Ibn 'AshurYunus · 10:39–44

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:39–44

10:39Page 213

بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٩

Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.

صفحة ١٧١

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾

بَلْ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ لِبَيانِ كُنْهِ تَكْذِيبِهِمْ، وأنَّ حالَهم في المُبادَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ قَبْلَ التَّأمُّلِ أعْجَبُ مِن أصْلِ التَّكْذِيبِ إذْ أنَّهم بادَرُوا إلى تَكْذِيبِهِ دُونَ نَظَرٍ في أدِلَّةِ صِحَّتِهِ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧]

والتَّكْذِيبُ: النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ، أوِ الوَصْفُ بِالكَذِبِ سَواءٌ كانَ عَنِ اعْتِقادٍ أمْ لَمْ يَكُنْهُ.

واخْتِيارُ التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ لِما تُؤْذِنُ بِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن عَجِيبِ تِلْكَ الحالَةِ المُنافِيَةِ لِتَسْلِيطِ التَّكْذِيبِ، فَهم قَدْ كَذَّبُوا قَبْلَ أنْ يَخْتَبِرُوا، وهَذا مِن شَأْنِ الحَماقَةِ والجَهالَةِ.

والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ: الكَوْنُ حَوْلَهُ كالحائِطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] . ويُكَنّى بِها عَنِ التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ بِحَيْثُ لا يَفُوتُ مِنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وقَوْلُهُ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] أيْ عَلِمَهُ، فَمَضى ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ بِما لَمْ يُتْقِنُوا عِلْمَهُ.

والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ. وشَأْنُها مَعَ فِعْلِ الإحاطَةِ أنْ تَدْخُلَ عَلى المُحاطِ بِهِ وهو المَعْلُومُ، وهو هُنا القُرْآنُ. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ بِما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا أوْ بِما لَمْ يُحِطْ عِلْمُهم بِهِ إلى ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ لِلْمُبالَغَةِ إذْ جُعِلَ العِلْمُ مَعْلُومًا. فَأصْلُ العِبارَةِ قَبْلَ النَّفْيِ أحاطُوا بِعِلْمِهِ أيْ أتْقَنُوا عِلْمَهُ أشَدَّ إتْقانٍ فَلَمّا نُفِيَ صارَ لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، أيْ وكانَ الحَقُّ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ لِأنَّ تَوَفُّرَ أدِلَّةِ صِدْقِهِ يَحْتاجُ إلى زِيادَةِ تَأمُّلٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ عَلى النّاظِرِ عِلْمُ أدِلَّتِهِ ثُمَّ إعادَةُ التَّأمُّلِ فِيها وتَسْلِيطُ عِلْمٍ عَلى عِلْمٍ ونَظَرٍ عَلى نَظَرٍ بِحَيْثُ تَحْصُلُ الإحاطَةُ بِالعِلْمِ. وفي هَذا مُبالَغَةٌ في فَرْطِ احْتِياجِهِ إلى صِدْقِ التَّأمُّلِ، ومُبالَغَةٌ في تَجْهِيلِ الَّذِينَ بادَرُوا إلى التَّكْذِيبِ مِن دُونِ تَأمُّلٍ في شَيْءٍ حَقِيقٍ بِالتَّأمُّلِ بَعْدَ التَّأمُّلِ.

صفحة ١٧٢

والمَعْنى أنَّهم سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ في بَدِيهَةِ السَّماعِ قَبْلَ أنْ يَفْقَهُوهُ ويَعْلَمُوا كُنْهَ أمْرِهِ وقَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ. وإنَّما يَكُونُ مِثْلُ هَذا التَّكْذِيبِ عَنْ مُكابَرَةٍ وعَداوَةٍ لا عَنِ اعْتِقادِ كَوْنِهِ مَكْذُوبًا. ثُمَّ إنَّ عَدَمَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ مُتَفاوِتٌ: فَمِنهُ عَدَمٌ بَحْتٌ وهو حالُ الدَّهْماءِ، ومِنهُ عَدَمٌ في الجُمْلَةِ وهو ما يَكُونُ بِضَرْبٍ مِنَ الشُّبْهَةِ والتَّرَدُّدِ أوْ يَكُونُ مَعَ رُجْحانِ صِدْقِهِ ولَكِنْ لا يُحِيطُ بِما يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّكْذِيبُ مِن شَدِيدِ العِقابِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]

وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ كَذَّبُوا بِما لَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ. وهَذا ارْتِقاءٌ في وصْفِهِمْ بِقِلَّةِ الأناةِ والتَّثَبُّتِ، أيْ لَوِ انْتَظَرُوا حَتّى يَأْتِيَهم تَأْوِيلُ القُرْآنِ، أيْ ما يَحْتاجُ مِنهُ إلى التَّأْوِيلِ بَلْ هم صَمَّمُوا عَلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ ظُهُورِ التَّأْوِيلِ.

والتَّأْوِيلُ: مُشْتَقٌّ مِن آلَ إذا رَجَعَ إلى الشَّيْءِ. وهو يُطْلَقُ عَلى تَفْسِيرِ اللَّفْظِ الَّذِي خَفِيَ مَعْناهُ تَفْسِيرًا يُظْهِرُ المَعْنى، فَيَئُولُ واضِحًا بَعْدَ أنْ كانَ خَفِيًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] الآيَةَ. وهو بِهَذا الإطْلاقِ قَرِيبٌ مِن مَعْنى التَّفْسِيرِ. وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن هَذا التَّفْسِيرِ. ويُطْلَقُ التَّأْوِيلُ عَلى اتِّضاحِ ما خَفِيَ مِن مَعْنى لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ ظُهُورَ ما أنْذَرَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. والتَّأْوِيلُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ ولَعَلَّ كِلَيْهِما مُرادٌ، أيْ لَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ ما يَدَّعُونَ أنَّهم لَمْ يَفْهَمُوهُ مِن مَعانِي القُرْآنِ لِعَدَمِ اعْتِيادِهِمْ بِمَعْرِفَةِ أمْثالِها، مِثْلَ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ، ووُقُوعِ البَعْثِ، وتَفْضِيلِ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى صَنادِيدِ الكافِرِينَ، وتَنْزِيلِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا، ونَحْوِ ذَلِكَ. فَهم كانُوا يَعْتَبِرُونَ الأُمُورَ بِما ألِفُوهُ في المَحْسُوساتِ وكانُوا يَقِيسُونَ الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ فَكَذَّبُوا بِذَلِكَ وأمْثالِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ. ولَوْ آمَنُوا ولازَمُوا النَّبِيءَ ﷺ لَعَلِمُوها واحِدَةً بَعْدَ واحِدَةٍ. وأيْضًا لَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ ما حَسِبُوا عَدَمَ التَّعْجِيلِ بِهِ دَلِيلًا عَلى الكَذِبِ كَما قالُوا ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ظَنًّا أنَّهم إنِ اسْتَغْضَبُوا اللَّهَ عَجَّلَ لَهم بِالعَذابِ فَظَنُّوا تَأخُّرَ حُصُولِ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ حَقًّا مِن عِنْدِهِ. وكَذَلِكَ كانُوا يَسْألُونَ آياتٍ مِنَ

صفحة ١٧٣

الخَوارِقِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيَةَ. ولَوْ أسْلَمُوا ولازَمُوا النَّبِيءَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَعْبَأُ بِاقْتِراحِ الضَّلالِ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ فَحَرْفُ ”لَمّا“ مَوْضُوعٌ لِنَفْيِ الفِعْلِ في الماضِي والدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ إلى وقْتِ التَّكَلُّمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المَنفِيَّ بِها مُتَوَقَّعُ الوُقُوعِ، فَفي النَّفْيِ بِها هُنا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ سَيَجِيءُ بَيانُ ما أجْمَلَ مِنَ المَعانِي فِيما بَعْدُ، فَهي بِذَلِكَ وعْدٌ، وأنَّهُ سَيَحُلُّ بِهِمْ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ [الأعراف: ٥٣] الآيَةَ. فَهي بِهَذا التَّفْسِيرِ وعِيدٌ.

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوْ لِمَن يَتَأتّى مِنهُ السَّماعُ. والإشارَةُ بِكَذَلِكَ إلى تَكْذِيبِهِمُ المَذْكُورِ، أيْ كانَ تَكْذِيبُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَتَكْذِيبِهِمْ، والمُرادُ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ الأُمَمُ المُكَذِّبُونَ رُسُلَهم كَما دَلَّ عَلَيْهِ المُشَبَّهُ بِهِ.

ومِمّا يُقْصَدُ مِن هَذا التَّشْبِيهِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ عادَةُ المُعانِدِينَ الكافِرِينَ لِيَعْلَمَ المُشْرِكُونَ أنَّهم مُماثِلُونَ لِلْأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ.

الثّانِي: التَّعْرِيضُ بِالنِّذارَةِ لَهم بِحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ كَما حَلَّ بِأُولَئِكَ الأُمَمِ الَّتِي عَرَفَ السّامِعُونَ مَصِيرَها وشاهَدُوا دِيارَها.

الثّالِثُ: تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ ما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ إلّا مِثْلَ ما لَقِيَ الرُّسُلُ السّابِقُونَ مِن أقْوامِهِمْ.

ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلى جُمْلَةِ التَّشْبِيهِ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ عاقِبَةُ الأُمَمِ الَّتِي ظَلَمَتْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ كَما كَذَّبَ هَؤُلاءِ.

صفحة ١٧٤

والأمْرُ بِالنَّظَرِ في عاقِبَةِ الظّالِمِينَ مَقْصُودٌ مِنهُ قِياسُ أمْثالِهِمْ في التَّكْذِيبِ عَلَيْهِمْ في تَرَقُّبِ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ مِنَ المَصائِبِ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ لِتَعْلَمَ عَظَمَةَ ما يُلاقُونَكَ بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَلا تَحْسَبَنَّ أنَّهم مُفْلِتُونَ مِنَ العَذابِ.

والنَّظَرُ هُنا بَصَرِيٌّ.

و”كَيْفَ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُجَرَّدَةً عَنِ الِاسْتِفْهامِ، فَهي اسْمُ مَصْدَرٍ لِلْحالَةِ والكَيْفِيَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ. ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَكَيْفَ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ ”انْظُرْ“، وجُمْلَةُ ﴿كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ صِفَةُ ”كَيْفَ“ . والمَعْنى انْظُرْ بِعَيْنِكَ حالَةً صِفَتُها كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ، وهي حالَةُ خَرابِ مَنازِلِهِمْ خَرابًا نَشَأ مِنِ اضْمِحْلالِ أهْلِها.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”كَيْفَ“ اسْمَ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى فانْظُرْ هَذا السُّؤالَ، أيْ جَوابَ السُّؤالِ، أيْ تَدَبَّرْهُ وتَفَكَّرْ فِيهِ. و”كَيْفَ“ خَبَرُ ”كانَ“ . وفِعْلُ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْهِ بِما في ”كَيْفَ“ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.

10:40Page 213

وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤٠

And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters.

﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِأنَّهُ دُونَ الإحاطَةِ بِعِلْمِ ما كَذَّبُوا بِهِ يَقْتَضِي أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ لَيْسَ عَنْ بَصِيرَةٍ وتَأمُّلٍ. وما كانَ بِهاتِهِ المَثابَةِ كانَ حالُ المُكَذِّبِينَ فِيهِ مُتَفاوِتًا حَتّى يَبْلُغَ إلى أنْ يَكُونَ تَكْذِيبًا مَعَ اعْتِقادِ نَفْيِ الكَذِبِ عَنْهُ، ولِذَلِكَ جاءَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الأُخْرى مَوْقِعَ التَّخْصِيصِ لِلْعامِّ في الظّاهِرِ أوِ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ مِن عَدَمِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]

فَكانَ حالُهم في الإيمانِ بِالقُرْآنِ كَحالِهِمْ في اتِّباعِ الأصْنامِ إذْ قالَ فِيهِمْ ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا﴾ [يونس: ٣٦]

صفحة ١٧٥

فَأشْعَرَ لَفْظُ أكْثَرِهِمْ بِأنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ بُطْلانَ عِبادَةِ الأصْنامِ ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَها مُشايَعَةً لِقَوْمِهِمْ ومُكابَرَةً لِلْحَقِّ، وكَذَلِكَ حالُهم في التَّكْذِيبِ بِنِسْبَةِ القُرْآنِ إلى اللَّهِ، فَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ويَكْتُمُ إيمانَهُ مُكابَرَةً وعَداءً، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَ عَنْ تَقْلِيدٍ لِكُبَرائِهِمْ.

والفَرِيقانِ مُشْتَرِكانِ في التَّكْذِيبِ في الظّاهِرِ كَما أنْبَأتْ عَنْهُ ”مِنِ“ التَّبْعِيضِيَّةُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ ضَمائِرُ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [يونس: ٣٨] فَمَعْنى يُؤْمِنُ بِهِ يُصَدِّقُ بِحَقِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ ولَكِنَّهُ يَظْهَرُ تَكْذِيبُهُ جَمْعًا بَيْنَ إسْنادِ الإيمانِ إلَيْهِمْ وبَيْنَ جَعْلِهِمْ بَعْضًا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ افْتَراهُ

واخْتِيارُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الإيمانِ بِهِ مِن بَعْضِهِمْ مَعَ المُعانَدَةِ، واسْتِمْرارِ عَدَمِ الإيمانِ بِهِ مِن بَعْضِهِمْ أيْضًا.

وجُمْلَةُ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ مِن عُلَماءِ المَعانِي، وهي تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ والإنْذارِ، وبِأنَّهم مِنَ المُفْسِدِينَ، لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ ما ذَكَرَ المُفْسِدِينَ هُنا إلّا لِأنَّ هَؤُلاءِ مِنهم وإلّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ المُفْسِدِينَ مُناسَبَةٌ، فالمَعْنى: ورَبُّكَ أعْلَمُ بِهِمْ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ الَّذِينَ هم مِن زُمْرَتِهِمْ.

10:41Page 213

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٤١

And if they deny you, [O Muḥammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."

﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾

لَمّا كانَ العِلْمُ بِتَكْذِيبِهِمْ حاصِلًا مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ تَعَيَّنَ أنَّ التَّكْذِيبَ المَفْرُوضَ هُنا بِواسِطَةِ أداةِ الشَّرْطِ هو التَّكْذِيبُ في المُسْتَقْبَلِ، أيِ الِاسْتِمْرارُ عَلى التَّكْذِيبِ. وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما تَبَيَّنَ بِهِ صِدْقُ القُرْآنِ هو مُثْبِتٌ لِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي أتى بِهِ، أيْ إنْ أصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ بَعْدَ ما قارَعْتَهم بِهِ مِنَ الحُجَّةِ فاعْلَمْ أنَّهم لا تَنْجَعُ فِيهِمُ الحُجَجُ وأعْلِنْ لَهم بِالبَراءَةِ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنكَ.

صفحة ١٧٦

ومَعْنى ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ المُتارَكَةُ. وهو مِمّا أُجْرِي مُجْرى المَثَلِ، ولِذَلِكَ بُنِيَ عَلى الِاخْتِصارِ ووَفْرَةِ المَعْنى، فَأُفِيدَ فِيهِ مَعْنى الحَصْرِ بِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ وبِالتَّعْبِيرِ بِالإضافَةِ بِـ ”عَمَلِي وعَمَلُكم“، ولَمْ يُعَبَّرْ بِنَحْوِ لِي ما أعْمَلُ ولَكم ما تَعْمَلُونَ، كَما عُبِّرَ بِهِ بَعْدُ.

والبَرِيءُ: الخَلِيُّ عَنِ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ وعَنْ مُخالَطَتِهِ. وهو فَعِيلٌ مِن بَرَّأ المُضاعَفِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. وفِعْلُ بَرَّأ مُشْتَقٌّ مِن بَرِئَ - بِكَسْرِ الرّاءِ - مِن كَذا، إذا خَلَتْ عَنْهُ تَبِعَتُهُ والمُؤاخَذَةُ بِهِ.

وهَذا التَّرْكِيبُ لا يُرادُ بِهِ صَرِيحُهُ وإنَّما يُرادُ بِهِ الكِنايَةُ عَنِ المُباعَدَةِ. وقَدْ جاءَ هَذا المُكَنّى بِهِ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦]، ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ﴾ إلى آخِرِها بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ.

وإنَّما عُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِالعَمَلِ مَصْدَرًا كَما أُتِيَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ إلى الإتْيانِ بِهِ فِعْلًا صِلَةً لِـ ”ما“ المَوْصُولَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى البَراءَةِ مِن كُلِّ عَمَلٍ يَحْدُثُ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وأمّا العَمَلُ الماضِي فَلِكَوْنِهِ قَدِ انْقَضى لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِذِكْرِ البَراءَةِ مِنهُ. ولَوْ عُبِّرَ بِالعَمَلِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المُرادَ عَمَلٌ خاصٌّ لِأنَّ المَصْدَرَ المُضافَ لا يَعُمُّ، ولِتَجَنُّبِ إعادَةِ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ في الكَلامِ الواحِدِ لِأنَّ جُمْلَةَ البَيانِ مِن تَمامِ المُبَيَّنِ، ولِأنَّ هَذا اللَّفْظَ أنْسَبُ بِسَلاسَةِ النَّظْمِ؛ لِأنَّ في ”ما“ في قَوْلِهِ: مِمّا أعْمَلُ مِنَ المَدِّ ما يَجْعَلُهُ أسْعَدَ بِمَدِّ النَّفَسِ في آخِرِ الآيَةِ والتَّهْيِئَةِ لِلْوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: مِمّا تَعْمَلُونَ، ولِما في تَعْمَلُونَ مِنَ المَدِّ أيْضًا، ولِأنَّهُ يُراعِي الفاصِلَةَ.

وهَذا مِن دَقائِقِ فَصاحَةِ القُرْآنِ الخارِجَةِ عَنِ الفَصاحَةِ المُتَعارَفَةِ بَيْنَ الفُصَحاءِ.

10:42–43Page 213

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ ٤٢

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear [i.e., benefit from this hearing], although they will not use reason?

وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ ٤٣

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

صفحة ١٧٧

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ .

لَمّا سَبَقَ تَقْسِيمُ المُشْرِكِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى اعْتِقادِهِمْ في الأصْنامِ إلى مَن يَتَّبِعُ الظَّنَّ ومَن يُوقِنُ بِأنَّ الأصْنامَ لا شَيْءَ، وتَقْسِيمُهم بِالنِّسْبَةِ لِتَصْدِيقِ القُرْآنِ إلى قِسْمَيْنِ: مَن يُؤْمِنُ بِصِدْقِهِ ومَن لا يُؤْمِنُ بِصِدْقِهِ؛ كَمَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْسِيمَهم بِالنِّسْبَةِ لِلتَّلَقِّي مِنَ النَّبِيءِ ﷺ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ يَحْضُرُونَ مَجْلِسَهُ ويَسْتَمِعُونَ إلى كَلامِهِ، وقِسْمٍ لا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَهُ وإنَّما يَتَوَسَّمُونَهُ ويَنْظُرُونَ سَمْتَهُ. وفي كِلا الحالَيْنِ مَسْلَكٌ عَظِيمٌ إلى الهُدى لَوْ كانُوا مُهْتَدِينَ؛ فَإنَّ سَماعَ كَلامِ النَّبِيءِ وإرْشادِهِ يُنِيرُ عُقُولَ القابِلِينَ لِلْهِدايَةِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ اسْتِمْرارُ المُشْرِكِينَ عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ سَماعِهِمْ كَلامَ النَّبِيءِ أوْ رُؤْيَةِ هَدْيِهِ مُؤْذِنًا بِبُلُوغِهِمُ الغايَةَ في الضَّلالَةِ مَيْئُوسًا مِن نُفُوذِ الحَقِّ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورِ كَلامِهِ عَنْ قُوَّةِ الإبْلاغِ إلى الِاهْتِداءِ، كَما أنَّ التَّوَسُّمَ في سَمْتِهِ الشَّرِيفِ ودَلائِلِ نُبُوَّتِهِ الواضِحَةِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ كافٍ في إقْبالِ النَّفْسِ عَلَيْهِ بِشَراشِرِها، فَما عُدِمَ انْتِفاعُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُعايِنُونَ ذاتَهُ الشَّرِيفَةَ بِمُعايَنَتِها إلّا لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ إيّاهُ وحَسَدِهِمْ، وقَدْ أفادَ سِياقُ الكَلامِ أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّ المُسْتَمِعِينَ إلَيْهِ والنّاظِرِينَ إلَيْهِ هُنا اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ومِنهم في المَوْضِعَيْنِ، فَطُوِيَتْ جُمْلَةُ: ولا يَنْتَفِعُونَ أوْ نَحْوُها لِلْإيجازِ بِدَلالَةِ التَّقْسِيمِ. وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ دُونَ اسْمِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ. والحِرْمانُ مِنَ الِاهْتِداءِ مَعَ ذَلِكَ التَّكَرُّرِ أعْجَبُ.

فَجُمْلَةُ ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ مَعَ ما طُوِيَ فِيها. وفي هَذا التَّفْرِيعِ بَيانٌ لِسَبَبِ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِسَماعِ كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ وتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقُرِّبَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ الحالَةُ الغَرِيبَةُ بِأنَّ أُولَئِكَ المُسْتَمِعِينَ بِمَنزِلَةِ صُمٍّ لا يَعْقِلُونَ في أنَّهم حُرِمُوا التَّأثُّرَ بِما يَسْمَعُونَ مِنَ الكَلامِ

صفحة ١٧٨

فَساوَوُا الصُّمَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ في ذَلِكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ إذْ جَعَلَهم نَفْسَ الصُّمِّ.

وبُنِيَ عَلى ذَلِكَ اسْتِفْهامٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِن إسْماعِ هَؤُلاءِ الصُّمِّ وهَدْيِ هَؤُلاءِ العُمْيِ مَعَ أنَّهم قَدْ ضَمُّوا إلى صَمَمِهِمْ عَدَمَ العَقْلِ وضَمُّوا إلى عَماهم عَدَمَ التَّبَصُّرِ. وهَذانِ الِاسْتِفْهامانِ مُسْتَعْمَلانِ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلى دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ ولا يَعْقِلُونَها، وإذْ يَنْظُرُونَ أعْمالَهُ وسِيرَتَهُ ولا يَهْتَدُونَ بِها، فَلَيْسَ في هَذَيْنِ الِاسْتِفْهامَيْنِ مَعْنى الإنْكارِ عَلى مُحاوَلَةِ النَّبِيءِ إبْلاغَهم وهَدْيَهم لِأنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ.

وهَذِهِ المَعانِي المَجازِيَّةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَقامِ والقَرائِنِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِفْهامانِ إنْكارًا، ولِذَلِكَ لا يُتَوَهَّمُ إشْكالٌ بِأنَّ مَوْقِعَ ”لَوِ“ الوَصْلِيَّةُ هُنا بَعْدَ ما هو بِمَعْنى النَّفْيِ بِحَيْثُ تَنْتَقِضُ المُبالَغَةُ الَّتِي اجْتُلِبَتْ لَها ”لَوِ“ الوَصْلِيَّةُ، بَلِ المَعْنى بِالعَكْسِ.

وفِي هَذَيْنِ الِاسْتِفْهامَيْنِ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ الصُّمِّ والعُمْيِ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ، أيْ أنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ نُفُوسَهم مَفْطُورَةً عَلى المُكابَرَةِ والعِنادِ وبَغْضاءِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَسَدِهِ كانَتْ هاتِهِ الخِصالُ حَوائِلَ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّأثُّرِ بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ فَجِيءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِيِّ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَقَوِّي الخَبَرَ بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: أتُسْمِعُ الصُّمَّ وأتَهْدِي العُمْيَ، فَكانَ هَذا التَّعْجِيبُ مُؤَكَّدًا مُقَوًّى.

ولَوْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾، وصْلِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى المُبالَغَةِ في الأحْوالِ، وهي الَّتِي يَكُونُ الَّذِي بَعْدَها أقْصى ما يُعَلَّقُ بِهِ الغَرَضُ.

ولِذَلِكَ يُقَدِّرُونَ لِتَفْسِيرِ مَعْناها جُمْلَةً قَبْلَ جُمْلَةِ ”لَوْ“ مَضْمُونُها ضِدَّ الجُمْلَةِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْها ”لَوْ“، فَيُقالُ هُنا: أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ بَلْ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ.

ولَمّا كانَ الغَرَضُ هُنا التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَصِلُوا إلى الهُدى كانَ عَدَمُ فَهْمِهِمْ وعَدَمُ تَبَصُّرِهِمْ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ وكَوْنِهِمْ لا بَصائِرَ لَهم. فَمَعْنى لا يَعْقِلُونَ

صفحة ١٧٩

لَيْسَ لَهم إدْراكُ العُقُولِ، أيْ ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ عُقُولِهِمْ فَإنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما تَفَرَّسَ في مُخاطِبِهِ واسْتَدَلَّ بِمَلامِحِهِ.

وأمّا مَعْنى ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ فَإنَّهم لا بَصِيرَةَ لَهم يَتَبَصَّرُونَ بِها. وهو الَّذِي فَسَّرَ بِهِ الكَشّافُ وهو الوَجْهُ، إذْ بِدُونِهِ يَكُونُ مَعْنى ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ مُساوِيًا لِمَعْنى العَمى فَلا تَقَعُ المُبالَغَةُ بـِ ”لَوِ“ الوَصْلِيَّةِ مَوْقِعَها، إذْ يَصِيرُ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا عُمْيًا. ومُقْتَضى كَلامِ الكَشّافِ أنَّهُ يُقالُ: أبْصَرَ إذِ اسْتَعْمَلَ بَصِيرَتَهُ وهي التَّفْكِيرُ والِاعْتِبارُ بِحَقائِقِ الأشْياءِ. وكَلامُ الأساسِ يَحُومُ حَوْلَهُ. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: لا يُبْصِرُونَ مَعْنى التَّأمُّلِ، أيْ ولَوِ انْضَمَّ إلى عَمى العُمْيِ عَدَمُ التَّفْكِيرِ كَما هو حالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مَدْلُولًا لِفِعْلِ يُبْصِرُونَ بِالوَضْعِ الحَقِيقِيِّ أوِ المَجازِيِّ. فَبِهَذا النَّظْمِ البَدِيعِ المُشْتَمِلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ في أوَّلِهِ وعَلى الكِنايَةِ في آخِرِهِ وعَلى التَّعْجِيبِ وتَقْوِيَتِهِ في وسَطِهِ حَصَلَ تَحْقِيقٌ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِأسْماعِهِمْ ولا بِأبْصارِهِمْ وأنَّهم لا يَعْقِلُونَ ولا يَتَبَصَّرُونَ في الحَقائِقِ.

وقَدْ عُلِمَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ الَّتِي اتَّصَفُوا بِها هي حالَةٌ أصارَهُمُ اللَّهُ إلَيْها بِتَكْوِينِهِ وجَعَلَها عِقابًا لَهم في تَمَرُّدِهِمْ في كُفْرِهِمْ وتَصَلُّبِهِمْ في شِرْكِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ رَسُولِهِ ولِذَلِكَ جَعَلَهم صُمًّا وعُمْيًا. فَلَيْسَ المَعْنى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُسْمِعُهم ويَهْدِيهِمْ لا أنْتَ لِأنَّ هَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يَحْتاجُ لِلْعِبارَةِ.

وقَدْ أوْرَدَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ سُؤالًا عَنْ وجْهِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿مَن يَنْظُرُ﴾ إذْ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في الأوَّلِ وبِضَمِيرِ المُفْرَدِ في الثّانِي. وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ الإسْماعَ يَكُونُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها وأمّا النَّظَرُ فَإنَّما يَكُونُ مِنَ الجِهَةِ المُقابِلَةِ. وهو جَوابٌ غَيْرُ واضِحٍ لِأنَّ تَعَدُّدَ الجِهاتِ الصّالِحَةِ لِأحَدِ الفِعْلَيْنِ لا يُؤَثِّرُ إذا كانَ المُسْتَمِعُونَ والنّاظِرُونَ مُتَّحِدِينَ ولِأنَّ الجَمْعَ والإفْرادَ هُنا سَواءٌ لِأنَّ مُفادَ ”مَنِ“ المَوْصُولَةِ فِيهِما هو مَن يَصْدُرُ مِنهُمُ الفِعْلُ وهم عَدَدٌ ولَيْسَ النّاظِرُ شَخْصًا واحِدًا.

والوَجْهُ أنَّ كِلا الِاسْتِعْمالَيْنِ سَواءٌ في مُراعاةِ لَفْظِ ”مَن“ ومَعْناها، فَلَعَلَّ الِابْتِداءَ بِالجَمْعِ في صِلَةِ مَنِ الأُولى الإشارَةُ إلى أنَّ المُرادَ بـِ ”مَن“ غَيْرُ واحِدٍ مُعَيَّنٍ وأنَّ العُدُولَ

صفحة ١٨٠

عَنِ الجَمْعِ في صِلَةِ ”مَنِ“ الثّانِيَةِ هو التَّفَنُّنُ وكَراهِيَةُ إعادَةِ صِيغَةِ الجَمْعِ لِثِقَلِها لا سِيَّما بَعْدَ أنْ حَصَلَ فَهْمُ المُرادِ، أوْ لَعَلَّ اخْتِلافَ الصِّيغَتَيْنِ لِلْمُناسَبَةِ مَعَ مادَّةِ فِعْلَيْ يَسْتَمِعُ ويَنْظُرُ. فَفِعْلُ يَنْظُرُ لا تُلائِمُهُ صِيغَةُ الجَمْعِ لِأنَّ حُرُوفَهُ أثْقَلُ مِن حُرُوفِ يَسْتَمِعُ فَيَكُونُ العُدُولُ اسْتِقْصاءً لِمُقْتَضى الفَصاحَةِ.

10:44Page 214

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٤

Indeed, Allāh does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

تَذْيِيلٌ، وشَمِلَ عُمُومُ النّاسِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ولا يَهْتَدُونَ ويَنْظُرُونَ ولا يَعْتَبِرُونَ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ التَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ بِأنْ سَيَنالُهم ما نالَ جَمِيعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ. وعُمُومُ النّاسِ الأوَّلُ عَلى بابِهِ وعُمُومُ النّاسِ الثّانِي مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ النّاسِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِقَرِينَةِ الخَبَرِ. وإنَّما حَسُنَ الإتْيانُ في جانِبِ هَؤُلاءِ بِصِيغَةِ العُمُومِ تَنْزِيلًا لِلْكَثْرَةِ مَنزِلَةَ الإحاطَةِ لِأنَّ ذَلِكَ غالِبُ حالِ النّاسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وهَذا الِاسْتِدْراكُ أشْعَرَ بِكَلامٍ مَطْوِيٍّ بَعْدَ نَفْيِ الظُّلْمِ عَنِ اللَّهِ، وهو أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ بِعِقابِهِ مَن لَمْ يَسْتَوْجِبِ العِقابَ ولَكِنَّ النّاسَ يَظْلِمُونَ فَيَسْتَحِقُّونَ العِقابَ، فَصارَ المَعْنى أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ بِالعِقابِ ولَكِنَّهم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم بِالِاعْتِداءِ عَلى ما أرادَ مِنهم فَيُعاقِبُهم عَدْلًا لِأنَّهم ظَلَمُوا فاسْتَوْجَبُوا العِقابَ.

وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى عامِلِهِ لِإفادَةِ تَغْلِيطِهِمْ بِأنَّهم ما جَنُوا بِكُفْرِهِمْ إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ وما ظَلَمُوا اللَّهَ ولا رُسُلَهُ فَما أضَرُّوا بِعَمَلِهِمْ إلّا أنْفُسَهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ نُونِ ”لَكِنَّ“ ونَصْبِ ”النّاسَ“ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ ”النّاسَ“

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском