Ibn 'AshurYunus · 10:28–34

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:28–34

10:28–29Page 212

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ ٢٨

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allāh, "[Remain in] your place, you and your 'partners.'"1 Then We will separate them,2 and their "partners" will say, "You did not used to worship us,3

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ ٢٩

And sufficient is Allāh as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لِغافِلِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ [يونس: ٢٧] بِاعْتِبارِ كَوْنِها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ ما يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الجَزاءِ وسِماتِهِ جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِإجْمالِ حالَةٍ جامِعَةٍ لِلْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ بِتَفْصِيلِ حالَةٍ يَمْتازُ بِها المُشْرِكُونَ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ ذِكْرٌ فَظِيعٌ مِن أحْوالِ الَّذِينَ بَلَغُوا الغايَةَ في كَسْبِ السَّيِّئاتِ، وهي سَيِّئَةُ الإشْراكِ الَّذِي هو أكْبَرُ الكَبائِرِ، وبِذَلِكَ حَصَلَتِ المُناسَبَةُ مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها المُقْتَضِيَةِ عَطْفَها عَلَيْها.

والمَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ هو ذِكْرُ حَشْرِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ ما يَقَعُ في ذَلِكَ الحَشْرِ مِنِ افْتِضاحِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ، ونَحْشُرُهم جَمِيعًا. وإنَّما زِيدَ لَفْظُ يَوْمٍ

صفحة ١٥٠

فِي صَدْرِ الجُمْلَةِ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمّا كانَ هو زَمَنُ الحَشْرِ وأعْمالٍ عَظِيمَةٍ أُرِيدَ التَّذْكِيرُ بِهِ تَهْوِيلًا ومَوْعِظَةً.

وانْتِصابُ ”يَوْمَ نَحْشُرُهم“ إمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، وإمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: ونَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم يَوْمَ نَحْشُرُ النّاسَ جَمِيعًا. وضَمِيرُ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ لِلَّذِينَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ وهُمُ الَّذِينَ أحْسَنُوا والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ. وقَوْلُهُ: جَمِيعًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ البارِزِ في ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى إرادَةِ عُمُومِ الضَّمِيرِ. وذَلِكَ أنَّ الحَشْرَ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. ومِن نُكَتِ ذِكْرِ حَشْرِ الجَمِيعِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ فَظِيعَ حالِ المُشْرِكِينَ وافْتِضاحِهِمْ يَكُونُ بِمَرْأى ومَسْمَعٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ السَّلامَةُ مِن تِلْكَ الحالَةِ زِيادَةً في النِّعْمَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وتَقْوِيَةً في النِّكايَةِ لِلْمُشْرِكِينَ.

والحَشْرُ: الجَمْعُ مِن أمْكِنَةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١١١] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمُوا مَكانَكم، واسْتِعْمالُهُ هَذا شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ في الأمْرِ بِالمُلازَمَةِ مَعَ التِزامِ حَذْفِ العامِلِ فِيهِ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ أسْماءِ الأفْعالِ المَوْضُوعَةِ لِلْأمْرِ، نَحْوَ: صَهْ، ويَقْتَرِنُ بِضَمِيرٍ مُناسِبٍ لِلْمُخاطَبِ مِن إفْرادٍ وغَيْرِهِ، قالَ عَمْرُو بْنُ الإطْنابَةِ:

مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي

وأمْرُهم بِمُلازَمَةِ المَكانِ تَثْقِيفٌ وحَبْسٌ. وإذْ قَدْ جُمِعَ فِيهِ المُخاطَبُونَ وشُرَكاؤُهم عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ الحَبْسَ لِأجْلِ جَرِيمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وهي كَوْنُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عابِدًا والآخَرِ مَعْبُودًا.

وقَوْلُهُ: أنْتُمْ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المُقَدَّرِ في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وهو المُسَوِّغُ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ وبِهَذا العَطْفِ صارَ الشُّرَكاءُ مَأْمُورِينَ بِاللُّبْثِ في المَكانِ.

صفحة ١٥١

والشُّرَكاءُ: الأصْنامُ. وُصِفُوا بِالشُّرَكاءِ لِاعْتِقادِ المُخاطَبِينَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلى ضَمِيرِهِمْ، أيْ أنْتُمْ والَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ. فَإضافَةُ شُرَكاءَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تَهَكُّمٌ.

وعُطِفَ ﴿فَزَيَّلْنا﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِإفادَةِ حُصُولِ ذَلِكَ في عَقِبِ وقْتِ الأمْرِ بِاللَّبْثِ. ولَمّا كانَتِ الفاءُ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ الزَّمَنِيَّ في حُصُولِ مَعْطُوفِها إثْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وكانَ المَقْصُودُ هُنا أنَّ التَّزْيِيلَ حَصَلَ مُقارِنًا لِإلْزامِهِمُ المَكانَ - عُبِّرَ عَنْ فِعْلِ التَّزْيِيلِ بِصِيغَةِ الماضِي لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ التَّزْيِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]

وزَيَّلَ: مُضاعَفُ زالَ المُتَعَدِّي. يُقالُ: زالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ يَزِيلُهُ بِمَعْنى أزالَهُ فَجَعَلُوهُ يائِيَّ العَيْنِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ زالَ القاصِرِ الَّذِي هو واوِيُّ العَيْنِ، فَزَيَّلَ فِعْلٌ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّيْلِ مِثْلَ فَرَّقَ مُبالَغَةً في فَرَقَ. والمَعْنى وقَعَ بَيْنَهم تَفْرِيقٌ قَوِيٌّ بِحَيْثُ انْقَطَعَتْ جَمِيعُ الوُصَلِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم. والتَّزْيِيلُ هُنا مَجازِيٌّ فَيَشْمَلُ اخْتِلافَ القَوْلِ.

وتَعْلِيقُ التَّزْيِيلِ بِالأصْنامِ بِاعْتِبارِ خَلْقِ مَعْناهُ فِيها حِينَ أنْطَقَها اللَّهُ بِما يُخالِفُ زَعْمَ عِبادِها.

وجُمْلَةُ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَزَيَّلْنا﴾ فَهو في حَيِّزِ التَّعْقِيبِ، ويَجُوزُ جَعْلُها حالًا.

ويَقُولُ الشُّرَكاءُ هَذا الكَلامُ بِخَلْقِ نُطْقٍ فِيها خارِقٍ لِلْعادَةِ يَفْهَمُهُ النّاسُ لِإشْعارِ أُولَئِكَ العابِدِينَ بِأنَّ أصْنامَهم تَبَرَّءُوا مِنهم، وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهم نَدامَةً. وكَلامُ الأصْنامِ يُفِيدُ نَفْيَ أنْ يَكُونُوا عَبَدُوهم بَلْ عَبَدُوا غَيْرَهم. وفي اسْتِقامَةِ ذَلِكَ إشْكالٌ لِأنَّ الواقِعَ أنَّهم عَبَدُوهم وعَبَدُوا غَيْرَهم فَكَيْفَ يَنْفِي كَلامُهم عِبادَتَهم إيّاهم وهو كَلامٌ خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ كَذِبًا. وقَدْ تَأوَّلَ المُفَسِّرُونَ هَذا بِوُجُوهٍ لا يَنْثَلِجُ لَها الصَّدْرُ.

والَّذِي ظَهَرَ لِي أنْ يَكُونَ آخِرُ كَلامِ الأصْنامِ مُبَيِّنًا لِما أجْمَلَهُ أوَّلُهُ بِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونُوا عَبَدُوهم عِبادَةً كامِلَةً وهي العِبادَةُ الَّتِي يَقْصِدُ مِنها العابِدُ امْتِثالَ أمْرِ المَعْبُودِ وإرْضاءَهُ فَتَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْبُودُ عالِمًا وآمِرًا بِتِلْكَ العِبادَةِ. ولَمّا كانَتِ الأصْنامُ غَيْرَ

صفحة ١٥٢

عالِمِينَ ولا آمِرِينَ اسْتَقامَ نَفْيُهم أنْ يَكُونَ عَبَدَتُهم قَدْ عَبَدُوهم تِلْكَ العِبادَةَ وإنَّما عَبَدُوا غَيْرَهم مِمَّنْ أمَرُوهم بِالعِبادَةِ وهُمُ الشَّياطِينُ ولِذَلِكَ قالُوا ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ كَما تُفَسِّرُهُ الآيَةُ الأُخْرى وهي قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١]

فالمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامُ لا غَيْرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُطْقُها بِجَحْدِ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ هو أنْ خَلَقَ لَها عُقُولًا فَكانَتْ عُقُولُها مُسْتَحْدَثَةً يَوْمَئِذٍ لَمْ يَتَقَرَّرْ فِيها عِلْمٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ عَبَدُوها. ويُفَسِّرُ هَذا قَوْلُهم بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾

وجُمْلَةُ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ مُؤَكَّدَةٌ بِالقَسَمِ لِيُثْبِتُوا البَراءَةَ مِمّا أُلْصِقَ بِهِمْ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد: ٤٣] قَسَمًا عَلى كَلامِهِمُ المُتَقَدِّمِ لِأنَّ شَأْنَ القَسَمِ أنْ يَكُونَ في صَدْرِ الجُمْلَةِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ القَسَمَ مُتَفَرِّعٌ عَلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّ إخْبارَهم بِنَفْيِ أنْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم خَبَرٌ غَرِيبٌ مُخالِفٌ لِما هو مُشاهَدٌ فَناسَبَ أنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ ما يُحَقِّقُهُ ويُبَيِّنُهُ مَعَ تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِالقَسَمِ. والإتْيانُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عِنْدَ تَعْقِيبِ الكَلامِ بِجُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ مِن فَصِيحِ الِاسْتِعْمالِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] . ومِن خَصائِصِهِ أنَّهُ إذا عُطِفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ كانَ مُؤَكِّدًا لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ تَفْرِيعِ القَسَمِ عَلَيْهِ ومُؤَكِّدًا لِما بَعْدَهُ بِطَرِيقِ جَوابِ القَسَمِ بِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ لَمْ تُفَسَّرْ حَقَّ تَفْسِيرِها.

والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ، وهو المُؤَيِّدُ والمُصَدِّقُ لِدَعْوى مُدَّعٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمُ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]

وكَفى بِمَعْنى أجْزَأ وأغْنى عَنْ غَيْرِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] في سُورَةِ النِّساءِ. وهو بِصِيغَةِ خَبَرٍ مُسْتَعْمَلٍ في إنْشاءِ القَسَمِ. والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. وأصْلُهُ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا.

صفحة ١٥٣

وانْتَصَبَ شَهِيدًا عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ الكِفايَةِ إلى اللَّهِ لِما فِيها مِنَ الإجْمالِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. ”وإنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِن ”إنَّ“ . واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُلْتَزِمُ الحَذْفِ.

وجُمْلَةُ ﴿كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ. واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَ إنِ المُؤَكِّدَةِ المُخَفَّفَةِ وإنِ النّافِيَةِ.

وتَقْدِيمُ قَوْلِهِ: ﴿عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

10:30Page 212

هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٣٠

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allāh, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾

تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] إلى هُنا. وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ.

والإشارَةُ إلى المَكانِ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَحْشُرُهم فِيهِ. واسْمُ الإشارَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. وعامِلُهُ تَبْلُو، وقُدِّمَ هَذا الظَّرْفُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِنَ الكَلامِ لِعِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ.

وتَبْلُو تَخْتَبِرُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّحَقُّقِ وعِلْمِ اليَقِينِ. وأسْلَفَتْ قَدَّمَتْ، أيْ عَمَلًا أسْلَفَتْهُ. والمَعْنى أنَّها تَخْتَبِرُ حالَتَهُ وثَمَرَتَهُ فَتَعْرِفُ ما هو حَسَنٌ ونافِعٌ وما هو قَبِيحٌ وضارٌّ إذْ قَدْ وضَحَ لَهم ما يُفْضِي إلى النَّعِيمِ بِصاحِبِهِ، وضِدُّهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَبْلُو بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ المُثَنّاةِ الأُولى عَلى أنَّهُ مِنَ التَّلْوِ وهو المُتابَعَةُ، أيْ تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما قَدَّمَتْهُ مِن عَمَلٍ فَيَسُوقُها إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ.

* * *

صفحة ١٥٤

﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ فَتَكُونَ مِن تَمامِ التَّذْيِيلِ، ويَكُونَ ضَمِيرُ رُدُّوا عائِدًا إلى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٢٨] الآيَةَ فَلا تَتَّصِلَ بِالتَّذْيِيلِ، أيْ ونَرُدُّهم إلَيْنا، ويَكُونَ ضَمِيرُ رُدُّوا عائِدًا إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً. والمَعْنى تَحَقَّقَ عِنْدَهم الحَشْرُ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَهُ. ويُناسِبُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَإنَّ فِيهِ إشْعارًا بِالتَّوَرُّكِ عَلَيْهِمْ بِإبْطالِ مَوالِيهِمُ الباطِلَةِ.

والرَّدُّ: الإرْجاعُ. والإرْجاعُ إلى اللَّهِ الإرْجاعُ إلى تَصَرُّفِهِ بِالجَزاءِ عَلى ما يُرْضِيهِ وما لا يُرْضِيهِ وقَدْ كانُوا مِن قَبْلُ حِينَ كانُوا في الحَياةِ الدُّنْيا مُمْهَلِينَ غَيْرَ مُجازِينَ.

والمَوْلى: السَّيِّدُ؛ لِأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِهِ ولاءُ عَهْدِ المِلْكِ. ويُطْلَقُ عَلى مُتَوَلِّي أُمُورِ غَيْرِهِ ومُوَفِّرِ شُئُونِهِ.

والحَقُّ: المُوافِقُ لِلْواقِعِ والصِّدْقِ، أيْ رُدُّوا إلى الإلَهِ الحَقِّ دُونَ الباطِلِ. والوَصْفُ بِالحَقِّ هو وصْفُ المَصْدَرِ في مَعْنى الحاقِّ، أيِ الحاقِّ المَوْلَوِيَّةَ، أيْ دُونَ الأوْلِياءِ الَّذِينَ زَعَمُوهم باطِلًا.

* * *

﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمُشْرِكِينَ كَما هو واضِحٌ.

والضَّلالُ: الضَّياعُ.

و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَكْذِبُونَ مِن نِسْبَتِهِمُ الإلَهِيَّةَ إلى الأصْنامِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماصَدَقَ ما المَوْصُولَةِ الأصْنامَ، فَيَكُونَ قَدْ حُذِفَ العائِدُ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ بِدُونِ أنْ يُجَرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ العائِدُ والحَقُّ جَوازُهُ، فالتَّقْدِيرُ: ما كانُوا يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ أوْ لَهُ. وضَلالُهُ: عَدَمُ وُجُودِهِ عَلى الوَصْفِ المَزْعُومِ لَهُ.

صفحة ١٥٥

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماصَدَقَ ما نَفْسَ الِافْتِراءِ، أيِ الِافْتِراءُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. وضَلالُهُ: ظُهُورُ نَفْيِهِ وكَذِبِهِ.

10:31Page 212

قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١

Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allāh," so say, "Then will you not fear Him?"

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ انْتِقالٌ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ في أفانِينِ إبْطالِ الشِّرْكِ وإثْباتِ تَوَحُّدِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الِاسْتِدْلالِ لِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] لِأنَّها بُرْهانٌ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْوِلايَةِ.

فاحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِمَواهِبِ الرِّزْقِ الَّذِي بِهِ قِوامُ الحَياةِ، وبِمَوْهِبَةِ الحَواسِّ، وبِنِظامِ التَّناسُلِ والتَّوالُدِ الَّذِي بِهِ بَقاءُ الأنْواعِ، وبِتَدْبِيرِ نِظامِ العالَمِ وتَقْدِيرِ المُقَدَّراتِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَواهِبُ مِنَ اللَّهِ وهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ لا يَفْعَلُهُ إلّا اللَّهُ إذْ لَمْ يَكُونُوا يَنْسُبُونَ إلى أصْنامِهِمْ هَذِهِ الأُمُورَ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ المُخْتَصُّ بِها هو مُسْتَحِقَّ الوِلايَةِ والإلَهِيَّةِ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ.

وجاءَ الِاسْتِدْلالُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ والجَوابِ لِأنَّ ذَلِكَ في صُورَةِ الحِوارِ، فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الحاصِلُ بِهِ أوْقَعَ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، ولِذَلِكَ كانَ مِن طُرُقِ التَّعْلِيمِ مِمّا يُرادُ رُسُوخُهُ مِنَ القَواعِدِ العِلْمِيَّةِ أنْ يُؤْتى بِهِ في صُورَةِ السُّؤالِ والجَوابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ تَذْكِيرٌ بِأحْوالِ الرِّزْقِ لِيَكُونَ أقْوى حُضُورًا في الذِّهْنِ، فالرِّزْقُ مِنَ السَّماءِ المَطَرُ، والرِّزْقُ مِنَ الأرْضِ النَّباتُ كُلُّهُ مِن حَبٍّ وثَمَرٍ وكَلَأٍ.

وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ﴾ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِنِ اسْتِفْهامٍ إلى آخَرَ.

صفحة ١٥٦

ومَعْنى ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِما، وهو مِلْكُ إيجادِ تَيْنِكَ الحاسَّتَيْنِ، وذَلِكَ اسْتِدْلالٌ وتَذْكِيرٌ بِأنْفَعِ صُنْعٍ وأدَقِّهِ.

وأفْرَدَ السَّمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَهو دالٌّ عَلى الجِنْسِ المَوْجُودِ في جَمِيعِ حَواسِّ النّاسِ. وأمّا الأبْصارَ فَجِيءَ بِهِ جَمْعًا لِأنَّهُ اسْمٌ، فَهو لَيْسَ نَصًّا في إفادَةِ العُمُومِ لِاحْتِمالِ تَوَهُّمِ بَصَرٍ مَخْصُوصٍ فَكانَ الجَمْعُ أدَلَّ عَلى قَصْدِ العُمُومِ وأنْفى لِاحْتِمالِ العَهْدِ ونَحْوِهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] لِأنَّ المُرادَ الواحِدُ لِكُلِّ مُخاطَبٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ: هو تَوَلُّدُ أطْفالِ الحَيَوانِ مِنَ النُّطَفِ ومِنَ البَيْضِ؛ فالنُّطْفَةُ أوِ البَيْضَةُ تَكُونُ لا حَياةَ فِيها ثُمَّ تَتَطَوَّرُ إلى الشَّكْلِ القابِلِ لِلْحَياةِ ثُمَّ تَكُونُ فِيها الحَياةُ. ومِنَ في قَوْلِهِ: مِنَ المَيِّتِ لِلِابْتِداءِ. وإخْراجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ إخْراجُ النُّطْفَةِ والبَيْضِ مِنَ الحَيَوانِ.

والتَّعْرِيفُ في الحَيِّ والمَيِّتِ في المَرَّتَيْنِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

وقَدْ نُظِّمَ هَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ بِأُسْلُوبِ الأحاجِي والألْغازِ وجُعِلَ بِمُحَسِّنِ التَّضادِّ، كُلُّ ذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِنهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. غَيْرَ أنَّ ”ما“ هُنا لَيْسَ فِيهِ رَمْزٌ إلى شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وهو هُنا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ذَكَرَ ما فِيهِ مَزِيدُ عِبْرَةٍ في أنْفُسِهِمْ كالعِبْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ فاءُ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَقْتَرِنَ بِجَوابِ الشَّرْطِ إذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ لِمُباشَرَةِ أداةِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ تَسَبُّبَ قَوْلَهِمْ اللَّهُ عَلى السُّؤالِ

صفحة ١٥٧

المَأْمُورِ بِهِ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَنُزِّلَ فِعْلُ قُلْ مَنزِلَةَ الشَّرْطِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تَقُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا﴾ [الإسراء: ٥١] . وهَذا الِاسْتِعْمالُ نَظِيرُ تَنْزِيلِ الأمْرِ مِنَ القَوْلِ مَنزِلَةَ الشَّرْطِ في جَزْمِ الفِعْلِ المَقُولِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . التَّقْدِيرُ: إنْ تَقُلْ لَهم أقِيمُوا الصَّلاةَ يُقِيمُوا وإنْ تَقُلْ لَهم قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ يَقُولُوا. وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النُّحاةِ وعادَةُ المُعْرِبِينَ أنْ يُخَرِّجُوهُ عَلى حَذْفِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ. والرَّأْيانِ مُتَقارِبانِ إلّا أنَّ ما سَلَكَهُ المُحَقِّقُونَ تَقْدِيرُ مَعْنًى، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمُ اعْتِبارٌ لا اسْتِعْمالٌ، وما سَلَكَهُ المُعْرِبُونَ تَقْدِيرُ إعْرابٍ والمُقَدَّرُ عِنْدَهم كالمَذْكُورِ.

ولَوْ لَمْ يُنَزَّلِ الأمْرُ بِمَنزِلَةِ الشَّرْطِ لَما جاءَتِ الفاءُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤] الآياتِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: فَقُلْ فاءُ الفَصِيحَةِ، أيْ إنْ قالُوا ذَلِكَ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ فاءُ التَّفْرِيعِ، أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى اعْتِرافِكم بِأنَّهُ الفاعِلُ الواحِدُ إنْكارُ عَدَمِ التَّقْوى عَلَيْكم.

ومَفْعُولُ ﴿تَتَّقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ تَتَّقُونَهُ، أيْ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ.

وإنَّما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم سَيَعْتَرِفُونَ بِأنَّ الرّازِقَ والخالِقَ والمُدَبِّرَ هو اللَّهُ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَ ذَلِكَ كَما تَكَرَّرَ الإخْبارُ بِذَلِكَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ. وفِيهِ تَحَدٍّ لَهم فَإنَّهم لَوِ اسْتَطاعُوا لَأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ صَحِيحًا، ولَكِنَّ خَوْفَهم عارَ الكَذِبِ صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾

10:32Page 212

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٣٢

For that is Allāh, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?

صفحة ١٥٨

﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى الإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]، فالمُفَرَّعُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ.

واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِالحُكْمِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ وهي كَوْنُهُ الرّازِقَ، الواهِبَ الإدْراكَ، الخالِقَ، المُدَبِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ قَدْ جَمَعَها. وأوْمَأ إلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ مُعَلَّلٌ بِمَجْمُوعِها. واسْمُ الجَلالَةِ بَيانٌ لِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ الإيضاحِ تَعْرِيضًا بِقُوَّةِ خَطَئِهِمْ وضَلالِهِمْ في الإلَهِيَّةِ. ورَبُّكُمُ خَبَرٌ. والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ. وتَقَدَّمَ الوَصْفُ بِالحَقِّ آنِفًا في الآيَةِ مِثْلَ هَذِهِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ تَفْرِيعٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى الِاسْتِنْتاجِ الواقِعِ بَعْدَ الدَّلِيلِ، فَهو تَفْرِيعٌ عَلى تَفْرِيعٍ وتَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ.

وماذا مُرَكَّبٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ وذا الَّذِي هو اسْمُ إشارَةٍ. وهو يَقَعُ بَعْدَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ كَثِيرًا. وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ مَزِيدٌ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ. ويُعَبَّرُ عَنْ زِيادَتِهِ بِأنَّهُ مُلْغًى تَجَنُّبًا مِن إلْزامِ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ مَزِيدًا كَما هُنا. وقَدْ يُفِيدُ مَعْنى المَوْصُولِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والِاسْتِفْهامُ هُنا إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الضَّلالُ﴾

وبَعْدَ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى غَيْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُغايِرَ يَحْصُلُ إثْرَ مُغايَرَةٍ وعِنْدَ انْتِفائِهِ.

فالمَعْنى: ما الَّذِي يَكُونُ إثْرَ انْتِفاءِ الحَقِّ.

ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهُ لا تَرَدُّدَ في المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ تَعَيَّنَ أنَّهُ إنْكارٌ وإبْطالٌ فَلِذا وقَعَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الضَّلالُ﴾ . فالمَعْنى لا يَكُونُ إثْرَ انْتِفاءِ الحَقِّ

صفحة ١٥٩

إلّا الضَّلالُ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما. فَلَمّا كانَ اللَّهُ هو الرَّبُّ الحَقُّ تَعَيَّنَ أنَّ غَيْرَهُ مِمّا نُسِبَتْ إلَيْهِ الإلَهِيَّةُ باطِلٌ. وعَبَّرَ عَنِ الباطِلِ بِالضَّلالِ لِأنَّ الضَّلالَ أشْنَعُ أنْواعِ الباطِلِ.

والفاءُ في ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ أيْضًا، أيْ لِتَفْرِيعِ التَّصْرِيحِ بِالتَّوْبِيخِ عَلى الإنْكارِ والإبْطالِ.

وأنّى اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ، أيْ إلى مَكانٍ تَصْرِفُكم عُقُولُكم. وهو مَكانٌ اعْتِبارِيٌّ، أيْ أنَّكم في ضَلالٍ وعَمايَةٍ كَمَن ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ ولا يَجِدُ إلّا مَن يَنْعَتُ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ مُوَصِّلَةٍ فَهو يُصْرَفُ مِن ضَلالٍ إلى ضَلالٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِبارَةُ القُرْآنِ في سَوْقِ هَذِهِ المَعانِي تَفُوقُ كُلَّ تَفْسِيرٍ بَراعَةً وإيجازًا ووُضُوحًا.

وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى تِسْعِ فاءاتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]: الأُولى جَوابِيَّةٌ، والثّانِيَةُ فَصِيحَةٌ، والبَواقِي تَفْرِيعِيَّةٌ.

10:33Page 212

كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٣

Thus the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

تَذْيِيلٌ لِلتَّعْجِيبِ مِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَهم مِنَ الحُجَجِ والآياتِ، وتَأْيِيسٌ مِن إيمانِهِمْ بِإفادَةِ أنَّ انْتِفاءَ الإيمانِ عَنْهم بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْهِمْ فَقَدْ ظَهَرَ وُقُوعُ ما قَدَّرَهُ مِن كَلِمَتِهِ في الأزَلِ، والكافُ الدّاخِلَةُ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كافُ التَّشْبِيهِ.

والمُشَبَّهُ بِهِ هو المُشارُ إلَيْهِ، وهو حالُهم وضَلالُهم، أيْ كَما شاهَدْتَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، يَعْنِي أنَّ فِيما شاهَدْتَ ما يُبَيِّنُ لَكَ أنَّ قَدْ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن كَلِمَةُ أوْ مِن كَلِماتُ. والمُرادُ مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ (كَلِماتُ رَبِّكَ) بِالجَمْعِ. وقَرَأها الباقُونَ بِالإفْرادِ، والمَعْنى واحِدٌ لِأنَّ الكَلِمَةَ تُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، ولِأنَّ

صفحة ١٦٠

الجَمْعَ يَكُونُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الكَلِماتِ أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ بِالنِّسْبَةِ لِأُناسٍ كَثِيرِينَ.

والفِسْقُ: الخُرُوجُ مِنَ المَسْلَكِ الَّذِي شَأْنُ الشَّيْءِ سُلُوكُهُ، والمُرادُ بِهِ فِسْقٌ عَنْ تَلَقِّي دَعْوَةِ الرُّسُلِ وإعْمالِ النَّظَرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ فَسَقُوا كُلَّ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى فِسْقِهِ فَلا يُؤْمِنُ، فَتَكُونَ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِما فِيها مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِهَؤُلاءِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ [الرعد: ١٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ فَسَقُوا المُتَحَدَّثَ عَنْهم خاصَّةً فَيَكُونَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ أنَّهم مَعَ صِفاتِهِمُ السّابِقَةِ قَدِ اتَّصَفُوا بِالفِسْقِ، ولِإفادَةِ كَوْنِ فِسْقِهِمْ عِلَّةً في أنْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ، ويَكُونُ المُشَبَّهُ بِهِ هو الحَقُّ المَأْخُوذُ مِن حَقَّتْ أيْ كَذَلِكَ الحَقُّ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ مُبالَغَةً في ظُهُورِهِ حَتّى إنَّهُ إذا أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ وتَقْرِيبُهُ لَمْ يُشَبَّهْ إلّا بِنَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَذْيِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الفَذْلَكَةِ والتَّعْجِيبِ.

10:34Page 213

قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣٤

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allāh begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [يونس: ٣١] . وهَذا مَقامُ تَقْرِيرِ وتَعْدِيدِ الِاسْتِدْلالِ، وهو مِن دَواعِي التَّكْرِيرِ وهو احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ حالَ آلِهَتِهِمْ عَلى الضِّدِّ مِن صِفاتِ اللَّهِ - تَعالى - فَبَعْدَ أنْ أقامَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالرِّزْقِ وخَلْقِ الحَواسِّ وخَلْقِ الأجْناسِ وتَدْبِيرِ جَمِيعِ الأُمُورِ وأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ

صفحة ١٦١

ذَلِكَ الِانْفِرادِ بَيَّنَ هُنا أنَّ آلِهَتَهم مَسْلُوبَةٌ مِن صِفاتِ الكَمالِ وأنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِها. وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ لِأنَّهُ غَرَضٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ، ومَوْقِعُ التَّكْرِيرِ يَزِيدُهُ اسْتِقْلالًا.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَقْرِيرٌ بِإنْكارِ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ المُتَكَلِّمُ بِطالِبٍ لِلْجَوابِ ولا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِذَلِكَ فَهو في مَعْنى نَفْيِ أنْ يَكُونَ مِن آلِهَتِهِمْ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، فَلِذَلِكَ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَرْتَقِيَ مَعَهم في الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فَصارَ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ قَصْرًا لِصِفَةِ بَدْءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ عَلى اللَّهِ - تَعالى - قَصْرَ إفْرادٍ، أيْ دُونَ شُرَكائِكم، أيْ فالأصْنامُ لا تَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ واللَّهُ مُنْفَرِدٌ بِها.

وذِكْرُ إعادَةِ الخَلْقِ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ أنَّهم لا يَعْتَرِفُونَ بِها ضَرْبٌ مِنَ الإدْماجِ في الحِجاجِ وهو فَنٌّ بَدِيعٌ.

وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تَقَدَّمَ وجْهُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨]

وقَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] . وأفَكَهُ: قَلَبَهُ. والمَعْنى: فَإلى أيِّ مَكانٍ تُقْلَبُونَ. والقَلْبُ مَجازِيٌّ وهو إفْسادُ الرَّأْيِ. وأنّى هُنا اسْتِفْهامٌ عَنْ مَكانٍ مَجازِيٍّ شُبِّهَتْ بِهِ الحَقائِقُ الَّتِي يُحَوَّلُ فِيها التَّفْكِيرُ. واسْتِعارَةُ المَكانِ إلَيْها مِثْلُ إطْلاقِ المَوْضُوعِ عَلَيْها والمَجالِ أيْضًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском