Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:91–97
10:91–92Page 219
ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٩١
Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?
فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ٩٢
So today We will save you in body1 that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless.
صفحة ٢٧٧
﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾
مَقُولٌ لِقَوْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: قالَ اللَّهُ. وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ: آمَنتُ لِأنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ طَلَبَ الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ اعْتِرافًا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِ كَلامًا. فَأجابَهُ اللَّهُ بِكَلامٍ.
وقالَ اللَّهُ هَذا الكَلامُ لَهُ عَلى لِسانِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِتَعْذِيبِهِ تَأْيِيسًا لَهُ مِنَ النَّجاةِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، تِلْكَ النَّجاةُ الَّتِي هي مَأْمُولَةٌ حِينَ قالَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ، فَإنَّهُ ما آمَنَ إلّا وقَدْ تَحَقَّقَ بِجَمِيعِ ما قالَهُ مُوسى، وعَلِمَ أنَّ ما حَلَّ بِهِ كانَ بِسَبَبِ غَضَبِ اللَّهِ، ورَجا مِنِ اعْتِرافِهِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ويُنْجِيَهُ مِنَ الغَرَقِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَقِبَ كَلامِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ كَما سَيَأْتِي.
والِاسْتِفْهامُ في آلْآنَ إنْكارِيٌّ.
والآنَ: ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: آمَنتُ تَقْدِيرُهُ: الآنَ تُؤْمِنُ، أيْ هَذا الوَقْتُ. ويُقَدَّرُ الفِعْلُ مُؤَخَّرًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ دَلَّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ هو الظَّرْفُ.
والإنْكارُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الإنْكارَ لَيْسَ وقْتًا يَنْفَعُ فِيهِ الإيمانُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا إيمانَ الآنَ.
والمَنفِيُّ هو إيمانٌ يُنْجِي مَن حَصَلَ مِنهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنَّما لَمْ يَنْفَعْهُ إيمانُهُ لِأنَّهُ جاءَ بِهِ في وقْتِ حُصُولِ المَوْتِ. وهو وقْتٌ لا يُقْبَلُ فِيهِ إيمانُ الكافِرِ ولا تَوْبَةُ العاصِي، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]
صفحة ٢٧٨
والآنَ اسْمُ ظَرْفٍ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَعْمُولِ تُؤَمِنُ المَحْذُوفِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِما في الِاسْتِفْهامِ مِن مَعْنى الإنْكارِ، فَإنَّ إيمانَهُ في ذَلِكَ الحِينِ مُنْكَرٌ، ويَزِيدُهُ إنْكارًا أنَّ صاحِبَهُ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ ومُفْسِدًا لِلدِّينِ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومُفْسِدًا في الأرْضِ بِالجَوْرِ والظُّلْمِ والتَّمْوِيهِ بِالسِّحْرِ.
وصِيغَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أبْلَغُ في الوَصْفِ بِالإفْسادِ مِن: وكُنْتَ مُفْسِدًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وبِمِقْدارِ ما قَدَّمَهُ مِنَ الآثامِ والفَسادِ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ العَذابُ.
والفاءُ الَّتِي في قَوْلِهِ: (فاليَوْمَ) فاءُ الفَصِيحَةِ، تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والمَعْنى: فَإنْ رُمْتَ بِإيمانِكَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِهِ أنْ أُنْجِيَكَ مِنَ الغَرَقِ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ، فَإطْلاقُ الإنْجاءِ عَلى إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ.
ولَيْسَ مُسَوِّغُها التَّهَكُّمَ المَحْضَ كَما هو الغالِبُ في نَوْعِها، بَلْ فِيها عَلاقَةُ المُشابِهَةِ؛ لِأنَّ إخْراجَهُ إلى البَرِّ كامِلًا بِشَكَّتِهِ يُشْبِهُ الإنْجاءَ، ولَكِنَّهُ ضِدُّ الإنْجاءِ، فَكانَ بِالمُشابِهَةِ، اسْتِعارَةً، وبِالضِّدْيَةِ تَهَكُّمًا، والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: بِبَدَنِكَ حالٌ.
والأظْهَرُ أنَّ الباءَ مِن قَوْلِهِ: بِبَدَنِكَ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ تَأْكِيدِ آيَةِ إنْجاءِ الجَسَدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: بَدَنِكَ في مَعْنى البَدَلِ المُطابِقِ مِنَ الكافِ في نُنَجِّيكَ كَزِيادَةِ الباءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ: ”فَإذا هو أبُو زَيْدٍ بِعَيْنِهِ ومَيْنِهِ“ .
والبَدَنُ: الجِسْمُ بِدُونِ رُوحٍ وهَذا احْتِراسٌ مِن أنْ يُظَنَّ المُرادُ الإنْجاءَ مِنَ الغَرَقِ. والمَعْنى: نُنْجِيكَ وأنْتَ جِسْمٌ. كَما يُقالُ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإذا هو جُثَّةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ الِاقْتِصارَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَما كانَ داعٍ لِلْبَلِيغِ أنْ يَزِيدَ ذَلِكَ القَيْدَ،
صفحة ٢٧٩
فَإنَّ كُلَّ زِيادَةٍ في الكَلامِ البَلِيغِ يُقْصَدُ مِنها مَعْنًى زائِدٌ، وإلّا لَكانَتْ حَشْوًا في الكَلامِ والكَلامُ البَلِيغُ مَوْزُونٌ، ولُغَةُ العَرَبِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أساسِ الإيجازِ.
ولِمَن خَلْفَكَ أيْ مَن وراءَكَ. والوَراءُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المُتَأخِّرِ والباقِي، أيْ مَن لَيْسُوا مَعَكَ. والمُرادُ بِهِمْ مَن يَخْلُفُهُ مِنَ الفَراعِنَةِ ومَن مَعَهم مِنَ الكَهَنَةِ والوُزَراءِ، أيْ لِتَكُونَ ذاتُهُ آيَةً عَلى أنَّ اللَّهَ غالِبُ مَن أشْرَكُوا بِهِ، وأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ وأقْهَرُ مِن فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ في اعْتِقادِ القِبْطِ، إذْ يَرَوْنَ فِرْعَوْنَ الإلَهَ عِنْدَهم طَرِيحًا عَلى شاطِئِ البَحْرِ غَرِيقًا. فَتِلْكَ مِيتَةٌ لا يَسْتَطِيعُونَ مَعَها الدَّجَلَ بِأنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، أوْ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُتابِعُ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّكاذِيبِ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ لا يُغْلَبُ، وأنَّ الفَراعِنَةَ حِينَ يَمُوتُونَ إنَّما يُنْقَلُونَ إلى دارِ الخُلُودِ. ولِذَلِكَ كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى النّاسِ فَيَبْنُونَ لَهُ البُيُوتَ في الأهْرامِ ويُودِعُونَ بِها لِباسَهُ وطَعامَهُ ورِياشَهُ وأنْفَسَ الأشْياءِ عِنْدَهُ، فَمَوْتُهُ بِالغَرَقِ وهو يَتَّبِعُ أعْداءَهُ مِيتَةً لا تُئَوَّلُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ كَوْنُهُ آيَةً لِمَن خَلْفَهُ عِلَّةً لِإخْراجِهِ مِن غَمْرَةِ الماءِ مَيِّتًا كامِلًا، فَهم مُضْطَرُّونَ إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهُ غَرِقَ إذا نَظَرُوا في تِلْكَ الآيَةِ.
ولَمْ يَعْدِمْ فِرْعَوْنُ فائِدَةً مِن إيمانِهِ، فَإنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ قَدَّرَ لَهُ الخُرُوجَ مِن غَمَراتِ الماءِ، فَلَمْ يَبْقَ في الماءِ أكْلَةً لِلْحِيتانِ ولَكِنْ لَفَظَتْهُ الأمْواجُ، وتِلْكَ حالَةٌ أقَلُّ خِزْيًا مِن حالاتِ سائِرِ جَيْشِهِ، بِها ظَهَرَ نَفْعُ ما لَهُ بِما حَصَلَ لِنَفْسِهِ مِنَ الإيمانِ في آخِرِ أحْوالِهِ.
وكَلِمَةُ فاليَوْمَ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الآنَ لِأنَّ اسْمَ اليَوْمِ أُطْلِقَ عَلى جُزْءٍ مِن زَمَنِ الحالِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِمَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أوْ واوُ الحالِ.
صفحة ٢٨٠
والمُرادُ مِنهُ: دَفْعُ تَوَهُّمِ النَّقْصِ عَنْ آياتِ اللَّهِ عِنْدَ ما يُحْرَمُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ الِاهْتِداءَ بِها، فَهي في ذاتِها دَلائِلُ هُدًى سَواءٌ انْتَفَعَ بِها بَعْضُ النّاسِ أمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا فالتَّقْصِيرُ مِنهم.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْرَحُ آيَةٍ في القُرْآنِ دَلالَةً عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ مُوسى والَّذِي اتَّبَعَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ قَدْ أصابَهُ الغَرَقُ. وقَدْ أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ الأعْرافِ وآيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِرْعَوْنُ هَذا هو مِنفِطاحُ الثّانِي، ويُقالُ لَهُ (مَيْرَنْبَتا) - بِباءٍ فارِسِيَّةٍ - أوْ (مِنفِتاحُ)، أوْ (مِنِيفْتا) وهو ابْنُ رَعَمْسِيسَ الثّانِي المَعْرُوفُ عِنْدَ اليُونانِ باسِمِ (سِيزُوسْتِرِيسَ)، مِن مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَةَ مِنَ الأُسَرِ الفِرْعَوْنِيَّةِ، وكانُوا في حُدُودِ سَنَةِ ١٤٩١ قَبْلَ المَسِيحِ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ فِرْعَوْنُ هَذا قَصِيرًا أحْمَرَ فَلا نَشُكُّ في أنَّ مِنِفْطاحَ الثّانِي ماتَ غَرِيقًا في البَحْرِ، وأنَّهُ خَرَجَتْ جُثَّتُهُ بَعْدَ الغَرَقِ فَدُفِنَ في وادِي المُلُوكِ في صَعِيدِ مِصْرَ. فَذَكَرَ المُنَقِّبُونَ عَنِ الآثارِ أنَّهُ وُجِدَ قَبْرُهُ هُناكَ، وذَلِكَ يُومِئُ إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ . ووُجُودُ قَبْرٍ لَهُ إنْ صَحَّ بِوَجْهٍ مُحَقَّقٍ، لا يُنافِي أنْ يَكُونَ ماتَ غَرِيقًا، وإنْ كانَ مُؤَرِّخُو القِبْطِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِصِفَةِ مَوْتِهِ، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الكَهَنَةَ أجْمَعُوا عَلى إخْفائِها كَيْلا يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلى الأُمَّةِ فِيما يُمَجِّدُ بِهِ الكَهَنَةُ كُلَّ فِرْعَوْنَ مِن صِفاتِ بُنُوَّةِ الآلِهَةِ.
وخَلَفَتْهُ في مُلْكِ مِصْرَ ابْنَتُهُ المُسَمّاةُ (طُوسِيرُ) لِأنَّهُ تَرَكَها وابْنًا صَغِيرًا.
وقَدْ جاءَ ذِكْرُ غَرَقِ فِرْعَوْنَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةِ الصَّراحَةِ والإغْلاقِ.
ومِن دَقائِقِ القُرْآنِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ وهي عِبارَةٌ لَمْ يَأْتِ مِثْلُها فِيما كُتِبَ مِن أخْبارٍ فِرْعَوْنَ، وإنَّها لَمِنَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ في
صفحة ٢٨١
القُرْآنِ إذْ كانَتِ الآيَةُ مُنْطَبِقَةً عَلى الواقِعِ التّارِيخِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْواجَ ألْقَتْ جُثَّتَهُ عَلى السّاحِلِ الغَرْبِيِّ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ فَعَثَرَ عَلَيْهِ الَّذِينَ خَرَجُوا يَتَقَصَّوْنَ آثارَهُ مِمَّنْ بَقَوْا بَعْدَهُ بِمَدِينَةِ مِصْرَ لَمّا اسْتَبْطَئُوا رُجُوعَهُ ورُجُوعَ جَيْشِهِ، فَرَفَعُوهُ إلى المَدِينَةِ وكانَ عِبْرَةً لَهم.
10:93Page 219
وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٩٣
And We had certainly settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ الماضِيَةِ فَإنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الجُمَلِ مَقْصُودٌ مِنها مَوْعِظَةُ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ بِأحْوالِ مَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ في مُشابَهَةِ كُفْرِهِمْ بِكُفْرِهِمْ وبِما حَلَّ بِهِمْ مِن أنْواعِ العَذابِ جَزاءَ كُفْرِهِمْ كَما قالَ - تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣]
فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ السَّوْءِ أتْبَعَهُ بِمَثَلِ الصَّلاحِ بِحالِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ واتَّبَعُوهُ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمِ الحُسْنى لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ مَصِيرَيْ فَرِيقَيْنِ جاءَهم رَسُولٌ فَآمَنَ بِهِ فَرِيقٌ وكَفَرَ بِهِ فَرِيقٌ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِلْمُشْرِكِينَ في الإيمانِ، وبِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
فالمُرادُ بِبَنِي إسْرائِيلَ القَوْمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠] الآيَةَ وتَرْتِيبُ الإخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ بَوَّأهم مُبَوَّأ صِدْقٍ عَقِبَ مُجاوَزَتِهِمُ البَحْرَ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَإنَّهم دَخَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ صَحْراءَ التِّيهِ وأمِنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ وإصْلاحِ شُئُونِهِمْ، ورُزِقُوا المَنَّ والسَّلْوى، وأُعْطُوا النَّصْرَ عَلى الأُمَمِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهم تُحاوِلُ مَنعَهم مِنِ امْتِلاكِ الأرْضِ الطَّيِّبَةِ.
فَما زالُوا يَتَدَرَّجُونَ في مَدارِجِ الخَيْرِ والإنْعامِ فَذَلِكَ مُبَوَّأُ الصِّدْقِ.
صفحة ٢٨٢
والرِّزْقُ: مِنَ الطَّيِّباتِ.
فَمَعْنى ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ أُولَئِكَ ولا مَن خَلَفَهم مِن أبْنائِهِمْ وأخْلافِهِمْ.
والتَّبَوُّءُ تَقَدَّمَ آنِفًا، والمُبَوَّأُ: مَكانُ البَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، والمُرادُ المَسْكَنُ كَما تَقَدَّمَ، وإضافَتُهُ إلى صِدْقٍ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُبَوَّأُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا. والصِّدْقُ هُنا بِمَعْنى الخالِصِ في نَوْعِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] . والمُرادُ بِمُبَوَّأِ الصِّدْقِ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بِلادِ فِلَسْطِين وما فِيها مِن خِصْبٍ وثَراءٍ قالَ - تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]
وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: فَما اخْتَلَفُوا عَلى بَوَّأْنا وما عُطِفَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ ثَناءٍ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم شَكَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ ولَمْ يُكْفُرُوها كَما كَفَرَها المُشْرِكُونَ الَّذِينَ بَوَّأهُمُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِالرَّسُولِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ. فَوَقَعَ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ. وتَقْدِيرُ مَعْناهُ: فَشَكَرُوا النِّعْمَةَ واتَّبَعُوا وصايا الأنْبِياءِ وما خالَفُوا ذَلِكَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ.
والِاخْتِلافُ افْتِعالٌ أُرِيدَ بِهِ شِدَّةُ التَّخالُفِ ولا يُعْرَفُ لِمادَّةِ هَذا المَعْنى فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الخَلْفُ لِمَعْنى الوَراءِ فَتَعِينَ أنَّ زِيادَةَ التّاءِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ (اكْتَسَبَ) مُبالَغَةً في (كَسَبَ)، فَيُحْمَلُ عَلى خِلافِ تَشْدِيدٍ وهو مُضادَّةُ ما جاءَ بِهِ الدِّينُ وما دَعا إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وهو المُناسِبُ لِلسِّياقِ فَإنَّ الكَلامَ ثَناءٌ مُرْدَفٌ بِغايَةٍ تُؤْذِنُ أنَّ ما بَعْدَ الغايَةِ نِهايَةٌ لِلثَّناءِ وإثْباتٌ لِلَّوْمِ إذْ قَدْ نَفى عَنْهُمُ الِاخْتِلافَ إلى غايَةٍ تُؤْذِنُ بِحُصُولِ الِاخْتِلافِ مِنهم عِنْدَ تِلْكَ الغايَةِ فالَّذِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا هُمُ الَّذِينَ بَوَّأهُمُ اللَّهُ مُبَوَّأ صِدْقٍ. وقَدْ جاءُوا بِعْدَهم إلى أنْ جاءَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَلى الأنْبِياءِ. وهَؤُلاءِ ما صَدَقَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ في قَوْلِهِ: ﴿جاءَهُمُ العِلْمُ﴾
صفحة ٢٨٣
وما جاءَهم مِنَ العِلْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما جاءَهم بِهِ الأنْبِياءُ مِن شَرْعِ اللَّهِ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِما جاءُوهم بِهِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ تَكْذِيبُهم بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا قَبْل مَبْعَثِهِ مُقِرِّينَ بِنَبِيءٍ يَأْتِي، فَلَمّا جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ اخْتَلَفُوا في تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هو القُرْآنَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] فَإنَّ البَيِّنَةَ هي مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّ قَبْلَ هَذا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] الآيَةَ. وقالَ - تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]
وهَذا المَحْمَلُ هو المُناسِبُ لِحَرْفِ حَتّى في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾
وتَعْقِيبُ فَما اخْتَلَفُوا بِالغايَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّ ما بَعْدَ الغايَةِ مُنْتَهى حالَةِ الشُّكْرِ، أيْ فَبَقُوا في ذَلِكَ المُبَوَّأِ، وفي تِلْكَ النِّعْمَةِ، حَتّى اخْتَلَفُوا فَسُلِبَتْ نِعْمَتُهم فَإنَّ اللَّهَ سَلَبَهم أوْطانَهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَذْيِيلٌ وتَوَعُّدٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ: أنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ مَضَوْا بِما عَمِلُوا وأنَّ أمْرَهم إلى رَبِّهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ عَلى الحاضِرِينَ اليَوْمَ أنْ يُفَكِّرُوا في وسائِلِ الخَلاصِ مِنَ الضَّلالِ والوُقُوعِ في المُؤاخَذَةِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وبَيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْقَضاءِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ يَقْضِي فَفِعْلُ القَضاءِ كَأنَّهُ مُتَخَلِّلٌ بَيْنَهم لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَبْيِينِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.
صفحة ٢٨٤
وضَمِيرُ بَيْنَهم عائِدٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: فَما اخْتَلَفُوا مِن وُجُودِ مُخالِفٍ (بِكَسْرِ اللّامِ) ومُخالَفٌ (بِفَتْحِها) .
10:94–95Page 219
فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٩٤
So if you are in doubt, [O Muḥammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.
وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٥
And never be of those who deny the signs of Allāh and [thus] be among the losers.1
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى سِياقِ القَصَصِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ وعِظَةً بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ. انْتَقَلَ بِهَذا التَّفْرِيعِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ كِلاهُما تَعْرِيضٌ بِالمُكَذِّبِينَ، فالأُسْلُوبُ السّابِقُ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يَحِلَّ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ لَهم، وهَذا الأُسْلُوبُ المَوالِي تَعْرِيضٌ لَهم بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى تِلْكَ الحَوادِثِ، وما في الكُتُبِ السّابِقَةِ مِنَ الإنْباءِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فالمُرادُ مِن (ما أنْزَلْنا) هو المُنَزَّلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ وهو ما أُنْزِلَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ القَصَصِ.
ثُمَّ إنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لا يَسْتَقِيمُ ما سِواهُما؛ أوَّلُهُما أنْ تَبْقى الظَّرْفِيَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها في عَلى حَقِيقَتِها، ويَكُونُ الشَّكُّ قَدْ أُطْلِقَ وأُرِيدَ بِهِ أصْحابُهُ، أيْ فَإنْ كُنْتَ في قَوْمٍ أهْلِ شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، أيْ يَشُكُّونَ في وُقُوعِ هَذِهِ القَصَصِ، كَما يُقالُ: دَخَلَ في الفِتْنَةِ، أيْ في أهْلِها. ويَكُونُ مَعْنى ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ سُؤالَ تَقْرِيرٍ وإشْهادٍ عَنْ صِفَةِ تِلْكَ الأخْبارِ يُخْبِرُوا بِمِثْلِ ما أخْبَرْتَهم بِهِ، فَيَزُولُ الشَّكُّ مِن نُفُوسِ أهْلِ الشَّكِّ إذْ لا يُحْتَمَلُ تَواطُؤَكَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ لِتِلْكَ الأخْبارِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ.
صفحة ٢٨٥
وثانِيهِما أنْ تَكُونَ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] ويَكُونُ سَوْقُ هَذِهِ المُحاوَرَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ لِقَصْدِ أنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ فَيَكُونُ اسْتِقْرارُ حاصِلِ المُحاوَرَةِ في نُفُوسِهِمْ أمْكَنَ مِمّا لَوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مُواجَهَةً. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الإلْقاءِ التَّعْرِيضِيِّ يَسْلُكُها الحُكَماءُ وأصْحابُ الأخْلاقِ مَتى كانَ تَوْجِيهُ الكَلامِ إلى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ مَظِنَّةَ نُفُورٍ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] أوْ كانَ في ذَلِكَ الإلْقاءِ وفْقٌ بِالَّذِي يُقْصَدُ سَوْقُ الكَلامِ إلَيْهِ كَما في قِصَّةِ الخَصْمِ مِنَ اللَّذَيْنِ اخْتَصَما إلى داوُدَ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ ص.
وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ يُلاقِي قَوْلَهُ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ مِمّا لا يَكْتُمُهُ أهْلُ الكِتابِ، وأنَّهم يَشْهَدُونَ بِهِ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ في القَصَصِ المُوافَقَةُ لِما في كُتُبِهِمْ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّجُونَ مِن إعْلانِها والشَّهادَةِ بِها. وغَيْرُ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ بَعْضَ ما في الآيَةِ، ويَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَكانِ قَوْلِهِ: مَن قَبْلِكَ
ولَيْسَ المُرادُ بِضَمائِرِ الخِطابِ كُلَّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ يُناكِدُ ذَلِكَ إلّا بِتَعَسُّفٍ.
وإنَّما تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ مادَّةُ السُّؤالِ مِن كَوْنِهِمْ يُجِيبُونَ بِما يُزِيلُ الشَّكَّ، فَبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ التَّلازُمُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَوابِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾
وقَرَأ الجُمْهُورُ فاسْألْ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وسُكُونِ السِّينِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ”فَسَلْ“ بِفَتْحِ السِّينِ دُونَ هَمْزَةِ الوَصْلِ وبِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ السِّينِ مُخَفَّفُ سَألَ.
فَجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، كَأنَّ السّامِعَ يَقُولُ: فَإذا سَألْتَهم ماذا يَكُونُ، فَقِيلَ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ .
صفحة ٢٨٦
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ عِلْمَ السّامِعِينَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ لا عِلْمَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الحاجَةِ لِإعْلامِهِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ قُرِنَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، وهُما: لامُ القَسَمِ وقَدْ، لِدَفْعِ إنْكار المُعَرَّضِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ تَفْرِيعُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ تَعْرِيضًا أيْضًا بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم بِحَيْثُ يَحْذَرُ الكَوْنُ مِنهم.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ فِيما لا شُبْهَةَ لِلشَّكِّ فِيهِ. فَهو أخَصُّ مِنَ الشَّكِّ.
وكَذَلِكَ عَطَفَ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ وهو أصْرَحُ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم خاسِرُونَ. ونَظِيرُهُ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وحاصِلُ المَعْنى: فَإنْ كُنْتُمْ شاكِّينَ في صِدْقِ ما أنْزَلْنا عَلى مُحَمَّدٍ مِمّا أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَكم فاسْألُوا أهْلَ الكِتابِ يُخْبِرُوكم بِأنَّ ذَلِكَ صِدْقٌ، لَقَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا تَكُونُوا شاكِّينَ ولا تُكَذِّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونُوا خاسِرِينَ.
10:96–97Page 219
إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٩٦
Indeed, those upon whom the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect will not believe,
وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٩٧
Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾
تَبَيَّنَ تَناسُبُ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها بِما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ السّابِقَةَ فَإنَّهُ لَمّا سَبَقَ التَّعْرِيضُ إلى المُشْرِكِينَ الشّاكِّينَ في صِدْقِ النَّبِيئِ ﷺ والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِمْ في صِدْقِهِ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّهم مِن زُمْرَةِ الفِرَقِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا، فَهم لا تُجْدِي فِيهِمُ الحُجَّةُ لِأنَّهم أهْلُ مُكابَرَةٍ، ولَيْسُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ لِأنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي فُطِرَتْ عَلَيْها عُقُولُهم غَيْرُ قابِلَةٍ لِحَقائِقِ الإيمانِ، فالَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما يَجِيءُ مِنَ الآياتِ هم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، تِلْكَ أماراتُهم. وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ التَّأْيِيسِ مِن إيمانِهِمْ.
صفحة ٢٨٧
ومَعْنى حَقَّتْ ثَبَتَتْ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو تَمَكُّنُ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ. والمُرادُ بِكَلِماتِ اللَّهِ: أمْرُ التَّكْوِينِ، وجُمِعَتِ الكَلِماتُ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ مُتَعَلِّقَها ناسٌ كَثِيرُونَ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم تَحِقُّ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ.
وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ ”كَلِمَةُ رَبِّكَ“ عَلى مُراعاةِ الجِنْسِ إذْ تَحِقُّ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ كَلِمَةٌ، وهَذا الكَلامُ عِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. قالَ غَيْرُهم: وتَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مَظْهَرًا لِمَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشِّقْوَةِ وإنْذارٌ بِوَشْكِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.
فالمَوْصُولُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مُرادٌ بِهِ مَعْهُودٌ، والجُمْلَةُ كُلُّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وإنَّ لِلتَّوْكِيدِ المَقْصُودِ بِهِ التَّحْقِيقُ، أيْ لا شَكَّ أنَّ هَؤُلاءِ مِن أُولَئِكَ فَقَدِ اتَّضَحَ أمْرُهم واليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْقَصَصِ السّابِقَةِ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، والمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ الجامِعِ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي هي بِمَثابَةِ الأُمَمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وتَكُونُ إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، وتُغْنِي عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كالَّتِي في قَوْلِ بِشارٍ:
إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ
كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَكُونُ في الآيَةِ تَعْرِيضٌ آخَرُ بِالمُشْرِكِينَ.
ولَوْ وصَلْيَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ فَكَيْفَ إذا لَمْ تَجِئْهم إلّا بَعْضُ الآياتِ.
وكُلُّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ وقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ ولَوْ جاءَتْهم آياتٌ كَثِيرَةٌ تُشْبِهُ في الكَثْرَةِ اسْتِغْراقَ جَمِيعِ الآياتِ المُمْكِنِ وُقُوعُها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ آنِفًا.
صفحة ٢٨٨
ورُؤْيَةُ العَذابِ، كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِهِ بِهِمْ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا حِين لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ؛ لِأنَّ نُزُولَ العَذابِ هو ابْتِداءُ مُجازاتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الشُّرُوعِ في المُجازاةِ عَفْوٌ.
ومِن بَرَكَةِ هَذا الدِّينِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ قَدْ هَداهُمُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ عَذابًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences