Ibn 'AshurHud · 11:13–16

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Hud 11:13–16

11:13Page 223

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten sūrahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

أمْ هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلِ الَّتِي لِلْإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى آخَرَ، إلّا أنَّ أمْ مُخْتَصَّةٌ بِالِاسْتِفْهامِ فَتُقَدَّرُ بَعْدَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ. والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ في قُوَّةِ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ، فَلِلْجُمْلَةِ حُكْمُ الِاسْتِئْنافِ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ في إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم قالُوا: هَذا كَلامٌ مُفْتَرًى، وقَرَّعَهم بِالحُجَّةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ.

والِافْتِراءُ: الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِصاحِبِهِ، فَهو الكَذِبُ عَنْ عَمْدٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

وجُمْلَةُ قُلْ فَأْتُوا جَوابٌ لِكَلامِهِمْ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَلى ما هو مُسْتَعْمَلٌ في المُحاوَرَةِ سَواءٌ كانَتْ حِكايَةُ المُحاوِرَةِ بِصِيغَةِ حِكايَةِ القَوْلِ أوْ كانَتْ أمْرًا بِالقَوْلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ. وضَمِيرُ الغائِبِ البارِزِ المَنصُوبِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]

والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: جَلْبُهُ، سَواءٌ كانَ بِالِاسْتِرْفادِ مِنَ الغَيْرِ أمْ بِالِاخْتِراعِ مِنَ الجالِبِ وهَذا تَوْسِعَةٌ عَلَيْهِمْ في التَّحَدِّي.

صفحة ٢٠

وتَحَدّاهم هُنا بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ خِلافَ ما تَحَدّاهم في غَيْرِ هَذا المَكانِ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ يُونُسَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ التَّحَدِّي أوَّلَ الأمْرِ بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِ القُرْآنِ. وهو ما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ واحِدَةٍ كَما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ يُونُسَ. فَتَخَطّى أصْحابُ هَذا القَوْلِ إلى أنْ قالُوا: إنَّ سُورَةَ هُودٍ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ، وهو الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.

وقالَ المُبَرِّدُ: تَحَدّاهم أوَّلًا بِسُورَةٍ ثُمَّ تَحَدّاهم هُنا بِعَشْرِ سُوَرٍ لِأنَّهم قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ هُنا بِالِاكْتِفاءِ بِسُوَرٍ مُفْتَرَياتٍ فَلَمّا وسَّعَ عَلَيْهِمْ في صِفَتِها أكْثَرَ عَلَيْهِمْ عَدَدَها. وما وقَعَ مِنَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مُماثَلَتُها لِسُوَرِ القُرْآنِ في كَمالِ المَعانِي، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ.

ومَعْنى مُفْتَرَياتٍ أنَّها مُفْتَرَياتُ المَعانِي كَما تَزْعُمُونَ عَلى القُرْآنِ أيْ بِمِثْلِ قَصَصِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وتَكاذِيبِهِمْ. وهَذا مِن إرْخاءِ العِنانِ والتَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، فالمُماثَلَةُ في قَوْلِهِ: (مِثْلِهِ) هي المُماثَلَةُ في بَلاغَةِ الكَلامِ وفَصاحَتِهِ لا في سَدادِ مَعانِيهِ. قالَ عُلَماؤُنا: وفي هَذا دَلِيلُ عَلى أنَّ إعْجازَهُ وفَصاحَتَهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عُلُوِّ مَعانِيهِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِ بَعْضًا. وهو كَذَلِكَ.

والدُّعاءُ: النِّداءُ لِعَمَلٍ. وهو مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ مَجازًا ولَوْ بِدُونِ نِداءٍ.

وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ وادْعُوا لِذَلِكَ. والأمْرُ فِيهِ لِلْإباحَةِ، أيْ إنْ شِئْتُمْ حِينَ تَكُونُونَ قَدْ عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم فَلَكم أنْ تَدْعُوا مَن تَتَوَسَّمُونَ فِيهِ المَقْدِرَةَ عَلى ذَلِكَ ومَن تَرْجُونَ أنْ يَنْفَحَكم بِتَأْيِيدِهِ مِن آلِهَتِكم وبِتَيْسِيرِ النّاسِ لِيُعاوِنُوكم كَقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]

و(﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]) وصْفٌ لِـ (﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾)، ونُكْتَةُ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ التَّذْكِيرُ بِأنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا عَمَّمَ لَهم في الِاسْتِعانَةِ بِمَنِ

صفحة ٢١

اسْتَطاعُوا أكَّدَ أنَّهم دُونَ اللَّهِ فَإنْ عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاسْتِعانَةِ بِكُلِّ مَن عَدا اللَّهَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

ومَعْنى (﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾) أيْ في قَوْلِكُمُ افْتَراهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: (﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾) . وُوَجْهُ المُلازَمَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ أنَّهُ إذا كانَ الِافْتِراءُ يَأْتِي بِهَذا القُرْآنِ فَما لَكَمَ لا تَفْتَرُونَ أنْتُمْ مِثْلَهُ فَتَنْهَضَ حُجَّتُكم.

11:14Page 223

فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٤

And if they do not respond to you - then know that it [i.e., the Qur’ān] was revealed with the knowledge of Allāh1 and that there is no deity except Him. Then,2 would you [not] be Muslims?

﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى (﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [هود: ١٣]) أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم مَن تَدْعُونَ لَهم فَأنْتُمْ أعْجَزُ مِنهم لِأنَّكم ما تَدْعُونَهم إلّا حِينَ تَشْعُرُونَ بِعَجْزِكم دُونَ مُعاوِنٍ فَلا جَرَمَ يَكُونُ عَجْزُ هَؤُلاءِ مُوقِعًا في يَأْسِ الدّاعِينَ مِنَ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ.

والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ. وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ عَلى الأمْرِ المُسْتَعانِ فِيهِ، وهي مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ المُعاوَنَةَ تَنْشَأُ عَنِ النِّداءِ إلى الإعانَةِ غالِبًا فَإذا انْتُدِبَ المُسْتَعانُ بِهِ إلى الإعانَةِ أجابَ النِّداءَ بِحُضُورِهِ فَسُمِّيَتِ اسْتِجابَةً.

والعِلْمُ: الِاعْتِقادُ اليَقِينُ، أيْ فَأيْقِنُوا أنَّ القُرْآنَ ما أُنْزِلَ إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ، أيْ مُلابِسًا لِعِلْمِ اللَّهِ. أيْ لِأثَرِ العِلْمِ، وهو جَعْلُهُ بِهَذا النَّظْمِ لِلْبَشَرِ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ أثَرٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ. وقَدْ أفادَتْ أنَّما الحَصْرَ، أيْ حَصْرَ أحْوالِ القُرْآنِ في حالَةِ إنْزالِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. (﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَطْفٌ عَلى أنَّما أُنْزِلَ لِأنَّهم إذا عَجَزُوا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ مَنِ اسْتَنْصَرُوهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم. ومِن جُمْلَةِ مَن يَسْتَنْصِرُونَهم بِطَلَبِ الإعانَةِ عَلى المُعارَضَةِ بَيْنَ الأصْنامِ عَنْ إعانَةِ أتْباعِهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْهم.

صفحة ٢٢

والفاءُ في (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾) لِلتَّفْرِيعِ عَلى (فاعْلَمُوا) . والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الحَثِّ عَلى الفِعْلِ وعَدَمِ تَأْخِيرِهِ كَقَوْلِهِ: (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) أيْ: عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ وفِعْلِ المَيْسِرِ. والمَعْنى: فَهَلْ تُسلِمُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ الفِعْلِ وثَباتِهِ. ولَمْ يَقُلْ فَهَلْ تُسْلِمُونَ لِأنَّ حالَةَ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ تُكْسِبُ اليَقِينَ بِصِحَّةِ الإسْلامِ فَتَقْتَضِي تَمَكُّنَهُ مِنَ النُّفُوسِ، وذَلِكَ التَّمَكُّنُ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ.

11:15–16Page 223

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein,1 and they therein will not be deprived.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein,1 and worthless is what they used to do.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ اعْتِراضِيٌّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ”﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]“ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ تَفَرَّعَتْ عَلى نُهُوضِ الحُجَّةِ فَإنْ كانُوا طالِبِينَ الحَقَّ والفَوْزَ فَقَدِ اسْتَتَبَّ لَهم ما يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الإسْلامِ مِن نُفُوسِهِمْ، وإنْ كانُوا إنَّما يَطْلُبُونَ الكِبْرِياءَ والسِّيادَةَ في الدُّنْيا ويَأْنَفُونَ مِن أنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِغَيْرِهِمْ فَهم مُرِيدُونَ الدُّنْيا؛ فَلِذَلِكَ حُذِّرُوا مِن أنْ يَغْتَرُّوا بِالمَتاعِ العاجِلِ، وأُعْلِمُوا بِأنَّ وراءَ ذَلِكَ العَذابَ الدّائِمَ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ، أعْنِي جُمْلَةَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إلَخْ. . . وما قَبْلَ ذَلِكَ تَمْهِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى بِوارِقِ الغُرُورِ ومَزالِقِ الذُّهُولِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو حالَهم كانَ في هَذا الِاعْتِراضِ زِيادَةُ بَيانٍ لِأسْبابِ مُكابَرَتِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَغْتَرُّوا بِظاهِرِ حُسْنِ

صفحة ٢٣

حالِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا، وأنْ لا يَحْسَبُوا أيْضًا أنَّ الكُفْرَ يُوجِبُ تَعْجِيلَ العَذابِ فَأُوقِظُوا مِن هَذا التَّوَهُّمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦]

وفِعْلُ الشَّرْطِ في المَقامِ الخِطابِيِّ يُفِيدُ اقْتِصارَ الفاعِلِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فالمَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا فَقَطْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إذْ حُصِرَ أمْرُهم في اسْتِحْقاقِ النّارِ وهو مَعْنى الخُلُودِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . فالمَعْنى مَن كانَ لا يَطْلُبُ إلّا مَنافِعَ الحَياةِ وزِينَتَها. وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكافِرِينَ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُو مِن إرادَةِ خَيْرِ الآخِرَةِ وما آمَنَ إلّا لِذَلِكَ، فَمَوْرِدُ هَذِهِ الآياتِ ونَظائِرِها في حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] فَذَلِكَ في مَعْنًى آخَرَ مِن مَعانِي الحَياةِ وزِينَتِها وهو تَرَفُ العَيْشِ وزِينَةُ اللِّباسِ، خِلافًا لِما يَقْتَضِيه إعْراضُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ التَّرَفِ وتِلْكَ الزِّينَةِ.

وضَمِيرُ إلَيْهِمْ عائِدٌ إلى مَنِ المَوْصُولَةِ لِأنَّ المُرادَ بِها الأقْوامُ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ.

والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ كامِلًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، أيْ نَجْعَلُ أعْمالَهم في الدُّنْيا وافِيَةً ومَعْنى وفائِها أنَّها غَيْرُ مَشُوبَةٍ بِطَلَبِ تَكالِيفِ الإيمانِ والجِهادِ والقِيامِ بِالحَقِّ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن نُقْصانٍ في تَمَتُّعِ أصْحابِ تِلْكَ الأعْمالِ

صفحة ٢٤

بِأعْمالِهِمْ وهو النُّقْصانُ النّاشِئُ عَنْ مُعاكَسَةِ هَوى النَّفْسِ، فالمُرادُ أنَّهم لا يَنْقُصُونَ مِن لَذّاتِهِمُ الَّتِي هَيَّئُوها لِأنْفُسِهِمْ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم تَتَهَيَّأُ لَهم أسْبابُ التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ في ذَلِكَ التَّهَيُّؤِ فَيَتْرُكُونَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ لِمُراعاتِهِمْ مَرْضاةَ اللَّهِ - تَعالى - وحَذَّرَهم مِن تَبِعاتِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ في هَذِهِ المُراعاةِ.

وعُدِّيَ فِعْلُ نُوَفِّ بِحَرْفِ إلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى نُوَصِّلُ أوْ نُبْلِغُ لِإفادَةِ مَعْنَيَيْنِ.

فَلَيْسَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن أرادَ الحَياةَ وزِينَتَها أعْطاهُ اللَّهُ مُرادَهُ لِأنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لا تُفِيدُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾، فالتَّوْفِيَةُ: عَدَمُ النَّقْصِ. وعُلِّقَتْ بِالأعْمالِ وهي المَساعِي. وإضافَةُ الأعْمالِ إلى ضَمِيرِ هم تُفِيدُ أنَّها الأعْمالُ الَّتِي عَنَوْا بِها وأعَدُّوها لِصالِحِهِمْ أيْ نَتْرُكُها لَهم كَما أرادُوا لا نُدْخِلُ عَلَيْهِمْ نَقْصًا في ذَلِكَ. وهَذِهِ التَّوْفِيَةُ مُتَفاوِتَةٌ والقَدْرُ المُشْتَرِكُ فِيها بَيْنَهم هو خَلُوُّهم مِن كُلَفِ الإيمانِ ومَصاعِبِ القِيامِ بِالحَقِّ والصَّبْرِ عَلى عِصْيانِ الهَوى، فَكَأنَّهُ قِيلَ نَتْرُكُهم وشَأْنَهم في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا لا يُجازَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ بِجَزاءِ سَلْبِ بَعْضِ النِّعَمِ عَنْهم بَلْ يُتْرَكُونَ وشَأْنَهم اسْتِدْراجًا لَهم وإمْهالًا. فَهَذا كالتَّكْمِلَةِ لِمَعْنى جُمْلَةِ (﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾)، إذِ البَخْسُ هو الحَطُّ مِنَ الشَّيْءِ والنَّقْصُ مِنهُ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ظُلْمًا. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِما رَآهُ الأشْعَرِيُّ أنْ الكُفْرَ لا يَمْنَعُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ.

وضَمِيرُ فِيها يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الحَياةِ وأنْ يَعُودَ إلى الأعْمالِ

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، ولَكِنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَرْبُطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، وأُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. وفي اسْمِ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ اسْتَحَقَّ ما يُذْكَرُ

صفحة ٢٥

بَعْدَ اخْتِيارِهِ مِنَ الحُكْمِ مِن أجْلِ الصِّفاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و”إلّا النّارُ“ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن لَيْسَ لَهم أيْ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِمّا يُعْطاهُ النّاسُ في الآخِرَةِ إلّا النّارُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ في النّارِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كُفّارٌ عِنْدَنا.

والحَبْطُ: البُطْلانُ أيِ الِانْعِدامُ.

والمُرادُ بِـ (ما صَنَعُوا) ما عَمِلُوا، ومِنَ الإحْسانِ في الدُّنْيا كَإطْعامِ العُفاةِ ونَحْوِهِ مِن مُواساةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ولِذَلِكَ عَبَّرَ هُنا بِـ (صَنَعُوا) لِأنَّ الإحْسانَ يُسَمّى صَنِيعَةً.

وضَمِيرُ فِيها يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الدُّنْيا المُتَحَدَّثِ عَنْها فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ صَنَعُوا. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الآخِرَةِ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ بَطَلَ، أيِ انْعَدَمَ أثَرُهُ. ومَعْنى الكَلامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَظَّهم مِنَ النِّعْمَةِ هو ما يَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا، وأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ لا تَعْدُو ذَلِكَ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعُمَرَ لَمّا ذَكَرَ لَهُ فارِسَ والرُّومَ وما هم فِيهِ مِنَ المُتْعَةِ «أُولَئِكَ عُجِّلَتْ لَهم طَيِّباتُهم في الحَياةِ الدُّنْيا» .

والباطِلُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَذْهَبُ ضَياعًا وخُسْرانًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском