Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:65–68
10:65Page 216
وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٥
And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allāh entirely. He is the Hearing, the Knowing.
﴿ولا يُحْزِنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] عَطْفَ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ لِأنَّ الحُزْنَ المَذْكُورَ هُنا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الحُزْنِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، ولِأنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أوْلِياءِ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
صفحة ٢٢١
ولا هم يَحْزَنُونَ. فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ لِأنَّ دَفْعَ هَذا الحُزْنِ يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ النَّفْيِ ولَكِنْ عُدِلَ إلى العَطْفِ بِالواوِ لِيُعْطِيَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ اسْتِقْلالًا بِالقَصْدِ إلَيْهِ فَيَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مَعَ عَدَمِ فَواتِ مَعْنى التَّفْرِيعِ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ. والحُزْنُ المَنهِيُّ عَنْ تَطَرُّقِهِ هو الحُزْنُ النّاشِئُ عَنْ أذى المُشْرِكِينَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأقْوالِهِمُ البَذِيئَةِ وتَهْدِيداتِهِمْ. ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى دَحْضِهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَلْقى مِنَ المُشْرِكِينَ مَحْزَنًا إلّا أذى القَوْلِ البَذَئِيِّ.
وصِيغَةُ (لا يُحْزِنْكَ قَوْلُهم) خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وظاهِرُ صِيغَتِهِ أنَّهُ نَهْيٌ عَنْ أنْ يُحْزِنَ النَّبِيءَ ﷺ كَلامُ المُشْرِكِينَ، مَعَ أنَّ شَأْنَ النَّهْيِ أنْ يَتَوَجَّهَ الخِطابُ بِهِ إلى مَن فَعَلَ الفِعْلَ المَنهِيَّ عَنْهُ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ مِن مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ نَهْيُ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْ أنْ يَتَأثَّرَ بِما شَأْنُهُ أنْ يُحْزِنَ النّاسَ مِن أقْوالِهِمْ، فَلَمّا وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ عَمَلٍ هو مِن عَمَلِ غَيْرِهِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الكِنايَةُ عَنْ نَهْيِهِ هو عَنْ حُصُولِ ذَلِكَ الحُزْنِ في نَفْسِهِ بِأنْ يَصْرِفَ عَنْ نَفْسِهِ أسْبابَهُ ومَلْزُوماتِهِ، فَيَئُولُ إلى مَعْنى لا تَتْرُكْ أقْوالَهم تُحْزِنْكَ، وهَذا كَما يَقُولُونَ: لا أرَيَنَّكَ تَفْعَلْ كَذا، ولا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلْ كَذا، فالمُتَكَلِّمُ يَنْهى المُخاطَبَ عَنْ أنْ يَراهُ المُتَكَلِّمُ فاعِلًا كَذا. والمُرادُ نَهْيُهُ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ حَتّى لا يَراهُ المُتَكَلِّمُ فَهو مِن إطْلاقِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ. والمَعْنى: لا تَفْعَلَنَّ كَذا فَأراكَ تَفْعَلُهُ. ومَعْنى (لا يُحْزِنْكَ قَوْلُهم) لا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ فَيُحْزِنَكَ.
ومَعْلُومٌ أنَّ أقْوالَ المُشْرِكِينَ الَّتِي تُحْزِنُ النَّبِيءَ هي أقْوالُ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، فَلِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ القَوْلِ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا نُزِّلَ مَنزِلَةَ مَصْدَرِ الفِعْلِ اللّازِمِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ تَعْلِيلٌ لِدَفْعِ الحُزْنِ عَنْهُ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ كَأنَّ النَّبِيءَ يَقُولُ: كَيْفَ لا أحْزَنُ والمُشْرِكُونَ يَتَطاوَلُونَ عَلَيْنا ويَتَوَعَّدُونَنا وهم أهْلُ عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ، فَأُجِيبَ بِأنَّ عِزَّتَهم كالعَدَمِ لِأنَّها مَحْدُودَةٌ وزائِلَةٌ والعِزَّةُ الحَقُّ لِلَّهِ الَّذِي أرْسَلَكَ.
وهِيَ أيْضًا في مَحَلِّ اسْتِئْنافٍ بَيانِيٍّ. وكُلُّ جُمْلَةٍ كانَ مَضْمُونُها عِلَّةً لِلَّتِي قَبْلَها تَكُونُ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، فالِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ أعَمُّ مِنَ التَّعْلِيلِ.
صفحة ٢٢٢
وافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِها، ولِأنَّهُ يُفِيدُ مُفادَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي لا يُقْصَدُ فِيهِ دَفْعُ إنْكارٍ مِنَ المُخاطَبِ.
ويَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى كَلِمَةِ قَوْلِهِمْ لِكَيْ لا يَتَوَهَّمَ بَعْضُ مَن يَسْمَعُ جُمْلَةَ ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَيَحْسَبُهُ مَقُولًا لِقَوْلِهِمْ فَيَتَطَلَّبُ لِماذا يَكُونُ هَذا القَوْلُ سَبَبًا لِحُزْنِ الرَّسُولِ ﷺ . وكَيْفَ يَحْزَنُ الرَّسُولُ ﷺ - مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ وإنْ كانَ في المَقامِ ما يَهْدِي السّامِعَ سَرِيعًا إلى المَقْصُودِ.
ونَظِيرُ هَذا الإيهامِ ما حُكِيَ أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ ذَكَرَ قِراءَةَ أبِي حَيْوَةَ (أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ) - بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّ“ - وأُعْرِبَ بَدَلًا مِن ”قَوْلُهم“ فَحَكَمَ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ كُفْرٌ. حَكى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وأشارَ إلى ذَلِكَ في الكَشّافِ فَقالَ: ”ومَن جَعَلَهُ بَدَلًا مِن“ قَوْلُهم ”ثُمَّ أنْكَرَهُ فالمُنْكَرُ هو تَخْرِيجُهُ“ .
ولَعَلَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ أرادَ أنَّ كَسْرَ الهَمْزَةِ وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا لِأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَعْدَها مَعْمُولَةً لِـ ”قَوْلُهم“ لِأنَّ شَأْنَ ”إنَّ“ بَعْدَ فِعْلِ القَوْلِ أنْ لا تَكُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ لَكِنَّ ذَلِكَ احْتِمالٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا، والسِّياقُ يُعَيِّنُ الِاحْتِمالَ الصَّحِيحَ.
فَأمّا إذا فُتِحَتِ الهَمْزَةُ كَما قَرَأ أبُو حَيْوَةَ فَقَدْ تَعَيَّنَتْ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِما ذُكِرَ قَبْلَها وهو لَفْظُ ”قَوْلُهم“ ولا مَحْمَلَ لَها عِنْدَهُ إلّا أنَّها أيِ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِنها بَدَلٌ مِن كَلِمَةِ ”قَوْلُهم“، فَيَصِيرُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ عَنْ أنْ يَحْزَنَ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ العِزَّةُ لِلَّهِ جَمِيعًا وكَيْفَ وهو إنَّما يَدْعُوهم لِذَلِكَ. وإذْ كانَ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ يَقْتَضِي تَجْوِيزَ تَلَبُّسِ المَنهِيِّ بِالشَّيْءِ المُنْهى عَنْهُ اقْتَضى ذَلِكَ تَجْوِيزَ تَلَبُّسِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالحُزْنِ لِمَن يَقُولُ هَذا القَوْلَ، وهَذا التَّجْوِيزُ يَئُولُ إلى كُفْرِ مَن يُجَوِّزُهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّكْفِيرِ بِاللّازِمِ، ومَقْصِدُهُ التَّشْنِيعُ عَلى صاحِبِ هَذِهِ القِراءَةِ.
صفحة ٢٢٣
وإنَّما بَنى ابْنُ قُتَيْبَةَ كَلامَهُ عَلى ظاهِرِ لَفْظِ القُرْآنِ دُونَ تَقْدِيرِ حَرْفٍ قَبْلَ ”أنَّ“ لَعَلَّهُ راعى أنَّ التَّقْدِيرَ خِلافُ الأصْلِ أوْ أنَّهُ غَيْرُ كافٍ في دَفْعِ الإيهامِ. فالوَجْهُ أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ هَوَّلَ ما لَهُ تَأْوِيلٌ، ورَدَّ العُلَماءُ عَلَيْهِ رَدَّ أصِيلٍ.
والتَّعْرِيفُ في العِزَّةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدِ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: لِلَّهِ لِلْمِلْكِ. وقَدْ أفادَ جَعْلُ جِنْسِ العِزَّةِ مِلْكًا لِلَّهِ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِها ثابِتٌ لِلَّهِ، فَيُفِيدُ أنَّ لَهُ أقْوى أنْواعِها وأقْصاها. وبِذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَمْلِكُ مِنها إلّا أنْواعًا قَلِيلَةً، فَما مِن نَوْعٍ مِن أنْواعِ العِزَّةِ يُوجَدُ في مِلْكِ غَيْرِهِ فَإنَّ أعْظَمَ مِنهُ مِن نَوْعِهِ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى. فَلِذَلِكَ لا يَكُونُ لِما يَمْلِكُهُ غَيْرُ اللَّهِ مِنَ العِزَّةِ تَأْثِيرٌ إذا صادَمَ عِزَّةَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ إلّا إذا أمْهَلَهُ اللَّهُ، فَكُلُّ عِزَّةٍ يَسْتَخْدِمُها صاحِبُها في مُناواةِ مَن أرادَ اللَّهُ نَصَرَهُ فَهي مَدْحُوضَةٌ مَغْلُوبَةٌ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وإذْ قَدْ كانَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ وأمَرَهُ بِزَجْرِ المُشْرِكِينَ عَمّا هم فِيهِ كانَ بِحَيْثُ يُؤْمِنُ بِالنَّصْرِ إذا أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ مُرادُهُ، ويَعْلَمُ أنَّ ما لِلْمُشْرِكِينَ مِن عِزَّةٍ هو في جانِبِ عِزَّةِ اللَّهِ - تَعالى - كالعَدَمِ.
و”جَمِيعًا“ حالٌ مِنَ العِزَّةِ مُؤَكِّدَةٌ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ قَبْلَها المُفِيدَ لِاخْتِصاصِهِ - تَعالى - بِجَمِيعِ جِنْسِ العِزَّةِ لِدَفْعِ احْتِمالِ إرادَةِ المُبالَغَةِ في مِلْكِ ذَلِكَ الجِنْسِ.
وجُمْلَةُ ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وإجْراءُ هَذا الخَبَرِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ الواقِعِ رُكْنًا في الجُمْلَةِ التَّعْلِيلِيَّةِ يَجُرُّ مَعْنى التَّعْلِيلِ إلى هَذِهِ الجُمْلَةِ فَتُفِيدُ الجُمْلَةَ تَعْلِيلًا آخَرَ أوْ تَكْمِلَةً لِلتَّعْلِيلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ إذا تَذَكَّرَ المُخاطَبُ أنَّ صاحِبَ العِزَّةِ يَعْلَمُ أقْوالَهم وأحْوالَهم زادَ ذَلِكَ قُوَّةً في دَفْعِ الحُزْنِ مِن أقْوالِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّ الَّذِي نَهاهُ عَنِ الحُزْنِ مِن أقْوالِهِمْ وتَطْوالِهِمْ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ومُحِيطٌ عِلْمُهُ بِما يَقُولُونَهُ وبِأحْوالِهِمْ. فَهو إذا نَهاكَ عَنِ الحُزْنِ مِن أقْوالِهِمْ ما نَهاكَ إلّا وقَدْ ضَمِنَ لَكَ السَّلامَةَ مِنهم مَعَ ضَعْفِكَ وقُوَّتِهِمْ لِأنَّهُ يَمُدُّكَ بِقُوَّتِهِ وهو أعْلَمُ بِتَكْوِينِ أسْبابِ نَصْرِكَ عَلَيْهِمْ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِـ ”السَّمِيعُ“ العالِمُ بِأقْوالِهِمُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُسْمَعَ، وبِـ ”العَلِيمُ“ ما هو أعَمُّ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسْمُوعاتٍ فَلا يُطْلَقُ عَلى العِلْمِ بِها اسْمُ السَّمِيعِ
10:66Page 216
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٦٦
Unquestionably, to Allāh belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allāh do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but misjudging.
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾
المَقْصُودُ بِتَوْجِيهِ هَذا الكَلامِ هُمُ المُشْرِكُونَ لِتَأْيِيسِهِمْ مِن كُلِّ احْتِمالٍ لِانْتِصارِهِمْ عَلى النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمِينَ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم حِينَ يَفْهَمُ ما في الآياتِ الخَمْسِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] إلى هُنا مِنَ التَّصْرِيحِ بِهَوانِ شَأْنِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ، ومِنَ التَّعْرِيضِ بِاقْتِرابِ حُلُولِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ يُخامِرُهم بَعْضُ الشَّكِّ في صِدْقِ الرَّسُولِ وأنَّ ما تَوَعَّدَهم بِهِ حَقٌّ، ثُمَّ يُغالِطُونَ أنْفُسَهم ويُسَلُّونَ قُلُوبَهم بِأنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ سَيَجِدُونَ مِن آلِهَتِهِمْ وساطَةً في دَفْعِ الضُّرِّ عَنْهم ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لِمِثْلِ هَذا عَبَدْناهم، ولِلشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ أعَدَدْناهم، فَسِيقَ هَذا الكَلامُ لِقَطْعِ رَجائِهِمْ مِنهم بِالِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم دُونَ ما يُظَنُّ بِهِمْ.
فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا ومُناسَبَةُ وُقُوعِها عَقِبَ جُمْلَةِ ولا ”﴿يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥]“ أنَّ أقْوالَهم دُحِضَتْ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وأمّا وُقُوعُها عَقِبَ جُمْلَةِ ”﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]“ فَلِأنَّها حُجَّةٌ عَلى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ لِأنَّ الَّذِي لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ تَكُونُ لَهُ العِزَّةُ الحَقُّ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مَقْصُودٌ مِنهُ إظْهارُ أهَمِّيَّةِ العِلْمِ بِمَضْمُونِها وتَحْقِيقِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، وزِيدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِتَقْدِيمِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ وبِاجْتِلابِ لامِ المِلْكِ.
صفحة ٢٢٥
و”مَنِ“ المَوْصُولَةُ شَأْنُها أنْ تُطْلَقَ عَلى العُقَلاءِ وجِيءَ بِها هُنا مَعَ أنَّ المَقْصِدَ الأوَّلَ إثْباتُ أنَّ آلِهَتَهم مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى، وهي جَماداتٌ غَيْرُ عاقِلَةٍ، تَغْلِيبًا ولِاعْتِقادِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةَ عُقَلاءَ وهَذا مِن مُجاراةِ الخَصْمِ في المُناظَرَةِ لِإلْزامِهِ بِنُهُوضِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ حَتّى عَلى لازِمِ اعْتِقادِهِ. والحُكْمُ بِكَوْنِ المَوْجُوداتِ العاقِلَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكًا لِلَّهِ - تَعالى - يُفِيدُ بِالأحْرى أنَّ تِلْكَ الحِجارَةَ مِلْكُ اللَّهِ لِأنَّ مَن يَمْلِكُ الأقْوى أقْدَرُ عَلى أنْ يَمْلِكَ الأضْعَفَ فَإنَّ مِنَ العَرَبِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن عَبَدُوا المَسِيحَ، وهم نَصارى العَرَبِ.
وذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ لِاسْتِيعابِ أمْكِنَةِ المَوْجُوداتِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألا إنَّ لِلَّهِ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ.
وجُمْلَةُ ”﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾“ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾“ . وهي كالنَّتِيجَةِ لِلْجُمْلَةِ الأُولى إذِ المَعْنى أنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ مِلْكٌ لِلَّهِ، واتِّباعُ المُشْرِكِينَ أصْنامَهُمُ اتِّباعٌ خاطِئٌ باطِلٌ.
و”ما“ نافِيَةٌ لا مَحالَةَ، بِقَرِينَةِ تَأْكِيدِها بِـ ”إنِ“ النّافِيَةِ، وإيرادِ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَهُما.
و”شُرَكاءَ“ مَفْعُولُ يَدْعُونَ الَّذِي هو صِلَةُ الَّذِينَ
وجُمْلَةُ ”﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾“ تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِجُمْلَةِ ”ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ“ وأُعِيدَ مَضْمُونُها قَضاءً لَحِقِّ الفَصاحَةِ حَيْثُ حَصَلَ مِنَ البُعْدِ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ بِسَبَبِ الصِّلَةِ الطَّوِيلَةِ ما يُشْبِهُ التَّعْقِيدَ اللَّفْظِيَّ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأفْصَحِ كَلامٍ مَعَ إفادَةِ تِلْكَ الإعادَةِ مُفادَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي الإمْعانَ في إثْباتِ الغَرَضِ.
و”الظَّنَّ“ مَفْعُولٌ لِكِلا فِعْلَيْ ”يَتَّبِعُ“، ”ويَتَّبِعُونَ“ فَإنَّهُما كَفِعْلٍ واحِدٍ.
ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّنازُعِ لِأنَّ فِعْلَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لا يَطْلَبُ عَمَلًا لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَكْرِيرُ اللَّفْظِ دُونَ العَمَلِ فالتَّقْدِيرُ: وما يَتِّبِعُ المُشْرِكُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ.
صفحة ٢٢٦
والظَّنُّ: هُنا اسْمٌ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لَمْ يُقْصَدْ تَعْلِيقُهُ بِمَظْنُونٍ مُعَيَّنٍ، أيْ شَأْنُهُمُ اتِّباعُ الظُّنُونِ.
والمُرادُ بِالظَّنِّ هُنا العِلْمُ المُخْطِئُ.
وقَدْ بَيَّنَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها أنَّ ظَنَّهم لا دَلِيلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾
والخَرْصُ: القَوْلُ بِالحَزْرِ والتَّخْمِينِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]
10:67Page 216
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٧
It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight.1 Indeed in that are signs for a people who listen.
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦] وجُمْلَةِ ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٦٨] ولَدًا جاءَتْ مَجِيءَ الِاسْتِدْلالِ عَلى فَسادِ ظَنِّهِمْ وخَرْصِهِمْ بِشَواهِدِ خَلْقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ المُشاهَدِ في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ العُمْرِ مَرَّتَيْنِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ دَلالَتِهِ، وهو خَلْقُ نِظامِ النَّهارِ واللَّيْلِ.
وكَيْفَ كانَ النَّهارُ وقْتًا يَنْتَشِرُ فِيهِ النُّورُ فَيُناسِبُ المُشاهَدَةَ لِاحْتِياجِ النّاسِ في حَرَكاتِ أعْمالِهِمْ إلى إحْساسِ البَصَرِ الَّذِي بِهِ تَتَبَيَّنُ ذَواتُ الأشْياءِ وأحْوالُها لِتَناوُلِ الصّالِحِ مِنها في العَمَلِ ونَبْذِ غَيْرِ الصّالِحِ لِلْعَمَلِ.
وكَيْفَ كانَ اللَّيْلُ وقْتًا تَغْشاهُ الظُّلْمَةُ فَكانَ مُناسِبًا لِلسُّكُونِ لِاحْتِياجِ النّاسِ فِيهِ إلى الرّاحَةِ مِن تَعَبِ الأعْمالِ الَّتِي كَدَحُوا لَها في النَّهارِ. فَكانَتِ الظُّلْمَةُ باعِثَةً النّاسَ عَلى الرّاحَةِ ومُحَدِّدَةً لَهم إبّانَها بِحَيْثُ يَسْتَوِي في ذَلِكَ الفَطِنُ والغافِلُ.
صفحة ٢٢٧
ولَمّا قابَلَ السُّكُونَ في جانِبِ اللَّيْلِ بِالإبْصارِ في جانِبِ النَّهارِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ ضِدّانِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عِلَّةَ السُّكُونِ عَدَمُ الإبْصارِ وأنَّ الإبْصارَ يَقْتَضِي الحَرَكَةَ فَكانَ في الكَلامِ احْتِباكٌ.
ووَصْفُ النَّهارِ بِمُبْصِرٍ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الإبْصارِ فِيهِ حَتّى جَعَلَ النَّهارَ هو المُبْصِرَ. والمُرادُ: مُبْصِرًا فِيهِ النّاسُ.
ومِن لَطائِفِ المُناسَبَةِ أنَّ النُّورَ الَّذِي هو كَيْفِيَّةُ زَمَنِ النَّهارِ شَيْءٌ وُجُودِيٌّ فَكانَ زَمانُهُ حَقِيقًا بِأنْ يُوصَفَ بِأوْصافِ العُقَلاءِ، بِخِلافِ اللَّيْلِ فَإنَّ ظُلْمَتَهُ عَدَمِيَّةٌ فاقْتَصَرَ في العِبْرَةِ بِهِ عَلى ذِكْرِ الفائِدَةِ الحاصِلَةِ فِيهِ وهي أنْ يَسْكُنُوا فِيهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ القَصْرِ وهو تَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ. وهو هُنا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ولَيْسَ إضافِيًّا كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الكاتِبِينَ إذْ جَعَلَهُ قَصْرَ تَعْيِينٍ، وهم مُعْتَرِفُونَ بِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ هَذا الِاسْتِدْلالِ، فالمَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ عَلى انْفِرادِهِ - تَعالى - بِخَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِنها الخَلْقُ والتَّقْدِيرُ، وأنَّ آلِهَتَهُمُ انْتَفَتْ عَنْها خَصائِصُ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ حَصَلَ مَعَ الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ عَلى النّاسِ بِجَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى هَذا النِّظامِ. وهَذا الِامْتِنانُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾، ومِن تَعْلِيلِ خَلْقِ اللَّيْلِ بِعِلَّةِ سُكُونِ النّاسِ فِيهِ، وخَلْقِ النَّهارِ بِعِلَّةِ إبْصارِ النّاسِ، وكُلُّ النّاسِ يَعْلَمُونَ ما في سُكُونِ اللَّيْلِ مِن نِعْمَةٍ وما في إبْصارِهِمْ بِالنَّهارِ مِن نِعْمَةٍ كَذَلِكَ، فَإنَّ في العَمَلِ بِالنَّهارِ نِعَمًا جَمَّةً مِن تَحْصِيلِ رَغَباتٍ، ومُشاهَدَةِ مَحْبُوباتٍ، وتَحْصِيلِ أمْوالٍ وأقْواتٍ، وأنَّ في السُّكُونِ بِاللَّيْلِ نِعَمًا جَمَّةً مِنِ اسْتِجْمامِ القُوى المَنهُوكَةِ والإخْلادِ إلى مُحادَثَةِ الأهْلِ والأوْلادِ، عَلى أنَّ في اخْتِلافِ الأحْوالِ، ما يَدْفَعُ عَنِ المَرْءِ المَلالَ.
وفِي إدْماجِ الِاسْتِدْلالِ بِالِامْتِنانِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ جَمَعُوا وصْمَتَيْنِ هُما: وصْمَةُ مُخالَفَةِ الحَقِّ، ووَصْمَةُ كُفْرانِ النِّعْمَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ. والآياتُ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ، فَإنَّ النِّظامَ الَّذِي نَشَأ عَنْهُ اللَّيْلُ والنَّهارُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَقائِقَ كَثِيرَةٍ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ والقُدْرَةِ وإتْقانِ الصُّنْعِ.
صفحة ٢٢٨
فَمِن تِلْكَ الآياتِ: خَلْقُ الشَّمْسِ، وخَلْقُ الأرْضِ، وخَلْقُ النُّورِ في الشَّمْسِ وخَلْقُ الظُّلْمَةِ في الأرْضِ، ووُصُولُ شُعاعِ الشَّمْسِ إلى الأرْضِ، ودَوَرانُ الأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ بِحَيْثُ يَكُونُ نِصْفُ كُرَتِها مُواجِهًا لِلشُّعاعِ ونِصْفُها الآخَرُ مَحْجُوبًا عَنِ الشُّعاعِ، وخَلْقُ الإنْسانِ، وجَعْلُ نِظامِ مِزاجِهِ العَصَبِيِّ مُتَأثِّرًا بِالشُّعاعِ نَشاطًا، وبِالظُّلْمَةِ فُتُورًا، وخَلْقُ حاسَّةِ البَصَرِ، وجَعْلُها مُقْتَرِنَةً بِتَأثُّرِ الضَّوْءِ؛ وجَعْلُ نِظامِ العَمَلِ مُرْتَبِطًا بِحاسَّةِ البَصَرِ؛ وخَلْقُ نِظامِ المِزاجِ الإنْسانِيِّ مُشْتَمِلًا عَلى قُوى قابِلَةٍ لِلْقُوَّةِ والضَّعْفِ ثُمَّ مَدْفُوعًا إلى اسْتِعْمالِ قُواهُ بِقَصْدٍ وبِغَيْرِ قَصْدٍ بِسَبَبِ نَشاطِهِ العَصَبِيِّ، ثُمَّ فاقِدًا بِالعَمَلِ نَصِيبًا مِن قُواهُ مُحْتاجًا إلى الِاعْتِياضِ بِقُوى تَخَلُّفِها بِالسُّكُونِ والفُتُورِ الَّذِي يُلْجِئُهُ إلى تَطَلُّبِ الرّاحَةِ. وأيَّةُ آياتٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ، وأيَّةُ مِنَّةٍ عَلى الإنْسانِ أعْظَمُ مِن إيداعٍ لِلَّهِ فِيهِ دَواعِيَ تَسُوقُهُ إلى صَلاحِهِ وصَلاحِ نَوْعِهِ بِداعٍ مِن نَفْسِهِ.
ووُصِفَ ”قَوْمٌ“ بِأنَّهم ”يَسْمَعُونَ“ إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الآياتِ والدَّلائِلَ تَنْهَضُ دَلالَتُها لِلْعُقُولِ بِالتَّأمُّلِ فِيها، وأنَّ تَوَجُّهَ التَّفْكِيرِ إلى دَلائِلِها غَيْرُ مُحْتاجٍ إلّا إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْها ولَفْتِهِ إلَيْها، فَلَمّا كانَ سَماعُ تَذْكِيرِ اللَّهِ بِها هو الأصْلُ الأصِيلُ في اسْتِخْراجِ دَلالَتِها أوْ تَفْرِيعِ مَدْلُولاتِها عَلى تَفاوُتِ الأذْهانِ في الفِطْنَةِ وتَرْتِيبِ الأدِلَّةِ جَعَلَ آياتِ دَلالَتِها حاصِلَةً لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَسْمَعُونَ تَفاصِيلَ تِلْكَ الدَّلائِلِ في تَضاعِيفِ سُوَرِ القُرْآنِ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالوَصْفُ بِالسَّمْعِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِها ولا تَفَطَّنُوا لِدَلالَتِها بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠]
10:68Page 216
قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨
They1 have said, "Allāh has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority2 for this [claim]. Do you say about Allāh that which you do not know?
صفحة ٢٢٩
﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
بَيانٌ لِجُمْلَةِ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلى آخِرِها، وفي هَذا البَيانِ إدْماجٌ بِحِكايَةِ فَنٍّ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ مُغايِرٌ لِادِّعاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ؛ لِأنَّ هَذا كُفْرٌ خَفِّيٌّ مِن دِينِهِمْ، ولِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى إبْطالِهِ مُغايِرٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إبْطالِ الشُّرَكاءِ.
فَضَمِيرُ ”قالُوا“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ أيْ قالَ المُشْرِكُونَ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الضَّمِيرِ غَيْرَهم مِنَ النَّصارى لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والقُرْآنُ المَكِّيُّ لَمْ يَتَصَدَّ لِإبْطالِ زَيْغِ عَقائِدِ أهْلِ الكِتابِ، ذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لِلَّهِ بَناتٍ هُمُ المَلائِكَةُ، وهم بَناتُهُ مِن سَرَواتِ نِساءِ الجِنِّ، ولِذَلِكَ عَبَدَتْ فِرَقٌ مِنَ العَرَبِ الجِنَّ قالَ - تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١]
والِاتِّخاذُ: جَعْلُ شَيْءٍ لِفائِدَةِ الجاعِلِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأخْذِ لِأنَّ المُتَّخِذَ يَأْخُذُ الشَّيْءَ الَّذِي يَصْطَفِيهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤]، في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، في الأعْرافِ، فالِاتِّخاذُ يَصْدُقُ عَلى أخْذِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ لِلِاسْتِئْثارِ بِهِ، ويَصْدُقُ عَلى تَكْوِينِ شَيْءٍ لِلِانْتِفاعِ بِهِ. وهو هَنا صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ لِأنَّ مِنهم مَن يَعْتَقِدُ تَوَلُّدَ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهم مَن يَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ تَبَنّى بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ.
والوَلَدُ: اسْمٌ مَصُوغٌ عَلى وزْنِ فَعَلَ مِثْلَ عَمَدَ وعَرَبَ. وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الوِلادَةِ، أيِ النِّتاجِ. يُقالُ: ولَدَتِ المَرْأةُ والنّاقَةُ، ولَعَلَّ أصْلَ الوَلَدِ مَصْدَرٌ
صفحة ٢٣٠
مُماتٌ عَلى وزْنِ فَعَلٍ مِثْلَ الفَرَحِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما يُوصَفُ بِالمَصْدَرِ. يُقالُ: هَؤُلاءِ ولَدُ فُلانٍ. وفي الحَدِيثِ «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ» والمُرادُ هُنا الجَمْعُ لِأنَّهم قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ اسْتَوْلَدَها مِن سَرَواتِ الجِنِّ قالَ - تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧]
وجُمْلَةُ سُبْحانِهِ إنْشاءُ تَنْزِيهٍ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فالجُمْلَةُ جَوابٌ لِذَلِكَ المَقالِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِـ ”سَبَّحَ“ إذا نَزَّهَ، نائِبٌ عَنِ الفِعْلِ، أيْ نُسَبِّحُهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنْ هَذا لِأنَّ ما قالُوهُ يَسْتَلْزِمُ تَنْقِيصَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ بُيِّنَتْ جُمْلَةُ التَّنْزِيهِ بِجُمْلَةِ ”﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾“ بَيانًا لِوَجْهِ التَّنْزِيهِ، أيْ هو الغَنِيُّ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الغِنى المُطْلَقَ عَنْ كُلِّ احْتِياجٍ إلى مُكَمِّلِ نَقْصٍ في الذّاتِ أوِ الأفْعالِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ إمّا أنْ يَنْشَأ عَنِ انْدِفاعٍ طَبِيعِيٍّ لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ عَنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّوْلِيدِ وكَوْنِها نَقْصًا غَيْرَ خَفِيٍّ، وإمّا أنْ يَنْشَأ عَنِ القَصْدِ والتَّفْكِيرِ في إيجادِ الوَلَدِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِسَدِّ ثُلْمَةِ نَقْصٍ مِن حاجَةٍ إلى مَعْنًى في الحَياةِ أوْ خَلَفٍ بَعْدَ المَماتِ. وكُلُّ ذَلِكَ مُنافٍ لِلْإلَهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاتِّصافَ بِغايَةِ الكَمالِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ.
والغَنِيُّ: المَوْصُوفُ بِالغِنى، فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ في فِعْلِ ”غَنِيَ“ عَنْ كَذا إذا كانَ غَيْرَ مُحْتاجٍ، وغِنى اللَّهِ هو الغِنى المُطْلَقُ. وفُسِّرَ في أُصُولِ الدِّينِ الغِنى المُطْلَقُ بِأنَّهُ عَدَمُ الِافْتِقارِ إلى المُخَصِّصِ وإلى المَحَلِّ، فالمُخَصِّصُ هو الَّذِي يُعَيِّنُ لِلْمُمْكِنِ إحْدى صِفَتَيِ الوُجُودِ أوِ العَدَمِ عِوَضًا عَنِ الأُخْرى، فَبِذَلِكَ ثَبَتَ لِلْإلَهِ الوُجُودُ الواجِبُ، أيِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ انْتِفاؤُهُ ولِذَلِكَ انْتَفى عَنْهُ التَّرْكِيبُ مِن أجْزاءٍ وأبْعاضٍ ومِن أجْلِ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنهُ، والوَلَدُ يَنْشَأُ مِن جُزْءٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ الوالِدِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ الغَنِيُّ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ مِن جِهَةِ الِانْفِصالِ، ثُمَّ هو أيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضُ المَخْلُوقاتِ ولَدًا لَهُ بِالتَّبَنِّي لِأجْلِ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى اتِّخاذِ الوَلَدِ مِن طَلَبِ مَعُونَةٍ أوْ إيناسٍ أوْ خَلَفٍ، قالَ - تَعالى:
صفحة ٢٣١
وقالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ وقالَ ”﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]
وجُمْلَةُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِوَصْفِ الغِنى بِأنَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِلْكُهُ، فَهو يُسَخِّرُ كُلَّ مَوْجُودٍ لِما خَلَقَهُ لِأجْلِهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى إعانَةِ ولَدٍ، ولا إلى تَرْفِيعِ رُتْبَةِ أحَدٍ اسْتِصْناعًا لَهُ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ لِقُوّادِ جُيُوشِهِمْ وأُمَراءِ أقْطارِهِمْ ومَمالِكِهِمْ لِاكْتِسابِ مَوَدَّتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ. وهَذا مُساوٍ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ في قَوْلِهِ آنِفًا“ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦] ”ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى أنَّ صِفَةَ العُبُودِيَّةِ تُنافِي صِفَةَ البُنُوَّةِ وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]
ويُؤْخَذُ مِن هَذا أنَّ الوَلَدَ لا يُسْتَرَقُّ لِأبِيهِ ولا لِأُمِّهِ ولِذَلِكَ يُعْتَقُ الوَلَدُ عَلى مَن يَمْلِكُهُ مِن أبٍ أوْ أُمٍّ وإنْ عَلَيا.
وجُمْلَةُ“ ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ ”جَوابٌ ثانٍ لِقَوْلِهِمُ“ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما فُصِلَتْ جُمْلَةُ ”سُبْحانَهُ“، فَبَعْدَ أنِ اسْتَدَلَّ عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ، سَجَّلَ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
و”إنْ“ حَرْفُ نَفْيٍ.
و”مِن“ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِالِاسْتِغْراقِ، أيِ اسْتِغْراقِ نَفْيِ جَمِيعِ أنْواعِ الحُجَّةِ قَوِيِّها وضَعِيفِها، عَقْلِيِّها وشَرْعِيِّها.
و”عِنْدَ“ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا. شَبَّهَ وُجُودَ الحُجَّةِ لِلْمُحْتَجِّ بِالكَوْنِ في مَكانِهِ، والمَعْنى: لا حُجَّةَ لَكم.
و”سُلْطانٍ“ مَحَلُّهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ عِنْدَكم واشْتَغَلَ آخِرُ المُبْتَدَأِ عَنِ الضَّمَّةِ بِكَسْرَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدَةِ.
صفحة ٢٣٢
والسُّلْطانُ: البُرْهانُ والحُجَّةُ؛ لِأنَّهُ يُكْسِبُ المُسْتَدِلَّ بِهِ سُلْطَةً عَلى مُخالِفِهِ ومُجادِلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [الأعراف: ٧١] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِـ ”سُلْطانٍ“، أيْ سُلْطانٍ مُلابِسٍ لِهَذا. والإشارَةُ إلى المَقُولِ.
والمَعْنى: لا حُجَّةَ لَكم تُصاحِبُ مَقُولَكم بِأنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا.
وجُمْلَةُ ”﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾“ جَوابٌ ثالِثٌ ناشِئٌ عَنِ الجَوابَيْنِ لِأنَّهم لَمّا أبْطَلَ قَوْلَهم بِالحُجَّةِ. ونَفى أنْ تَكُونَ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ حُجَّةٌ كانُوا أحْرِياءَ بِالتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ بِأنَّهم يَجْتَرِئُونَ عَلى جَنابِ اللَّهِ فَيَصِفُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُونَ، أيْ بِما لا يُوقِنُونَ بِهِ، ولِكَوْنِها جَوابًا فُصِلَتْ.
فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ بَعْدَهُ شَيْءٌ ذَمِيمٌ، واجْتِراءٌ عَظِيمٌ وجَهْلٌ كَبِيرٌ مُرَكَّبٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences