Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:4–8
10:4Page 208
إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤
To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.
صفحة ٩٠
﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾
وقَعَ أمْرُهم بِعِبادَتِهِ عَقِبَ ذِكْرِ الجَزاءِ إنْذارًا وتَبْشِيرًا، فالجُمْلَةُ كالدَّلِيلِ عَلى وُجُوبِ عِبادَتِهِ، وهي بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ النّاشِئَةِ عَنْ إثْباتِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّ الَّذِي خَلَقَ مِثْلَ تِلْكَ العَوالِمِ مِن غَيْرِ سابِقِ وُجُودٍ لا يُعْجِزُهُ أنْ يُعِيدَ بَعْضَ المَوْجُوداتِ الكائِنَةِ في تِلْكَ العَوالِمِ خَلْقًا ثانِيًا. ومِمّا يُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، فَبَدْءُ الخَلْقِ هو ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وإعادَتُهُ هي ما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِما بَيْنَهُما مِن شِبْهِ كَمالِ الِاتِّصالِ، عَلى أنَّها يَجُوزُ كَوْنُها خَبَرًا آخَرَ عَنْ قَوْلِهِ: ”إنَّ رَبَّكم“، أوْ عَنْ قَوْلِهِ: ”ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم“
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ إثْباتَ الحَشْرِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ لِأجْلِهِ.
وفِي تَقْدِيمِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: إلَيْهِ مَرْجِعُكم إفادَةُ القَصْرِ، أيْ لا إلى غَيْرِهِ، قَطْعًا لِمَطامِعِ بَعْضِهِمُ القائِلِينَ في آلِهَتِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] يُرِيدُونَ أنَّهم شُفَعاءُ عَلى تَسْلِيمِ وُقُوعِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ، فَإذا كانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ كانَ حَقِيقًا بِالعِبادَةِ وكانَتْ عِبادَةُ غَيْرِهِ باطِلًا.
والمَرْجِعُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥] في سُورَةِ العُقُودِ.
و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ المُضافِ إلَيْهِ المَصْدَرُ العامِلُ فِيهِ.
وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُساوِيَةِ لَهُ، ويُسَمّى مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ في اصْطِلاحِ النُّحاةِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمُ الوَعْدُ بِإرْجاعِهِمْ
صفحة ٩١
إلَيْهِ وهو مُفادُ وعْدِ اللَّهِ، ويُقَدَّرُ لَهُ عامِلٌ مَحْذُوفٌ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُؤَكِّدَةَ لا تَصْلُحُ لِلْعَمَلِ فِيهِ. والتَّقْدِيرُ: وعَدَكُمُ اللَّهُ وعْدًا حَقًّا.
وانْتُصِبَ (حَقًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (وعْدَ اللَّهِ) بِاعْتِبارِ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. ويُسَمّى في اصْطِلاحِ النُّحاةِ مُؤَكِّدًا لِغَيْرِهِ، أيْ مُؤَكِّدًا لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ تَحْتَمِلُهُما الجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ.
وجُمْلَةُ (إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ) واقِعَةٌ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ وإمْكانِهِ بِأنَّهُ قَدِ ابْتَدَأ خَلْقَ النّاسِ، وابْتِداءُ خَلْقِهِمْ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ إعادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ، وثُبُوتُ إمْكانِهِ يَدْفَعُ تَكْذِيبَ المُشْرِكِينَ بِهِ، فَكانَ إمْكانُهُ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾، وكانَ الِاسْتِدْلالُ عَلى إمْكانِهِ حاصِلًا مِن تَقْدِيمِ التَّذْكِيرِ بِبَدْءِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]
ومَوْقِعُ (إنَّ) تَأْكِيدُ الخَبَرِ نَظَرًا لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، فَحَصَلَ التَّأْكِيدُ مِن قَوْلِهِ: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) أمّا كَوْنُهُ بَدَأ الخَلْقَ فَلا يُنْكِرُونَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾“ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّهُ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٍ، أيْ حَقٌّ وعْدُهُ بِالبَعْثِ لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَلا تُعْجِزُهُ الإعادَةُ بَعْدَ الخَلْقِ الأوَّلِ، أوِ المَصْدَرُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنصُوبٌ بِما نُصِبَ بِهِ (وعْدَ اللَّهِ) أيْ وعَدَ اللَّهُ وعْدًا بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (وعْدَ اللَّهِ) بَدَلًا مُطابِقًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ وما بَعْدَها مَرْفُوعًا بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي انْتَصَبَ حَقًّا بِإضْمارِهِ. فالتَّقْدِيرُ: حَقَّ حَقًّا أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، أيْ حَقٌّ بَدْؤُهُ الخَلْقَ ثُمَّ إعادَتُهُ.
والتَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ إبْداءً لِحِكْمَةِ البَعْثِ وهي الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ المُقْتَرَفَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا، إذْ لَوْ أُرْسِلَ النّاسُ عَلى أعْمالِهِمْ بِغَيْرِ جَزاءٍ عَلى الحَسَنِ والقَبِيحِ لاسْتَوى المُحْسِنُ والمُسِيءُ، ورُبَّما كانَ بَعْضُ المُسِيئِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا أحْسَنَ فِيها حالًا
صفحة ٩٢
مِنَ المُحْسِنِينَ. فَكانَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَلْقى كُلُّ عامِلٍ جَزاءَ عَمَلِهِ. ولَمْ يَكُنْ هَذا العالَمُ صالِحًا لِإظْهارِ ذَلِكَ لِأنَّهُ وُضِعُ نِظامُهُ عَلى قاعِدَةِ الكَوْنِ والفَسادِ، قابِلًا لِوُقُوعِ ما يُخالِفُ الحَقَّ ولِصَرْفِ الخَيْراتِ عَنِ الصّالِحِينَ وانْهِيالِها عَلى المُفْسِدِينَ والعَكْسُ لِأسْبابٍ وآثارٍ هي أوْفَقُ بِالحَياةِ المُقَرَّرَةِ في هَذا العالَمِ، فَكانَتِ الحِكْمَةُ قاضِيَةً بِوُجُودِ عالَمٍ آخَرَ مُتَمَحِّضٌ لِلْكَوْنِ والبَقاءِ ومَوْضُوعًا فِيهِ كُلُّ صِنْفٍ فِيما يَلِيقُ بِهِ لا يَعْدُوهُ إلى غَيْرِهِ إذْ لا قِبَلَ فِيهِ لِتَصَرُّفاتٍ وتَسَبُّباتٍ تُخالِفُ الحَقَّ والِاسْتِحْقاقَ.
وقُدِّمَ جَزاءُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لِشَرَفِهِ ولِياقَتِهِ بِذَلِكَ العالَمِ، ولِأنَّهم قَدْ سَلَكُوا في عالَمِ الحَياةِ الدُّنْيا ما خَلَقَ اللَّهُ النّاسَ لِأجْلِهِ ولَمْ يَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِتَغْلِيبِ الفَسادِ عَلى الصَّلاحِ.
والباءُ في (بِالقِسْطِ) صالِحَةٌ لِإفادَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ لِفِعْلِ الجَزاءِ ومَعْنى العِوَضِ. والقِسْطُ: العَدْلُ. وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ في صِفَةٍ والجَزاءُ بِما يُساوِي المُجْزى عَلَيْهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]) في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ. فَتُفِيدُ الباءُ أنَّهم يُجْزَوْنَ بِما يُعادِلُ أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ فَيَكُونُ جَزاؤُهم صَلاحًا هُنالِكَ وهو غايَةُ النَّعِيمِ، وأنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ مُكافَأةٌ عَلى قِسْطِهِمْ في أعْمالِهِمْ في عَدْلِهِمْ فِيها بِأنْ عَمِلُوا ما يُساوِي الصَّلاحَ المَقْصُودَ مِن نِظامِ هَذا العالَمِ.
والإجْمالُ هُنا بَيْنَ مَعْنَيَيِ الباءِ مُفِيدٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ جَزاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِصَلاحِ أعْمالِهِمْ.
وإنَّما خُصَّ بِذَلِكَ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ الجَزاءَ كُلَّهُ عَدْلٌ، بَلْ رُبَّما كانَتِ الزِّيادَةُ في ثَوابِ المُؤْمِنِينَ فَضْلًا زائِدًا عَلى العَدْلِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما تَأْنِيسُ المُؤْمِنِينَ وإكْرامُهم بِأنَّ جَزاءَهم قَدِ اسْتَحَقُّوهُ بِما عَمِلُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] . ومِن أعْظَمِ الكَرَمِ أنْ يُوهِمَ الكَرِيمُ أنَّ ما تَفَضَّلَ بِهِ عَلى المُكَرَمِ هو حَقُّهُ وأنْ لا فَضْلَ لَهُ فِيهِ.
الأمْرُ الثّانِي الإشارَةُ إلى أنَّ جَزاءَ الكافِرِينَ دُونَ ما يَقْتَضِيهِ العَدْلُ، فَفِيهِ تَفَضُّلٌ بِضَرْبٍ مِنَ التَّخْفِيفِ لِأنَّهم لَوْ جُوِّزُوا عَلى قَدْرِ جُرْمِهِمْ لَكانَ عَذابُهم أشَدَّ، ولِأجْلِ هَذا خُولِفَ
صفحة ٩٣
الأُسْلُوبُ في ذِكْرِ جَزاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَجاءَ صَرِيحًا بِما يَعُمُّ أحْوالَ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ . وخُصَّ الشَّرابُ مِنَ الحَمِيمِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ أنْواعِ العَذابِ الألِيمِ لِأنَّهُ أكْرَهُ أنْواعِ العَذابِ في مَأْلُوفِ النُّفُوسِ.
وشَرابُ الحَمِيمِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. والباءُ في قَوْلِهِ: بِما كانُوا يَكْفُرُونَ لِلْعِوَضِ.
وجُمْلَةُ (والَّذِينَ كَفَرُوا) إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّهُ لَمّا ورَدَ ذِكْرُ جَزاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ العِلَّةُ لِرُجُوعِ الجَمِيعِ إلَيْهِ ولَمْ يُذْكَرْ في العِلَّةِ ما هو جَزاءُ الجَمِيعِ لا جَرَمَ يَتَشَوَّفُ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ جَزاءِ الكافِرِينَ فَجاءَ الِاسْتِئْنافُ لِلْإعْلامِ بِذَلِكَ.
ونُكْتَةُ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يُعْطَفْ جَزاءُ الكافِرِينَ عَلى جَزاءِ المُؤْمِنِينَ فَيُقالُ: ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ إلَخْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: ٢] هو الإشارَةُ إلى الِاهْتِمامِ بِجَزاءِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ وأنَّهُ الَّذِي يُبادِرُ بِالإعْلامِ بِهِ وأنَّ جَزاءَ الكافِرِينَ جَدِيرٌ بِالإعْراضِ عَنْ ذِكْرِهِ لَوْلا سُؤالُ السّامِعِينَ.
10:5Page 208
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥
It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.
﴿هو الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أيْضًا، فَضَمِيرُ (هو) عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ. وهَذا اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى انْفِرادِهِ - تَعالى - بِالتَّصَرُّفِ في المَخْلُوقاتِ، وهَذا لَوْنٌ آخَرُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الإلَهِيَّةِ مَمْزُوجٌ بِالِامْتِنانِ عَلى المَحْجُوجِينَ بِهِ لِأنَّ الدَّلِيلَ السّابِقَ كانَ مُتَضَمِّنًا لِعَظِيمِ أمْرِ الخَلْقِ وسِعَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ بِذِكْرِ أشْياءَ لَيْسَ لِلْمُخاطَبِينَ حَظٌّ في التَّمَتُّعِ بِها. وهَذا الدَّلِيلُ قَدْ تَضَمَّنَ أشْياءَ يَأْخُذُ المُخاطَبُونَ بِحَظٍّ عَظِيمٍ مِنَ التَّمَتُّعِ بِها وهو خَلْقُ الشَّمْسِ
صفحة ٩٤
والقَمَرِ عَلى صُورَتِهِما وتَقْدِيرُ تَنَقُّلاتِهِما تَقْدِيرًا مَضْبُوطًا ألْهَمَهُ اللَّهُ البَشَرَ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في شُؤُونٍ كَثِيرَةٍ مِن شُؤُونِ حَياتِهِمْ.
فَجَعْلُ الشَّمْسِ ضِياءً لِانْتِفاعِ النّاسِ بِضِيائِها في مُشاهَدَةِ ما تُهِمُّهم مُشاهَدَتُهُ بِما بِهِ قِوامُ أعْمالِ حَياتِهِمْ في أوْقاتِ أشْغالِهِمْ. وجَعْلُ القَمَرِ نُورًا لِلِانْتِفاعِ بِنُورِهِ انْتِفاعًا مُناسِبًا لِلْحاجَةِ الَّتِي قَدْ تُعَرِّضُ إلى طَلَبِ رُؤْيَةِ الأشْياءِ في وقْتِ الظُّلْمَةِ وهو اللَّيْلُ. ولِذَلِكَ جُعِلَ نُورُهُ أضْعَفَ لِيُنْفَعَ بِهِ بِقَدْرِ ضَرُورَةِ المُنْتَفِعِ، فَمَن لَمْ يُضْطَرَّ إلى الِانْتِفاعِ بِهِ لا يَشْعُرُ بِنُورِهِ ولا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ سُكُونِهِ الَّذِي جُعِلَ ظَلامُ اللَّيْلِ لِحُصُولِهِ، ولَوْ جُعِلَتِ الشَّمْسُ دائِمَةَ الظُّهُورِ لِلنّاسِ لاسْتَوَوْا في اسْتِدامَةِ الِانْتِفاعِ بِضِيائِها فَيَشْغَلُهم ذَلِكَ عَنِ السُّكُونِ الَّذِي يَسْتَجْدُونَ بِهِ ما فَتَرَ مِن قُواهُمُ العَصَبِيَّةِ الَّتِي بِها نَشاطُهم وكَمالُ حَياتِهِمْ.
والضِّياءُ: النُّورُ السّاطِعُ القَوِيُّ؛ لِأنَّهُ يُضِيءُ لِلرّائِي. وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّوْءِ، وهو النُّورُ الَّذِي يُوَضِّحُ الأشْياءَ، فالضِّياءُ أقْوى مِنَ الضَّوْءِ.
وياءُ (ضِياءٍ) مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ لِوُقُوعِ الواوِ إثْرَ كَسْرَةِ الضّادِ فَقُلِبَتْ ياءً لِلتَّخْفِيفِ.
والنُّورُ: الشُّعاعُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ النّارِ، وهو أعَمُّ مِنَ الضِّياءِ، يَصْدُقُ عَلى الشُّعاعِ الضَّعِيفِ والشُّعاعِ القَوِيِّ، فَضِياءُ الشَّمْسِ نُورٌ ونُورُ القَمَرِ لَيْسَ بِضِياءٍ. هَذا هو الأصْلُ في إطْلاقِ هَذِهِ الأسْماءِ، ولَكِنْ يَكْثُرُ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ بَعْضِ هَذِهِ الكَلِماتِ في مَوْضِعِ بَعْضٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَعْسُرُ انْضِباطُهُ.
ولَمّا جُعِلَ النُّورُ في مُقابَلَةِ الضِّياءِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِ نُورٌ ما.
وقَوْلُهُ: (ضِياءً) و(نُورًا) حالانِ مُشِيرانِ إلى الحِكْمَةِ والنِّعْمَةِ في خَلْقِهِما. والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ الأشْياءَ عَلى مِقْدارٍ عِنْدَ صُنْعِها.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (قَدَّرَهُ): إمّا عائِدٌ إلى النُّورِ فَتَكُونُ المَنازِلُ بِمَعْنى المَراتِبِ وهي مَراتِبُ نُورِ القَمَرِ في القُوَّةِ والضَّعْفِ التّابِعَةُ لِما يَظْهَرُ لِلنّاسِ نَيِّرًا مِن كُرَةِ القَمَرِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] . أيْ حَتّى نَقُصَ نُورُهُ
صفحة ٩٥
لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَعادَ كالعُرْجُونِ البالِي. ويَكُونُ ”مُنازِلَ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (قَدَّرَهُ) فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ تَقْدِيرًا عَلى حَسَبِ المَنازِلِ، فالنُّورُ في كُلِّ مَنزِلَةٍ لَهُ قَدْرٌ غَيْرُ قَدْرِهِ الَّذِي في مَنزِلَةٍ أُخْرى. وإمّا عائِدٌ إلى القَمَرِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ وقَدَّرَ سَيْرَهُ، فَتَكُونُ (مُنازِلُ) مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
والمَنازِلُ: جَمْعُ مَنزِلٍ، وهو مَكانُ النُّزُولِ. والمُرادُ بِها هُنا المَواقِعُ الَّتِي يَظْهَرُ القَمَرُ في جِهَتِها كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ. وهي ثَمانٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً عَلى عَدَدِ لَيالِي الشَّهْرِ القَمَرِيِّ. وإطْلاقُ اسْمِ المَنازِلِ عَلَيْها مَجازٌ بِالمُشابَهَةِ وإنَّما هي سُمُوتٌ، يَلُوحُ لِلنّاسِ القَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ في سَمْتٍ مِنها، كَأنَّهُ يَنْزِلُ بِها. وقَدْ رَصَدَها البَشَرُ فَوَجَدُوها لا تَخْتَلِفُ.
وعَلِمَ المُهْتَدُونَ مِنهم أنَّها ما وُجِدَتْ عَلى ذَلِكَ النِّظامِ إلّا بِصُنْعِ الخالِقِ الحَكِيمِ.
وهَذِهِ المَنازِلُ أماراتُها أنْجُمٌ مُجْتَمِعَةٌ عَلى شَكْلٍ لا يَخْتَلِفُ، فَوَضَعَ العُلَماءُ السّابِقُونَ لَها أسْماءَ. وهَذِهِ أسْماؤُها في العَرَبِيَّةِ عَلى تَرْتِيبِها في الطُّلُوعِ عِنْدَ الفَجْرِ في فُصُولِ السَّنَةِ. والعَرَبُ يَبْتَدِئُونَ ذِكْرَها بِالشَّرَطانِ وهَكَذا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ حُلُولِ القَمَرِ كُلَّ لَيْلَةٍ في سَمْتِ مَنزِلَةٍ مِن هَذِهِ المَنازِلِ، فَأوَّلُ لَيْلَةٍ مِن لَيالِي الهِلالِ لَلشَّرَطانِ وهَكَذا. وهَذِهِ أسْماؤُها مَرْتَبَةٌ عَلى حَسَبِ تَقْسِيمِها عَلى فُصُولِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ. وهي العَوّاءُ، السِّماكُ الأعْزَلُ، الغَفْرُ، الزُّبانى، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحِ، سَعْدُ بُلَعٍ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، الفَرْغُ الأعْلى، الفَرْغُ الأسْفَلُ، الحُوتُ، الشَّرَطانُ، البُطَيْنُ، الثُّرَيّا، الدَّبَرانُ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، ذِراعُ الأسَدِ، النَّثْرَةُ، الطَّرْفُ، الجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصَّرْفَةُ.
وهَذِهِ المَنازِلُ مُنْقَمِسَةٌ عَلى البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ الَّتِي تَحِلُّ فِيها الشَّمْسُ في فُصُولِ السَّنَةِ، فَلِكُلِّ بُرْجٍ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ بُرْجًا مَنزِلَتانِ وثُلُثٌ، وهَذا ضابِطٌ لِمَعْرِفَةِ نُجُومِها ولا عَلاقَةَ لَهُ بِاعْتِبارِها مَنازِلَ لِلْقَمَرِ.
وقَدْ أنْبَأنا اللَّهُ بِعِلَّةِ تَقْدِيرِهِ القَمَرَ مَنازِلَ بِأنَّها مَعْرِفَةُ النّاسِ عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ، أيْ عَدَدَ السِّنِينَ بِحُصُولِ كُلِّ سَنَةٍ بِاجْتِماعِ اثْنَيْ عَشَرَ.
صفحة ٩٦
والحِسابُ: مَصْدَرُ (حَسِبَ) بِمَعْنى عَدَّ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى (عَدَدَ)، أيْ ولِتَعْلَمُوا الحِسابَ. وتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، أيْ والحِسابَ المَعْرُوفَ. والمُرادُ بِهِ حِسابُ الأيّامِ والأشْهُرِ؛ لِأنَّ حِسابَ السِّنِينَ قَدْ ذُكِرَ بِخُصُوصِهِ. ولَمّا اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالحِسابِ حِسابُ القَمَرِ؛ لِأنَّ السَّنَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَمَرِيَّةٌ، ولِأنَّ ضَمِيرَ (قَدَّرَهُ) عائِدٌ عَلى القَمَرِ وإنْ كانَ لِلشَّمْسِ حِسابٌ آخَرُ وهو حِسابُ الفُصُولِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ [الأنعام: ٩٦]
فَمِن مَعْرِفَةِ اللَّيالِي تُعْرَفُ الأشْهُرُ، ومِن مَعْرِفَةِ الأشْهُرِ تُعْرُفُ السَّنَةُ. وفي ذَلِكَ رِفْقٌ بِالنّاسِ في ضَبْطِ أُمُورِهِمْ وأسْفارِهِمْ ومُعامَلاتِ أمْوالِهِمْ وهو أصْلُ الحَضارَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُعَرَّفَةَ ضَبْطِ التّارِيخِ نِعْمَةٌ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى البَشَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالنَّتِيجَةِ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ كُلِّها لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وذَكَرَ حِكْمَةَ بَعْضِ ذَلِكَ أفْضى إلى الغَرَضِ مِن ذِكْرِهِ وهو التَّنْبِيهُ إلى ما فِيها مِنَ الحِكْمَةِ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ خالِقَهُما فاعِلٌ مُخْتارٌ حَكِيمٌ لِيَسْتَفِيقَ المُشْرِكُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الحَكَمِ، كَما قالَ - تَعالى - في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧]
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. و(الحَقُّ) هُنا مُقابِلٌ لِلْباطِلِ. فَهو بِمَعْنى الحِكْمَةِ والفائِدَةِ؛ لِأنَّ الباطِلَ مِن إطْلاقاتِهِ أنْ يُطْلَقَ عَلى العَبَثِ وانْتِفاءِ الحِكْمَةِ فَكَذَلِكَ الحَقُّ يُطْلَقُ عَلى مُقابِلِ ذَلِكَ. وفي هَذا رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا لِما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وأنَّ الخالِقَ لَها لَيْسَ آلِهَتَهم. قالَ - تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] . وقالَ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨]
ولِذَلِكَ أعْقَبَ هَذا التَّنْبِيهَ بِجُمْلَةِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ مَسُوقَةٌ لِلِامْتِنانِ بِالنِّعْمَةِ، ولِتَسْجِيلِ المُؤاخَذَةِ عَلى الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِهَذِهِ الدَّلائِلِ إلى ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ البَيانِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ
صفحة ٩٧
فِي قَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ . فَعَلى قِراءَةِ (نُفَصِّلُ) بِالنُّونِ وهي لِنافِعٍ والجُمْهُورِ ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فَفي ضَمِيرِ صاحِبِ الحالِ التِفاتٌ، وعَلى قِراءَةِ (يُفَصِّلُ) بِالتَّحْتِيَّةِ وهي لِابْنِ كَثِيرٍ في المَشْهُورِ عَنْهُ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ أمْرُها ظاهِرٌ.
والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ يَأْتِي عَلى فُصُولِ الشَّيْءِ كُلِّها. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والإتْيانُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ التَّكْرارِ.
وجُعِلَ التَّفْصِيلُ لِأجْلِ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ، أيِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ العِلْمُ لِما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ مِن تَجَدُّدُ العِلْمَ، وإنَّما يَتَجَدَّدُ لِمَن هو دَيْدَنُهُ ودَأْبُهُ، فَإنَّ العُلَماءَ أهْلَ العُقُولِ الرّاجِحَةِ هم أهْلُ الِانْتِفاعِ بِالأدِلَّةِ والبَراهِينِ.
وذِكْرُ لَفْظِ (قَوْمٍ) إيماءٌ إلى أنَّهم رَسَخَ فِيهِمْ وصْفُ العِلْمِ، فَكانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِتَفْصِيلِ الآياتِ لَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ولا مِمَّنْ رَسَخَ فِيهِمُ العِلْمُ.
10:6Page 208
إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦
Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.
﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾
اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالخَلْقِ والتَّقْدِيرِ. وهو اسْتِدْلالٌ بِأحْوالِ الضَّوْءِ والظُّلْمَةِ وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وفي ذَلِكَ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ. وهو بِما فِيهِ مِن عَطْفِ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أعَمُّ مِنَ الدَّلِيلِ الأوَّلِ لِشُمُولِهِ ما هو أكْثَرُ مِن خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومِن خَلْقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ومِن كُلِّ ما في الأرْضِ والسَّماءِ مِمّا تَبْلُغُ إلَيْهِ مَعْرِفَةُ النّاسِ في مُخْتَلَفِ العُصُورِ وعَلى تَفاوُتِ مَقادِيرِ الِاسْتِدْلالِ مِن عُقُولِهِمْ.
وتَأْكِيدُ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِأجْلِ تَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ بِهِ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الدَّلائِلِ إلى التَّوْحِيدِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ في ذَلِكَ آياتٍ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ.
صفحة ٩٨
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في شَبِيهَةِ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي خَواتِمِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وشَمِلَ قَوْلُهُ: وما خَلَقَ اللَّهُ الأجْسامَ والأحْوالَ كُلَّها.
وجُعِلَتِ الآياتُ هُنا لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ وفي آيَةِ البَقَرَةِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وفي آيَةِ آلِ عِمْرانَ لِأُولِي الألْبابِ لِأنَّ السِّياقَ هُنا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِالآياتِ لِيَعْلَمُوا أنَّ بُعْدَهم عَنِ التَّقْوى هو سَبَبُ حِرْمانِهِمْ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالآياتِ، وأنَّ نَفْعَها حاصِلٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، أيْ يَحْذَرُونَ الضَّلالَ. فالمُتَّقُونَ هُمُ المُتَّصِفُونَ بِاتِّقاءِ ما يُوقِعُ في الخُسْرانِ فَيَبْعَثُهم عَلى تَطَلُّبِ أسْبابِ النَّجاحِ فَيَتَوَجَّهُ الفِكْرُ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ. وقَدْ مَرَّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى أنَّهُ قَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَها ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وأمّا آيَةُ البَقَرَةِ وآيَةُ آلِ عِمْرانَ فَهُما وارِدَتانِ في سِياقٍ شامِلٍ لِلنّاسِ عَلى السَّواءِ. وذِكْرُ لَفْظِ قَوْمٍ تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ.
10:7–8Page 209
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧
Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨
For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
هَذا اسْتِئْنافُ وعِيدٍ لِلَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ولا فَكَّرُوا في الحَياةِ الآخِرَةِ ولَمْ يَنْظُرُوا في الآياتِ نَشَأ عَنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما كَفَرُوا بِهِ مِن ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ المُناسِبِ لِأهْلِ العُقُولِ وبَيْنَ الوَعِيدِ المُناسِبِ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ لا تَنْفَعُهُمُ الأدِلَّةُ وإنَّما يَنْتَفِعُ بِها الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ويَتَّقُونَ وأمّا هَؤُلاءِ فَهم سادِرُونَ في غُلْوائِهِمْ حَتّى يُلاقُوا العَذابَ. وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِلْجَزاءِ تَأتّى الوَعِيدُ لِمُنْكِرِي البَعْثِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ والمَصِيرَ إلَيْهِ.
صفحة ٩٩
ولِوُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ الوَعِيدِ الصّالِحِ لِأنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ كُلُّهم مُؤْمِنُهم وكافِرُهم عُدِلَ فِيها عَنْ طَرِيقَةِ الخِطابِ بِالضَّمِيرِ إلى طَرِيقَةِ الإظْهارِ، وجِيءَ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في حُصُولِ الخَبَرِ.
وقَدْ جُعِلَ عُنْوانُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا عَلامَةً عَلَيْهِمْ فَقَدْ تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ. ومِنَ المَواقِعِ ما لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ اعْتِبارُ المَوْصُولِيَّةِ إلّا لِلِاشْتِهارِ بِالصِّلَةِ كَما سَنَذْكُرُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ [يونس: ١٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والرَّجاءُ: ظَنُّ وُقُوعِ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدِ كَوْنِ المَظْنُونِ مَحْبُوبًا وإنْ كانَ ذَلِكَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ. فَمَعْنى ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَظُنُّونَهُ ولا يَتَوَقَّعُونَهُ.
ومَعْنى ﴿رَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أنَّهم لَمْ يُعْمِلُوا النَّظَرَ في حَياةٍ أُخْرى أرْقى وأبْقى لِأنَّ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا والِاقْتِناعَ بِأنَّها كافِيَةٌ يَصْرِفُ النَّظَرَ عَنْ أدِلَّةِ الحَياةِ الآخِرَةِ، وأهْلُ الهُدى يَرَوْنَ الحَياةَ الدُّنْيا حَياةً ناقِصَةً فَيَشْعُرُونَ بِتَطَلُّبِ حَياةٍ تَكُونُ أصْفى مِن أكْدارِها فَلا يَلْبَثُونَ أنْ تَطْلُعَ لَهم أدِلَّةُ وُجُودِها، وناهِيكَ بِإخْبارِ الصّادِقِ بِها ونَصْبِ الأدِلَّةِ عَلى تَعَيُّنِ حُصُولِها، فَلِهَذا جُعِلَ الرِّضى بِالحَياةِ الدُّنْيا مَذَمَّةً ومُلْقِيًا في مَهْواةِ الخُسْرانِ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ البَهْجَةَ بِالحَياةِ الدُّنْيا والرِّضى بِها يَكُونُ مِقْدارُ التَّوَغُّلِ فِيهِما بِمِقْدارِ ما يَصْرِفُ عَنِ الِاسْتِعْدادِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ الإعْراضَ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى عِبادِهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ فِيها وجَبَ الِاعْتِرافُ بِفَضْلِهِ بِها وشُكْرِهِ عَلَيْها والتَّعَرُّفِ بِها إلى مَراتِبَ أعْلى هي مَراتِبُ حَياةٍ أُخْرى والتَّزَوُّدِ لَها. وفي ذَلِكَ مَقاماتٌ ودَرَجاتٌ بِمِقْدارِ ما تَهَيَّأتْ لَهُ النُّفُوسُ العالِيَةُ مِن لَذّاتِ الكَمالاتِ الرُّوحِيَّةِ، وأعْلاها مَقامُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فَقُلْتُ ما لِي ولِلدُّنْيا» .
والِاطْمِئْنانُ: السُّكُونُ يَكُونُ في الجَسَدِ وفي النَّفْسِ وهو الأكْثَرُ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَصْرِيفُ هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٠٠
ومَعْنى ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ سَكَنَتْ أنْفُسُهم وصَرَفُوا هِمَمَهم في تَحْصِيلِ مَنافِعِها ولَمْ يَسْعَوْا لِتَحْصِيلِ ما يَنْفَعُ في الحَياةِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ السُّكُونَ عِنْدَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّحَرُّكِ لِغَيْرِهِ. وعَنْ قَتادَةَ: إذا شِئْتَ رَأيْتَ هَذا المَوْصُوفَ صاحِبَ دُنْيا، لَها يَرْضى، ولَها يَغْضَبُ، ولَها يَفْرَحُ، ولَها يَهْتَمُّ ويَحْزَنُ.
والَّذِينَ هم غافِلُونَ هم عَيْنُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ اللِّقاءَ، ولَكِنْ أُعِيدَ المَوْصُولُ لِلِاهْتِمامِ بِالصِّلَةِ والإيماءِ إلى أنَّها وحْدَها كافِيَةٌ في اسْتِحْقاقِ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَها مِنَ الخَبَرِ. وإنَّما لَمْ يَعُدِ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ لِأنَّ الرِّضى بِالحَياةِ الدُّنْيا مِن تَكْمِلَةِ مَعْنى الصِّلَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾
والمُرادُ بِالغَفْلَةِ: إهْمالُ النَّظَرِ في الآياتِ أصْلًا، بِقَرِينَةِ المَقامِ والسِّياقِ وبِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ﴿هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ، وبِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ عَنْ ﴿آياتِنا غافِلُونَ﴾ مِن كَوْنِ غَفْلَتِهِمْ غَفْلَةً عَنْ آياتِ اللَّهِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِها مِنَ الأشْياءِ فَلَيْسُوا مِن أهْلِ الغَفْلَةِ عَنْها مِمّا يَدُلُّ مَجْمُوعُهُ عَلى أنَّ غَفْلَتَهم عَنْ آياتِ اللَّهِ دَأْبٌ لَهم وسَجِيَّةٌ، وأنَّهم يَعْتَمِدُونَها فَتَئُولُ إلى مَعْنى الإعْراضِ عَنْ آياتِ اللَّهِ وإباءِ النَّظَرِ فِيها عِنادًا ومُكابَرَةً. ولَيْسَ المُرادُ مَن تَعْرِضُ لَهُ الغَفْلَةُ عَنْ بَعْضِ الآياتِ في بَعْضِ الأوْقاتِ.
وأُعْقِبَ ذَلِكَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ إحْضارِ صِفاتِهِمْ في أذْهانِ السّامِعِينَ، ولِما يُؤْذِنُ بِهِ مَجِيءُ اسْمِ الإشارَةِ مُبْتَدَأً عَقِبَ أوْصافٍ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِالخَبَرِ مِن أجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَأْوى: اسْمُ مَكانِ الإيواءِ، أيِ الرُّجُوعُ إلى مَصِيرِهِمْ ومَرْجِعِهِمْ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. والإتْيانُ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ: (بِما كَسَبُوا) لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ أنَّ مَكْسُوبَهم سَبَبٌ في مَصِيرِهِمْ إلى النّارِ، فَأفادَ تَأْكِيدَ السَّبَبِيَّةِ المُفادَةِ بِالباءِ.
والإتْيانُ بِـ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا المَكْسُوبَ دَيْدَنُهم.
والإتْيانُ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْرِيرِ، فَيَكُونُ دَيْدَنُهم تَكْرِيرَ ذَلِكَ الَّذِي كَسَبُوهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences