Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:45–49
10:45Page 214
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ٤٥
And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allāh and were not guided.
صفحة ١٨١
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ عَوْدًا إلى غَرَضٍ مِنَ الكَلامِ بَعْدَ تَفْصِيلِهِ وتَفْرِيعِهِ وذَمِّ المَسُوقِ إلَيْهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَإنَّهُ لَمّا جاءَ فِيما مَضى ذِكْرُ يَوْمِ الحَشْرِ إذْ هو حِينُ افْتِضاحِ ضَلالِ المُشْرِكِينَ بِبَراءَةِ شُرَكائِهِمْ مِنهم - أتْبَعَ ذَلِكَ بِالتَّقْرِيعِ عَلى عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ مَعَ وُضُوحِ بَراهِينِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى. وإذْ كانَ القُرْآنُ قَدْ أبْلَغَهم ما كانَ يَعْصِمُهم مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ الذَّلِيلِ لَوِ اهْتَدَوْا بِهِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وإثْباتِ أنَّهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وتَسْفِيهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وتَفَنَّنُوا في الإعْراضِ عَنْهُ واسْتُوفِيَ الغَرَضُ حَقَّهُ عادَ الكَلامُ إلى ذِكْرِ يَوْمِ الحَشْرِ مَرَّةً أُخْرى إذْ هو حِينَ خَيْبَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وهُمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا وظَهَرَ افْتِضاحُ شِرْكِهِمْ في يَوْمِ الحَشْرِ فَكانَ مِثْلَ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
وانْتَصَبَ ”يَوْمَ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِفِعْلِ خَسِرَ. والتَّقْدِيرُ: وقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمَ نَحْشُرُهم، فارْتِباطُ الكَلامِ هَكَذا: ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ وقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمَ نَحْشُرُهم. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ تَذْكِيرُهم بِذَلِكَ اليَوْمِ وإثْباتُ وُقُوعِهِ مَعَ تَحْذِيرِهِمْ ووَعِيدِهِمْ بِما يَحْصُلُ لَهم فِيهِ.
ولِذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ دُونَ قَدْ خَسِرُوا، لِلْإيماءِ إلى أنَّ سَبَبَ خُسْرانِهِمْ هو تَكْذِيبُهم بِلِقاءِ اللَّهِ وذَلِكَ التَّكْذِيبُ مِن آثارِ الشِّرْكِ فارْتَبَطَ بِالجُمْلَةِ الأُولى وهي جُمْلَةُ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَحْشُرُهم“ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغَيْبَةِ، فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]
صفحة ١٨٢
وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ إمّا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”نَحْشُرُهم“ وجُمْلَةِ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ”نَحْشُرُهم“
و”كَأنْ“ مُخَفَّفَةُ ”كَأنَّ“ المُشَدَّدَةِ النُّونِ الَّتِي هي إحْدى أخَواتِ إنَّ، وهي حَرْفُ تَشْبِيهٍ، وإذا خُفِّفَتْ يَكُونُ اسْمُها مَحْذُوفًا غالِبًا، والتَّقْدِيرُ هُنا: كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ. وقَدْ دَلَّ عَلى الِاسْمِ المَحْذُوفِ ما تَقَدَّمَ مِن ضَمائِرِهِمْ.
والمَعْنى تَشْبِيهُ المَحْشُورِينَ بَعْدَ أزْمانٍ مَضَتْ عَلَيْهِمْ في القُبُورِ بِأنْفُسِهِمْ لَوْ لَمْ يَلْبَثُوا في القُبُورِ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ.
ومِنَ النَّهارِ ”مِن“ فِيهِ تَبْعِيضِيَّةٌ صِفَةٌ لِـ ”ساعَةً“ وهو وصْفٌ غَيْرُ مُرادٍ مِنهُ التَّقْيِيدُ إذْ لا فَرْقَ في الزَّمَنِ القَلِيلِ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنَ النَّهارِ أوْ مِنَ اللَّيْلِ وإنَّما هَذا وصْفٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ لِأنَّ النَّهارَ هو الزَّمَنُ الَّذِي تَسْتَحْضِرُهُ الأذْهانُ في المُتَعارَفِ، مِثْلَ ذِكْرِ لَفْظِ الرَّجُلِ في الإخْبارِ عَنْ أحْوالِ الإنْسانِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] . ومِن هَذا ما وقَعَ في الحَدِيثِ وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةٌ مِن نَهارٍ، والمَقْصُودُ ساعَةٌ مِنَ الزَّمانِ وهي السّاعَةُ الَّتِي يَقَعُ فِيها قِتالُ أهْلِ مَكَّةَ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ في النَّهارِ وإنْ كانَ صادَفَ أنَّهُ في النَّهارِ.
والسّاعَةُ: المِقْدارُ مِنَ الزَّمانِ، والأكْثَرُ أنْ تُطْلَقَ عَلى الزَّمَنِ القَصِيرِ إلّا بِقَرِينَةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ووَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ حالِ زَمَنِ لُبْثِهِمْ في القُبُورِ وبَيْنَ لُبْثِ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ وُجُوهٌ: هي التَّحَقُّقُ والحُصُولُ، بِحَيْثُ لَمْ يَمْنَعْهم طُولُ الزَّمَنِ مِنَ الحَشْرِ، وأنَّهم حُشِرُوا بِصِفاتِهِمُ الَّتِي عاشُوا عَلَيْها في الدُّنْيا فَكَأنَّهم لَمْ يَفْنَوْا. وهَذا اعْتِبارٌ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إرْجاعِهِمْ.
والمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ التَّعْرِيضُ بِإبْطالِ دَعْوى المُشْرِكِينَ إحالَتَهُمُ البَعْثَ بِشُبْهَةِ أنَّ طُولَ اللُّبْثِ وتَغَيُّرَ الأجْسادِ يُنافِي إحْياءَها ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١٠]
صفحة ١٨٣
وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في نَحْشُرُهُمْ
والتَّعارُفُ: تَفاعُلٌ مِن عَرَفَ، أيْ يَعْرِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ مَن كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا ويَعْرِفُهُ الآخَرُ كَذَلِكَ.
والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الحالِ كالمَقْصُودِ مَن ذِكْرِ حالَةِ ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ لِتَصْوِيرِ أنَّهم حُشِرُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا في أجْسامِهِمْ وإدْراكِهِمْ زِيادَةً في بَيانِ إبْطالِ إحالَتِهِمُ البَعْثَ بِشُبْهَةِ أنَّهُ يُنافِي تَمَزُّقَ الأجْسامِ في القُبُورِ وانْطِفاءَ العُقُولِ بِالمَوْتِ.
فَظَهَرَ خُسْرانُهم يَوْمَئِذٍ بِأنَّهم نَفَوُا البَعْثَ فَلَمْ يَسْتَعِدُّوا لِيَوْمِهِ بِقَبُولِ ما دَعاهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ .
10:46Page 214
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ ٤٦
And whether We show you some of what We promise them, [O Muḥammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allāh is a witness concerning what they are doing.
﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾
كانَ ذِكْرُ تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي جاءَ في صَدْرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: (﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢])، ثُمَّ الوَعِيدِ عَلَيْهِ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ، والإشارَةُ إلى أنَّهم كَذَّبُوا بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] إلى قَوْلِهِ ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] - مُنْذِرًا بِتَرَقُّبِ عَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا كَما حَلَّ بِالقُرُونِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وكانَ مَعْلُومًا مِن خُلُقِ النَّبِيءِ ﷺ رَأْفَتُهُ بِالنّاسِ ورَغْبَتُهُ أنْ يَتِمَّ هَذا الدِّينُ وأنْ يَهْتَدِيَ جَمِيعُ المَدْعُوِّينَ إلَيْهِ، فَرُبَّما كانَ النَّبِيءُ يَحْذَرُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ فَيَفُوتَ اهْتِداؤُهم. وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١] تَصْرِيحًا بِإمْكانِ اسْتِبْقائِهِمْ وإيماءً إلى إمْهالِهِمْ. جاءَ هَذا الكَلامُ بَيانًا لِذَلِكَ وإنْذارًا بِأنَّهم إنْ أُمْهِلُوا فَأُبْقِيَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا فَإنَّهم غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِنَ المَصِيرِ إلى عِقابِ الآخِرَةِ حِينَ يَرْجِعُونَ إلى تَصَرُّفِ اللَّهِ دُونَ حائِلٍ.
صفحة ١٨٤
وجاءَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ إبْهامِ الحاصِلِ مِنَ الحالَيْنِ لِإيقاعِ النّاسِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجا وإنْ كانَ المُخاطَبُ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ .
والمُرادُ بـِ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ هو عَذابُ الدُّنْيا فَإنَّهم أُوعِدُوا بِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، قالَ - تَعالى: ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] . فالمَعْنى إنْ وقَعَ عَذابُ الدُّنْيا بِهِمْ فَرَأيْتَهُ أنْتَ أوْ لَمْ يَقَعْ فَتَوَفّاكَ اللَّهُ فَمَصِيرُهم إلَيْنا عَلى كُلِّ حالٍ.
فَمَضْمُونُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ ﴿نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾
والجُمْلَتانِ مَعًا جُمْلَتا شَرْطٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾
ولَمّا جُعِلَ جَوابُ الشَّرْطَيْنِ إرْجاعَهم إلى اللَّهِ المُكَنّى بِهِ عَنِ العِقابِ الآجِلِ، تَعَيَّنَ أنَّ التَّقْسِيمَ الواقِعَ في الشَّرْطِ تَرْدِيدٌ بَيْنَ حالَتَيْنِ لَهُما مُناسَبَةٌ بِحالَةِ تَحَقُّقِ الإرْجاعِ إلى عَذابِ اللَّهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، وهُما حالَةُ التَّعْجِيلِ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا وحالَةُ تَأْخِيرِ العَذابِ إلى الآخِرَةِ. وأمّا إرادَةُ الرَّسُولِ تَعْذِيبَهم وتُوَفِّيهِ بِدُونِ إرائَتِهِ فَلا مُناسَبَةَ لَهُما بِالإرْجاعِ إلى اللَّهِ عَلى كِلْتَيْهِما إلّا بِاعْتِبارِ مُقارَنَةِ إحْداهُما لِحالَةِ التَّعْجِيلِ ومُناسَبَةِ الأُخْرى لِحالَةِ التَّأْخِيرِ.
وإنَّما كُنِّيَ عَنِ التَّعْجِيلِ بِأنْ يُرِيَهُ اللَّهُ الرَّسُولَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ حالَةَ تَعْجِيلِ العَذابِ لا يُرِيدُ اللَّهُ مِنها إلّا الِانْتِصافَ لِرَسُولِهِ بِأنْ يُرِيَهُ عَذابَ مُعانَدِيهِ، ولِذَلِكَ بُنِيَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ ضِدُّ التَّعْجِيلِ فَكُنِّيَ بِتَوَفِّيهِ عَنْ عَدَمِ تَعْجِيلِ العَذابِ بَلْ عَنْ تَأْخِيرِهِ إذْ كانَتْ حِكْمَةُ التَّعْجِيلِ هي الِانْتِصافَ لِلرَّسُولِ ﷺ .
ولَمّا جَعَلَ مَضْمُونَ جُمْلَةِ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَسِيمًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ نُرِيَنَّكَ تَعَيَّنَ أنَّ إراءَتَهُ ما أُوعِدُوا بِهِ مِن عَذابِ الدُّنْيا إنَّما هو جَزاءٌ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأذاهم لَهُ انْتِصارًا لَهُ حَتّى يَكُونَ أمْرُهُ جارِيًا عَلى سُنَّةِ اللَّهِ في المُرْسَلِينَ، كَما قالَ نُوحٌ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦]، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلُهُ - تَعالى - عَقِبَهُ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧] الآيَةَ وقَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] . وقَدْ أراهُ اللَّهُ - تَعالى - بَعْضَ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِما لَقُوا مِنَ
صفحة ١٨٥
القَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِمْ، وبِما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الإهانَةِ، وقَتْلِ صَنادِيدِهِمْ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]
والدُّخانُ هو ما كانُوا يَرَوْنَهُ في سِنِينِ القَحْطِ مِن شَبَهِ الدُّخانِ في الأرْضِ. والبَطْشَةُ الكُبْرى: بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ.
وتَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان: ١٤] وقَوْلَهُ: ﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]
ثُمَّ كَفَّ اللَّهُ عَنْهم عَذابَ الدُّنْيا إرْضاءً لَهُ أيْضًا إذْ كانَ يَوَدُّ اسْتِبْقاءَ بَقِيَّتِهِمْ ويَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ.
فَأمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَجَزاؤُهُ عَذابُ الآخِرَةِ.
فَطُوِيَ في الكَلامِ جُمَلٌ دَلَّتْ عَلَيْها الجُمَلُ المَذْكُورَةُ إيجازًا مُحْكَمًا وصارَتْ قُوَّةُ الكَلامِ هَكَذا: وإمّا نُعَجِّلُ لَهم بَعْضَ العَذابِ فَنُرِيَنَّكَ نُزُولَهُ بِهِمْ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَنُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَ وفاتِكَ، أيْ لِانْتِفاءِ الحِكْمَةِ في تَعْجِيلِهِ فَمَرْجِعُهم إلَيْنا، أيْ مَرْجِعُهم ثابِتٌ إلَيْنا دَوْمًا فَنَحْنُ أعْلَمُ بِالحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ نُفُوذَ الوَعِيدِ فِيهِمْ في الوَقْتِ المُناسِبِ في الدُّنْيا إنْ شِئْنا في حَياتِكَ أوْ بَعْدَكَ أوْ في الآخِرَةِ.
وكَلِمَةُ إمّا هي (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ و(ما) المُؤَكِّدَةُ لِلتَّعْلِيقِ الشَّرْطِيِّ. وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِدُونِ نُونٍ وبِمِيمٍ مُشَدَّدَةٍ مُحاكاةً لِحالَةِ النُّطْقِ، وقَدْ أُكِّدَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فَإنَّهُ إذا أُرِيدَ تَوْكِيدُ فِعْلِ الشَّرْطِ بِالنُّونِ وتَعَيَّنَتْ زِيادَةُ (ما) بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ فَهُما مُتَلازِمانِ عِنْدَ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ وصاحِبِ الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ [غافر: ٧٧] في سُورَةِ غافِرٍ، فَلا يَقُولُونَ إنْ: تُكْرِمَنِّي أُكْرِمْكَ بِنُونِ التَّوْكِيدِ ولَكِنْ تَقُولُونَ: إنْ تُكْرِمْنِي بِدُونِ
صفحة ١٨٦
نُونِ التَّوْكِيدِ كَما أنَّهُ لا يُقالُ: إمّا تُكْرِمْنِي بِدُونِ نُونِ التَّوْكِيدِ ولَكِنْ تَقُولُ: إنْ تُكْرِمْنِي. وشَذَّ قَوْلُ الأعْشى:
فَإمّا تَرَيْنِي ولِي لِمَّةٌ فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها
ثُمَّ أكَّدَ التَّعْلِيقَ الشَّرْطِيَّ تَأْكِيدًا ثانِيًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ وتَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ وهو ”مَرْجِعُهم“ لِلِاهْتِمامِ. وجُمْلَةُ إلَيْنا مَرْجِعُهم اسْمِيَّةٌ تُفِيدُ الدَّوامَ والثَّباتَ، أيْ ذَلِكَ أمْرٌ في تَصَرُّفِنا دَوْمًا.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ . وحَرْفُ ”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَما هو شَأْنُ ”ثُمَّ“ في عَطْفِها الجُمَلَ. والتَّراخِي الرُّتْبِيُّ كَوْنُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أعْلى رُتْبَةً مِنَ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِاشْتِمالِها عَلى التَّعْرِيضِ بِالجَزاءِ عَلى سُوءِ أفْعالِهِمْ كانَتْ أهَمَّ مَرْتَبَةً في الغَرَضِ وهو غَرَضُ الإخْبارِ بِأنَّ مَرْجِعَهم إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ إرْجاعَهم إلى اللَّهِ مُجْمَلٌ واطِّلاعُهُ عَلى أفْعالِهِمُ المُكَنّى بِهِ عَنْ مُؤاخَذَتِهِمْ بِها هو تَفْصِيلٌ لِلْوَعِيدِ المُجْمَلِ، والتَّفْصِيلُ أهَمُّ مِنَ الإجْمالِ. وقَدْ حَصَلَ بِالإجْمالِ ثُمَّ بِتَفْصِيلِهِ تَمامُ تَقْرِيرِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وتَأْكِيدُ الوَعِيدِ. وأمّا كَوْنُ عَذابِ الآخِرَةِ حاصِلًا بَعْدَ إرْجاعِهِمْ إلى اللَّهِ بِمُهْلَةٍ - جُمِعَ ما فِيهِ مِن تَكَلُّفِ تَقَرُّرِ تِلْكَ المُهْلَةِ - هو بِحَيْثُ لا يُناسِبُ حَمْلَ الكَلامِ البَلِيغِ عَلى التَّصَدِّي لِذِكْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ، إذْ هو كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ بِالجَزاءِ عَلى جَمِيعِ ما فَعَلُوهُ في الدُّنْيا بِحَيْثُ لا يُغادِرُ شَيْئًا.
والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ، وحَقِيقَتُهُ: المُخْبِرُ عَنْ أمْرٍ فِيهِ تَصْدِيقٌ لِلْمُخْبِرِ، واسْتُعْمِلَ هُنا في العالِمِ عِلْمَ تَحْقِيقٍ.
وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَفْعَلُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ عَلِيمٌ بِما يَحْدُثُ مِن أفْعالِهِمْ، فَأمّا ما مَضى فَهو بِعِلْمِهِ أجْدَرُ.
10:47Page 214
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٤٧
And for every nation is a messenger. So when their messenger comes,1 it will be judged between them in justice, and they will not be wronged.
صفحة ١٨٧
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦]، وهي بِمَنزِلَةِ السَّبَبِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. وهَذِهِ بَيَّنَتْ أنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ لِلْأُمَّةِ هو مُنْتَهى الإمْهالِ، وأنَّ الأُمَّةَ إنْ كَذَّبَتْ رَسُولَها اسْتَحَقَّتِ العِقابَ عَلى ذَلِكَ. فَهَذا إعْلامٌ بِأنَّ تَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ هو الَّذِي يَجُرُّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدَ بِالعِقابِ، فَهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٥٩] وقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]
وجُمْلَةُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ لَيْسَتْ هي المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ بَلْ هي تَمْهِيدٌ لِلتَّفْرِيعِ المُفَرَّعِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَخْ، فَلِذَلِكَ لا يُؤْخَذُ مِنَ الجُمْلَةِ الأوْلى تَعَيُّنُ أنْ يُرْسَلَ رَسُولٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ لِأنَّ تَعْيِينَ الأُمَّةِ بِالزَّمَنِ أوْ بِالنَّسَبِ أوْ بِالمَوْطِنِ لا يَنْضَبِطُ، وقَدْ تَخْلُو قَبِيلَةٌ أوْ شَعْبٌ أوْ عَصْرٌ أوْ بِلادٌ عَنْ مَجِيءِ رَسُولٍ فِيها ولَوْ كانَ خُلُوُّها زَمَنًا طَوِيلًا. وقَدْ قالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] . فالمَعْنى: ولِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ذَواتِ الشَّرائِعِ رَسُولٌ مَعْرُوفٌ جاءَها مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ ومَدْيَنَ واليَهُودِ والكِلْدانِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ ما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾
والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ و”إذا“ لِلظَّرْفِيَّةِ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، والمَعْنى: أنَّ في زَمَنِ مَجِيءِ الرَّسُولِ يَكُونُ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ وهو قُضِيَ لِلتَّشْوِيفِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ.
وكَلِمَةُ بَيْنَ تَدَلُّ عَلى تَوَسُّطٍ في شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ هُنا عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ الأُمَّةِ ورَسُولِها، أيْ قُضِيَ بَيْنَ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالعَدْلِ، أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَهم بِحَسَبِ عَمَلِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ.
صفحة ١٨٨
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الأُمَّةَ عَلى ما هي فِيهِ مِنَ الضَّلالِ فَإذا أرْسَلَ إلَيْها رَسُولًا فَإرْسالُهُ أمارَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - تَعالى - أرادَ إقْلاعَهم عَنِ الضَّلالِ فانْتَهى أمَدُ الإمْهالِ بِإبْلاغِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ مُرادَ اللَّهِ مِنهم فَإنْ أطاعُوهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَبِحُوا، وإنْ عَصَوْهُ وشاقُّوهُ قَضى اللَّهُ بَيْنَ الجَمِيعِ بِجَزاءِ كُلٍّ قَضاءَ حَقٍّ لا ظُلْمَ فِيهِ وهو قَضاءٌ في الدُّنْيا.
وقَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِحُدُوثِ مُشاقَّةٍ بَيْنَ الكافِرِينَ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ وفِيهِمُ الرَّسُولُ ﷺ .
وهَذا تَحْذِيرٌ مِن مُشاقَّةِ النَّبِيءِ ﷺ وإنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِما نالَهم. وقَدْ كانَ مِن بَرَكَةِ النَّبِيءِ ﷺ ورَغْبَتِهِ أنْ أبْقى اللَّهُ عَلى العَرَبِ فَلَمْ يَسْتَأْصِلْهم، ولَكِنَّهُ أراهم بَطْشَتَهُ وأهْلَكَ قادَتَهم يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ ساقَهم بِالتَّدْرِيجِ إلى حَظِيرَةِ الإسْلامِ حَتّى عَمَّهم وأصْبَحُوا دُعاتَهُ لِلْأُمَمِ وحَمَلَةَ شَرِيعَتِهِ لِلْعالَمِ.
ولَمّا أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِأنَّ القَضاءَ قَضاءُ زَجْرٍ لَهم عَلى مُخالَفَةِ رَسُولِهِمْ وأنَّهُ عِقابٌ شَدِيدٌ يَكادُ مَن يَراهُ أوْ يَسْمَعُهُ أنْ يَجُولَ بِخاطِرِهِ أنَّهُ مُبالَغٌ فِيهِ أُتِيَ بِجُمْلَةِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها الَّذِي هو ﴿قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الذَّنْبَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ.
10:48–49Page 214
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"
قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٤٩
Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allāh should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦]، والمُناسَبَةُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَتِ الآيَةُ السّالِفَةُ أنَّ تَعْجِيلَ الوَعِيدِ في الدُّنْيا لَهم وتَأْخِيرَهُ سَواءٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، إذِ الوَعِيدُ الأتَمُّ هو وعِيدُ الآخِرَةِ، أُتْبِعَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ حِكايَةً لِتَهَكُّمِهِمْ عَلى تَأْخِيرِ الوَعِيدِ.
صفحة ١٨٩
وحُكِيَ قَوْلُهم بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ صُدُورِهِ مِنهم، وأُطْلِقَ الوَعْدُ عَلى المَوْعُودِ بِهِ، فالسُّؤالُ عَنْهُ بِاسْمِ الزَّمانِ مَئُولٌ بِتَقْدِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ مَتى ظُهُورُهُ ؟ .
والسُّؤالُ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْطاءِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِهِ وأنَّهم لا يَأْبَهُونَ بِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى أنَّهم مُكَذِّبُونَ بِحُصُولِهِ بِطَرِيقِ الإيماءِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ إنَّ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ واقِعٌ فَعَيِّنُوا لَنا وقْتَهُ، وهم يُرِيدُونَ أنَّنا لا نُصَدِّقُكَ حَتّى نَرى ما وعَدَتْنا كِنايَةً عَنِ اعْتِقادِهِمْ عَدَمَ حُلُولِهِ وأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِهِ. والوَعْدُ المَذْكُورُ هُنا ما هُدِّدُوا بِهِ مِن عَذابِ الدُّنْيا.
والخِطابُ بِقَوْلِهِمْ إنْ كُنْتُمْ لِلرَّسُولِ، فَضَمِيرُ التَّعْظِيمِ لِلتَّهَكُّمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] وقَوْلِ أبِي بَكْرِ بْنِ الأسْوَدِ الكِنانِيِّ:
يُخَبِّرُنا الرَّسُولُ بِأنْ سَنَحْيا وكَيْفَ حَياةُ أصْداءٍ وهامِ
وهَذا المَحْمَلُ هو المُناسِبُ لِجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ولِلْمُسْلِمِينَ، جَمَعُوهم في الخِطابِ لِأنَّ النَّبِيءَ أخْبَرَ بِهِ والمُسْلِمِينَ آمَنُوا بِهِ فَخاطَبُوهم بِذَلِكَ جَمِيعًا لِتَكْذِيبِ النَّبِيءِ وإدْخالِ الشَّكِّ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ بِهِ. وإنَّما خُصَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالأمْرِ بِجَوابِهِمْ لِأنَّهُ الَّذِي أخْبَرَهم بِالوَعِيدِ وأمّا المُؤْمِنُونَ فَتابِعُونَ لَهُ في ذَلِكَ.
ومَعْنى ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾: لا أسْتَطِيعُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
وقُدِّمَ الضَّرُّ عَلى النَّفْعِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالغَرَضِ لِأنَّهم أظْهَرُوا اسْتِبْطاءَ ما فِيهِ مَضَرَّتُهم وهو الوَعِيدُ ولِأنَّ اسْتِطاعَةَ الضَّرِّ أهْوَنُ مِنِ اسْتِطاعَةِ النَّفْعِ فَيَكُونُ ذِكْرُ النَّفْعِ بَعْدَهُ ارْتِقاءً.
صفحة ١٩٠
والمَقْصُودُ مِن جَمْعِ الأمْرَيْنِ الإحاطَةُ بِجِنْسَيِ الأحْوالِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّفْعِ عَلى الضَّرِّ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى لَكِنْ، أيْ لَكِنْ نَفْعِي وضَرِّي هو ما يَشاءُهُ اللَّهُ لِي. وهَذا الجَوابُ يَقْتَضِي إبْطالَ كَلامِهِمْ بِالأُسْلُوبِ المُصْطَلَحِ عَلى تَلْقِيبِهِ في فَنِّ البَدِيعِ بِالمَذْهَبِ الكَلامِيِّ، أيْ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَسْتَطِيعُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا فَعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِ ما فِيهِ ضَرُّ غَيْرِهِ بِهَذا الوَعْدِ أوْلى مِن حَيْثُ إنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ إلى مَقْدِرَةِ المَرْءِ هو ما لَهُ اخْتِصاصٌ بِذاتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في الإنْسانِ قُدْرَةَ اسْتِعْمالِ قُواهُ وأعْضائِهِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ مُقْدِرًا إيّاهُ عَلى إيجادِ شَيْءٍ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ في أحْوالِ الكَوْنِ لَكانَ أقْرَبَ الأشْياءِ إلى إقْدارِهِ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِأحْوالِ ذاتِهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ أسْبابِها في مَقْدِرَتِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ الإنْسانُ مُسَيَّرًا في شِئُونِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ لِأنَّ مُعْظَمَ أسْبابِ المَنافِعِ والمَضارِّ مِنَ الحَوادِثِ مَنُوطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَمُوافِقاتُهُ ومُخالِفاتُهُ خارِجَةٌ عَنْ مَقْدُورِ الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ قَدْ يَقَعُ ما يَضُرُّهُ وهو عاجِزٌ عَنْ دَفْعِهِ. فَكانَ مَعْنى الجَوابِ: أنَّ الوَعْدَ مِنَ اللَّهِ لا مِنِّي وأنا لا أقْدِرُ عَلى إنْزالِهِ بِكم لِأنَّ لَهُ أجَلًا عِنْدَ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ مِنَ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ، ومَوْقِعُها مِن جُمْلَةِ ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ مَوْقِعَ العِلَّةِ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ اقْتَضَتِ انْتِفاءَ القُدْرَةِ عَلى حُلُولِ الوَعْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ تَتَضَمَّنُ أنَّ سَبَبَ عَدَمِ المَقْدِرَةِ عَلى ذَلِكَ هو أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ آجالَ أحْوالِ الأُمَمِ. ومِن ذَلِكَ أجَّلَ حُلُولَ العِقابِ بِهِمْ بِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ تِلْكَ الآجالَ فَلا يَحُلُّ العِقابُ بِهِمْ إلّا عِنْدَ مَجِيءٍ في ذَلِكَ الأجَلِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَغْيِيرِ ما حَدَّدَهُ اللَّهُ.
وصُورَةُ الِاسْتِدْلالِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ أنَّ قَضِيَّةَ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ تَشْمَلُ كُلَّ أُمَّةٍ. ولَمّا كانَ المُخاطَبُونَ مِن جُمْلَةِ الأُمَمِ كانُوا مَشْمُولِينَ لِحُكْمِ هَذِهِ القَضِيَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أنْتُمْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَأنْتُمْ لَكم أجَلٌ فَتَرَقَّبُوا حُلُولَهُ.
صفحة ١٩١
وجُمْلَةُ ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ صِفَةٌ لـِ ”أجَلٌ“، أيْ أجْلٌ مَحْدُودٌ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها في سُورَةِ الأعْرافِ.
و”إذا“ في هَذِهِ الآيَةِ مُشْرَبَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ اقْتَرَنَتْ جُمْلَةُ عامِلِها بِالفاءِ الرّابِطَةِ لِلْجَوابِ مُعامَلَةً لِلْفِعْلِ العامِلِ في ”إذا“ مُعامَلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences