنْهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أفْحَمُوهُ وأعْجَزُوهُ وهو القادِرُ، فَتَوَهَّمُوا أنَّ مُدَّعِيَ الرِّسالَةِ عَنْهُ غَيْرُ صادِقٍ في دَعْواهُ وما دَرَوْا أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ نِظامَ الأُمُورِ تَقْدِيرًا، ووَضَعَ الحَقائِقَ وأسْبابَها، وأجْرى الحَوادِثَ عَلى النِّظامِ الَّذِي قَدَّرَهُ، وجَعَلَ الأُمُورَ بالِغَةً مَواقِيتَها الَّتِي حَدَّدَ لَها، ولا يَضُرُّهُ أنْ يُكَذِّبَ المُكَذِّبُونَ أوْ يُعانِدَ الجاهِلُونَ وقَدْ وضَعَ لَهم ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الزَّواجِرِ في الآخِرَةِ لا مَحالَةَ، وفي الدُّنْيا تاراتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلى نُظُمٍ اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ لا يَحْمِلُهُ عَلى تَبْدِيلِها سُؤالُ سائِلٍ ولا تَسْفِيهُ سَفِيهٍ. وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ. فَهم جَعَلُوا اسْتِمْرارَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى دَعْوَتِهِمْ بِالأدِلَّةِ الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَدْعُوَهم بِها وعَدَمَ تَبْدِيلِهِ ذَلِكَ بِآياتٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ رَغْبَتِهِمْ - جَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَيَّدٍ مِنَ اللَّهِ فاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرْسَلَهُ لَأيَّدَهُ بِما يُوجِبُ لَهُ القَبُولَ عِنْدَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ. وما دَرى المَساكِينُ أنَّ اللَّهَ إنَّما أرْسَلَ الرَّسُولَ ﷺ رَحْمَةً بِهِمْ
صفحة ١٣١
وطَلَبًا لِصَلاحِهِمْ، وأنَّهُ لا يَضُرُّهُ عَدَمُ قَبُولِهِمْ رَحْمَتَهُ وهِدايَتَهُ. ولِذَلِكَ أتى في حِكايَةِ كَلامِهِمُ العُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى لَفْظِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِن رَبِّهِ إيماءً إلى الرُّبُوبِيَّةِ الخاصَّةِ بِالتَّعَلُّقِ بِالرَّسُولِ ﷺ وهي رُبُوبِيَّةُ المُصْطَفِي (بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ) لِلْمُصْطَفى (بِصِيغَةِ المَفْعُولِ) مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الخَلْقِ المُقْتَضِيَةِ الغَضَبَ لِغَضَبِهِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ مِثْلُ غَضَبِ الخَلائِقِ يَسْتَدْعِي الإسْراعَ إلى الِانْتِقامِ وما عَلِمُوا أسْرارَ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ والحُكْمِ الإلَهِيِّ والعِلْمِ الأعْلى.
وقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنِ اقْتِراحِهِمْ بِما هو الحَقِيقَةُ المُرْشِدَةُ وإنْ كانَتْ أعْلى مِن مَدارِكِهِمْ - جَوابًا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لَهم وهو قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ فَجاءَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ هُنا دُونَ بَعْضِ نَظائِرِهِ لِلْإشارَةِ إلى تَعْقِيبِ كَلامِهِمْ بِالجَوابِ شَأْنَ المُتَمَكِّنِ مِن حالِهِ المُتَثَبِّتِ في أمْرِهِ.
والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ حَواسِّ النّاسِ مِنَ الأشْياءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَتَكَوَّنُ مِن مَخْلُوقاتٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ في العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ مِنَ المُعْجِزاتِ. وتَفْسِيرُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما الآَياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩]
واللّامُ لِلْمِلْكِ، أيِ الأُمُورُ المُغَيَّبَةُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ. وجاءَ الكَلامُ بِصِيغَةِ القَصْرِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِهِمْ أنَّ في مُكْنَةِ الرَّسُولِ الحَقِّ أنْ يَأْتِيَ بِما يَسْألُهُ قَوْمُهُ مِنَ الخَوارِقِ، فَجَعَلُوا عَدَمَ وُقُوعِ مُقْتَرَحِهِمْ عَلامَةً عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ مِنَ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةِ القَصْرِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ في إيقاعِ ما سَألُوهُ لِيَعْلَمُوا أنَّهم يَرْمُونَ بِسُؤالِهِمْ إلى الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ - تَعالى - بِالإفْحامِ.
وجُمْلَةُ ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ لَيْسَ دَأْبِي ودَأْبُكم إلّا انْتِظارَ ما يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ، كَقَوْلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣]
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لَهم أنَّ ما يَأْتِي بِهِ اللَّهُ لا يَتَرَقَّبُونَ مِنهُ إلّا شَرًّا لَهم، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨]
صفحة ١٣٢
والمَعِيَّةُ في قَوْلِهِ: مَعَكم مَجازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في الِاشْتِراكِ في مُطْلَقِ الِانْتِظارِ.
10:21Page 211
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ .
لَمّا حَكى تَمَرُّدَ المُشْرِكِينَ بَيَّنَ هُنا أنَّهم في ذَلِكَ لاهُونَ بِبَطَرِهِمْ وازْدِهائِهِمْ بِالنِّعْمَةِ والدَّعَةِ فَأنْساهم ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ أنْ يَتَوَقَّعُوا حُدُوثَ ضِدِّهِ فَتَفَنَّنُوا في التَّكْذِيبِ بِوَعِيدِ اللَّهِ أفانِينَ الِاسْتِهْزاءِ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]
وجاءَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ الحِكايَةِ عَنْ حالِهِمْ، والمُلْقى إلَيْهِ الكَلامُ هو النَّبِيءُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَذْكِيرِ الكُفّارِ بِحالِ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ، فَيُعِدُّوا عُدَّةَ الخَوْفِ مِن حُلُولِ النِّقْمَةِ الَّتِي أنْذَرَهم بِها في قَوْلِهِ: فانْتَظِرُوا كَما في الحَدِيثِ «تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ» .
فالمُرادُ بـِ النّاسَ النّاسُ المَعْهُودُونَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِقَرِينَةِ السِّياقِ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢]
وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما أصابَ قُرَيْشًا مِنَ القَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ بِدُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ ثُمَّ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَحْطَ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، فَلَمّا حَيُوا طَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِ اللَّهِ ويُعادُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَكِيدُونَ لَهُ. والقَحْطُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا هو المَذْكُورُ في سُورَةِ الدُّخانِ. وقَدْ أُنْذِرُوا فِيها بِالبَطْشَةِ الكُبْرى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ. فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِراضِ السَّبْعِ السِّنِينَ الَّتِي هي كَسِنِيِّ يُوسُفَ وبَعْدَ أنْ حَيُوا، فَتَكُونُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ البَعْثَةِ أوْ سَنَةِ إحْدى عَشْرَةَ.
والإذاقَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ الإدْراكِ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.
صفحة ١٣٣
والرَّحْمَةُ: هُنا مُطْلَقَةٌ عَلى أثَرِ الرَّحْمَةِ، وهو النِّعْمَةُ والنَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]
والضَّرّاءُ: الضُّرُّ. والمَسُّ: مُسْتَعْمَلٌ في الإصابَةِ. والمَعْنى إذا نالَتِ النّاسَ نِعْمَةٌ بَعْدَ الضُّرِّ، كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ، والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، والصِّحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ.
وإذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ لِلْمُفاجَأةِ، وهي رابِطَةٌ لِجَوابِ إذا الشَّرْطِيَّةِ لِوُقُوعِهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً وهي لا تَصْلُحُ لِلِاتِّصالِ بِإذا الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي تُلازِمُها الأفْعالُ إنْ وقَعَتْ ظَرْفًا ثُمَّ إنْ وقَعَتْ شَرْطًا فَلا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ جَوابًا لَها، فَلِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ حَرْفُ إذا الفُجائِيَّةِ؛ لِأنَّ حَرْفَ المُفاجَأةِ يَدُلُّ عَلى البِدارِ والإسْراعِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، فَيُفِيدُ مُفادَ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي يُؤْتى بِها لِرَبْطِ جَوابِ الشَّرْطِ بِشَرْطِهِ، فَإذا جاءَ حَرْفُ المُفاجَأةِ أغْنى عَنْها.
والمَكْرُ: حَقِيقَتُهُ إخْفاءُ الإضْرارِ وإبْرازُهُ في صُورَةِ المُسالَمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفي مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي آياتِنا﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُرادِ مِنها المُلابَسَةُ، أيْ مَكْرُهُمُ المُصاحِبُ لِآياتِنا. ومَعْنى مَكْرِهِمْ في الآياتِ أنَّهم يَمْكُرُونَ مَكْرًا يَتَعَلَّقُ بِها، وذَلِكَ أنَّهم يُوهِمُونَ أنَّ آياتِ القُرْآنِ غَيْرُ دالَّةٍ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ لَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ أُخْرى لَآمَنُوا بِها وهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ وإنَّما هم يُكَذِّبُونَهُ عِنادًا ومُكابَرَةً وحِفاظًا عَلى دِينِهِمْ في الشِّرْكِ.
ولَمّا كانَ الكَلامُ مُتَضَمِّنًا التَّعْرِيضَ بِإنْذارِهِمْ، أمَرَ الرَّسُولَ أنْ يَعِظَهم بِأنَّ اللَّهَ أسْرَعُ مَكْرًا، أيْ مِنكم، فَجَعَلَ مَكْرَ اللَّهِ بِهِمْ أسْرَعَ مِن مَكْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ.
ودَلَّ اسْمُ التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ مَكْرَ الكافِرِينَ سَرِيعٌ أيْضًا، وذَلِكَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ المُفاجَأةِ مِنَ المُبادَرَةِ وهي إسْراعٌ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أعْجَلُ مَكْرًا بِكم مِنكم بِمَكْرِكم بِآياتِ اللَّهِ.
وأسْرَعُ: مَأْخُوذٌ مِن ”أسْرَعَ“ المَزِيدِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ مِن سَرُعَ المُجَرَّدِ بِناءً عَلى وُجُودِهِ في الكَلامِ فِيما حَكاهُ الفارِسِيُّ.
صفحة ١٣٤
وأُطْلِقَ عَلى تَأْجِيلِ اللَّهِ عَذابَهُمُ اسْمُ المَكْرِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ لِأنَّ هَيْئَةَ ذَلِكَ التَّأْجِيلِ في خَفائِهِ عَنْهم كَهَيْئَةِ فِعْلِ الماكِرِ، وحَسَّنَتْهُ المُشاكَلَةُ كَما تَقَدَّمَ في آيَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُشْرِكِينَ مُباشَرَةً تَهْدِيدًا مِنَ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِاخْتِلافِ المُخاطَبِ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِكَوْنِ المُخاطَبِينَ يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ، إذْ كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم يَمْكُرُونَ بِالنَّبِيءِ ﷺ وأنَّ مَكْرَهم يَتَمَشّى عَلَيْهِ ولا يَشْعُرُ بِهِ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِإحْصاءِ الأعْمالِ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ. والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ ذَلِكَ مَحْصِيٌّ مَعْدُودٌ عَلَيْهِمْ لا يُهْمَلُ، وهو إنْذارٌ بِالعَذابِ عَلَيْهِ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ اللَّهِ - تَعالى - بِذَلِكَ.
وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ في ﴿يَكْتُبُونَ﴾ ويَمْكُرُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ، أيْ تَتَكَرَّرُ كِتابَتُهم كُلَّما يَتَكَرَّرُ مَكْرُهم، فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَمْكُرُونَ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِاخْتِلافِ مُعادَيِ الضَّمِيرَيْنِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿ما تَمْكُرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ رَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (ما يَمْكُرُونَ) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرِ لـِ النّاسَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ . وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالكَلامُ مُوَجَّهٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
10:22Page 211
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
﴿هو الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ [يونس: ٢١] إلى آخِرِها لِأنَّ البَغْيَ في الأرْضِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَكْرُ في آياتِ اللَّهِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ:
صفحة ١٣٥
﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٢٣] وما سِواهُ تَمْهِيدٌ وإدْماجٌ لِلِامْتِنانِ. أعْقَبَ التَّهْدِيدَ عَلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ بَعْضِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ ضَرّاءَ تَعْقُبَ النِّعْمَةَ لِلِابْتِلاءِ والتَّذْكِيرِ بِخالِقِهِمْ، ثُمَّ كَيْفَ تُفْرَجُ عَنْهم رَحْمَةً بِهِمْ فَيَكْفُرُ فَرِيقٌ مِنهم كِلْتا النِّعْمَتَيْنِ ولا يَتَذَكَّرُ، فَكانَ المَقْصُودُ أنَّ في ذَلِكَ أعْظَمَ الآياتِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَكَيْفَ يَقُولُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ، وفي كُلِّ ذَلِكَ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِالنِّعْمَةِ وتَسْجِيلٌ لِكُفْرانِها ولِتَوارُدِ الآياتِ عَلَيْهِمْ ولِكَيْلا يَغْتَرُّوا بِالإمْهالِ فَيَحْسَبُوهُ رِضًى بِكُفْرِهِمْ أوْ عَجْزًا عَنْ أخْذِهِمْ، وهَذا مَوْقِعٌ رَشِيقٌ جِدُّ الرَّشاقَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ القُرْآنِيَّةِ.
وإسْنادُ التَّسْيِيرِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِاعْتِبارِ أنَّهُ سَبَبُهُ لِأنَّهُ خالِقُ إلْهامِ التَّفْكِيرِ وقُوى الحَرَكَةِ العَقْلِيَّةِ والجَسَدِيَّةِ، فالإسْنادُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فالقَصْرُ المُفادُ مِن جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ. والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ والتَّعْرِيضِ بِإخْلالِهِمْ بِواجِبِ الشُّكْرِ.
وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ، وهي غايَةٌ لِلتَّسْيِيرِ في البِحارِ خاصَّةً. وإنَّما كانَتْ غايَةً بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلى مَدْخُولِها مِن قَوْلِهِ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]، والمُغَيّا هو ما في قَوْلِهِ: يُسَيِّرُكم مِنَ المِنَّةِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّهُ تَسْيِيرُ رِفْقٍ مُلائِمٍ لِلنّاسِ، فَكانَ ما بَعْدَ حَتّى ومَعْطُوفاتِها نِهايَةَ ذَلِكَ الرِّفْقِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَ حَتّى يَنْتَهِي عِنْدَها السَّيْرُ المُنْعَمُ بِهِ ويَدْخُلُونَ في حالَةِ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، وهَذا النَّظْمُ نَسْجٌ بَدِيعٌ في أفانِينِ الكَلامِ.
ومِن بَدِيعِ الأُسْلُوبِ في الآيَةِ أنَّها لَمّا كانَتْ بِصَدَدِ ذِكْرِ النِّعْمَةِ جاءَتْ بِضَمائِرِ الخِطابِ الصّالِحَةِ لِجَمِيعِ السّامِعِينَ، فَلَمّا تَهَيَّأتْ لِلِانْتِقالِ إلى ذِكْرِ الضَّرّاءِ وقَعَ الِانْتِقالُ مِن ضَمائِرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِتَلْوِينِ الأُسْلُوبِ بِما يُخَلِّصُهُ إلى الإفْضاءِ إلى ما يَخُصُّ المُشْرِكِينَ فَقالَ وجَرَيْنَ بِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، أيْ وجَرَيْنَ بِكم. وهَكَذا أُجْرِيَتِ الضَّمائِرُ جامِعَةً لِلْفَرِيقَيْنِ إلى أنْ قالَ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] فَإنَّ هَذا لَيْسَ مِن شِيَمِ المُؤْمِنِينَ فَتَمَحَّضَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ هَذا لِلْمُشْرِكِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ مِنَ الخَبَرِ مَن عَدا الَّذِينَ يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ الَّذِينَ يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ لا يَشْمَلُ المُسْلِمِينَ.
وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الِالتِفاتِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ أهْلُ المَعانِي وهو كالتَّخْصِيصِ بِطَرِيقِ الرَّمْزِ.
صفحة ١٣٦
وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أمْثِلَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في ضَمائِرِ الغَيْبَةِ كُلِّها تَبَعًا لِلْكَشّافِ بِناءً عَلى جَعْلِ ضَمائِرِ الخِطابِ لِلْمُشْرِكِينَ وجَعْلِ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ لَهم أيْضًا، وما نَحَوْتُهُ أنا ألْيَقُ.
وابْتُدِئَ الإتْيانُ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ مِن آخِرِ ذِكْرِ النِّعْمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ النِّعْمَةَ شَمِلَتْهم، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَجِيءَ العاصِفَةِ فَجْأةً في حالِ الفَرَحِ مُرادٌ مِنهُ ابْتِلاؤُهم وتَخْوِيفُهم. فَهو تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾
والسَّيْرُ في البَرِّ مَعْرُوفٌ لِلْعَرَبِ. وكَذَلِكَ السَّيْرُ في البَحْرِ. كانُوا يَرْكَبُونَ البَحْرَ إلى اليَمَنِ وإلى بِلادِ الحَبَشَةِ. وكانَتْ لِقُرَيْشٍ رِحْلَةُ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ وقَدْ يَرْكَبُونَ البَحْرَ لِذَلِكَ. وقَدْ وصَفَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ السُّفُنَ وسَيْرَها، وذَكَرَها عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ في مُعَلَّقَتِهِ، والنّابِغَةُ في دالِيَّتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يُسَيِّرُكم بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مَضْمُومَةٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ بَعْدَها راءٌ مِنَ السَّيْرِ، أيْ يَجْعَلُكم تَسِيرُونَ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (يَنْشُرُكم) بِتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ في أوَّلِهِ بَعْدَها نُونٌ ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ راءٌ مِنَ النَّشْرِ، وهو التَّفْرِيقُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَوْفِ بْنِ أبِي جَمِيلَةَ وأبِي الزَّغَلِ: كانُوا (أيْ أهْلُ الكُوفَةِ) يَقْرَءُونَ ”يَنْشُرُكم“ فَنَظَرُوا في مُصْحَفِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ فَوَجَدُوها يُسَيِّرُكم (أيْ بِتَحْتِيَّةٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ) فَأوَّلُ مَن كَتَبَها كَذَلِكَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ، أيْ أمَرَ بِكَتْبِها في مَصاحِفِ أهْلِ الكُوفَةِ.
وحَتّى غايَةٌ لِلتَّسْيِيرِ. وهي هُنا ابْتِدائِيَّةٌ أُعْقِبَتْ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ وجَوابِهِ، والجُمْلَةُ والغايَةُ هي مُفادُ جَوابِ إذا وهو قَوْلُهُ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾، فَمَجِيءُ الرِّيحِ العاصِفِ هو غايَةُ التَّسْيِيرِ الهَنِيءِ المُنْعَمِ بِهِ، إذْ حِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ التَّسْيِيرُ كارِثَةً ومُصِيبَةً.
والفُلْكُ: اسْمٌ لِمَرْكَبِ البَحْرِ، واسْمُ جَمْعٍ لَهُ بِصِيغَةٍ واحِدَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو هَنا مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
صفحة ١٣٧
والجَرْيُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ في الأرْضِ أوْ في البَحْرِ، قالَ - تَعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ [هود: ٤١] والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِما.
والرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]) في سُورَةِ الأعْرافِ. والطَّيِّبَةُ: المُلائِمَةُ الرَّفِيقَةُ بِالرّاكِبِينَ.
والطَّيِّبُ: المَوْصُوفُ بِالطِّيبِ الشَّدِيدِ. وأصْلُ مَعْنى الطَّيِّبِ المُلاءَمَةُ فِيما يُرادُ مِنَ الشَّيْءِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، ويُقالُ: طابَ لَهُ المُقامُ في مَكانِ كَذا. ومِنهُ سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ وعُرْفٌ طِيبًا.
وجُمْلَةُ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ جَوابُ إذا. وفي ذِكْرِ جَرْيِهِنَّ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرَحِهِمْ بِها إيماءٌ إلى أنَّ مَجِيءَ العاصِفَةِ حَدَثَ فَجْأةً دُونَ تَوَقُّعٍ مِن دَلالَةِ عَلاماتِ النَّوْتِيَّةِ كَما هو الغالِبُ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرٍ مُرادٍ لِلَّهِ - تَعالى - لِيُخَوِّفَهم ويُذَكِّرَهم بِوَحْدانِيَّتِهِ.
وضَمِيرُ جاءَتْها عائِدٌ إلى الفُلْكِ لِأنَّ جَمْعَ غَيْرِ العاقِلِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُفْرَدِ المُؤَنَّثِ.
والعاصِفُ: وصْفٌ خاصٌّ بِالرِّيحِ، أيْ شَدِيدَةُ السُّرْعَةِ. وإنَّما لَمْ تَلْحَقْهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِوَصْفِ الرِّيحِ فاسْتَغْنى عَنِ التَّأْنِيثِ، مِثْلُ: نافِسٍ وحائِضٍ ومُرْضِعٍ، فَشاعَ اسْتِعْمالُهُ كَذَلِكَ، وذُكِرَ وصْفًا لِلرِّيحِ فَبَقِيَ لا تَلْحَقُهُ التّاءُ. وقالُوا: إنَّما لَمْ تَلْحَقْهُ التّاءُ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّسَبِ، مِثْلُ: لابِنٍ، وتامِرٍ، وفِيهِ نَظَرٌ.
ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن كُلِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِ الفُلْكِ، فالِابْتِداءُ الَّذِي تُفِيدُهُ مِن ابْتِداءُ الأمْكِنَةِ المُتَّجِهَةِ إلى الفُلْكِ.
ومَعْنى ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أُخِذُوا وأُهْلِكُوا، فالعَرَبُ يَقُولُونَ: أحاطَ العَدُوُّ بِالقَبِيلَةِ إذا تَمَكَّنَ مِنها وغَلَبَها؛ لِأنَّ الإحاطَةَ بِها تَدُلُّ عَلى الإحْداقِ بِها وتَطْوِيقِها. ولَمّا كانَ ذَلِكَ هَزِيمَةً وامْتِلاكًا لَها صارَ تَرْتِيبُ ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِلْهَلاكِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] أيْ هَلَكَتْ. فَمَعْنى ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ ظَنُّوا الهَلاكَ.
صفحة ١٣٨
وجُمْلَةُ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ جَوابُ إذا. ومَعْنى مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ مُمْحِضِينَ لَهُ العِبادَةَ في دُعائِهِمْ، أيْ دَعَوْهُ ولَمْ يَدْعُوا مَعَهُ أصْنامَهم. ولَيْسَ المُرادَ أنَّهم أقْلَعُوا عَنِ الإشْراكِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ بَلْ تِلْكَ حالَتُهم في الدُّعاءِ عِنْدَ الشَّدائِدِ. وهَذا إقامَةُ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ أحْوالِهِمْ، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤١]
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ دَعَوُا لِأنَّ مَضْمُونَها هو الدُّعاءُ.
والإشارَةُ بـِ هَذِهِ إلى حالَةٍ حاضِرَةٍ لَهم، وهي حالَةُ إشْرافِهِمْ عَلى الغَرَقِ، فالمُشارُ إلَيْهِ هو الحالَةُ المُشاهَدَةُ لَهم.
وقَدْ أكَّدَ وعْدَهم بِالشُّكْرِ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ: لامِ تَوْطِئَةِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ، والتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ دُونَ ”لَنَكُونَنَّ شاكِرِينَ“، لِما يُفِيدُهُ مِن كَوْنِهِمْ مِن هَذِهِ الزُّمْرَةِ الَّتِي دَيْدَنُها الشُّكْرُ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُ خُصُوصِيَّةِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأتى بِحَرْفِ إذا الفُجائِيَّةِ في جَوابِ لَمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْجِيلِهِمْ بِالبَغْيِ في الأرْضِ عَقِبَ النَّجاةِ.
والبَغْيُ: الِاعْتِداءُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الإشْراكُ كَما صَرَّحَ بِهِ في نَظِيرِها ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . وسُمِّيَ الشِّرْكُ بَغْيًا لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ الخالِقِ وهو أعْظَمُ اعْتِداءٍ، كَما يُسَمّى ظُلْمًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . ولا يَحْسُنُ تَفْسِيرُ البَغْيِ هُنا بِالظُّلْمِ والفَسادِ في الأرْضِ، إذْ لَيْسَ ذَلِكَ شَأْنُ جَمِيعِهِمْ فَإنَّ مِنهم حُلَماءَ قَوْمِهِمْ، ولِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ بَعْدَ ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] . ولِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في القُرْآنِ نَظائِرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] الآيَةَ.
وزِيادَةُ (في الأرْضِ) لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ النَّجاةِ. وهو كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] أيْ جَعَلُوا مَكانَ أثَرِ النِّعْمَةِ بِالنَّجاةِ مَكانًا لِلْبَغْيِ.
صفحة ١٣٩
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] هو قَيْدٌ كاشِفٌ لِمَعْنى البَغْيِ، إذِ البَغْيُ لا يَكُونُ بِحَقٍّ، فَهو كالتَّقْيِيدِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences