Ibn 'AshurYunus · 10:35–38

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:35–38

10:35Page 213

قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٥

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allāh guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهَدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾

هَذا تَكْرِيرٌ آخَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤] . وهَذا اسْتِدْلالٌ بِنُقْصانِ آلِهَتِهِمْ عَنِ الإرْشادِ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ بِنَشْرِ الحَقِّ، وبِأنَّ اللَّهَ - تَعالى -

صفحة ١٦٢

هُوَ الهادِي إلى الكَمالِ والحَقِّ، ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ مُفِيدٌ قَصْرَ صِفَةِ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ عَلى اللَّهِ - تَعالى - دُونَ آلِهَتِهِمْ قَصْرَ إفْرادٍ، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ آنِفًا. ومَعْلُومٌ أنَّ مِنَّةَ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ أعْظَمُ المِنَنِ لِأنَّ بِها صَلاحَ المُجْتَمِعِ وسَلامَةَ أفْرادِهِ مِنِ اعْتِداءِ قَوِيِّهِمْ عَلى ضَعِيفِهِمْ، ولَوْلا الهِدايَةُ لَكانَتْ نِعْمَةُ الإيجادِ مُخْتَلَّةً أوْ مُضْمَحِلَّةً.

والمُرادُ بِالحَقِّ الدِّينُ، وهو الأعْمالُ الصّالِحَةُ، وأُصُولُهُ وهي الِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ.

وقَدْ أتْبَعَ الِاسْتِدْلالَ عَلى كَمالِ الخالِقِ بِبَدْءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى كَمالِهِ بِالهِدايَةِ كَما في قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ - تَعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) . وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي هو أكْمَلُ ما عَلى الأرْضِ مُرَكَّبٌ مِن جَسَدٍ ورُوحٍ، فالِاسْتِدْلالُ عَلى وُجُودِ الخالِقِ وكَمالِهِ بِإيجادِ الأجْسادِ وما فِيها هو الخَلْقُ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِنِظامِ أحْوالِ الأرْواحِ وصَلاحِها هو الهِدايَةُ.

وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ﴾ إلى آخِرِهِ تَفْرِيعُ اسْتِفْهامٍ تَقْرِيرِيٍّ عَلى ما أفادَتْهُ الجُمْلَتانِ السّابِقَتانِ مِن قَصْرِ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ عَلى اللَّهِ - تَعالى - دُونَ آلِهَتِهِمْ. وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ أهْلُ العُقُولِ بِأنَّ الَّذِي يَهْدِي إلى الحَقِّ يُوصِلُ إلى الكَمالِ الرُّوحانِيِّ وهو الكَمالُ الباقِي إلى الأبَدِ وهو الكَوْنُ المَصُونُ عَنِ الفَسادِ فَإنَّ خَلْقَ الأجْسادِ مَقْصُودٌ لِأجْلِ الأرْواحِ، والأرْواحُ مُرادٌ مِنها الِاهْتِداءُ، فالمَقْصُودُ الأعْلى هو الهِدايَةُ. وإذْ قَدْ كانَتِ العُقُولُ عُرْضَةً لِلِاضْطِرابِ والخَطَأِ احْتاجَتِ النُّفُوسُ إلى هَدْيٍ يُتَلَقّى مِنَ الجانِبِ المَعْصُومِ عَنِ الخَطَأِ وهو جانِبُ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ كانَ الَّذِي يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ لِأنَّهُ مُصْلِحُ النُّفُوسِ ومُصْلِحُ نِظامِ العالَمِ البِشْرِيِّ، فاتِّباعُهُ واجِبٌ عَقْلًا واتِّباعُ غَيْرِهِ لا مُصَحِّحَ لَهُ، إذْ لا غايَةَ تُرْجى مِنِ اتِّباعِهِ. وأفْعالُ العُقَلاءِ تُصانُ عَنِ العَبَثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ لا يَهَدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيِ الَّذِي لا يَهْتَدِي فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ، أيْ لا يَقْبَلُ الهِدايَةَ فَكَيْفَ يَهْدِي غَيْرَهُ فَلا يَحِقُّ لَهُ أنْ يُتَّبَعَ.

صفحة ١٦٣

والمُرادُ بِـ (مَن لا يَهِدِّي) الأصْنامُ فَإنَّها لا تَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، كَما قالَ إبْراهِيمُ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهَدِّي﴾ فَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الهاءِ - عَلى أنَّ أصْلَهُ يَهْتَدِي، أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما وأُدْغِمَتْ في الدّالِ ونُقِلَتْ حَرَكَةُ التّاءِ إلى الهاءِ السّاكِنَةِ (ولا أهَمِّيَّةَ إلى قِراءَةِ قالُونَ عَنْ نافِعٍ وإلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِجَعْلِ فَتْحِ الهاءِ مُخْتَلَسًا بَيْنَ الفَتْحِ والسُّكُونِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الأداءِ فَلا يُعَدُّ خِلافًا في القِراءَةِ) .

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ - بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ - عَلى اعْتِبارِ طَرْحِ حَرَكَةِ التّاءِ المُدْغَمَةِ واخْتِلافِ كَسْرَةٍ عَلى الهاءِ عَلى أصْلِ التَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ - بِكَسْرِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ - بِإتْباعِ كَسْرَةِ الياءِ لِكَسْرَةِ الهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ - بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ - عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ”هَدى“ القاصِرِ بِمَعْنى اهْتَدى، كَما يُقالُ: شَرى بِمَعْنى اشْتَرى.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ تَهَكُّمٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ. وأُرِيدَ بِالهَدْيِ النَّقْلُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ أيْ لا تَهْتَدِي إلى مَكانٍ إلّا إذا نَقَلَها النّاسُ ووَضَعُوها في المَكانِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ لَها، فَيَكُونُ النَّقْلُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ شُبِّهَ بِالسَّيْرِ فَشُبِّهَ المَنقُولُ بِالسّائِرِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، ورَمَزَ إلى ذَلِكَ بِما هو مِن لَوازِمِ السَّيْرِ وهو الهِدايَةُ في ﴿لا يَهَدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾

وجَوَّزَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ يَكُونَ فِعْلُ ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ بِمَعْنى إهْداءِ العَرُوسِ، أيْ نَقْلِها مِن بَيْتِ أهْلِها إلى بَيْتِ زَوْجِها، فَيُقالُ: هُدِيَتْ إلى زَوْجِها.

وجُمْلَةُ ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَفْرِيعُ اسْتِفْهامٍ تَعْجِيبِيٍّ عَلى اتِّباعِهِمْ مَن لا يَهْتَدِي بِحالٍ. واتِّباعُهم هو عِبادَتُهم إيّاهم.

فـَ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، ولَكم خَبَرٌ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ. والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم فاتَّبَعْتُمْ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ نَقْلًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.

صفحة ١٦٤

وقَوْلُ العَرَبِ: ما لَكَ ؟ ونَحْوَهُ اسْتِفْهامٌ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، فَقالَ النّاسُ ”ما لَهُ ! ما لَهُ“ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرَبٌ. . . ما لَهُ» ؟ . فَإذا كانَ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ حالًا ظاهِرَةً لَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ شَيْءٍ بَعْدَ (ما لَهُ) كَما وقَعَ في الحَدِيثِ.

وجَعَلَ الزَّجّاجُ هَذِهِ الآيَةَ مِنهُ فَقالَ: ما لَكم: كَلامٌ تامٌّ، أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكم في عِبادَةِ الأوْثانِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ووَقَفَ القُرّاءُ فَما لَكم ثُمَّ يَبْدَأُ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ .

وإذا كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ أتْبَعُوا الِاسْتِفْهامَ بِحالٍ وهو الغالِبُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: مِثْلُ هَذا الكَلامِ لا يَتِمُّ بِدُونِ ذِكْرِ حالٍ بَعْدَهُ، فالخِلافُ بَيْنَ كَلامِهِمْ وكَلامِ الزَّجّاجِ لَفْظِيٌّ.

وجُمْلَةُ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِما في جُمْلَةِ ما لَكم مِنَ الإجْمالِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها فَهو مِثْلُهُ اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ مِن حُكْمِهِمُ الضّالِّ إذْ حَكَمُوا بِإلَهِيَّةِ مَن لا يَهْتَدِي فَهو تَعْجِيبٌ عَلى تَعْجِيبٍ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ دَلِيلًا عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ.

10:36Page 213

وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٣٦

And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.

﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] بِاعْتِبارِ عَطْفِ تِلْكَ عَلى نَظِيرَتَيْها المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها، فَبَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُحِجَّهم فِيما جَعَلُوهم آلِهَةً وهي لا تَصَرُّفَ ولا تَدْبِيرَ ولا هِدايَةَ لَها، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ عِبادَتَهم إيّاها اتِّباعٌ لِظَنٍّ باطِلٍ، أيْ لَوْ هم لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ حَقٍّ.

صفحة ١٦٥

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: أكْثَرُهم عائِدٌ إلى أصْحابِ ضَمِيرِ شُرَكائِكم وضَمِيرِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥]

وإنَّما عَمَّهم في ضَمائِرَ شُرَكائِكم و﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥]، وخَصَّ بِالحُكْمِ في اتِّباعِهِمُ الظَّنَّ أكْثَرَهم؛ لِأنَّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ اتَّفَقُوا في اتِّباعِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وبَيَّنَ هُنا أنَّهم لَيْسُوا سَواءً في الِاعْتِقادِ الباعِثِ لَهم عَلى عِبادَتِها إيماءً إلى أنَّ مِن بَيْنِهِمْ عُقَلاءَ قَلِيلِينَ ارْتَقَتْ مَدارِكُ أفْهامِهِمْ فَوْقَ أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ لِلْأصْنامِ تَصَرُّفًا ولَكِنَّهم أظْهَرُوا عِبادَتَها تَبَعًا لِلْهَوى وحِفْظًا لِلسِّيادَةِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن هَذا لَيْسَ هو تَبْرِئَةً لِلَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ عَنْ غَيْرِ ظَنٍّ بِإلَهِيَّتِها فَإنَّهم شَرٌّ مِنَ الَّذِينَ عَبَدُوها عَنْ تَخَيُّلٍ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ هو زِيادَةُ الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ عِبادَتِها حَتّى إنَّ مِن عُبّادِها فَرِيقًا لَيْسُوا مُطْمَئِنِّينَ لِتَحَقُّقِ إلَهِيَّتِها. وبِالتَّأمُّلِ يَظْهَرُ أنَّ هَؤُلاءِ هم خاصَّةُ القَوْمِ وأهْلُ الأحْلامِ مِنهم لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَخْطِئَةِ ذَلِكَ الظَّنِّ. فَفِيهِ إيقاظٌ لِجُمْهُورِهِمْ، وفِيهِ زِيادَةُ مَوْعِظَةٍ لِخاصَّتِهِمْ لِيُقْلِعُوا عَنِ الِاسْتِمْرارِ في عِبادَةِ ما لا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ قُلُوبُهم. وهَذا كَقَوْلِهِ الآتِي ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]

والظَّنُّ: يُطْلَقُ عَلى مَراتِبِ الإدْراكِ، فَيُطْلَقُ عَلى الِاعْتِقادِ الجازِمِ الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَكٌّ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]؛ ويُطْلَقُ عَلى الِاعْتِقادِ المَشُوبِ بِشَكٍّ. ويَظْهَرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في هَذا الثّانِي وأنَّهُ مَجازٌ في الأوَّلِ لَكِنَّهُ في الأوَّلِ شائِعٌ فَصارَ كالمُشْتَرِكِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى الآيَةِ المَذْكُورَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .

وقَدْ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى الِاعْتِقادِ المُخْطِئِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقَوْلِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» .

صفحة ١٦٦

والظَّنُّ كَثُرَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى العِلْمِ المُخْطِئِ أوِ الجَهْلِ المُرَكَّبِ والتَّخَيُّلاتِ الباطِلَةِ، قالَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» . وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الظَّنِّ الحُصَيْبِيِّ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] . وهَذا المَعْنى هو المُصْطَلَحُ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَماءِ أُصُولِ الدِّينِ وأُصُولِ الفِقْهِ. وهو العِلْمُ المُسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ راجِحٍ مَعَ احْتِمالِ الخَطَأِ احْتِمالًا ضَعِيفًا. وهَذا الظَّنُّ هو مَناطُ التَّكْلِيفِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.

فَوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ المُتَعارِضاتِ إعْمالُ كُلٍّ في مَوْرِدِهِ اللّائِقِ بِهِ بِحَسَبِ مَقاماتِ الكَلامِ وسِياقِهِ، فَمَحْمَلُ قَوْلِهِ هُنا ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أنَّ العِلْمَ المَشُوبَ بِشَكٍّ لا يُغْنِي شَيْئًا في إثْباتِ الحَقِّ المَطْلُوبِ وذَلِكَ ما يُطْلَبُ فِيهِ الجَزْمُ واليَقِينُ مِنَ العُلُومِ الحاصِلَةِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِأنَّ الجَزْمَ فِيها مُمْكِنٌ لِمَن أعْمَلَ رَأْيَهُ إعْمالًا صائِبًا إذِ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ يَحْصُلُ مِنها اليَقِينُ، فَأمّا ما طَرِيقُ تَحْصِيلِهِ الأدِلَّةُ الظّاهِرَةُ الَّتِي لا يَتَأتّى اليَقِينُ بِها في جَمِيعِ الأحْوالِ فَذَلِكَ يُكْتَفى فِيهِ بِالظَّنِّ الرّاجِحِ بَعْدَ إعْمالِ النَّظَرِ وهو ما يُسَمّى بِالِاجْتِهادِ.

و”ظَنًّا“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ لِـ ”يَتَّبِعُ“ . ولَمّا كانَ الظَّنُّ يَقْتَضِي مَظْنُونًا كانَ اتِّباعُ الظَّنِّ اتِّباعًا لِلْمَظْنُونِ، أيْ يَتَّبِعُونَ شَيْئًا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلّا الظَّنُّ، أيِ الِاعْتِقادُ الباطِلُ.

وتَنْكِيرُ ظَنًّا لِلتَّحْقِيرِ، أيْ ظَنًّا واهِيًا. ودَلَّتْ صِيغَةُ القَصْرِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا في عَقائِدِهِمُ المُنافِيَةِ لِلتَّوْحِيدِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ رَدًّا عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصْرُ مِن كَوْنِهِمْ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

والحَقُّ: هو الثّابِتُ في نَفْسِ الأمْرِ. والمُرادُ بِهِ هُنا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وصِفاتِهِ مِمّا دَلَّ عَلَيْها الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ مِثْلُ وُجُودِهِ وحَياتِهِ، وما دَلَّ عَلَيْها فِعْلُ اللَّهِ مِثْلُ العِلْمِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ.

و”شَيْئًا“ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ، أيْ لا يُغْنِي شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ.

و”مِن“ لِلْبَدَلِيَّةِ، أيْ عِوَضًا عَنِ الحَقِّ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلتَّهْدِيدِ بِالوَعِيدِ.

10:37Page 213

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٧

And it was not [possible] for this Qur’ān to be produced by other than Allāh, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt,1 from the Lord of the worlds.

صفحة ١٦٧

﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾

لَمّا كانَ الغَرَضُ الأوَّلُ في هَذِهِ السُّورَةِ إبْطالَ تَعَجُّبِ المُشْرِكِينَ مِنَ الإيحاءِ بِالقُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ وتَبْيِينَ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى آياتِهِ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَيْفَ لَمْ يَنْظُرُوا في أحْوالِ الرَّسُولِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ ما جاءَ بِهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، وكَيْفَ سَألُوهُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ أوْ يُبَدِّلَ آياتِهِ بِما يُوافِقُ أهْواءَهم. ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى سُؤالِهِمْ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ أُخْرى مِن عِنْدِ اللَّهِ غَيْرُ القُرْآنِ، وتَخَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وصْفُ افْتِرائِهِمُ الكَذِبَ في دَعْوى الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وإقامَةُ الأدِلَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ وعَلى إثْباتِ البَعْثِ، وإنْذارُهم بِما نالَ الأُمَمَ مِن قَبْلِهِمْ، وتَذْكِيرُهم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإمْهالِهِمْ، وبَيانُ خَطَئِهِمْ في اعْتِقادِ الشِّرْكِ اعْتِقادًا مَبْنِيًّا عَلى سُوءِ النَّظَرِ والقِياسِ الفاسِدِ، لا جَرَمَ عادَ الكَلامُ إلى قَوْلِهِمْ في القُرْآنِ بِإبْطالِ رَأْيِهِمُ الَّذِي هو مِنَ الظَّنِّ الباطِلِ أيْضًا بِقِياسِهِمْ أحْوالَ النُّبُوءَةِ والوَحْيِ بِمِقْياسِ عاداتِهِمْ كَما قاسُوا حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقارَعَتْهم هَذِهِ الآيَةُ بِذِكْرِ صِفاتِ القُرْآنِ في ذاتِهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ وتَحَدَّتْهم بِالإعْجازِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.

فَجُمْلَةُ ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا﴾ [يونس: ٣٦] بِمُناسَبَةِ اتِّباعِهِمُ الظَّنَّ في الأمْرَيْنِ: شُئُونِ الإلَهِيَّةِ وفي شُئُونِ النُّبُوءَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ عَطْفَ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ والقِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وهو مُفِيدٌ تَفْصِيلَ ما أجْمَلَهُ ذِكْرُ

صفحة ١٦٨

الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ والجُمَلِ الثَّلاثِ الَّتِي بَعْدَ تِلْكَ الحُرُوفِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] تَكْمِلَةً لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمِ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وهَذا الكَلامُ مَسُوقٌ لِلتَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ، وهي مُفِيدَةٌ المُبالَغَةَ في نَفْيِ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى مِن غَيْرِ اللَّهِ، أيْ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ كَذِبًا وهو آتٍ مِن غَيْرِهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: ما هو بِمُفْتَرًى، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِنَ الوُجُودِ، أيْ ما وُجِدَ أنْ يُفْتَرى، أيْ وُجُودُهُ مُنافٍ لِافْتِرائِهِ، فَدَلالَةُ ذاتِهِ كافِيَةٌ في أنَّهُ غَيْرُ مُفْتَرًى، أيْ لَوْ تَأمَّلَ المُتَأمِّلُ الفَطِنُ تَأمُّلًا صادِقًا في سُوَرِ القُرْآنِ لَعَلِمَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ البَشَرِ، فَتَرْكِيبُ ما كانَ أنْ يُفْتَرى بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: ما كانَ لِيُفْتَرى، بِلامِ الجُحُودِ، فَحَذَفَ لامَ الجُحُودِ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ الجارِّ اطِّرادًا مَعَ ”أنْ“، ولَمّا ظَهَرَتْ أنْ هُنا حُذِفَ لامُ الجُحُودِ وإنْ كانَ الغالِبُ أنْ يُذْكَرَ لامُ الجُحُودِ وتُقَدَّرَ ”أنْ“ ولا تُذْكَرَ، فَلَمّا ذُكِرَ فِعْلُ كانَ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُذْكَرَ مَعَ لامِ الجُحُودِ اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ لامِ الجُحُودِ قَصْدًا لِلْإيجازِ.

وإنَّما عَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِلامِ الجُحُودِ بِأنْ يُقالَ: ما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ لامَ الجُحُودِ تَقَعُ في نَفْيِ كَوْنٍ عَنْ فاعِلٍ لا عَنْ مَفْعُولٍ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ مِن مَعْنى المِلْكِ.

واعْلَمْ أنَّ الإخْبارَ بِـ ”أنْ“ والفِعْلِ يُساوِي الإخْبارَ بِالمَصْدَرِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِأنَّ صِلَةَ ”أنْ“ هُنا فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ. والتَّقْدِيرُ ما كانَ هَذا القُرْآنُ افْتِراءَ مُفْتَرٍ، فَآلَ إلى أنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن ”أنْ“ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهو أيْضًا أقْوى مُبالَغَةً مِن أنْ يُقالَ: ما كانَ مُفْتَرًى، فَحَصَلَتِ المُبالَغَةُ مِن جِهَتَيْنِ: جِهَةِ فِعْلِ ”كانَ“ وجِهَةِ ”أنِ“ المَصْدَرِيَّةِ.

و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يُفْتَرى أيْ أنْ يَفْتَرِيَهُ عَلى اللَّهِ مُفْتَرٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُفْتَرى وهي في قُوَّةِ الوَصْفِ الكاشِفِ.

صفحة ١٦٩

والِافْتِراءُ: الكَذِبُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

ولَمّا نُفِيَ عَنِ القُرْآنِ الِافْتِراءُ أُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَصْدِيقٌ وتَفْصِيلٌ، فَجَرَتْ أخْبارُهُ كُلُّها بِالمَصْدَرِ تَنْوِيهًا بِبُلُوغِهِ الغايَةَ في هَذِهِ المَعانِي حَتّى اتَّحَدَ بِأجْناسِها.

و﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ السّالِفَةِ، أيْ مُبَيِّنًا لِلصّادِقِ مِنها ومُمَيِّزًا لَهُ عَمّا زِيدَ فِيها وأُسِيءَ مِن تَأْوِيلِها كَما قالَ - تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ. وأيْضًا هو مُصَدَّقٌ (بِفَتْحِ الدّالِ) بِشَهادَةِ الكُتُبِ السّالِفَةِ فِيما أخَذَتْ مِنَ العَهْدِ عَلى أصْحابِها أنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ الَّذِي يَجِيءُ مُصَدِّقًا وخاتَمًا. فالوَصْفُ بِالمَصْدَرِ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ لِأنَّ المَصْدَرَ يَقْتَضِي فاعِلًا ومَفْعُولًا.

والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ بِأنْواعِهِ. والظّاهِرُ أنَّ تَعْرِيفَ الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَسْتَغْرِقُ الكُتُبَ كُلَّها. ومَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ تَفْصِيلًا لَها أنَّهُ مُبَيِّنٌ لِما جاءَ مُجْمَلًا في الكُتُبِ السّالِفَةِ، وناسِخٌ لِما لا مَصْلَحَةَ لِلنّاسِ في دَوامِ حُكْمِهِ، ودافِعٌ لِلْمُتَشابِهاتِ الَّتِي ضَلَّ بِها أهْلُ الكِتابِ، فَكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في مَعْنى التَّفْصِيلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] في سُورَةِ العُقُودِ. وهَذا غَيْرُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] في الآيَةِ الأُخْرى.

وجُمْلَةُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ رَدَّتْ مَزاعِمَ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُ مُفْتَرًى بِاقْتِلاعِ دَعْوى افْتِرائِهِ، وأنَّها مِمّا لا يَرُوجُ عَلى أهْلِ الفِطَنِ والعُقُولِ العادِلَةِ، فالرَّيْبُ المَنفِيُّ عَنْهُ هو أنْ يَكُونَ مِن أحْوالِهِ في ذاتِهِ ومُقارَناتِهِ ما يُثِيرُ الرَّيْبَ، ولِذَلِكَ كانَ رَيْبُ المُرْتابِينَ فِيهِ رَيْبًا مَزْعُومًا مُدَّعًى وهم لَوْ راجَعُوا أنْفُسَهم لَوَجَدُوها غَيْرَ مُرْتابَةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا في طالِعَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُحْتَمِلٌ وُجُوهًا أظْهَرُها أنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ القُرْآنِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ثانٍ، و”مِن“ ابْتِدائِيَّةُ تُؤْذِنُ بِالمَجِيءِ، أيْ هو وارِدٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أيْ مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ: مِن دُونِ اللَّهِ.

10:38Page 213

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨

Or do they say [about the Prophet (ﷺ)], "He invented it?" Say, "Then bring forth a sūrah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."

صفحة ١٧٠

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

أمْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِنَ النَّفْيِ إلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ، وهو ارْتِقاءٌ بِإبْطالِ دَعْواهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُفْتَرًى مِن دُونِ اللَّهِ.

ولَمّا اخْتَصَّتْ ”أمْ“ بِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ كانَ الِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرًا مَعَها حَيْثُما وقَعَتْ، فالِاسْتِفْهامُ الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ ”أمْ“ اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ إنْكارِيٌّ، والمَعْنى: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِهِ وبَراءَتِهِ مِنَ الِافْتِراءِ.

ومِن بَدِيعِ الأُسْلُوبِ وبَلِيغِ الكَلامِ أنْ قُدِّمَ وصْفُ القُرْآنِ بِما يَقْتَضِي بُعْدَهُ عَنِ الِافْتِراءِ وبِما فِيهِ مِن أجَلِّ صِفاتِ الكُتُبِ، وبِتَشْرِيفِ نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ - تَعالى - ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ دَعْوى المُشْرِكِينَ افْتِراءً لِيَتَلَقّى السّامِعُ هَذِهِ الدَّعْوى بِمَزِيدِ الِاشْمِئْزازِ والتَّعَجُّبِ مِن حَماقَةِ أصْحابِها فَلِذَلِكَ جَعَلَتْ دَعْواهُمُ افْتِراءَهُ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ.

وقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم عَنْ دَعْوى الِافْتِراءِ بِتَعْجِيزِهِمْ، وأنْ يَقْطَعَ الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ، فَأمَرَهم بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. والأمْرُ أمْرُ تَعْجِيزٍ، وقَدْ وقَعَ التَّحَدِّي بِإتْيانِهِمْ بِسُورَةٍ تُماثِلُ سُوَرَ القُرْآنِ، أيْ تُشابِهُهُ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُماثَلَةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هو كَقَوْلِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، ومَعْنى صادِقِينَ هُنا، أيْ قَوْلُكم أنَّهُ افْتَرى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَهُ أنْ يَفْتَرِيَهُ أمْكَنَكم أنْتُمْ مُعارَضَتَهُ فَإنَّكم سَواءٌ في هَذِهِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.

وحُذِفَ مَفْعُولُ اسْتَطَعْتُمْ لِظُهُورِهِ مِن فِعْلِ ادْعُوا، أيْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ دَعْوَتَهُ لِنُصْرَتِكم وإعانَتِكم عَلى تَأْلِيفِ سُورَةٍ مِثْلِ سُوَرِ القُرْآنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском