Ibn 'AshurYunus · 10:79–86

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:79–86

10:79–82Page 218

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ٧٩

And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٨٠

So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."

فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١

And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allāh will expose its worthlessness. Indeed, Allāh does not amend the work of corrupters.

وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨٢

And Allāh will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."

صفحة ٢٥٣

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.

والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.

وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.

والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ

صفحة ٢٥٤

بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.

والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.

وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.

وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ المُرادُ مِنها الِاخْتِيارُ وإظْهارُ قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ.

والإلْقاءُ: رَمْيُ شَيْءٍ في اليَدِ إلى الأرْضِ. وإطْلاقُ الإلْقاءِ عَلى عَمَلِ السِّحْرِ لِأنَّ أكْثَرَ تَصارِيفِ السَّحَرَةِ في أعْمالِهِمُ السِّحْرِيَّةِ يَكُونُ بِرَمْيِ أشْياءَ إلى الأرْضِ. وقَدْ ورَدَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهم ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم، وأنَّها يُخَيَّلُ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى، وكانَ مُنْتَهى أعْمالِ السّاحِرِ أنْ يُخَيِّلَ الجَمادَ حَيًّا.

و﴿ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ البَدَلِيُّ، أيَّ شَيْءٍ تُلْقُونَهُ، وهَذا زِيادَةٌ في إظْهارِ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمَبْلَغِ سِحْرِهِمْ، وتَهْيِئَةٍ لِلْمَلَأ الحاضِرِينَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُبْطِلٌ سِحْرَهم عَلى يَدِ رَسُولِهِ.

ولا يُشْكِلُ أنْ يَأْمُرَهم مُوسى بِإلْقاءِ السِّحْرِ بِأنَّهُ أمَرَ بِمَعْصِيَةٍ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا كافِرِينَ والكافِرُ غَيْرُ مُخاطَبٍ بِالشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِإلْقائِهِ

صفحة ٢٥٥

إظْهارُ بُطْلانِهِ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ تَقْرِيرِ شُبْهَةِ المُلْحِدِ مِمَّنْ يَتَصَدّى لِإبْطالِها بَعْدَ تَقْرِيرِها مِثْلُ طَرِيقَةِ عَضُدِ الدِّينِ الأيْجِي في كِتابِهِ المَواقِفِ.

وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ صُورَةِ سِحْرِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ العِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ إصْرارِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ، وما لَقِيَهُ المُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ اعْتِلاءِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ والمُسْتَضْعَفِينَ مَعَهُ، وكَيْفَ كانَتْ لَهُمُ العاقِبَةُ الحُسْنى ولِمَن كَفَرُوا عاقِبَةُ السُّوءِ، لِيَكُونُوا مَثَلًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجُ بِالذِّكْرِ إلّا عَلى مَقالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ رَأى سِحْرَهُمُ الدّالَّةِ عَلى يَقِينِهِ بِرَبِّهِ ووَعْدِهِ، وبِأنَّ العاقِبَةَ لِلْحَقِّ. وذَلِكَ أهَمُّ في هَذا المَقامِ مِن ذِكْرِ انْدِحاضِ سِحْرِهِمْ تِجاهَ مُعْجِزَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِأجْلِ هَذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولَ ألْقَوْا لِتَنْزِيلِ فِعْلِ ألْقُوا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِ مَفْعُولِهِ.

ومَعْنى جِئْتُمْ بِهِ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا، فالمَجِيءُ قَدِ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الإظْهارِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُظْهِرُهُ في المَكانِ الَّذِي جاءَهُ، فالمُلازَمَةُ عُرْفِيَّةٌ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم جاءُوا مِن بِقاعٍ أُخْرى مُصاحِبِينَ لِلسِّحْرِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّحَرَةِ أوْ كُلُّهم قَدْ أقْبَلُوا مِن مُدُنٍ عَدِيدَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ ما يُعَبَّرُ فِيهِ بِنَحْوِ: جاءَ بِكَذا، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَقامَ في نَحْوِ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] لا يَسْتَقِيمُ في نَحْوِ ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١]

ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ بِجَعْلِ ما جِئْتُمْ مُسْنَدًا إلَيْهِ دُونَ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، وبِجَعْلِهِ اسْمًا مُبْهَمًا، ثُمَّ تَفْسِيرِهِ بِجُمْلَةِ جِئْتُمْ بِهِ ثُمَّ بَيانِهِ بِعَطْفِ البَيانِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ الخَبَرِ، وهو جُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ثُمَّ مَجِيءُ ضَمِيرِ السِّحْرِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، كُلُّ ذَلِكَ إطْنابٌ وتَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، لِيَتَقَرَّرَ الإخْبارُ بِثُبُوتِ حَقِيقَةٍ في السِّحْرِ لَهُ ويَتَمَكَّنُ في أذْهانِ السّامِعِينَ فَضْلُ تَمَكُّنٍ ويَقَعُ الرُّعْبُ في نُفُوسِهِمْ.

صفحة ٢٥٦

وقَوْلُهُ: السِّحْرُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أوَّلِهِ هي هَمْزَةُ ال، فَتَكُونُ ما في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والسَّحَرُ عَطْفُ بَيانٍ لِاسْمِ المَوْصُولِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ ”آلسِّحْرَ“ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ في أوَّلِهِ وبِالمَدِّ لِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، فَتَكُونُ (ما) في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْتِفْهامِيَّةً ويَكُونُ ”آلسِّحْرَ“ اسْتِفْهامًا مُبَيِّنًا لِـ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ. والمَعْنى: أنَّهُ أمْرٌ هَيِّنٌ يَسْتَطِيعُهُ ناسٌ كَثِيرُونَ.

وإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ خَبَرُ ما المَوْصُولَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، واسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ومَن وافَقَهُ وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ زِيادَةٌ في إلْقاءِ الرَّوْعِ في نُفُوسِهِمْ.

وإبْطالُهُ: إظْهارُ أنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأنَّ إظْهارَ ذَلِكَ إبْطالٌ لِما أُرِيدَ مِنهُ، أيْ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُ تَأْثِيرَهُ عَلى النّاسِ بِفَضْحِ سَرِّهِ، وأشارَتْ عَلّامَةُ الِاسْتِقْبالِ إلى قُرْبِ إبْطالِهِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ العِلْمُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الوَحْيِ الخاصِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ، أوِ العامِّ بِانْدِراجِهِ تَحْتَ قاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ، وهي مَدْلُولُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾

فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ بِما فِيهِ نَفْيُ الإصْلاحِ. وتَعْرِيفُ المُفْسِدِينَ بِلامِ الجِنْسِ، مِنَ التَّعْمِيمِ في جِنْسِ الإصْلاحِ المَنفِيِّ وجِنْسِ المُفْسِدِينَ لِيُعْلَمَ أنَّ سِحْرَهم هو مِن قَبِيلِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ، وإضافَةُ عَمَلَ إلى المُفْسِدِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ فِعْلُ مَن شَأْنُهُمُ الإفْسادُ فَيَكُونُ نَسْجًا عَلى مِنوالِهِمْ وسِيرَةً عَلى مُعْتادِهِمْ، والمُرادُ بِإصْلاحِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ الَّذِي نَفاهُ أنَّهُ لا يُؤَيِّدُهُ. ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ تَصْيِيرِهِ صالِحًا؛ لِأنَّ ماهِيَّةَ الإفْسادِ لا تَقْبَلُ أنْ تَصِيرَ صَلاحًا حَتّى يُنْفى تَصْيِيرُها كَذَلِكَ عَنِ اللَّهِ، وإنَّما إصْلاحُها هو إعْطاؤُها الصَّلاحَ، فَإذا نَفى اللَّهُ إصْلاحَها فَذَلِكَ بِتَرْكِها وشَأْنِها، ومِن شَأْنِ الفَسادِ أنْ يَتَضاءَلَ مَعَ الزَّمانِ حَتّى يَضْمَحِلَّ.

صفحة ٢٥٧

ولَمّا قُدِّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ إصْلاحِهِ تَسْلِيطُ أسْبابِ بُطْلانِهِ عَلَيْهِ حَتّى يَبْطُلَ تَأْثِيرُهُ، وأنَّ عَدَمَ إصْلاحِ أعْمالِ أمْثالِهِمْ هو إبْطالُ أغْراضِهِمْ مِنها كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] أيْ يُظْهِرَ بُطْلانَهُ.

وإنَّما كانَ السَّحَرَةُ مُفْسِدِينَ لِأنَّ قَصْدَهم تَضْلِيلُ عُقُولِ النّاسِ لِيَكُونُوا مُسَخَّرِينَ لَهم ولا يَعْلَمُوا أسْبابَ الأشْياءِ فَيَبْقُوا آلَةً فِيما تَأْمُرُهُمُ السَّحَرَةُ، ولا يَهْتَدُوا إلى إصْلاحِ أنْفُسِهِمْ سَبِيلًا. أمّا السَّحَرَةُ الَّذِينَ خاطَبَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإفْسادُهم أظْهَرُ لِأنَّهم يُحاوِلُونَ إبْطالَ دَعْوَةِ الحَقِّ والدِّينِ القَوِيمِ وتَرْوِيجِ الشِّرْكِ والضَّلالاتِ.

وجُمْلَةُ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُبْطِلُهُ ويُحِقُّ الحَقَّ، أيْ يُثْبِتُ المُعْجِزَةَ.

والإحْقاقُ: التَّثْبِيتُ. ومِنهُ سُمِّيَ الحَقُّ حَقًّا لِأنَّهُ الثّابِتُ.

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ لِقَصْدِ تَرْبِيَةِ المَهابَةِ في نُفُوسِهِمْ.

والباءُ في بِكَلِماتِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ.

والكَلِماتُ: مُسْتَعارَةٌ لِتَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ - تَعالى - بِالإيجادِ وهو التَّعَلُّقُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّكْوِينِ الجارِي عَلى وفْقِ إرادَتِهِ وعَلى وفْقِ عِلْمِهِ. وهي اسْتِعارَةٌ رَشِيقَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ يُشْبِهُ الكَلامَ في أنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ إدْراكُ مَعْنًى ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ، وعَلى عِلْمِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَوْ وصْلِيَةٌ، وهي تَقْتَضِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها غايَةٌ فِيما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفُ حُكْمِ ما قَبْلَها، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَيَكُونُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ أجْدَرَ وأوْلى بِتَحْقِيقِ الحُكْمِ السّابِقِ مَعَهُ. وإنَّما كانَتْ كَراهِيَةُ المُجْرِمِينَ إحْقاقَ الحَقِّ غايَةً لِما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفَ الإحْقاقِ لِأنَّ تِلْكَ الكَراهِيَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْعَثَهم عَلى

صفحة ٢٥٨

مُعارَضَةِ الحَقِّ الَّذِي يَسُوءُهم ومُحاوَلَةِ دَحْضِهِ وهم جَماعَةٌ أقْوِياءُ يَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الصَّعْبُ فَأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ خاذِلُهم.

وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِما فِيهِ مِن وصْفِهِمْ بِالإجْرامِ تَعْرِيضًا بِهِمْ. وإنَّما لَمْ يُخاطِبْهم بِصِفَةِ الإجْرامِ بِأنْ يَقُولَ: وإنْ كَرِهْتُمْ أيُّها المُجْرِمُونَ عُدُولًا عَنْ مُواجَهَتِهِمْ بِالذَّمِّ، وُقُوفًا عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ - تَعالى - إذْ قالَ لَهُ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فَأتى بِالقَضِيَّةِ في صُورَةِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِن جُزْئِيّاتِها بِدُونِ تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ. وهَذا بِخِلافِ مَقامِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ. ولِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُحاوِلِينَ مِنَ النَّبِيءِ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم، فَكانَ في مَقامِ الإنْكارِ بِأبْلَغِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ومُوسى كانَ مُحاوِلًا فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ أنْ يُؤْمِنُوا، فَكانَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ بِاللِّينِ.

10:83Page 218

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣

But no one believed Moses, except [some] offspring [i.e., youths] among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors.

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحاوَرَةِ، أيْ فَتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُوسى لِأنَّ حَصْرَ المُؤْمِنِينَ في ذُرِّيَّةٍ مِن قَوْمِ مُوسى يُفِيدُ أنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْمِنُوا وهو المَقْصُودُ، فَكانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ في هَذا المَقامِ إيجازًا. والتَّقْدِيرُ: تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ تَصْمِيمٌ عَلى الإعْراضِ.

وقَدْ طُوِيَ ما حَدَثَ بَيْنَ المُحاوَرَةِ وبَيْنَ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الإعْراضِ، وهو إلْقاءُ مُوسى عَصاهُ والتِقامُها ما ألْقَوْهُ مِن سِحْرِهِمْ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِ ذَلِكَ إذِ

صفحة ٢٥٩

المَقْصُودُ الإفْضاءُ إلى أنَّهم صَمَّمُوا عَلى الإعْراضِ لِأنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ تَمْثِيلِ أعْمالِهِمْ بِحالِ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.

وفِعْلُ آمَنَ أصْلُهُ (أأْمَنَ) بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما أصْلِيَّةٌ في الكَلِمَةِ لِأنَّ الكَلِمَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الأمانَةِ، والثّانِيَةُ هَمْزَةٌ مَزِيدَةٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهُ ذا أمانَةٍ، أيْ غَيْرَ كاذِبٍ فَصارَ فِعْلُ آمَنَ بِمَعْنى صَدَّقَ، وحَقُّهُ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ ولَكِنْ عُدِّيَ بِاللّامِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ (آمَنَ) بِمَعْنى صَدَّقَ مِنَ الأمانَةِ وبَيْنَ (آمَنَ) بِمَعْنى جَعَلَهُ في أمْنٍ، أيْ لا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنهُ.

وهَذِهِ اللّامُ سَمّاها ابْنُ مالِكٍ لامَ التَّبْيِينِ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ، وهي تَدْخُلُ عَلى المَفْعُولِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، ويُؤَكِّدُ قَصْدَ التَّقْوِيَةِ في مِثْلِ فِعْلِ آمَنَ بِمَعْنى صَدَّقَ دَفْعَ أنْ يَلْتَبِسَ بِفِعْلِ آمَنَهُ إذا جَعَلَهُ في أمْنٍ وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.

وقَدْ يُعَدّى بِالباءِ لِتُضَمُّنِهِ مَعْنى صَدَّقَ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]

والذُّرِّيَّةُ: الأبْناءُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

أيْ فَما آمَنَ بِما جاءَ بِهِ مُوسى إلّا أبْناءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَبْلُغْ دَعْوَتُهُ بَقِيَّةَ قَوْمِهِ أوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ حِينَئِذٍ.

وعَلى في قَوْلِهِ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ﴾ بِمَعْنى مَعَ مِثْلُ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيْ آمَنُوا مَعَ خَوْفِهِمْ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ذُرِّيَّةِ، أيْ في حالِ خَوْفِهِمِ المُتَمَكِّنِ مِنهم.

وهَذا ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم آمَنُوا ولَمْ يَصُدَّهم عَنِ الإيمانِ خَوْفُهم مِن فِرْعَوْنَ.

والمَعْنى: أنَّهم آمَنُوا عِنْدَ ظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ، أيْ أعْلَنُوا الإيمانَ بِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ لِأنَّ الإيمانَ لا يُعَرَفُ إلّا بِإظْهارِهِ ولا فائِدَةَ مِنهُ إلّا ذَلِكَ الإظْهارُ. أيْ مِنَ الحاضِرِينَ

صفحة ٢٦٠

فِي ذَلِكَ المَشْهَدِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ عادَةَ هَذِهِ المَجامِعِ أنْ يَغْشاها الشَّبابُ واليافِعُونَ فَعَبَّرَ عَنْهم بِالذُّرِّيَّةِ أيِ الأبْناءِ، كَما يُقالُ: الغِلْمانُ، فَيَكُونُونَ قَدْ آمَنُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، وكُلُّ هَذا لا يَقْتَضِي أنَّ بَقِيَّةَ قَوْمِهِ كَفَرُوا بِهِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا آمَنُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمّا بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ لِأنَّهُ يَكُونُ قَدِ ابْتَدَأ بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ مُبادَرَةً لِامْتِثالِ الأمْرِ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣] فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ ابْتِداءً هو دَعْوَةُ فِرْعَوْنَ وتَخْلِيصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ.

والمَلَأُ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ القِصَّةِ، وأُضِيفَ المَلَأُ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ وهو عائِدٌ إلى الذُّرِّيَّةِ، أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وعَلى خَوْفٍ مِن قَوْمِهِمْ، وهم بَقِيَّةُ القَوْمِ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا ذَلِكَ المَشْهَدَ خَشْيَةَ أنْ يَغْضَبُوا عَلَيْهِمْ ويُؤْذُوهم لِإيمانِهِمْ بِمُوسى لِما يَتَوَقَّعُونَ مِن مُؤاخَذَةِ فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ جَمِيعَ قَبِيلَتِهِمْ عَلى عادَةِ الجَبابِرَةِ في أخْذِ القَبِيلَةِ بِفَعْلَةٍ مِن بَعْضِ رِجالِها.

والفَتْنُ إدْخالُ الرَّوْعِ والِاضْطِرابِ عَلى العَقْلِ بِسَبَبِ تَسْلِيطِ ما لا تَسْتَطِيعُ النَّفْسُ تَحَمُّلَهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فَهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ﴾ وهي تُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِخَوْفِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ، أيْ أنَّهم مُحِقُّونَ في خَوْفِهِمُ الشَّدِيدِ، فَبَعْدَ أنْ أثْنى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم آمَنُوا في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ زادَ فَبَيَّنَ أنَّهم أحِقّاءُ بِالخَوْفِ، وفي هَذا زِيادَةُ ثَناءٍ عَلى قُوَّةِ إيمانِهِمْ إذْ آمَنُوا في حالِ خَوْفِهِمْ مِنَ المَلِكِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى أذاهم، ومِن مَلَئِهِمْ، أيْ قَوْمِهِمْ، وهو خَوْفٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ آثارَهُ تَتَطَرَّقُ المَرْءُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ حَتّى في خَلْوَتِهِ وخُوَيِّصَّتِهِ لِشِدَّةِ مُلابَسَةِ قَوْمِهِ إيّاهُ في جَمِيعِ تَقَلُّباتِهِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ مَفَرًّا مِنهم، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِبَيانِ اتِّساعِ مَقْدِرَةِ فِرْعَوْنَ بَيانِ تَجاوُزِهِ الحَدَّ في الجَوْرِ، ومَن هَذِهِ حالَتُهُ لا يَزَعُهُ عَنْ إلْحاقِ الضُّرِّ بِأضْدادِهِ وازِعٌ.

صفحة ٢٦١

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ بَطْشِ فِرْعَوْنَ.

والعُلُوُّ: مُسْتَعارٌ لِلْغَلَبَةِ والِاسْتِبْدادِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]

والإسْرافُ: تَجاوُزُ حَدِّ الِاعْتِدالِ المَعْرُوفِ في فِعْلٍ، فَهو تَجاوُزٌ مَذْمُومٌ، وأشْهَرُ مَوارِدِهِ في الإنْفاقِ، ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ الإفْراطِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ إسْرافًا فِيما عُرِفَ بِهِ مُلُوكُ زَمانِهِمْ مِنَ الصِّفاتِ المَكْرُوهَةِ عِنْدَ النّاسِ المُلازِمَةِ لِلْمُلُوكِ في العادَةِ.

وقَوْلُهُ: مِنَ المُسْرِفِينَ أبْلَغُ في وصْفِهِ بِالإسْرافِ مِن أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَمُسْرِفٌ لِما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في الأنْعامِ.

10:84–86Page 218

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allāh, then rely upon Him, if you should be Muslims [i.e., submitting to Him]."

فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥

So they said, "Upon Allāh do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

عَطَفَ بَقِيَّةَ القِصَّةِ عَلى أوَّلِها فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: ٧٩]، وهَذا خِطابُ مُوسى لِجَمِيعِ قَوْمِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِمِصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَعاهم وآمَنُوا بِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ . والغَرَضُ مِنهُ تَثْبِيتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ عَلى تَوَكُّلِهِمْ، وأمْرُ مَن عَداهُمُ الَّذِينَ خافَ ذُرِّيَّتُهم أنْ يُؤَنِّبُوهم عَلى إظْهارِ الإيمانِ بِأنْ لا يَجَبِّنُوا أبْناءَهم، وأنْ لا يَخْشَوْا فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ حَقًّا كَما أظْهَرَتْهُ أقْوالُكم فَعَلَيْهِ اعْتَمِدُوا في نَصْرِكم ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَعْتَمِدُوا في ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم بِمُصانَعَةِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى فِرْعَوْنَ بِإظْهارِ الوَلاءِ لَهُ.

صفحة ٢٦٢

وأرادَ إثارَةَ صِدْقِ إيمانِهِمْ وإلْهابَ قُلُوبِهِمْ بِجَعْلِ إيمانِهِمْ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ، حَيْثُ تَخَوَّفُوا مِن فِرْعَوْنَ أنْ يَفْتِنَهم فَأرادُوا أنْ يَكْتُمُوا إيمانَهم تَقِيَّةً مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وإنَّما جَعَلَ عَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِبَطْشِ فِرْعَوْنَ عَلامَةً عَلى إيمانِهِمْ لِأنَّ الدَّعْوَةَ في أوَّلِ أمْرِها لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِإظْهارِ مُتَّبِعِيها جَماعَتَهم، فَلا تُغْتَفَرُ فِيها التَّقِيَّةُ حِينَئِذٍ. وبِذَلِكَ عَمِلَ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِثْلُ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وأبِي بَكْرٍ، فَأعْلَنُوا الإيمانَ وتَحَمَّلُوا الأذى، وإنَّما سُوِّغَتِ التَّقِيَّةُ لِلْآحادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ تَقَوُّمِ جامِعَةِ الإيمانِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]

فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، فَآلَ المَعْنى إلى نَهْيِهِمْ عَنْ مَخافَةِ فِرْعَوْنَ.

والتَّوَكُّلُ: تَقَدَّمَ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ شَرْطٌ ثانٍ مُؤَكِّدٌ لِشَرْطِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ حُصُولَ هَذا التَّوَكُّلِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوَكُّلِ وأنَّهُ مُلازِمٌ لِلْإيمانِ والإسْلامِ، ومُبَيِّنٌ أيْضًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، أيْ إنْ كانَ إيمانُكم إيمانَ مُسْلِمٍ لِلَّهِ، أيْ مُخْلِصٍ لَهُ غَيْرِ شائِبٍ إيّاهُ بِتَرَدُّدٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ ولا في أنَّ وعْدَهُ حَقٌّ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الشَّرْطَيْنِ ما يَقْتَضِي تَعْلِيقَ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ عَلى الشَّرْطِ الآخَرِ.

وهَذا مِن مَسْألَةِ تَعْلِيقِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، والإيمانُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ وهو عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإسْلامِ، والإسْلامُ: النُّطْقُ بِما يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإيمانِ، فالإيمانُ انْفِعالٌ قَلْبِيٌّ نَفْسانِيٌّ، والإسْلامُ عَمَلٌ جُسْمانِيٌّ، وهُما مُتَلازِمانِ في الِاعْتِدادِ بِهِما في اتِّباعِ الدِّينِ إذْ لا يُعْلَمُ حُصُولُ تَصْدِيقِ القَلْبِ إلّا بِالقَوْلِ والطّاعَةِ، وإذْ لا يَكُونُ القَوْلُ حَقًّا إلّا إذا وافَقَ ما في

صفحة ٢٦٣

النَّفْسِ، قالَ - تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ في الصَّحِيحَيْنِ.

ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم إنْ لَمْ يَتَوَكَّلُوا كانُوا مُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُسْلِمِينَ، ولا أنَّهم إنْ تَوَكَّلُوا كانُوا مُسْلِمِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ التَّدَيُّنُ بِالدِّينِ. ومِن ثَمَّ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَوابًا لِلشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِما. أيْ يُقَدَّرُ لِلشَّرْطِ الثّانِي جَوابٌ مُماثِلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ. هَذا هو مَحْمَلُ الآيَةِ وما حاوَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ خُرُوجٌ عَنْ مَهْيَعِ الكَلامِ.

وقَدْ كانَ صادِقُ إيمانِهِمْ مَعَ نُورِ الأمْرِ النَّبَوِيِّ الَّذِي واجَهَهم بِهِ نَبِيُّهم مُسْرِعًا بِهِمْ إلى التَّجَرُّدِ عَنِ التَّخَوُّفِ والمُصانَعَةِ، وإلى عَقْدِ العَزْمِ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَلِذَلِكَ بادَرُوا بِجَوابِهِ بِكَلِمَةٍ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ مُشْتَمِلَةً عَلى خُصُوصِيَّةِ القَصْرِ المُقْتَضِي تَجَرُّدَهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.

وأُشِيرَ إلى مُبادَرَتِهِمْ بِأنْ عُطِفَتْ جُمْلَةُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَلى مَقالَةِ مُوسى بِفاءِ التَّعْقِيبِ خِلافًا لِلْأُسْلُوبِ الغالِبِ في حِكايَةِ جُمَلِ الأقْوالِ الجارِيَةِ في المُحاوَراتِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ.

ثُمَّ ذَيَّلُوا كَلِمَتَهم بِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ بِسُؤالِهِمْ مِنهُ أنْ يَقِيَهم ضُرَّ فِرْعَوْنَ، ناظِرِينَ في ذَلِكَ إلى مَصْلَحَةِ الدِّينِ قَبْلَ مَصْلَحَتِهِمْ لِأنَّهم إنْ تَمَكَّنَ الكَفَرَةُ مِن إهْلاكِهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ قَوِيَتْ شَوْكَةُ أنْصارِ الكُفّارِ فَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أصابَهم ما أصابَهم فَيَفْتَتِنُ بِذَلِكَ عامَّةُ الكَفَرَةِ ويَظُنُّونَ أنَّ دِينَهُمُ الحَقُّ.

والفِتْنَةُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها آنِفًا. وسَمَّوْا ذَلِكَ فِتْنَةً لِأنَّها تَزِيدُ النّاسَ تَوَغُّلًا في الكُفْرِ، والكُفْرُ فِتْنَةٌ.

والفِتْنَةُ مَصْدَرٌ. فَمَعْنى سُؤالِهِمْ أنْ لا يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ فِتْنَةً هو أنْ لا يَجْعَلَهم سَبَبَ فِتْنَةٍ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ تَجْعَلْنا إلى ضَمِيرِهِمُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِ - ”فِتْنَةً“ تَعْدِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ

صفحة ٢٦٤

العَقْلِيِّ، ولَيْسَ الخَبَرُ بِفِتْنَةٍ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ إذْ لا يَفْرِضُونَ أنْ يَكُونُوا فاتِنِينَ ولا يَسْمَحُ المَقامُ بِأنَّهم أرادُوا لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ.

ووَصَفُوا الكُفّارَ بِـ الظّالِمِينَ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، ولِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهم تَلَبَّسُوا بِأنْواعِ الظُّلْمِ: ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، وظُلْمِ الخَلائِقِ، ثُمَّ سَألُوا ما فِيهِ صَلاحُهم فَطَلَبُوا النَّجاةَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ، أيْ مِن بَطْشِهِمْ وإضْرارِهِمْ.

وزِيادَةُ (بِرَحْمَتِكَ) لِلتَّبَرُّؤِ مِنَ الإدْلالِ بِإيمانِهِمْ لِأنَّ المِنَّةَ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]

وذِكْرُ لَفْظِ القَوْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ لِلْوَجْهِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ في أواسِطِ البَقَرَةِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском