Ibn 'AshurYunus · 10:57–59

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:57–59

10:57Page 215

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٧

O mankind, there has come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ أوِ اعْتِراضٌ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِابْتِداءِ غَرَضٌ جَدِيدٌ وهو خِطابُ جَمِيعِ النّاسِ بِالتَّعْرِيفِ بِشَأْنِ القُرْآنِ وهَدْيِهِ، بَعْدَ أنْ كانَ الكَلامُ في جِدالِ المُشْرِكِينَ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِإعْجازِ القُرْآنِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ الآتِيَ بِهِ صادِقٌ فِيما جاءَ بِهِ مِن تَهْدِيدِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِ الأُمَمِ رُسُلَها، وما ذُيِّلَ بِهِ ذَلِكَ مِنَ الوَعِيدِ وتَحْقِيقِ ما تُوُعِّدُوا بِهِ، فالكَلامُ الآنَ مُنْعَطِفٌ إلى الغَرَضِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] . فَعادَ الكَلامُ إلى خِطابِ جَمِيعِ النّاسِ لِما في القُرْآنِ مِنَ المَنافِعِ الصّالِحَةِ لَهم، والإشارَةِ إلى اخْتِلافِهِمْ في مِقْدارِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِذَلِكَ كانَ الخِطابُ هُنا عامًّا لِجَمِيعِ النّاسِ ولَمْ يَأْتِ فِيهِ ما يَقْتَضِي تَوْجِيهَهُ لِخُصُوصِ المُشْرِكِينَ مِن ضَمائِرَ تَعُودُ إلَيْهِمْ أوْ أوْصافٍ لَهم أوْ صِلاتِ مَوْصُولٍ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلَيْسَ في الخِطابِ بِـ يا أيُّها النّاسُ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ مَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ النّاسِ وإنَّما انْتَفَعَ بِمَوْعِظَتِهِ المُؤْمِنُونَ فاهْتَدَوْا وكانَ لَهم رَحْمَةً.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ بِناءً عَلى الأكْثَرِ في خِطابِ القُرْآنِ بِـ يا أيُّها النّاسُ فَيَكُونَ ذِكْرُ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إدْماجًا وتَسْجِيلًا عَلى المُشْرِكِينَ

صفحة ٢٠١

بِأنَّهم حَرَمُوا أنْفُسَهُمُ الِانْتِفاعَ بِمَوْعِظَةِ القُرْآنِ وشِفائِهِ لِما في الصُّدُورِ، فانْتَفَعَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِقَدْ لِتَأْكِيدِهِ؛ لِأنَّ في المُخاطَبِينَ كَثِيرًا مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأوْصافَ لِلْقُرْآنِ.

والمَجِيءُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإعْلامِ بِالشَّيْءِ، كَما اسْتُعْمِلَ لِلْبُلُوغِ أيْضًا، إلّا أنَّ البُلُوغَ أشْهَرُ في هَذا وأكْثَرُ، يُقالُ: بَلَغَنِي خَبَرُ كَذا، ويُقالُ أيْضًا: جاءَنِي خَبَرُ كَذا أوْ أتانِي خَبَرُ كَذا. وإطْلاقُ المَجِيءِ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ أعَزُّ.

والمُرادُ بِما جاءَهم وبَلَغَهم هو ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ وقُرِئَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأرْبَعِ صِفاتٍ هي أُصُولُ كَمالِهِ وخَصائِصِهِ وهي: أنَّهُ مَوْعِظَةٌ، وأنَّهُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، وأنَّهُ هُدًى، وأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

والمَوْعِظَةُ: الوَعْظُ، وهو كَلامٌ فِيهِ نُصْحٌ وتَحْذِيرٌ مِمّا يَضُرُّ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. ووَصَفَها بـِ مِن رَبِّكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها بالِغَةٌ غايَةَ كَمالِ أمْثالِها.

والشِّفاءُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . وحَقِيقَتُهُ: زَوالُ المَرَضِ والألَمِ، ومَجازُهُ: زَوالُ النَّقائِصِ والضَّلالاتِ وما فِيهِ حَرَجٌ عَلى النَّفْسِ، وهَذا هو المُرادُ هُنا.

والمُرادُ بِالصُّدُورِ النُّفُوسُ كَما هو شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ.

والهُدى: تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في طالِعِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وأصْلُهُ: الدّالَّةُ عَلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَقْصُودِ. ومَجازُهُ: بَيانُ وسائِلِ الحُصُولِ عَلى المَنافِعِ الحَقَّةِ.

والرَّحْمَةُ تَقَدَّمَتْ في تَفْسِيرِ البَسْمَلَةِ.

صفحة ٢٠٢

وقَدْ أوْمَأ وصْفُ القُرْآنِ بِالشِّفاءِ إلى تَمْثِيلِ حالِ النُّفُوسِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُرْآنِ، وإلى ما جاءَ بِهِ بِحالِ المُعْتَلِّ السَّقِيمِ الَّذِي تَغَيَّرَ نِظامُ مِزاجِهِ عَنْ حالَةِ الِاسْتِقامَةِ فَأصْبَحَ مُضْطَرِبَ الأحْوالِ خائِرَ القُوى فَهو يَتَرَقَّبُ الطَّبِيبَ الَّذِي يُدَبِّرُ لَهُ بِالشِّفاءِ، ولا بُدَّ لِلطَّبِيبِ مِن مَوْعِظَةٍ لِلْمَرِيضِ يُحَذِّرُهُ بِها مِمّا هو سَبَبُ نَشْءِ عِلَّتِهِ ودَوامِها، ثُمَّ يَنْعَتُ لَهُ الدَّواءَ الَّذِي بِهِ شِفاؤُهُ مِنَ العِلَّةِ، ثُمَّ يَصِفُ لَهُ النِّظامَ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ سُلُوكُهُ لِتَدُومَ لَهُ الصِّحَّةُ والسَّلامَةُ ولا يَنْتَكِسَ لَهُ المَرَضُ، فَإنْ هو انْتَصَحَ بِنَصائِحِ الطَّبِيبِ أصْبَحَ مُعافًى سَلِيمًا وحَيِيَ حَياةً طَيِّبَةً لا يَعْتَوِرُهُ ألَمٌ ولا يَشْتَكِي وصَبًا، وقَدْ كانَ هَذا التَّمْثِيلُ لِكَمالِهِ قابِلًا لِتَفْرِيقِ تَشْبِيهِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِأجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَزَواجِرُ القُرْآنِ ومَواعِظُهُ يُشَبَّهُ بِنُصْحِ الطَّبِيبِ عَلى وجْهِ المَكْنِيَّةِ، وإبْطالُهُ العَقائِدَ الضّالَّةَ يُشَبَّهُ بِنَعْتِ الدَّواءِ لِلشِّفاءِ مِنَ المَضارِّ عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِيَّةِ، وتَعالِيمُهُ الدِّينِيَّةُ وآدابُهُ تُشَبَّهُ بِقَواعِدِ حِفْظِ الصِّحَّةِ عَلى وجْهِ المَكْنِيَّةِ، وعُبِّرَ عَنْها بِالهُدى، ورَحْمَتُهُ لِلْعالَمِينَ تُشَبَّهُ بِالعَيْشِ في سَلامَةٍ عَلى وجْهِ المَكْنِيَّةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ألْفاظَ المَكْنِيَّةِ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقائِقِ مَعانِيِها كَما هُنا، ويَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ تَخْيِيلًا كَأظْفارِ المَنِيَّةِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ شَأْنِ باعِثِ القُرْآنِ بِالطَّبِيبِ العَلِيمِ بِالأدْواءِ وأدْوِيَتِها، ويَقُومُ مِن ذَلِكَ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ تَلَقِّي النّاسِ لِلْقُرْآنِ وانْتِفاعِهِمْ بِهِ ومُعالَجَةِ الرَّسُولِ ﷺ إيّاهم بِتَكْرِيرِ النُّصْحِ والإرْشادِ - بِهَيْئَةِ المَرْضى بَيْنَ يَدَيِ الطَّبِيبِ وهو يَصِفُ لَهم ما فِيهِ بُرْؤُهم وصَلاحُ أمْزِجَتِهِمْ فَمِنهُمُ القابِلُ المُنْتَفِعُ ومِنهُمُ المُتَعاصِي المُمْتَنِعُ.

فالأوْصافُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ ثابِتَةٌ لِلْقُرْآنِ في ذاتِهِ سَواءٌ في ذَلِكَ مَن قَبِلَها وعَمِلَ بِها، ومَن أعْرَضَ عَنْها ونَبَذَها، إلّا أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ هُدًى لَمّا كانَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ بِحَيْثُ كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى كانَ الأنْسَبُ أنْ يُرادَ بِهِ حُصُولُ الهُدى بِهِ بِالفِعْلِ فَيَكُونَ في قِرانِ الوَصْفِ الرّابِعِ. والوَصْفُ الرّابِعُ وهو الرَّحْمَةُ خاصٌّ بِمَن عَمِلَ بِمُقْتَضى الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ فانْتَفَعَ بِها فَكانَ القُرْآنُ رَحْمَةً لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] . فَقَيْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”رَحْمَةٌ“ بِلا شُبْهَةٍ وقَدْ خَصَّهُ بِهِ جُمْهُورُ

صفحة ٢٠٣

المُفَسِّرِينَ. ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَن جَعَلَهُ قَيْدًا لِـ هُدًى ورَحْمَةٌ ناظِرًا إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] فَإنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ هُدًى لِغَيْرِ المُتَّقِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ.

والوَجْهُ أنَّ كَوْنَهُ مَوْعِظَةً وصْفٌ ذاتِيٌّ لَهُ؛ لِأنَّ المَوْعِظَةَ هي الكَلامُ المُحَذِّرُ مِنَ الضُّرِّ ولِهَذا عُقِّبَتْ بِقَوْلِهِ: مِن رَبِّكم فَكانَتْ عامَّةً لِمَن خُوطِبَ بـِ يا أيُّها النّاسُ. وأمّا كَوْنُهُ شِفاءً فَهو في ذاتِهِ صالِحٌ لِلشِّفاءِ ولَكِنَّ الشِّفاءَ بِالدَّواءِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَنِ اسْتَعْمَلَهُ.

وأمّا كَوْنُهُ هُدًى ورَحْمَةً فَإنَّ تَمامَ وصْفِ القُرْآنِ بِهِما يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِمَن حَصَلَتْ لَهُ حَقِيقَتُهُما وأمّا لِمَن لَمْ تَحْصُلْ لَهُ آثارُهُما فَوَصْفُ القُرْآنِ بِهِما بِمَعْنى صَلاحِيَتِهِ لِذَلِكَ وهو الوَصْفُ بِالقُوَّةِ في اصْطِلاحِ أهْلِ المَنطِقِ. وقَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ في الآيَةِ الأُخْرى بِأنَّهُ ﴿شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وصَرَّحَ في آيَةِ البَقَرَةِ بِأنَّهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، فالأظْهَرُ أنَّ قَيْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ راجِعٌ إلى هُدًى ورَحْمَةٌ مَعًا عَلى قاعِدَةِ القَيْدِ الوارِدِ بَعْدَ مُفْرَداتِ، وأمّا رُجُوعُهُ إلى شِفاءٍ فَمُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ وصْفَ شِفاءٍ قَدْ عُقِّبَ بِقَيْدِ ﴿لِما في الصُّدُورِ﴾ فانْقَطَعَ عَنِ الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ، ولِأنَّ تَعْرِيفَ الصُّدُورِ بِاللّامِ يَقْتَضِي العُمُومَ، فَلْيُحْمَلِ الشِّفاءُ عَلى مَعْنى الدَّواءِ الَّذِي هو صالِحٌ لِلشِّفاءِ لِلَّذِي يَتَناوَلُهُ. وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ. وصُدِّرَ بِهِ اللِّسانُ والقامُوسُ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَهُ - تَعالى - في شَأْنِ العَسَلِ ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]

وأمّا تَعْلِيقُ فِعْلِ المَجِيءِ بِضَمِيرِ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ﴾ فَبِاعْتِبارِ كَوْنِهِمُ المَقْصُودَ بِإنْزالِ القُرْآنِ في الجُمْلَةِ. ثُمَّ وقَعَ التَّفْصِيلُ بِالنِّسْبَةِ لِما اخْتَلَفَتْ فِيهِ أحْوالُ تَلَقِّيهِمْ وانْتِفاعِهِمْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] أيِ المُؤْمِنُونَ. وعَبَّرَ عَنِ الهُدى بِالفَضْلِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥] فَعَمَّمَ في مَجِيءِ البُرْهانِ وإنْزالِ النُّورِ جَمِيعَ النّاسِ، وخَصَّصَ في الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والهِدايَةِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا مُنْتَهى البَلاغَةِ وصِحَّةِ التَّقْسِيمِ.

10:58Page 215

قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٥٨

Say, "In the bounty of Allāh and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾

يَتَفَرَّعُ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ تَنْبِيهُهم إلى أنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ

صفحة ٢٠٤

عَلَيْهِمْ ورَحْمَةٌ بِهِمْ يَحِقُّ لَهم أنْ يَفْرَحُوا بِهِما، وأنْ يُقَدِّرُوا قَدْرَ نِعْمَتِهِما، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّها نِعْمَةٌ تَفُوقُ نِعْمَةَ المالِ الَّتِي حُرِمَ مِنها أكْثَرُ المُؤْمِنِينَ ومُنِحَها أكْثَرُ المُشْرِكِينَ، فَكانَتِ الجُمْلَةُ حَقِيقَةً بِأنْ تُفْتَتَحَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ.

وجِيءَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ والجُمْلَةِ المُفَرَّعِ عَلَيْها تَنْوِيهًا بِالجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ، بِحَيْثُ يُؤْمَرُ الرَّسُولُ أمْرًا خاصًّا بِأنْ يَقُولَها وإنْ كانَ جَمِيعُ ما يُنَزَّلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ مَأْمُورًا بِأنْ يَقُولَهُ.

وتَقْدِيرُ نَظْمِ الكَلامِ: قُلْ لَهم فَلْيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ بِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا.

فالفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيَفْرَحُوا فاءُ التَّفْرِيعِ، وبِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ مَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”فَلْيَفْرَحُوا“ قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ ولِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ دُونَ ما سِواهُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ تَعْرِيضِيٌّ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ابْتَهَجُوا بِعَرَضِ المالِ فَقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ لِلْمَذْكُورِ، وهو مَجْمُوعُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، واخْتِيرَ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ اسْمُ الإشارَةِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ مَعَ زِيادَةِ التَّمْيِيزِ والِاخْتِصارِ. ولَمّا قَصَدَ تَوْكِيدَ الجُمْلَةِ كُلَّها بِما فِيها مِن صِيغَةِ القَصْرِ قَرَنَ اسْمَ الإشارَةِ بِالفاءِ تَأْكِيدًا لِفاءِ التَّفْرِيعِ الَّتِي في فَلْيَفْرَحُوا لِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ قُرِنَ بِالفاءِ لِإظْهارِ التَّفْرِيعِ في ابْتِداءِ الجُمْلَةِ، وقَدْ حُذِفَ فِعْلُ ”لِيَفْرَحُوا“ فَصارَ مُفِيدًا مُفادَ جُمْلَتَيْنِ مُتَماثِلَتَيْنِ مَعَ إيجازٍ بَدِيعٍ. وتَقْدِيرُ مَعْنى الكَلامِ: قُلْ فَلْيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لا سِواهُما فَلْيَفْرَحُوا بِذَلِكَ لا سِواهُ.

والفَرَحُ: شِدَّةُ السُّرُورِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الكَلامَ اسْتِئْنافًا ناشِئًا مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالقُرْآنِ. ولَمّا قُدِّمَ المَجْرُورُ وهو ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ حَصَلَ بِتَقْدِيمِهِ مَعْنى الشَّرْطِ فَقُرِنَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِالفاءِ الَّتِي تَرْبُطُ الجَوابَ لِقَصْدِ إفادَةِ مَعْنى الشَّرْطِ. وهَذا كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ كَقَوْلِهِ

صفحة ٢٠٥

- تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فَفِيهِما فَجاهِدْ» . وقَوْلِهِ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ (تَكُونُوا) وجَزْمِ (يُولَّ) . فالفاءُ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيَفْرَحُوا مُؤَكِّدَةٌ لِلرَّبْطِ.

ولَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ القُرْآنَ مُرادٌ مِن فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فَضْلُ اللَّهِ القُرْآنُ ورَحْمَتُهُ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» (يَعْنِي أنْ هَداكم إلى اتِّباعِهِ) . ومِثْلُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ والبَراءِ مَوْقُوفًا، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ فَإنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ الَّتِي في القُرْآنِ، والرَّحْمَةَ هي التَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هي الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ المَجْرُورَيْنِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ كَما أُفْرِدَ اسْمُ الإشارَةِ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ.

و(ما يَجْمَعُونَ) مُرادٌ بِهِ الأمْوالُ والمَكاسِبُ لِأنَّ فِعْلَ الجَمْعِ غَلَبَ في جَمْعِ المالِ. قالَ - تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢] . ومِنَ المُعْتادِ أنَّ جامِعَ المالِ يَفْرَحُ بِجَمْعِهِ.

وضَمِيرُ يَجْمَعُونَ عائِدٌ إلى النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ﴾ [يونس: ٥٧] بِقَرِينَةِ السِّياقِ ولَيْسَ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ يَفْرَحُوا فَإنَّ القَرائِنَ تَصْرِفُ الضَّمائِرَ المُتَشابِهَةَ إلى مَصارِفِها، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَعُوا

ضَمِيرُ (أحْرَزُوا) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (جَمْعُهم) . وضَمِيرُ (جَمَعُوا) عائِدٌ إلى المُسْلِمِينَ، أيْ لَوْلا نَحْنُ لَغَنِمَ المُشْرِكُونَ ما جَمَعَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ الغَنائِمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] في سُورَةِ الرُّومِ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ مَعْنى القَصْرِ أتَمَّ الظُّهُورِ، وهو أيْضًا المُناسِبُ لِحالَةِ المُسْلِمِينَ وحالَةِ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في ضَعْفٍ لِأنَّ أكْثَرَهم مِن ضِعافِ القَوْمِ

صفحة ٢٠٦

أوْ لِأنَّ أقارِبَهم مِنَ المُشْرِكِينَ تَسَلَّطُوا عَلى أمْوالِهِمْ ومَنَعُوهم حُقُوقَهم إلْجاءً لَهم إلى العَوْدِ إلى الكُفْرِ. وقَدْ وصَفَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ بِالثَّرْوَةِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقالَ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٤] وقالَ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦]، فَلَعَلَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْتَقِرُونَ المُسْلِمِينَ كَما حُكِيَ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ قَوْلُهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . وقَدْ قالَ اللَّهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] حِينَ قالَ لَهُ المُشْرِكُونَ: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ العَبِيدَ مِن مَجْلِسِكَ لَجَلَسْنا إلَيْكَ، فَكَمَدَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنهم لِأنَّهم كَمُلَتْ عُقُولُهم بِالعَقائِدِ الصَّحِيحَةِ والآدابِ الجَلِيلَةِ. وهَذا الوَجْهُ هو المُناسِبُ لِلْإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَجْمَعُونَ المُقْتَضِي تَجَدُّدَ الجَمْعِ وتُكَرُّرَهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عِنايَتَهم بِجَمْعِ الأمْوالِ ولَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ بِتِلْكَ الحالَةِ. والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُهُ المُشْرِكُونَ مَعَ اتِّصافِهِمْ بِالشِّرْكِ لِأنَّهم وإنْ حَصَّلُوا ما بِهِ بَعْضُ الرّاحَةِ في الدُّنْيا فَهم شِرارُ النُّفُوسِ خِساسُ المَدارِكِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ يَجْمَعُونَ - بِياءِ الغَيْبَةِ - فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ الكَلامِ، أيْ مِمّا يَجْمَعُ المُشْرِكُونَ مِنَ الأمْوالِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ ”مِمّا تَجْمَعُونَ“ - بِتاءِ الخِطابِ - فَيَكُونُ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ شَمِلَهُمُ الخِطابُ في أوَّلِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧]، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ عَمَّمَ الخِطابَ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ وبِالجَدارَةِ بِالفَرَحِ، فَبَقِيَ الخِطابُ لِمَن عَدا المُسْلِمِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ إذْ لَيْسَ ثَمَّ غَيْرُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ النّاسِ هُنالِكَ. ولا يُناسِبُ جَعْلَ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِمْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ولِأنَّهُ لا يَظْهَرُ مِنهُ مَعْنى التَّفْضِيلِ إلّا بِالِاعْتِبارِ لِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ نالُوا الفَضْلَ والرَّحْمَةَ فَإذا نالُوا مَعَهُما المالَ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِن كَمالِهِمْ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ.

وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ وجْهَ تَفْضِيلِ هَذا الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى ما يَجْمَعُونَهُ لِقَصْدِ إعْمالِ النَّظَرِ في وُجُوهِ تَفْضِيلِهِ، فَإنَّها كَثِيرَةٌ، مِنها واضِحٌ وخَفِيٌّ. ويُنْبِئُ بِوَجْهِ تَفْضِيلِهِ في

صفحة ٢٠٧

الجُمْلَةِ إضافَتُهُ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ إلى اللَّهِ وإسْنادُ فِعْلِ ”يَجْمَعُونَ“ إلى ضَمِيرِ النّاسِ. وهَذا الفَضْلُ أُخْرَوِيٌّ ودُنْيَوِيٌّ. أمّا الأُخْرَوِيُّ فَظاهِرٌ، وأمّا الدُّنْيَوِيُّ فَلِأنَّ كَمالَ النَّفْسِ وصِحَّةَ الِاعْتِقادِ وتَطَلُّعَ النَّفْسِ إلى الكَمالاتِ وإقْبالَها عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ تُكْسِبُ الرّاحَةَ في الدُّنْيا وعِيشَةً هَنِيئَةً. قالَ - تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] فَجَعَلَ رِضاها حالًا لَها وقْتَ رُجُوعِها إلى رَبِّها. قالَ فَخْرُ الدِّينِ والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أفْضَلُ مِنَ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَيَجِبُ أنْ لا يَفْرَحَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ لِأنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ لَيْسَتْ غَيْرَ دَفْعِ الآلامِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الحُكَماءِ والمَعْنى العَدَمِيُّ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُفْرَحَ بِهِ. وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّذّاتُ صِفاتٍ ثُبُوتِيَّةً فَإنَّها لا تَكُونُ خالِصَةً ألْبَتَّةَ بَلْ تَكُونُ مَمْزُوجَةً بِأنْواعٍ مِنَ المَكارِهِ وهي لا تَكُونُ باقِيَةً، فَكُلَّما كانَ الِالتِذاذُ بِها أكْثَرَ كانَتِ الحَسَراتُ الحاصِلَةُ مِن خَوْفِ فَواتِها أكْثَرَ وأشَدَّ.

ثُمَّ إنَّ عَدَمَ دَوامِها يَقْتَضِي قِصَرَ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ بِها بِخِلافِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ.

10:59Page 215

قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩

Say, "Have you seen what Allāh has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allāh permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allāh?"

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ. وافْتِتاحُهُ بِقُلْ لِقَصْدِ تَوَجُّهِ الأسْماعِ إلَيْهِ. ومُناسَبَةُ وُقُوعِهِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ أنَّ الكَلامَ المُتَقَدِّمَ حَكى تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ وادِّعاءَهم أنَّهُ مُفْتَرًى وأنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، ثُمَّ إبْطالَ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى تَفْصِيلِ الشَّرِيعَةِ وتَصْدِيقِ الكُتُبِ السّالِفَةِ، ولِأنَّهُ أعْجَزَ مُكَذِّبِيهِ عَنْ مُعارَضَتِهِ. فَلَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ بِأوْضَحِ حُجَّةٍ، وبانَتْ لِقاصِدِ الِاهْتِداءِ المَحَجَّةُ، لا جَرَمَ دالَتِ النَّوْبَةُ إلى إظْهارِ خَطَلِ عُقُولِهِمْ واخْتِلالِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ كانَ تَكْذِيبًا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ فَقَدِ ارْتَبَكُوا في دِينِهِمْ بِما يَلْزَمُهم مِنهُ مُماثِلَةُ الحالَةِ الَّتِي أنْكَرُوها، فَإنَّهم قَدْ وضَعُوا دِينًا فَجَعَلُوا بَعْضَ أرْزاقِهِمْ حَلالًا لَهم وبَعْضَها حَرامًا

صفحة ٢٠٨

عَلَيْهِمْ فَإنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا بِزَعْمِهِمْ فَمَنِ الَّذِي أبْلَغَهم تِلْكَ الشَّرائِعَ عَنِ اللَّهِ ولِماذا تَقَبَّلُوها عَمَّنْ شَرَعَها لَهم ولَمْ يُكَذِّبُوهُ وهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ فَقَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ فَلَزِمَهم ما ألْصَقُوهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ فَعَلِقَ بِهِمْ وبَرَّأ اللَّهُ مِنهُ رَسُولَهُ، فَهَذا الِاسْتِدْلالُ مِنَ الطَّرِيقِ المُسَمّى بِالقَلْبِ في عِلْمِ الجَدَلِ.

ثُمَّ إنَّ اخْتِيارَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن تَشْرِيعِهِمْ في خُصُوصِ أرْزاقِهِمْ يَزِيدُ هَذا الِاسْتِدْلالَ مُناسَبَةً بِآخِرِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ لِيَظْهَرَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلَيْهِ وذَلِكَ أنَّ آخِرَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ جُمْلَةُ ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، أيْ مِن أمْوالِهِمْ. وتِلْكَ الأمْوالُ هي الَّتِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ إيّاها فَجَعَلُوا مِنها حَلالًا ومِنها حَرامًا وكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إذْ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن طَيِّباتِ ما أعْطاهم رَبُّهم، وحَسْبُهم بِذَلِكَ شَناعَةً بِهِمْ مُلْصَقَةً، وأبْوابًا مِنَ الخَيْرِ في وُجُوهِهِمْ مُغْلَقَةً.

والِاسْتِفْهامُ في أرَأيْتُمْ و﴿آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ تَقْرِيرِيٌّ بِاعْتِبارِ إلْزامِهِمْ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ أذِنَ لَهم، أوْ أنْ يَكُونُوا مُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، وقَدْ شِيبَ التَّقْرِيرُ في ذَلِكَ بِالإنْكارِ عَلى الوَجْهَيْنِ.

والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، و﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِرَأيْتُمْ، وجُمْلَةُ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ﴾ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ، أيِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ لَكم فَجَعَلْتُمْ مِنهُ. والِاسْتِفْهامُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِرَأيْتُمْ، ورابِطُ الجُمْلَةِ بِالمَفْعُولِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أذِنَكم بِذَلِكَ ؟، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾

و”قُلِ“ الثّانِي تَأْكِيدٌ لِـ ”قُلِ“ الأوَّلِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ الأُولى وجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ الثّانِيَةِ لِزِيادَةِ إشْرافِ الأسْماعِ عَلَيْهِ. وهي مُعادَلَةٌ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّها بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المَعْمُولَتَيْنِ لِفِعْلِ ”أرَأيْتُمْ“ . وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ الثّانِي لِأنَّ الأصَحَّ جَوازُ التَّعْلِيقِ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. وزَعَمَ الرَّضِيُّ أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ. وقَدْ بَسَطْتُ القَوْلَ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] الآيَةُ في سُورَةِ الواقِعَةِ.

و”أمْ“ مُتَّصِلَةٌ وهي مُعادِلَةٌ لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ.

صفحة ٢٠٩

والرِّزْقُ: ما يُنْتَفَعُ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي قَوْلِهِ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] في الأعْرافِ.

وعَبَّرَ عَنْ إعْطاءِ الرِّزْقِ بِالإنْزالِ لِأنَّ مُعْظَمَ أمْوالِهِمْ كانَتِ الثِّمارَ والأعْنابَ والحُبُوبَ، وكُلُّها مِن آثارِ المَطَرِ الَّذِي هو نازِلٌ مِنَ السَّحابِ بِتَكْوِينِ اللَّهِ، فَأُسْنِدَ إنْزالُهُ إلى اللَّهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، ومُعْظَمُ أمْوالِهِمُ الأنْعامُ، وحَياتُها مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ وهي مِن أثَرِ المَطَرِ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] . وقالَ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] أيْ سَبَبُ رِزْقِكم وهو المَطَرُ. وقَدْ عُرِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ. وهو عَلى المَجازِ في كَلِمَةِ ”بَنِي“ لِأنَّ الِابْنَ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى المُلازِمِ لِلشَّيْءِ. وقَدْ عَبَّرَ عَنْ إعْطاءِ الأنْعامِ بِالإنْزالِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] بِهَذا الِاعْتِبارِ.

والمَجْعُولُ حَرامًا هو ما حَكى اللَّهُ بَعْضَهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ [الأنعام: ١٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ومَحَلُّ الإنْكارِ ابْتِداءً هو جَعْلُهم بَعْضَ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ حَرامًا عَلَيْهِمْ. وأمّا عَطْفُ ”حَلالًا“ عَلى ”حَرامًا“ فَهو إنْكارٌ بِالتَّبَعِ لِأنَّهم لَمّا عَمَدُوا إلى بَعْضِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم فَجَعَلُوهُ حَرامًا ومَيَّزُوهُ مِن جُمْلَةِ الرِّزْقِ فَقَدْ جَعَلُوا الحَلالَ أيْضًا حَلالًا، أيْ بِجَعْلٍ جَدِيدٍ إذْ قالُوا هو حَلالٌ فَجَعَلُوا أنْفُسَهم مُهَيْمِنِينَ عَلى أحْكامِ اللَّهِ إذْ عَمَدُوا إلى الحَلالِ مِنها فَقَلَبُوهُ حَرامًا وأبْقَوْا بَعْضَ الحَلالِ عَلى الحِلِّ، فَلَوْلا أنَّهم أبْقَوْهُ عَلى الحِلِّ لَما بَقِيَ عِنْدَهم حَلالًا ولَتَعَطَّلَ الِانْتِفاعُ بِهِ فَلِذَلِكَ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَ بَعْضِ الرِّزْقِ حَرامًا وبَعْضِهِ حَلالًا، وإلّا فَإنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا ما كانَ حَرامًا حَلالًا إذْ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمٌ في الجاهِلِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: ”حَلالًا“ عُطِفَ عَلى ”حَرامًا“ والتَّقْدِيرَ: ومِنهُ حَلالًا؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ لا يَعْدُو بَيْنَهم هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، ولَيْسَ المَعْنى فَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَرامًا وحَلالًا، وبَعْضَهُ لَيْسَ بِحَرامٍ ولا حَلالٍ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ.

صفحة ٢١٠

وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ وهو مُسْنَدٌ إلَيْهِ عَلى خَبَرِهِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ مَعَ الِاهْتِمامِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المُتَعَلِّقِ تَشْنِيعًا لِتَعْلِيقِ الِافْتِراءِ بِهِ. وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ لِتَهْوِيلِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”أذِنَ“ لِظُهُورِهِ. والتَّقْدِيرُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم بِذَلِكَ الجَعْلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском