Ibn 'AshurYunus · 10:60–64

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:60–64

10:60Page 215

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٦٠

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allāh on the Day of Resurrection?1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.

﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ [يونس: ٥٩]، فَهو كَلامٌ غَيْرُ داخِلٍ في القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، ولَكِنَّهُ ابْتِداءُ خِطابٍ لِجَمِيعِ النّاسِ. و”ما“ لِلِاسْتِفْهامِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ. والمَقْصُودُ بِهِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ لِيَسْتَفِيقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ويُحاسِبُوا أنْفُسَهم.

ولِذَلِكَ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ ”هم“ مُضافًا إلَيْهِ الظَّنُّ إمّا ضَمِيرِ خِطابٍ أوْ غَيْبَةٍ. فَيُقالُ: وما ظَنُّكم أوْ وما ظَنُّهم، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ بِالصِّلَةِ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّرْدِيدَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أذِنَ لَهم فِيما حَرَّمُوهُ وبَيْنَ أنْ يَكُونُوا مُفْتَرِينَ عَلَيْهِ قَدِ انْحَصَرَ في القِسْمِ الثّانِي، وهو كَوْنُهم مُفْتَرِينَ إذْ لا مَساغَ لَهم في ادِّعاءِ أنَّهُ أذِنَ لَهم، فَإذا تَعَيَّنَ أنَّهم مُفْتَرُونَ فَقَدْ صارَ الِافْتِراءُ حالَهُمُ المُخْتَصَّ بِهِمْ. وفي المَوْصُولِ إيذانٌ بِعِلَّةِ التَّعْجِيبِ مِن ظَنِّهِمْ بِأنْفُسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

وحُذِفَ مَفْعُولا الظَّنِّ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ ما يَصْلُحُ لَهُ، أيْ ما ظَنُّهم بِحالِهِمْ وبِجَزائِهِمْ وبِأنْفُسِهِمْ. وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، واللّامُ فِيهِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَذِبًا، ولَكِنَّهُ عُرِّفَ لِتَفْظِيعِ أمْرِهِ، أيْ هو الكَذِبُ المَعْرُوفُ عِنْدَ النّاسِ المُسْتَقْبَحِ في العُقُولِ.

ويَوْمَ القِيامَةِ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وعامِلُهُ الظَّنُّ، أيْ ما هو ظَنُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أيْ إذا رَأوُا الغَضَبَ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ ماذا يَكُونُ ظَنُّهم أنَّهم لاقُونِ، وهَذا تَهْوِيلٌ.

صفحة ٢١١

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] . وفِيهِ قَطْعٌ لِعُذْرِ المُشْرِكِينَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالتَّمَرُّدِ بِأنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ والمَوْعِظَةِ والإرْشادِ فَقابَلُوا ذَلِكَ بِالكُفْرِ دُونَ الشُّكْرِ وجَعَلُوا رِزْقَهم أنَّهم يُكَذِّبُونَ في حِينِ قابَلَهُ المُؤْمِنُونَ بِالفَرَحِ والشُّكْرِ فانْتَفَعُوا بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

10:61Page 215

وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٦١

And, [O Muḥammad], you are not [engaged] in any matter and do not recite any of the Qur’ān and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight1 within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.

﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [يونس: ٦٠] عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ؛ لِأنَّ فَصْلَ الغَرَضِ الأوَّلِ بِالتَّذْيِيلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ نُقِلَ إلى غَرَضٍ آخَرَ، وذَلِكَ الوَعْدُ بِالثَّوابِ لِلرَّسُولِ عَلى ما هو قائِمٌ بِهِ مِن تَبْلِيغِ أمْرِ اللَّهِ وتَدْبِيرِ شُئُونِ المُسْلِمِينَ وتَأْيِيدِ دِينِ الإسْلامِ، وبِالثَّوابِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى اتِّباعِهِمُ الرَّسُولَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. وجاءَ هَذا الوَعْدُ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِحُصُولِ رِضى اللَّهِ - تَعالى - عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ عَمَلَهم وعَمَلَ النَّبِيءِ ما كانَ إلّا في مَرْضاةِ اللَّهِ، فَهو كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨] . ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِالنَّبِيءِ ﷺ في جَلِيلِ أعْمالِهِ وتَسْلِيَةً عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن تَكْذِيبٍ وأذًى؛ لِأنَّ اطِّلاعَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ وعِلْمَهُ بِأنَّهُ في مَرْضاتِهِ كافٍ في التَّسْلِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]، ولِذَلِكَ تَوَجَّهَ الخِطابُ ابْتِداءً إلى النَّبِيءِ ﷺ ثُمَّ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وإلى مَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.

و”ما“ الأُولى و”ما“ الثّانِيَةُ نافِيَتانِ.

صفحة ٢١٢

والشَّأْنُ: العَمَلُ المُهِمُّ والحالُ المُهِمُّ. و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي بِمَعْنى شِدَّةِ التَّلَبُّسِ. وضَمِيرُ ”مِنهُ“ إمّا عائِدٌ إلى شَأْنٍ، أيْ وما تَتْلُو مِنَ الشَّأْنِ قُرْآنًا فَتَكُونُ ”مِن“ مُبَيِّنَةً لِـ ”ما“ المَوْصُولَةِ أوْ تَكُونُ بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ تَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ قُرْآنًا. وعَطْفُ ﴿وما تَتْلُو﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، فَإنَّ التِّلاوَةَ أهَمُّ شُئُونِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .

وإمّا عائِدٌ إلى قُرْآنٍ، أيْ وما تَتْلُو مِنَ القُرْآنِ قُرْآنًا، فَتَكُونُ ”مِنهُ“ لِلتَّبْعِيضِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مُؤَخَّرٍ لِتَحْصِيلِ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ حَتّى يَتَمَكَّنَ في نَفْسِ السّامِعِ. وواوُ ”تَتْلُو“ لامُ الكَلِمَةِ، والفِعْلُ مُتَحَمِّلٌ لِضَمِيرٍ مُفْرَدٍ لِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ .

فَيَكُونُ الكَلامُ قَدِ ابْتُدِئَ بِشُئُونِ النَّبِيءِ ﷺ الَّتِي مِنها ما هو مِن خَواصِّهِ كَقِيامِ اللَّيْلِ، وثُنِّيَ بِما هو مِن شُئُونِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاسِ وهو تِلاوَةُ القُرْآنِ عَلى النّاسِ، وثَلَّثَ بِما هو مِن شُئُونِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ الخِطابُ فِيهِ شامِلًا لِلنَّبِيءِ ﷺ إلّا أنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ شَأْنٍ في أوَّلِ الآيَةِ يُخَصِّصُ عُمُومَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: تَعْمَلُونَ فَلا يَبْقى مُرادًا مِنهُ إلّا ما يَعْمَلُهُ بَقِيَّةُ المُسْلِمِينَ.

ووَقَعَ النَّفْيُ مَرَّتَيْنِ بِحَرْفِ ”ما“ ومَرَّةً أُخْرى بِحَرْفِ ”لا“ لِأنَّ حَرْفَ ”ما“ أصْلُهُ أنْ يُخْلِصَ المُضارِعَ لِلْحالِ، فَقَصَدَ أوَّلًا اسْتِحْضارَ الحالِ العَظِيمِ مِن شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ ومِن قِراءَتِهِ القُرْآنَ، ولَمّا نُفِيَ عَمَلُ الأُمَّةِ جِيءَ بِالحَرْفِ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ تَخْلِيصُهُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ لِلتَّثْنِيَةِ مِن أوَّلِ الكَلامِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ في الأزْمِنَةِ كُلِّها.

ويُعْلَمُ مِن قَرِينَةِ العُمُومِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ بِواسِطَةِ النَّكِراتِ الثَّلاثِ المُتَعَلِّقَةِ بِتِلْكَ الأفْعالِ والواقِعَةِ في سِياقِ النَّفْيِ أنَّ ما يَحْصُلُ في الحالِ وما يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ مِن تِلْكَ الأفْعالِ سَواءٌ، وهَذا مِن بَدِيعِ الإيجازِ والإعْجازِ. وكَذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ صِيَغِ المُضارِعِ في الأفْعالِ المُعَمَّمَةِ (تَكُونُ - وتَتْلُو - وتَعْمَلُونَ) وبَيْنَ صِيغَةِ الماضِي في الفِعْلِ الواقِعِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنها إلّا كُنّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما حَصَلَ ويَحْصُلُ وسَيَحْصُلُ سَواءٌ في عِلْمِ

صفحة ٢١٣

اللَّهِ - تَعالى - عَلى طَرِيقَةِ الِاحْتِباكِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كُنْتُمْ وتَكُونُ وهَكَذا، إلّا كُنّا ونَكُونُ عَلَيْكم شُهُودًا.

ومِن عَمَلٍ مَفْعُولُ تَعْمَلُونَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ وأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ ”مِن“ لِلتَّنْصِيصِ عَلى التَّعْمِيمِ لِيَشْمَلَ العَمَلَ الجَلِيلَ والحَقِيرَ والخَيْرَ والشَّرَّ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ الَّتِي اقْتَضاها عُمُومُ الشَّأْنِ وعُمُومُ التِّلاوَةِ وعُمُومُ العَمَلِ، أيْ إلّا في حالَةِ عِلْمِنا بِذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿كُنّا عَلَيْكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. ووُجُودُ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ أغْنى عَنِ اتِّصالِ جُمْلَةِ الحالِ بِحَرْفِ ”قَدْ“ لِأنَّ الرَّبْطَ ظاهِرٌ بِالِاسْتِثْناءِ.

والشُّهُودُ: جَمْعُ شاهِدٍ. وأُخْبِرَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ عَنِ الواحِدِ وهو اللَّهُ - تَعالى - تَبَعًا لِضَمِيرِ الجَمْعِ المُسْتَعْمَلِ لِلتَّعْظِيمِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . ونَظِيرُهُ في ضَمِيرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ في خِطابِ الواحِدِ في قَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:

فَلا تَحْسَبِي أنِّي تَخَشَّعْتُ بَعْدَكم لِشَيْءٍ ولا أنِّي مِنَ المَوْتِ أفْرَقُ

وذَلِكَ اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الواحِدِ بِالجَماعَةِ في القُوَّةِ لِأنَّ الجَماعَةَ لا تَخْلُو مِن مَزايا كَثِيرَةٍ مُوَزَّعَةٍ في أفْرادِها.

والشّاهِدُ: الحاضِرُ، وأُطْلِقَ عَلى العالِمِ بِطَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى

و”إذْ“ ظَرْفٌ، أيْ حِينَ تُفِيضُونَ.

والإفاضَةُ في العَمَلِ: الِانْدِفاعُ فِيهِ، أيِ الشُّرُوعُ في العَمَلِ بِقُوَّةٍ واهْتِمامٍ، وهَذِهِ المادَّةُ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المُرادَ أعْمالُهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ومُصابَرَتُهم عَلى أذى المُشْرِكِينَ. وخُصَّتْ هَذِهِ الحالَةُ وهَذا الزَّمانُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ تَعْمِيمِ الأعْمالِ اهْتِمامًا بِهَذا النَّوْعِ فَهو كَذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ما وعَمَلٍ عَظِيمٍ تُفِيضُونَ فِيهِ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا حِينَ تَعْمَلُونَهُ وحِينَ تُفِيضُونَ فِيهِ.

صفحة ٢١٤

وجُمْلَةُ ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾، وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما فِيها مِن زِيادَةِ التَّعْمِيمِ في تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعالى - بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ بَعْدَ الكَلامِ عَلى تَعَلُّقِهِ بِعَمَلِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.

والعُزُوبُ: البُعْدُ، وهو مَجازٌ هُنا لِلْخَفاءِ وفَواتِ العِلْمِ؛ لِأنَّ الخَفاءَ لازِمٌ لِلشَّيْءِ البَعِيدِ، ولِذَلِكَ عَلَّقَ بِاسْمِ الذّاتِ دُونَ صِفَةِ العِلْمِ فَقالَ ﴿عَنْ رَبِّكَ﴾

وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ - بِضَمِّ الزّايِ -، وقَرَأهُ الكِسائِيُّ - بِكَسْرِ الزّايِ - وهُما وجْهانِ في مُضارِعِ ”عَزَبَ“

و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ عُمُومِ النَّفْيِ الَّذِي في (ما يَعْزُبُ)

والمِثْقالُ: اسْمُ آلَةٍ لِما يُعْرَفُ بِهِ مِقْدارُ ثِقَلِ الشَّيْءِ فَهو وزْنُ مِفْعالٍ مِن ثَقُلَ، وهو اسْمٌ لِصَنْجٍ مُقَدَّرٍ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ يُوزَنُ بِهِ الثِّقَلُ.

والذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، ويُطْلَقُ عَلى الهَباءَةِ الَّتِي تُرى في ضَوْءِ الشَّمْسِ كَغُبارٍ دَقِيقٍ جِدًّا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ في الآيَةِ الأوَّلُ. وذُكِرَتِ الذَّرَةُ مُبالَغَةً في الصِّغَرِ والدِّقَّةِ لِلْكِنايَةِ بِذَلِكَ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّ ما هو أعْظَمُ مِنَ الذَّرَّةِ يَكُونُ أوْلى بِالحُكْمِ.

والمُرادُ بِالأرْضِ والسَّماءِ هُنا العالَمُ السُّفْلِيُّ والعالَمُ العُلْوِيُّ. والمَقْصُودُ تَعْمِيمُ الجِهاتِ والأبْعادِ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ. وتَقْدِيمُ الأرْضِ هُنا لِأنَّ ما فِيها أعْلَقُ بِالغَرَضِ الَّذِي فِيهِ الكَلامُ وهو أعْمالُ النّاسِ فَإنَّهم مِن أهْلِ الأرْضِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [سبإ: ٣] فَإنَّهُ لَمّا كانَ المَقامُ لِذِكْرِ عِلْمِ الغَيْبِ والغَيْبُ ما غابَ عَنِ النّاسِ ومُعْظَمُهُ في السَّماءِ لاءَمَ ذَلِكَ أنْ قُدِّمَتِ السَّماءُ عَلى الأرْضِ.

وعُطِفَ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ عَلى ذَرَّةٍ تَصْرِيحًا بِما كُنِّيَ عَنْهُ بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن جَمِيعِ الأجْرامِ.

و”أصْغَرَ“ بِالفَتْحِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”ذَرَّةٍ“

صفحة ٢١٥

المَجْرُورِ عَلى أنَّ ”لا“ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَطْفَ جُمْلَةٍ وتَكُونَ ”لا“ نافِيَةً لِلْجِنْسِ ”وأصْغَرَ“ اسْمَها مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ فَيَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ (ولا أصْغَرُ - ولا أكْبَرُ) بِرَفْعِهِما بِاعْتِبارِ عَطْفِ أصْغَرَ عَلى مَحَلِّ مِثْقالِ لِأنَّهُ فاعِلُ يَعْزُبُ في المَعْنى، وكَسْرَتُهُ كَسْرَةُ جَرِّ الحَرْفِ الزّائِدِ وهو وجْهٌ مِن فَصِيحِ الِاسْتِعْمالِ، أوْ بِاعْتِبارِ عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ وتَكُونُ لا نافِيَةً عامِلَةً عَمَلَ لَيْسَ و”أصْغَرَ“ اسْمَها.

والِاسْتِثْناءُ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِن قِراءَتَيْ نَصْبِ ”أصْغَرَ“ ورَفْعِهِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى ”لَكِنَّ“، أيْ لا يَعْزُبُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ حاضِرٌ في كِتابٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِن عُمُومِ أحْوالِ عُزُوبِ مِثْقالِ الذَّرَّةِ وأصْغَرَ مِنها وأكْبَرَ. وتَأْوِيلُهُ أنْ يَكُونَ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ. والمَعْنى لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في حالِ كَوْنِهِ في كِتابٍ مُبِينٍ، أيْ إلّا مَعْلُومًا مَكْتُوبًا ويَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ المَكْتُوبَ في كِتابٍ مُبِينٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْزُبَ، فَيَكُونَ انْتِفاءُ عُزُوبِهِ حاصِلًا بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.

والمَجْرُورُ عَلى هَذا كُلِّهِ في مَحَلِّ الحالِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِنَ القِراءَتَيْنِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا والمَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِلًّا في مَحَلِّ خَبَرِ ”لا“ النّافِيَةِ فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ، أيْ لا يُوجَدُ أصْغَرُ مِنَ الذَّرَّةِ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] والكِتابُ: عِلْمُ اللَّهِ، اسْتُعِيرَ لَهُ الكِتابُ لِأنَّهُ ثابِتٌ لا يُخالِفُ الحَقَّ بِزِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ومُبِينٌ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أيْ واضِحٍ بَيِّنٍ لا احْتِمالَ فِيهِ.

10:62–64Page 216

أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Unquestionably, [for] the allies of Allāh there will be no fear concerning them, nor will they grieve -

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣

Those who believed and were fearing Allāh.

لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٤

For them are good tidings in the worldly life and in the Hereafter. No change is there in the words [i.e., decrees] of Allāh. That is what is the great attainment.

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ لِلتَّصْرِيحِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ المُعَرَّضِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٦١] الآيَةَ،

صفحة ٢١٦

وبِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ الكُفّارِ مِن أذًى وتَهْدِيدٍ، إذْ أعْلَنَ اللَّهُ لِلنَّبِيءِ والمُؤْمِنِينَ بِالأمْنِ مِن مَخافَةِ أعْدائِهِمْ، ومِنَ الحُزْنِ مِن جَرّاءَ ذَلِكَ، ولَمَّحَ لَهم بِعاقِبَةِ النَّصْرِ، ووَعَدَهُمُ البُشْرى في الآخِرَةِ وعْدًا لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ولا التَّخَلُّفَ تَطْمِينًا لِنُفُوسِهِمْ، كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِأداةِ التَّنْبِيهِ إيماءً إلى أهَمِّيَّةِ شَأْنِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِـ ”إنَّ“ بَعْدَ أداةِ التَّنْبِيهِ.

وفِي التَّعْبِيرِ بِـ ﴿أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: وما تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُخاطَبِينَ قَدْ حَقَّ لَهم أنَّهم مِن أوْلِياءِ اللَّهِ مَعَ إفادَةِ حُكْمٍ عامٍّ شَمِلَهم ويَشْمَلُ مَن يَأْتِي عَلى طَرِيقَتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ خَبَرُ إنَّ

والخَوْفُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ لِلْمُتَوَقَّعِ، فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى الشَّيْءِ المُتَوَقَّعِ حُصُولُهُ. فَيُقالُ: خافَ الشَّيْءَ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . وإذا كانَ تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ لِغَيْرِ المُتَوَقِّعِ يُقالُ لِلْمُتَوَقَّعِ: خافَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]

وقَدِ اقْتَضى نَظْمُ الكَلامِ نَفْيَ جِنْسِ الخَوْفِ لِأنَّ ”لا“ إذا دَخَلَتْ عَلى النَّكِرَةِ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، وأنَّها إذا بُنِيَ الِاسْمُ بَعْدَها عَلى الفَتْحِ كانَ نَفْيُ الجِنْسِ نَصًّا وإذا لَمْ يُبْنَ الِاسْمُ عَلى الفَتْحِ كانَ نَفْيُ الجِنْسِ ظاهِرًا مَعَ احْتِمالِ أنْ يُرادَ نَفْيُ واحِدٍ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ إذا كانَ المَقامُ صالِحًا لِهَذا الِاحْتِمالِ، وذَلِكَ في الأجْناسِ الَّتِي لَها أفْرادٌ مِنَ الذَّواتِ مِثْلَ رَجُلٍ، فَأمّا أجْناسُ المَعانِي فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْها ذَلِكَ الِاحْتِمالُ فَيَسْتَوِي فِيها رَفْعُ اسْمِ ”لا“ وبِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، كَما في قَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ ”زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَةَ لا حَرٌّ ولا قَرٌّ ولا مَخافَةَ ولا سَآمَةَ“ فَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الأسْماءُ بِالرَّفْعِ وبِالبِناءِ عَلى الفَتْحِ.

صفحة ٢١٧

فَمَعْنى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ خائِفٌ، أيْ هم بِمَأْمَنٍ مِن أنْ يُصِيبَهم مَكْرُوهٌ يُخافُ مِن إصابَةِ مِثْلِهِ، فَهم وإنْ كانُوا قَدْ يَهْجِسُ في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الأعْداءِ هَجْسًا مِن جِبِلَّةِ تَأثُّرِ النُّفُوسِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ بَوادِرِ المَخافَةِ، فَغَيْرُهم مِمَّنْ يَعْلَمُ حالَهم لا يَخافُ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى الأحْوالِ بِنَظَرِ اليَقِينِ سَلِيمًا مِنَ التَّأثُّرِ بِالمَظاهِرِ، فَحالُهم حالُ مَن لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ، ولِذَلِكَ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم لِأنَّهم يَأْمَنُونَ عَلَيْهِمْ مِن عاقِبَةِ ما يَتَوَجَّسُونَ مِنهُ خِيفَةً، فالخَوْفُ الَّذِي هو مَصْدَرٌ في الآيَةِ يُقَدَّرُ مُضافًا إلى فاعِلِهِ وهو غَيْرُهم لا مَحالَةَ، أيْ لا خَوْفٌ يَخافُهُ خائِفٌ عَلَيْهِمْ، وهم أنْفُسُهم إذا اعْتَراهُمُ الخَوْفُ لا يَلْبَثُ أنْ يَنْقَشِعَ عَنْهم وتَحُلَّ السَّكِينَةُ مَحَلَّهُ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦]، وقالَ لِمُوسى ﴿لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧]، وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] . «وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ يَدْعُو اللَّهَ بِالنَّصْرِ ويُكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ. ثُمَّ خَرَجَ وهو يَقُولُ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر»: ٤٥] .

ولِهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ تَغَيَّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَأسْنَدَ فِيهِ الحُزْنَ المَنفِيَّ إلى ضَمِيرِ أوْلِياءَ اللَّهِ مَعَ الِابْتِداءِ بِهِ، وإيرادِ الفِعْلِ بَعْدَهُ مُسْنَدًا مُفِيدًا تَقَوِّي الحُكْمِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ هو انْكِسارُ النَّفْسِ مِن إثْرِ حُصُولِ المَكْرُوهِ عِنْدَها فَهو لا تُوجَدُ حَقِيقَتُهُ إلّا بَعْدَ حُصُولِهِ، والخَوْفُ يَكُونُ قَبْلَ حُصُولِهِ، ثُمَّ هم وإنْ كانُوا يَحْزَنُونَ لِما يُصِيبُهم مِن أُمُورٍ في الدُّنْيا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «وإنّا لِفِراقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُنُونَ» فَذَلِكَ حُزْنٌ وِجْدانِيٌّ لا يَسْتَقِرُّ بَلْ يَزُولُ بِالصَّبْرِ، ولَكِنَّهم لا يَلْحَقُهُمُ الحُزْنُ الدّائِمُ وهو حَزْنُ المَذَلَّةِ وغَلَبَةِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ وزَوالِ دَيْنِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولِذَلِكَ جِيءَ في جانِبِ نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم بِإدْخالِ حَرْفِ النَّفْيِ عَلى تَرْكِيبٍ مُفِيدٍ لِتَقَوِّيِ الحُكْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿هم يَحْزَنُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها تَقَوِّي الحُكْمِ الحاصِلِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فالمَعْنى لا يَحْصُلُ لَهم خَوْفٌ مُتَمَكِّنٌ ثابِتٌ يَبْقى فِيهِمْ ولا يَجِدُونَ تَخَلُّصًا مِنهُ.

صفحة ٢١٨

فالكَلامُ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِأوْلِيائِهِ أنْ لا يَحْصُلَ لَهم ما يَخافُونَهُ وأنْ لا يَحُلَّ بِهِمْ ما يُحْزِنُهم. ولَمّا كانَ ما يُخافُ مِنهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْزِنَ مَن يُصِيبُهُ كانَ نَفْيُ الحُزْنِ عَنْهم مُؤَكِّدًا لِمَعْنى نَفْيِ خَوْفِ خائِفٍ عَلَيْهِمْ. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا الخَوْفَ والحُزْنَ المَنفِيَّيْنِ عَلى ما يَحْصُلُ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ في الآخِرَةِ بِناءً عَلى أنَّ الخَوْفَ والحُزْنَ يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] . وقَدْ عَلِمْتَ ما يُغْنِي عَنْ هَذا التَّأْوِيلِ، وهو يَبْعُدُ عَنْ مُفادِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾

والوَلِيُّ: المُوالِي، أيِ المُحالِفُ والنّاصِرُ. وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الوَلْيِ (بِسُكُونِ اللّامِ)، وهو القُرْبُ وهو في مَعْنى الوَلِيِّ كُلُّها قُرْبٌ مَجازِيٌّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو قُرْبٌ مِنَ الجانِبَيْنِ، ولِذَلِكَ فَسَّرُوهُ هُنا بِأنَّهُ الَّذِي يَتَوَلّى اللَّهَ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهُ اللَّهُ بِالكَرامَةِ. وقَدْ بَيَّنَ أوْلِياءَ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا واتَّقَوْا، فاسْمُ المَوْصُولِ وصِلَتُهُ خَبَرٌ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ يُجْعَلُ جُمْلَةُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ خَبَرَ إنَّ ويُجْعَلُ اسْمُ المَوْصُولِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ حَذْفًا جارِيًا عَلى الِاسْتِعْمالِ، كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ في حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ. وأيًّا ما كانَ فَهَذا الخَبَرُ يُفِيدُ أنْ يَعْرِفَ السّامِعُ كُنْهَ مَعْنى أوْلِياءِ اللَّهِ اعْتِناءً بِهِمْ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ:

الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا

ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ عَلى أنَّ التَّقْوى مُلازِمَةٌ لَهم أخْذًا مِن صِيغَةِ ”كانُوا“ وأنَّها مُتَجَدِّدَةٌ مِنهم أخْذًا مِن صِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَتَّقُونَ. وقَدْ كُنْتُ أقُولُ في المُذاكِّراتِ مُنْذُ سِنِينَ خَلَتْ في أيّامِ الطَّلَبِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي أقْوى ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ حَقِيقَةِ الوَلِيِّ شَرْعًا وأنَّ عَلى حَقِيقَتِها يُحْمَلُ مَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ ”«قالَ اللَّهُ - تَعالى - مَن عادى لِي ولِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِحَرْبٍ» “ .

وإشارَةُ الآيَةِ إلى تَوَلِّي اللَّهِ إيّاهم بِالكَرامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾

وتَعْرِيفُ البُشْرى تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَهو صادِقٌ بِبِشاراتٍ كَثِيرَةٍ.

صفحة ٢١٩

وفي الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ حالٌ مِنَ البُشْرى. والمَعْنى: أنَّهم يُبَشَّرُونَ بِخَيْراتٍ قَبْلَ حُصُولِها: في الدُّنْيا بِما يَتَكَرَّرُ مِنَ البِشاراتِ الوارِدَةِ في كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - وكَلامِ رَسُولِهِ ﷺ، وفي الآخِرَةِ بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ وما يَسْمَعُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ بِهِمْ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥]

ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ فَهي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ أوْ تُرى لَهُ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: ولَيْسَ فِيهِ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ أيْ لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّ أبا صالِحٍ يَرْوِيهِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ كَما هو المَعْرُوفُ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ إلى أبِي الدَّرْداءِ، وعَلَيْهِ فالحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ غَيْرُ مُتَّصِلِ السَّنَدِ. وقَدْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ آخَرَيْنِ فِيهِما عَطاءُ بْنُ يَسارٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ مِصْرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وذَلِكَ سَنَدٌ فِيهِ مَجْهُولٌ، فَحالَةُ إسْنادِ هَذا الخَبَرِ مُضْطَرِبَةٌ لِظُهُورِ أنَّ عَطاءً لَمْ يَسْمَعْهُ مِن أبِي الدَّرْداءِ.

ومَحْمَلُ هَذا الخَبَرِ أنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ مِن جُمْلَةِ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا لِأنَّها تُؤْذِنُ صاحِبَها بِخَيْرٍ مُسْتَقْبَلٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أوْ كَأنَّ السّائِلَ سَألَ عَنْ بُشْرى الحَياةِ فَأمّا بُشْرى الآخِرَةِ فَكانَتْ مَعْرُوفَةً بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] الآيَةَ ونَحْوَها مِنَ الآياتِ.

وفِي المُوَطَّأِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ كانَ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ أوْ تُرى لَهُ. ومِنَ البُشْرى الوَعْدُ بِأنَّ لَهم عاقِبَةَ النَّصْرِ عَلى الأعْداءِ، وتَمْكِينُهم مِنَ السُّلْطانِ في الدُّنْيا، وأنَّ لَهُمُ النَّعِيمَ الخالِدَ في الآخِرَةِ.

ومُقابَلَةُ الحُزْنِ بِالبُشْرى مِن مُحَسِّناتِ الطِّباقِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى تَأْكِيدِ الوَعْدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾، تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَشائِرِ مِثْلَ النَّصْرِ

صفحة ٢٢٠

وحُسْنِ العاقِبَةِ - أمْرٌ ثابِتٌ لا يَتَخَلَّفُ لِأنَّهُ مِن كَلِماتِ اللَّهِ، وقَدْ نُفِيَ التَّبْدِيلُ بِصِيغَةِ التَّبْرِئَةِ الدّالَّةِ عَلى انْتِفاءِ جِنْسِ التَّبْدِيلِ.

والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ والإبْطالُ؛ لِأنَّ إبْطالَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ إيجادَ نَقِيضِهِ.

و﴿كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] الأقْوالُ الَّتِي أوْحى بِها إلى الرَّسُولِ في الوَعْدِ المُشارِ إلَيْهِ، ويُؤْخَذُ مِن عُمُومِ ﴿كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وعُمُومِ نَفْيِ التَّبْدِيلِ أنَّ كُلَّ ما هو تَبْدِيلٌ مَنفِيٌّ مِن أصْلِهِ.

رُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ خَطَبَ فَذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقالَ: إنَّهُ قَدْ بَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ. وكانَ ابْنُ عُمَرَ حاضِرًا فَقالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: لا تُطِيقُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُّبَيْرِ ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ ومُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِها فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.

والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِن مَضْمُونِ الجُمَلِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةِ، واخْتِيارُ اسْمِ الإشارَةِ لِأنَّهُ أجْمَعُ لِما ذُكِرَ، وفِيهِ كَمالُ تَمْيِيزٍ لَهُ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْناهُ. وذُكِرَ ضَمِيرُ الفَصْلِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ ولِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ هو الفَوْزُ العَظِيمُ لا غَيْرُهُ مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ المُشْرِكُونَ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن رِزْقٍ ومَنَعَةٍ وقُوَّةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُعَدُّ فَوْزًا إذا عاقَبَتْهُ المَذَلَّةُ والإهانَةُ في الدُّنْيا وبَعْدَهُ العَذابُ الخالِدُ في الآخِرَةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском