Ibn 'AshurYunus · 10:50–56

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:50–56

10:50–51Page 214

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوۡ نَهَارٗا مَّاذَا يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٠

Say, "Have you considered: if His punishment should come to you by night or by day - for which [aspect] of it would the criminals be impatient?"1

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ٥١

Then is it that when it has [actually] occurred you will believe in it? Now?1 And you were [once] for it impatient.2

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾

هَذا جَوابٌ ثانٍ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهم مِنَ الوَعْدِ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ إذا حَقَّ الوَعْدُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ، كَما حُكِيَ عَنْهم في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وهَذا الجَوابُ إبْداءٌ لِخَلَلِ كَلامِهِمْ واضْطِرابِ اسْتِهْزائِهِمْ، وقَعَ هَذا الأمْرُ بِأنْ يُجِيبَهم هَذا الجَوابَ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِأنْ يُجِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩]، وهَذا الجَوابُ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ بَعْدَ أنْ يُجابَ المُخْطِئُ بِالإبْطالِ. وحاصِلُ هَذا الجَوابِ إنْ قُدِّرَ حُصُولُ ما سَألْتُمْ تَعْيِينَ وقْتِهِ ونُزُولَ كِسَفٍ مِنَ السَّماءِ بِكم أوْ نَحْوَهُ ماذا يَحْصُلُ مِن فائِدَةٍ لَكم في طَلَبِ تَعْجِيلِ حُصُولِهِ إذْ لا تَخْلُونَ عَنْ أنْ تَكُونُوا تَزْعُمُونَ أنَّكم تُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ فَذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ العَذابَ يُعاجِلُكم بِالهَلاكِ فَلا يَحْصُلُ إيمانُكم. وهَذا كَما قالَ بَعْضُ الواعِظِينَ: نَحْنُ نُرِيدُ أنْ لا نَمُوتَ حَتّى نَتُوبَ ونَحْنُ لا نَتُوبُ حَتّى نَمُوتَ.

ووَقَعَ في خِلالِ هَذا الجَوابِ تَفَنُّنٌ في تَخْيِيلِ التَّهْوِيلِ لِهَذا العَذابِ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ تَخْيِيلًا يُناسِبُ تَحَقُّقَ وُقُوعِهِ فَإنَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لا يَخْلُو

صفحة ١٩٢

حُلُولُ الحَوادِثِ عَنْ أحَدِهِما، عَلى أنَّهُ تَرْدِيدٌ لِمَعْنى العَذابِ العاجِلِ تَعْجِيلًا قَرِيبًا أوْ أقَلَّ قُرْبًا، أيْ أتاكم في لَيْلِ هَذا اليَوْمِ الَّذِي سَألْتُمُوهُ أوْ في صَبِيحَتِهِ، عَلى أنَّ في ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ تَخْيِيلًا ما لِصُورَةِ وُقُوعِ العَذابِ اسْتِحْضارًا لَهُ لَدَيْهِمْ عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ تَذْكِيرُهُمُ انْتِهازًا لِفُرْصَةِ المَوْعِظَةِ، كالتَّذْكِيرِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]

والبَياتُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّبْيِيتِ لَيْلًا كالسَّلامِ لِلتَّسْلِيمِ. وذَلِكَ مُباغَتَةً. وانْتَصَبَ ”بَياتًا“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ وقْتَ بَياتٍ.

وجَوابُ شَرْطِ ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ الَّذِي هو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ”أرَأيْتُمْ“ إذْ عَلَّقَهُ عَنِ العَمَلِ الِاسْتِفْهامُ بِماذا

وماذا كَلِمَتانِ هُما ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ و”ذا“ . أصْلُهُ إشارَةٌ مُشارٌ بِهِ إلى مَأْخُوذٍ مِنَ الكَلامِ الواقِعِ بَعْدَهُ. واسْتُعْمِلَ ”ذا“ مَعَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَعْنى الَّذِي لِأنَّهم يُراعُونَ لَفْظَ الَّذِي مَحْذُوفًا. وقَدْ يَظْهَرُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وهَذا الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وفي التَّعْجِيبِ مِن تَعَجُّلِهِمُ العَذابَ بِنِيَّةِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ.

و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. والمَعْنى ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُهُ المُجْرِمُونَ مِنَ العَذابِ، أيْ لا شَيْءَ مِنَ العَذابِ بِصالِحٍ لِاسْتِعْجالِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ مُهْلِكٌ حائِلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّمَكُّنِ مِنَ الإيمانِ وقْتَ حُلُولِهِ.

وفائِدَةُ الإشارَةِ إلَيْهِ تَهْوِيلُهُ أوْ تَعْظِيمُهُ أوِ التَّعْجِيبُ مِنهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فالمَعْنى ما هَذا العَذابُ العَظِيمُ في حالِ كَوْنِهِ يَسْتَعْجِلُهُ المُجْرِمُونَ، فَجُمْلَةُ ﴿يَسْتَعْجِلُ مِنهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ أنَّ مِثْلَهُ لا يُسْتَعْجَلُ بَلْ شَأْنُهُ أنْ يُسْتَأْخَرَ.

و”مِن“ بَيانِيَّةٌ، والمَعْنى مَعَها عَلى مَعْنى ما يُسَمّى في فَنِّ البَدِيعِ بِالتَّجَرُّدِ.

صفحة ١٩٣

واعْلَمْ أنَّ النُّحاةَ يَذْكُرُونَ اسْتِعْمالَ ماذا بِمَعْنى ما الَّذِي وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ بَعْضَ مَواضِعِ اسْتِعْمالِهِ ولَيْسَ اسْتِعْمالًا مُطَّرِدًا. وقَدْ حَقَّقَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ إذْ زادَ قَيْدًا في هَذا الِاسْتِعْمالِ فَقالَ:

ومِثْلُ ما، ذا بَعْدَ ما اسْتِفْهامِ أوْ مَن إذا لَمْ تُلْغَ في الكَلامِ

يُرِيدُ إذا لَمْ يَكُنْ مَزِيدًا. وإنَّما عَبَّرَ بِالإلْغاءِ فِرارًا مِن إيرادِ أنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ. والحَقُّ أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ غَيْرُ مُفِيدٍ مَعْناهُ المَوْضُوعَ لَهُ ولا هو بِمُفِيدٍ تَأْسِيسَ مَعْنًى في الكَلامِ ولَكِنَّهُ لِلتَّقْوِيَةِ والتَّأْكِيدِ الحاصِلِ مِنَ الإشارَةِ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، وقَدْ أشارَ إلى اسْتِعْمالاتِهِ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ في فَصْلٍ عَقَدَهُ لِماذا وأكْثَرَ مِنَ المَعانِي ولَمْ يُحَرِّرِ انْتِسابَ بَعْضِها مِن بَعْضٍ. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُجْرِمُونَ: أصْحابُ الجُرْمِ وهو جُرْمُ الشِّرْكِ. والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ (يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ)، وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ فَوَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ عِوَضَ أنْ يُقالَ ماذا يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإجْرامِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَئِهِمْ في اسْتِعْجالِ الوَعِيدِ لِأنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ فَيَصِيرُونَ إلى الآخِرَةِ حَيْثُ يُفْضُونَ إلى العَذابِ الخالِدِ فَشَأْنُهم أنْ يَسْتَأْخِرُوا الوَعْدَ لا أنْ يَسْتَعْجِلُوهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى لا يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ إلّا شَرًّا.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ أثُمَّ إذا ما وقَعَ بِحَرْفِ المُهْلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَما هو شَأْنُ ”ثُمَّ“ في عَطْفِها الجُمَلَ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَ وُقُوعَهُ حِينَ وُقُوعِهِ بِهِمْ أغْرَبُ وأهَمُّ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ كَما هو اسْتِعْمالُها مَعَ حُرُوفِ العَطْفِ المُفِيدَةِ لِلتَّشْرِيكِ. والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ أإذا ما وقَعَ، ولَيْسَ المُرادُ الِاسْتِفْهامَ عَنِ المُهْلَةِ.

والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو حُصُولُ الإيمانِ في وقْتِ وُقُوعِ العَذابِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ بِمَعْنى التَّغْلِيطِ وإفْسادِ رَأْيِهِمْ، فَإنَّهم وعَدُوا بِالإيمانِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ اسْتِهْزاءً

صفحة ١٩٤

مِنهم فَوَقَعَ الجَوابُ بِمُجاراةِ ظاهِرِ حالِهِمْ وبَيانِ أخْطائِهِمْ، أيْ أتُؤْمِنُونَ بِالوَعْدِ عِنْدَ وُقُوعِهِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]

وكَلِمَةُ ”آلْآنَ“ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَنْ حُصُولِ إيمانِهِمْ عِنْدَ حُلُولِ ما تَوَعَّدَهم، فَعَبَّرَ عَنْ وقْتِ وُقُوعِهِ بِاسْمِ الزَّمانِ الحاضِرِ وهو ”الآنَ“ حِكايَةً لِلِسانِ حالِ مُنْكِرٍ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ اسْتَحْضَرَ حالَ حُلُولِ الوَعْدِ كَأنَّهُ حاضِرٌ في زَمَنِ التَّكَلُّمِ، وهَذا الِاسْتِحْضارُ مِن تَخْيِيلِ الحالَةِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعَةً. ولِذَلِكَ يَحَسُنُ أنْ نَجْعَلَ ”آلْآنَ“ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً بِتَشْبِيهِ الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ بِزَمَنِ الحالِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الِاسْتِحْضارُ. ورَمَزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِذِكْرِ لَفْظٍ مِن رَوادِفِهِ، وهو اسْمُ الزَّمَنِ الحاضِرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَرْشِيحٌ، وإمّا تَقْدِيرُ قَوْلٍ في الكَلامِ، أيْ يُقالُ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ ”آلْآنَ“ آمَنتُمْ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، فَذَلِكَ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ نَظْمٍ وإعْرابٍ لِأنَّ نَظْمَ هَذا الكَلامِ أدَقُّ مِن ذَلِكَ.

ومَعْنى تَسْتَعْجِلُونَ تُكَذِّبُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالِاسْتِعْجالِ حِكايَةً لِحاصِلِ قَوْلِهِمْ مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي هو في صُورَةِ الِاسْتِعْجالِ، والمُرادُ مِنهُ التَّكْذِيبُ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِالوَعْدِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

10:52Page 214

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٥٢

Then it will be said to those who had wronged, "Taste the punishment of eternity; are you being recompensed except for what you used to earn?"

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٥٠] الآيَةَ. و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَهَذا عَذابٌ أعْظَمُ مِنَ العَذابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٥٠]

صفحة ١٩٥

فَإنَّ ذَلِكَ عَذابُ الدُّنْيا وأمّا عَذابُ الخُلْدِ فَهو عَذابُ الآخِرَةِ وهَذا أعْظَمُ مِن عَذابِ الدُّنْيا، فَذَلِكَ مَوْقِعُ عَطْفِ جُمْلَتِهِ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“

وصِيغَةُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]

والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ القائِلُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ. وأظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَسْجِيلِ وصْفِ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ وهو ظُلْمُ النَّفْسِ بِالإشْراكِ. ومَعْنى ظَلَمُوا: أشْرَكُوا.

والذَّوْقُ: مُسْتَعْمَلٌ في الإحْساسِ، وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ ﴿إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ تُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِهِمْ عَنْ مِقْدارِ ذَلِكَ العَذابِ فَيَكُونُ الجَوابُ عَلى أنَّهُ عَلى قَدْرِ فَظاعَةِ ما كَسَبُوهُ مِنَ الأعْمالِ مَعَ إفادَةِ تَعْلِيلِ تَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.

10:53Page 214

۞ وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٥٣

And they ask information of you, [O Muḥammad], "Is it true?" Say, "Yes, by my Lord. Indeed, it is truth; and you will not cause failure [to Allāh]."

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّيَ إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

هَذا حِكايَةُ فَنٍّ مِن أفانِينِ تَكْذِيبِهِمْ، فَمَرَّةً يَتَظاهَرُونَ بِاسْتِبْطاءِ الوَعْدِ اسْتِخْفافًا بِهِ، ومَرَّةً يُقْبِلُونَ عَلى الرَّسُولِ في صُورَةِ المُسْتَفْهِمِ الطّالِبِ فَيَسْألُونَهُ: أهَذا العَذابُ الخالِدُ، أيْ عَذابُ الآخِرَةِ، حَقٌّ.

فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلَيْهِمْ فَهُمُ المُسْتَنْبِئُونَ لا غَيْرُهم، وضَمِيرُ هو عائِدٌ إلى ﴿عَذابَ الخُلْدِ﴾ [يونس: ٥٢]

صفحة ١٩٦

والحَقُّ: الثّابِتُ الواقِعُ، فَهو بِمَعْنى حاقٍّ، أيْ ثابِتٍ، أيْ أنَّ وُقُوعَهُ ثابِتٌ، فَأسْنَدَ الثُّبُوتَ لِذاتِ العَذابِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ إذْ لا تُوصَفُ الذّاتُ بِثُبُوتٍ.

وجُمْلَةُ ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ فِعْلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ الثّانِي، والجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَسْتَنْبِئُونَكَ لِأنَّ مَضْمُونَها هو الِاسْتِثْناءُ.

والضَّمِيرُ يَجُوزُ كَوْنُهُ مُبْتَدَأً، و”أحَقٌّ“ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.

واسْتَعْمَلُوا الِاسْتِفْهامَ تَبالُهًا، ولِذَلِكَ اشْتَمَلَ الجَوابُ المَأْمُورُ بِهِ عَلى مُراعاةِ الحالَتَيْنِ فاعْتَبَرَ أوَّلًا ظاهِرَ حالِ سُؤالِهِمْ فَأُجِيبُوا عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ كَلامِهِمْ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأوْلى بِهِمْ سُؤالُ الِاسْتِرْشادِ تَغْلِيطًا لَهم واغْتِنامًا لِفُرْصَةِ الإرْشادِ بِناءً عَلى ظاهِرِ حالِ سُؤالِهِمْ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الجَوابَ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ إذْ جَمَعَ بَيْنَ حَرْفِ إي وهو حَرْفُ جَوابٍ يُحَقَّقُ بِهِ المَسْئُولُ عَنْهُ، وبَيْنَ الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَوابِ، وبِالقَسَمِ، وإنَّ، ولامِ الِابْتِداءِ، وكُلُّها مُؤَكِّداتٌ.

والِاعْتِبارُ الثّانِي اعْتِبارُ قَصْدِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِمْ فَأُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ فَمَضْمُونُها مِنَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمْ كانَ مَضْمُونُ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ جَوابًا عَنِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا بِاعْتِبارِ ما أضْمَرُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، أيْ هو واقِعٌ وأنْتُمْ مُصابُونَ بِهِ غَيْرَ مُفْلِتِينَ مِنهُ. ولَيْسَ فِعْلُ ”يَسْتَنْبِئُونَكَ“ مُسْتَعْمَلًا في التَّظاهُرِ بِمَعْنى الفِعْلِ كَما اسْتُعْمِلَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤]، كَما تَقَدَّمَ في ”بَراءَةٌ“ لِأنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِنْباءِ واقِعَةٌ هُنا إذْ قَدْ صَرَّحُوا بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ.

و”إي“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: حَرْفُ جَوابٍ لِتَحْقِيقِ ما تَضَمَّنَهُ سُؤالُ سائِلٍ، فَهو مُرادِفُ ”نَعَمْ“، ولَكِنْ مِن خَصائِصِ هَذا الحَرْفِ أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا وبَعْدَهُ القَسَمُ.

والمُعْجِزُونَ: الغالِبُونَ، أيْ وما أنْتُمْ بِغالِبِينَ الَّذِي طَلَبَكم، أيْ بِمُفْلِتِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

10:54Page 215

وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٥٤

And if each soul that wronged had everything on earth, it would offer it in ransom. And they will confide regret when they see the punishment; and they will be judged in justice, and they will not be wronged.

صفحة ١٩٧

﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾

الأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ، فَهي عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إي ورَبِّيَ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] إعْلامًا لَهم بِهَوْلِ ذَلِكَ العَذابِ عَساهم أنْ يَحْذَرُوهُ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المُتَعَلِّقُ الثّانِي لِفِعْلِ افْتَدَتْ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مُفْدِيًا بِهِ ومُفْدِيًا مِنهُ، أيْ لافْتَدَتْ بِهِ مِنَ العَذابِ.

والمَعْنى أنَّ هَذا العَذابَ لا تَتَحَمَّلُهُ أيَّةُ نَفْسٍ عَلى تَفاوُتِ الأنْفُسِ في احْتِمالِ الآلامِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ كُلِّ نَفْسٍ دُونَ أنْ يُقالَ ولَوْ أنَّ لَكم ما في الأرْضِ لافْتَدَيْتُمْ بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ شَرْطِ ”لَوْ“

وما في الأرْضِ اسْمُ ”أنَّ“ . ولِكُلِّ نَفْسٍ خَبَرُ ”أنَّ“ وقُدِّمَ عَلى الِاسْمِ لِلِاهْتِمامِ بِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ بِحَيْثُ يَنُصُّ عَلى أنَّهُ لا تَسْلَمُ نَفْسٌ مِن ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ظَلَمَتْ صِفَةٌ (لِنَفْسٍ) . وجُمْلَةُ ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ جَوابُ ”لَوْ“

فَعُمُومُ كُلِّ نَفْسٍ يَشْمَلُ نُفُوسَ المُخاطَبِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ.

ومَعْنى ظَلَمَتْ أشْرَكَتْ، وهو ظُلْمُ النَّفْسِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]

وما في الأرْضِ يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ في ظاهِرِ الأرْضِ وباطِنِها لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ ظَرْفِيَّةُ جَمْعٍ واحْتِواءٍ.

وافْتَدى مُرادِفُ فَدى. وفِيهِ زِيادَةُ تاءِ الِافْتِعالِ لِتَدُلَّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، أيْ لَتَكَلَّفَتْ فِداءَها بِهِ.

* * *

﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ كَلامٍ عَلى كَلامٍ. وضَمِيرُ أسَرُّوا عائِدٌ إلى كُلِّ نَفْسٍ

صفحة ١٩٨

بِاعْتِبارِ المَعْنى مَعَ تَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وعَبَّرَ عَنِ الإسْرارِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ مَضى، والمَعْنى: وسَيُسِرُّونَ النَّدامَةَ قَطْعًا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾

والنَّدامَةُ: النَّدَمُ، وهو أسَفٌ يَحْصُلُ في النَّفْسِ عَلى تَفْوِيتِ شَيْءٍ مُمْكِنٍ عَمَلُهُ في الماضِي، والنَّدَمُ مِن هَواجِسِ النَّفْسِ، فَهو أمْرٌ غَيْرُ ظاهِرٍ ولَكِنَّهُ كَثِيرٌ، أيْ يَصْدُرُ عَنْ صاحِبِهِ قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإذا تَجَلَّدَ صاحِبُ النَّدَمِ فَلَمْ يُظْهِرْ قَوْلًا ولا فِعْلًا فَقَدْ أسَرَّ النَّدامَةَ، أيْ قَصَرَها عَلى سِرِّهِ فَلَمْ يُظْهِرْها بِإظْهارِ بَعْضِ آثارِها، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ؛ فَإنَّما أسَرُّوا النَّدامَةَ لِأنَّهم دُهِشُوا لِرُؤْيَةِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فَلَمْ يُطِيقُوا صُراخًا ولا عَوِيلًا.

وجُمْلَةُ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وأسَرُّوا مُسْتَأْنَفَةً.

ومَعْنى قُضِيَ بَيْنَهم قُضِيَ فِيهِمْ، أيْ قُضِيَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ بِالعَدْلِ، فالقَضاءُ بِالعَدْلِ وقَعَ فِيهِمْ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ قُضِيَ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ وآخَرَ لِأنَّ القَضاءَ هُنا لَيْسَ قَضاءَ نِزاعٍ ولَكِنَّهُ قَضاءُ زَجْرٍ وتَأْنِيبٍ، إذْ لَيْسَ الكَلامُ هُنا إلّا عَلى المُشْرِكِينَ وهم صِنْفٌ واحِدٌ، بِخِلافِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤٧] فَإنَّ ذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وبَيْنَ الرُّسُلِ كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]

وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ حالِيَّةٌ.

10:55–56Page 215

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٥

Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and the earth. Unquestionably, the promise of Allāh is truth, but most of them do not know.

هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٥٦

He gives life and causes death, and to Him you will be returned.

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

تَذْيِيلُ تَنْهِيَةٍ لِلْكَلامِ المُتَعَلِّقِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ وما جاءَ بِهِ مِنَ الوَعِيدِ وتَرَقُّبِ يَوْمِ البَعْثِ ويَوْمِ نُزُولِ العَذابِ بِالمُشْرِكِينَ. وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا التَّذْيِيلُ عَلى مُجْمَلِ تَفْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ، وعَلى تَعْلِيلِهِ بِأنَّ مَن هَذِهِ شُئُونُهُ لا يَعْجِزُ عَنْ تَحْقِيقِ ما أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ.

صفحة ١٩٩

فَكانَ افْتِتاحُهُ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَوَحِّدُ بِمُلْكِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو يَتَصَرَّفُ في النّاسِ وأحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَصَرُّفًا لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ فَتَصَرُّفُهُ في أُمُورِ السَّماءِ شامِلٌ لِلْمُغَيَّباتِ كُلِّها، ومِنها إظْهارُ الجَزاءِ بِدارِ الثَّوابِ ودارِ العَذابِ؛ وتَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الأرْضِ شامِلٌ لِتَصَرُّفِهِ في النّاسِ. ثُمَّ أعْقَبَ بِتَحْقِيقِ وعْدِهِ، وأعْقَبَ بِتَجْهِيلِ مُنْكِرِيهِ، وأعْقَبَ بِالتَّصْرِيحِ بِالمُهِمِّ مِن ذَلِكَ وهو الإحْياءُ والإماتَةُ والبَعْثُ.

وافْتُتِحَ هَذا التَّذْيِيلُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وأُعِيدَ فِيهِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ لِلِاسْتِيعاءِ لِسَماعِهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كَلامٌ جامِعٌ هو حَوْصَلَةُ الغَرَضِ الَّذِي سَمِعُوا تَفْصِيلَهُ آنِفًا.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ ”إنَّ“ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ فَقَدْ جَعَلُوها غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِلَّهِ. ولا يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] لِأنَّ ذَلِكَ اضْطِرابٌ وخَبْطٌ.

وقُدِّمَ خَبَرُ ”إنَّ“ عَلى اسْمِها لِلِاهْتِمامِ بِاسْمِهِ - تَعالى - ولِإفادَةِ القَصْرِ لِرَدِّ اعْتِقادِهِمُ الشَّرِكَةَ كَما عَلِمْتَ.

وأُكِدَّ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِرَدِّ إنْكارِ مُنْكِرِي بَعْضِهِ والَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ بَعْضَهُ الآخَرَ.

واللّامُ في ”لِلَّهِ“ لِلْمِلْكِ، و”ما“ اسْمُ مَوْصُولٍ مُفِيدٌ لِعُمُومِ كُلِّ ما ثَبَتَتْ لَهُ صِلَةُ المَوْصُولِ مِنَ المَوْجُوداتِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ.

ووَعْدُ اللَّهِ: هو وعْدُهُ بِعَذابِ المُشْرِكِينَ، وهو وعِيدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعْدُهُ مُرادًا بِهِ البَعْثُ، قالَ - تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فَسَمّى إعادَةَ الخَلْقِ وعْدًا.

وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتُجْرى مُجْرى المَثَلِ والكَلامِ الجامِعِ.

صفحة ٢٠٠

ووَقَعَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ أُرِيدَ بِهِما الرَّدُّ عَلى مُعْتَقِدِي خِلافَهُما فَصارَتا في قُوَّةِ نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ مَضْمُونِهِما، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا شَكَّ يَحِقُّ في ذَلِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ فَلِذَلِكَ يَشُكُّونَ.

وتَقْيِيدُ نَفْيِ العِلْمِ بِالأكْثَرِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَجْحَدُهُ مُكابَرَةً، كَما قالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]، فَضَمِيرُ أكْثَرُهم لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском