Ibn 'AshurYusuf · 12:1–4

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

يوسف

Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

12:1Page 235

الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ١

Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the clear Book.

﴿الر﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظايِرِ الر ونَحْوِها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾

الكَلامُ عَلى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ مَضى في سُورَةِ يُونُسَ. ووُصِفَ الكِتابُ هُنا بِـ المُبِينِ ووُصِفَ بِهِ في طالِعَةِ سُورَةِ يُونُسَ بِـ الحَكِيمِ لِأنَّ ذِكْرَ وصْفِ إبانَتِهِ هُنا أنْسَبُ، إذْ كانَتِ القِصَّةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ مُفَصَّلَةً مُبَيِّنَةً لِأهَمِّ ما جَرى في مُدَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمِصْرَ. فَقِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً لِلْعَرَبِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ إجْمالًا ولا تَفْصِيلًا، بِخِلافِ قَصَصِ الأنْبِياءِ: هُودٍ، وصالِحٍ، وإبْراهِيمَ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أجْمَعِينَ، إذْ كانَتْ مَعْرُوفَةً لَدَيْهِمْ إجْمالًا، فَلِذَلِكَ كانَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا إيّاها ومُفَصِّلًا.

صفحة ٢٠١

ونُزُولُها قَبْلَ اخْتِلاطِ النَّبِيِّ ﷺ بِاليَهُودِ في المَدِينَةِ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ مِن إعْلامِ اللَّهِ - تَعالى - إيّاهُ بِعُلُومِ الأوَّلِينَ، وبِذَلِكَ ساوى الصَّحابَةُ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ في عِلْمِ تارِيخِ الأدْيانِ والأنْبِياءِ وذَلِكَ مِن أهَمِّ ما يَعْلَمُهُ المُشَرِّعُونَ.

فالمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي. والمُرادُ: الإبانَةُ التّامَّةُ بِاللَّفْظِ والمَعْنى.

12:2Page 235

إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢

Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 that you might understand.

﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ تَعْلِيلَ الإبانَةِ مِن جِهَتَيْ لَفْظِهِ ومَعْناهُ، فَإنَّ كَوْنَهُ قُرْآنًا يَدُلُّ عَلى إبانَةِ المَعانِي؛ لِأنَّهُ ما جُعِلَ مَقْرُوءًا إلّا لِما في تَراكِيبِهِ مِنَ المَعانِي المُفِيدَةِ لِلْقارِئِ.

وكَوْنُهُ عَرَبِيًّا يُفِيدُ إبانَةَ ألْفاظِهِ المَعانِيَ المَقْصُودَةَ لِلَّذِينِ خُوطِبُوا بِهِ ابْتِداءً، وهُمُ العَرَبُ، إذْ لَمْ يَكُونُوا يَتَبَيَّنُونَ شَيْئًا مِنَ الأُمَمِ الَّتِي حَوْلَهم لِأنَّ كُتُبَهم كانَتْ بِاللُّغاتِ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ.

والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ مُتَوَجِّهٌ إلى خَبَرِها وهو فِعْلُ أنْزَلْناهُ رَدًّا عَلى الَّذِينَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وضَمِيرُ أنْزَلْناهُ عائِدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: الكِتابِ المُبِينِ.

وقُرْآنًا حالٌ مِنَ الهاءِ في أنْزَلْناهُ، أيْ كِتابًا يُقْرَأُ، أيْ مُنَظَّمًا عَلى أُسْلُوبٍ مُعَدٍّ لِأنْ يُقْرَأ لا كَأُسْلُوبِ الرَّسائِلِ والخُطَبِ أوِ الأشْعارِ، بَلْ هو أُسْلُوبُ كِتابٍ نافِعٍ نَفْعًا مُسْتَمِرًّا يَقْرَأُهُ النّاسُ.

وعَرَبِيًّا صِفَةٌ لِـ قُرْآنًا. فَهو كِتابٌ بِالعَرَبِيَّةِ لَيْسَ كالكُتُبِ السّالِفَةِ فَإنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ كِتابٌ بِلُغَةِ العَرَبِ.

صفحة ٢٠٢

وقَدْ أفْصَحَ عَنِ التَّعْلِيلِ المَقْصُودِ جُمْلَةُ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ، أيْ رَجاءُ حُصُولِ العِلْمِ لَكم مِن لَفْظِهِ ومَعْناهُ؛ لِأنَّكم عَرَبٌ فَنُزُولُهُ بِلُغَتِكم مُشْتَمِلًا عَلى ما فِيهِ نَفْعُكم هو سَبَبٌ لِعَقْلِكم ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ، وعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالعَقْلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى هَذا العِلْمِ قَدْ بَلَغَتْ في الوُضُوحِ حَدَّ أنْ يَنْزِلَ مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ العِلْمُ مِنها مَنزِلَةَ مَن لا عَقْلَ لَهُ، وأنَّهم ما دامُوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ فَهم في عِدادِ غَيْرِ العُقَلاءِ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ تَعْقِلُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إنْزالَهُ كَذَلِكَ هو سَبَبٌ لِحُصُولِ تَعَقُّلٍ لِأشْياءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ مِن إعْجازٍ وغَيْرِهِ.

وتَقَدَّمَ وجْهُ وُقُوعِ لَعَلَّ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَحْمَلُ الرَّجاءِ المُفادِ بِها عَلى ما يُئَوَّلُ إلى التَّعْلِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَها بِما لا التِباسَ بَعْدَهُ.

12:3Page 235

نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٣

We relate to you, [O Muḥammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur’ān although you were, before it, among the unaware.

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِأنَّ أحْسَنَ القَصَصِ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ إنْزالُ القُرْآنِ. وكَوْنُ القَصَصَ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ تَأْكِيدِ إنْزالِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ يَتَضَمَّنُ رابِطًا بَيْنَ جُمْلَةِ البَدَلِ والجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِالخَبَرِ، كَما يَقُولُ كِتابُ الدِّيوانِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ بِكَذا.

صفحة ٢٠٣

وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ نَحْنُ نَقُصُّ لا غَيْرُنا، رَدًّا عَلى مَن يَطْعَنُ مِنَ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] - وقَوْلِهِمْ - ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥] وقَوْلِهِمْ: يُعَلِّمُهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ اسْمُهُ الرَّحْمانُ. وقَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ المُتَقَدِّمُ دِيباجَةُ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وفِي هَذا الِاخْتِصاصِ تَوافُقٌ بَيْنَ جُمْلَةِ البَدَلِ والجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها في تَأْكِيدِ كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] .

ومَعْنى نَقُصُّ نُخْبِرُ الأخْبارَ السّالِفَةَ. وهو مَنقُولٌ مِن قَصَّ الأثَرَ إذا تَتَبَّعَ مَواقِعَ الأقْدامِ لِيَتَعَرَّفَ مُنْتَهى سَيْرِ صاحِبِها. ومَصْدَرُهُ: القَصُّ بِالإدْغامِ، والقَصَصُ بِالفَكِّ، قالَ - تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] . وذَلِكَ أنَّ حِكايَةَ أخْبارِ الماضِينَ تُشْبِهُ اتِّباعَ خُطاهم، ألا تَرى أنَّهم سَمُّوا الأعْمالَ سِيرَةً وهي في الأصْلِ هَيْئَةُ السَّيْرِ، وقالُوا: سارَ فُلانٌ سِيرَةَ فُلانٍ، أيْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ هَذا الإطْلاقِ المَجازِيِّ وبَيْنَ قَصِّ الأثَرِ فَخَصُّوا المُجازِيَّ بِالصَّدْرِ المُفَكَّكِ وغَلَّبُوا المَصْدَرَ المُدْغَمَ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ مَعَ بَقاءِ المَصْدَرِ المُفَكَّكِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] .

فَـ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ هُنا إمّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ فِعْلِهِ. وإمّا أنْ يَكُونَ القَصَصُ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ المَفْعُولِ. كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهو إطْلاقٌ لِلْقَصَصِ شائِعٌ أيْضًا. قالَ - تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] . وقَدْ يَكُونُ وزْنُ فَعَلٍ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالنَّبَأِ والخَبَرِ بِمَعْنى المُنَبَّأِ بِهِ والمُخْبَرِ بِهِ، ومِثْلُهُ الحَسَبُ والنَّقَضُ.

وجُعِلَ هَذا القَصَصُ أحْسَنَ القَصَصِ لِأنَّ بَعْضَ القَصَصِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ تَرْتاحُ لَهُ النُّفُوسُ. وقَصَصُ القُرْآنِ أحْسَنُ مِن قَصَصِ غَيْرِهِ مِن جِهَةِ حُسْنِ نَظْمِهِ وإعْجازِ أُسْلُوبِهِ وبِما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ العِبَرِ والحِكَمِ، فَكُلُّ قَصَصٍ في القُرْآنِ هو أحْسَنُ القَصَصِ في بابِهِ، وكُلُّ قِصَّةٍ في القُرْآنِ هي أحْسَنُ مِن كُلِّ ما يَقُصُّهُ

صفحة ٢٠٤

القاصُّ في غَيْرِ القُرْآنِ. ولَيْسَ المُرادُ أحْسَنَ قَصَصِ القُرْآنِ حَتّى تَكُونَ قِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحْسَنَ مِن بَقِيَّةِ قَصَصِ القُرْآنِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ .

والباءُ في ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ نَقُصُّ، فَإنَّ القَصَصَ الوارِدَ في القُرْآنِ كانَ أحْسَنَ لِأنَّهُ وارِدٌ مِنَ العَلِيمِ الحَكِيمِ، فَهو يُوحِي ما يَعْلَمُ أنَّهُ أحْسَنُ نَفْعًا لِلسّامِعِينَ في أبْدَعِ الألْفاظِ والتَّراكِيبِ، فَيَحْصُلُ مِنهُ غِذاءُ العَقْلِ والرُّوحِ وابْتِهاجُ النَّفْسِ والذَّوْقِ مِمّا لا تَأْتِي بِمِثْلِهِ عُقُولُ البَشَرِ.

واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ، فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ القُرْآنِ بِالتَّصْرِيحِ والإضْمارِ واسْمِ الإشارَةِ سِتَّ مَرّاتٍ، وجُمِعَ لَهُ طُرُقُ التَّعْرِيفِ كُلُّها وهي اللّامُ والإضْمارُ والعَلَمِيَّةُ والإشارَةُ والإضافَةُ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كافِ الخِطابِ. وحَرْفُ إنْ مُخَفَّفٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.

وجُمْلَةُ ﴿كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ المَحْذُوفِ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كُنْتَ لامُ الفَرْقِ بَيْنَ إنْ المُخَفَّفَةِ و”إنْ“ النّافِيَةِ.

وأُدْخِلَتِ اللّامُ في خَبَرِ كانَ لِأنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْ إنْ.

والضَّمِيرُ في قَبْلِهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ. والمُرادُ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.

والغَفْلَةُ: انْتِفاءُ العِلْمِ لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الذِّهْنِ إلى المَعْلُومِ. والمَعْنى المَقْصُودُ مِنَ الغَفْلَةِ ظاهِرٌ. ونُكْتَةُ جَعْلِهِ مِنَ الغافِلِينَ دُونَ أنْ يُوصَفَ وحْدَهُ بِالغَفْلَةِ لِلْإشارَةِ إلى تَفْضِيلِهِ بِالقُرْآنِ عَلى كُلِّ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالقُرْآنِ فَدَخَلَ في هَذا الفَضْلِ أصْحابُهُ والمُسْلِمُونَ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في العِلْمِ.

ومَفْهُومُ مِن قَبْلِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ هُدى القُرْآنِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ

صفحة ٢٠٥

«مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ. ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»، أيِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم كَمَثَلِ مَن لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ لِيَنْظُرَ.

12:4Page 235

إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ ٤

[Of these stories mention] when Joseph said to his father,1 "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."

﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾

إذْ قالَ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] عَلى أنْ يَكُونَ (أحْسَنَ القَصَصِ) بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَإنَّ أحْسَنَ القَصَصِ يَشْتَمِلُ عَلى قَصَصٍ كَثِيرٍ، مِنهُ قَصَصُ زَمانِ قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وما عَقَبَ قَوْلَهُ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ. فَإذا حُمِلَ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] عَلى المَصْدَرِ فالأحْسَنُ أنْ يَكُونَ إذْ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ.

ويُوسُفُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] إلَخْ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ مِن زَوْجِهِ ”راحِيلَ“ . وهو أحَدُ الأسْباطِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ يُوسُفُ أحَبَّ أبْناءِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - إلَيْهِ وكانَ فَرْطُ مَحَبَّةِ أبِيهِ إيّاهُ سَبَبَ غَيْرَةِ إخْوَتِهِ مِنهُ فَكادُوا لَهُ مَكِيدَةً فَسَألُوا أباهم أنْ يَتْرُكَهُ يَخْرُجُ مَعَهم. فَأخْرَجُوهُ مَعَهم بِعِلَّةِ اللَّعِبِ والتَّفَسُّحِ، وألْقُوهُ في جُبٍّ، وأخْبَرُوا أباهم أنَّهم فَقَدُوهُ، وأنَّهم وجَدُوا قَمِيصَهُ مُلَوَّثًا بِالدَّمِ، وأرَوْهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ أنْ لَطَّخُوهُ بِدَمٍ، والتَقَطَهُ مِنَ البِئْرِ سَيّارَةٌ مِنَ العَرَبِ الإسْماعِيلِيِّينَ كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِهِمْ إلى مِصْرَ، وباعُوهُ كَرَقِيقٍ في سُوقِ عاصِمَةِ مِصْرَ

صفحة ٢٠٦

السُّفْلى الَّتِي كانَتْ يَوْمَئِذٍ في حُكْمِ أُمَّةٍ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ يُعْرَفُونَ بِالعَمالِقَةِ أوِ (الهُكْصُوصُ) . وذَلِكَ في زَمَنِ المَلِكِ (أبُو فِيسَ) أوِ (ابِيبِي) . ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ وسَبْعمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فاشْتَراهُ (فُوطِيفارُ) رَئِيسُ شُرْطَةِ فِرْعَوْنَ المُلَقَّبُ في القُرْآنِ بِالعَزِيزِ، أيْ رَئِيسُ المَدِينَةِ. وحَدَثَتْ مَكِيدَةٌ لَهُ مِن زَوْجِ سَيِّدِهِ أُلْقِيَ بِسَبَبِها في السِّجْنِ. وبِسَبَبِ رُؤْيا رَآها المَلِكُ وعَبَّرَها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو في السِّجْنِ، قَرَّبَهُ المَلِكُ إلَيْهِ زُلْفى، وأوْلاهُ عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، وهو لَقَبُ العَزِيزِ وسَمّاهُ (صَفْناتِ فَعَنِيجِ)، وزَوَّجَهُ (أسْنات) بِنْتَ أحَدِ الكَهَنَةِ وعُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ ثَلاثُونَ سَنَةً. وفي مُدَّةِ حُكْمِهِ جَلَبَ أباهُ وأقارِبَهُ مِنَ البَرِّيَّةِ إلى أرْضِ مِصْرَ، فَذَلِكَ سَبَبُ اسْتِيطانِ بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ مِصْرَ. وتُوُفِّيَ بِمِصْرَ في حُدُودِ سَنَةِ خَمْسٍ وثَلاثِينَ وسِتِّمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وحُنِّطَ عَلى الطَّرِيقَةِ المِصْرِيَّةِ. ووُضِعَ في تابُوتٍ، وأوْصى قَبْلَ مَوْتِهِ بِأنَّهم إذا خَرَجُوا مِن مِصْرَ يَرْفَعُونَ جَسَدَهُ مَعَهم. ولَمّا خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ رَفَعُوا تابُوتَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم وانْتَقَلُوهُ مَعَهم في رِحْلَتِهِمْ إلى أنْ دَفَنُوهُ في (شَكِيمَ) في مُدَّةِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ.

والتّاءُ في أبَتِ تاءٌ خاصَّةٌ بِكَلِمَةِ الأبِ وكَلِمَةِ الأُمِّ في النِّداءِ خاصَّةً عَلى نِيَّةِ الإضافَةِ إلى المُتَكَلِّمِ، فَمُفادُها مُفادُ: يا أبِي، ولا يَكادُ العَرَبُ يَقُولُونَ: يا أبِي. ووَرَدَ في سَلامِ ابْنِ عُمَرَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وصاحِبِهِ حِينَ وقَفَ عَلى قُبُورِهِمُ المُنَوَّرَةِ. وقَدْ تَحَيَّرَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ في تَعْلِيلِ وصْلِها بِآخِرِ الكَلِمَةِ في النِّداءِ واخْتارُوا أنَّ أصْلَها تاءُ تَأْنِيثٍ بِقَرِينَةِ أنَّهم قَدْ يَجْعَلُونَها هاءً في الوَقْفِ، وأنَّها جُعِلَتْ عِوَضًا عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ لِعِلَّةٍ غَيْرِ وجِيهَةٍ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ أصْلَها هاءُ السَّكْتِ جَلَبُوها لِلْوَقْفِ عَلى آخِرِ الأبِ لِأنَّهُ نُقِصَ مِن لامِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ لَمّا شابَهَتْ هاءَ التَّأْنِيثِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ آخِرِ الكَلِمَةِ إذا أضافُوا المُنادى فَقالُوا: يا أبَتِي، ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ياءِ الإضافَةِ

صفحة ٢٠٧

بِالكَسْرَةِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ بَقاءُ الياءِ في بَعْضِ الكَلامِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي لا نَعْرِفُهُ:

أيا أبَتِي لا زِلْتَ فِينَـا فَـإنَّـمَـا لَنا أمَلٌ في العَيْشِ ما دُمْتَ عائِشًا

ويَجُوزُ كَسْرُ هَذِهِ التّاءِ وفَتْحُها، وبِالكَسْرِ قَرَأها الجُمْهُورُ، وبِفَتْحِ التّاءِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ.

والنِّداءُ في الآيَةِ مَعَ كَوْنِ المُنادى حاضِرًا مَقْصُودٌ بِهِ الِاهْتِمامُ بِالخَبَرِ الَّذِي سَيُلْقى إلى المُخاطَبِ فَيُنْزِلُ المُخاطَبَ مَنزِلَةَ الغائِبِ المَطْلُوبِ حُضُورُهُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الِاهْتِمامِ أوِ اسْتِعارَةٌ لَهُ.

والكَوْكَبُ: النَّجْمُ، تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ رَأيْتُهم مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، جِيءَ بِها عَلى الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المَرائِي الحُلْمِيَّةِ أنْ يُعادَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا أوِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّ سامِعَ الرُّؤْيا يَسْتَزِيدُ الرّائِي أخْبارًا عَمّا رَأى.

ومِثالُ ذَلِكَ ما وقَعَ في المُوَطَّأِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أرانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَرَأيْتُ رَجُلًا آدَمَ» الحَدِيثَ.

وفِي البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي أُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى أرْضٍ بِها نَخْلٌ، ورَأيْتُ فِيها بَقَرًا تُذْبَحُ، ورَأيْتُ. . واللَّهِ خَيْرٌ» . وقَدْ يَكُونُ لَفْظٌ آخَرُ في الرُّؤْيا غَيْرَ فِعْلِها كَما في الحَدِيثِ الطَّوِيلِ «إنَّهُ أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، وإنَّهُما ابْتَعَثانِي، وإنَّهُما قالا لِي: انْطَلِقْ، وإنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُما، وإنّا أتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ» الحَدِيثَ بِتَكْرارِ كَلِمَةِ ”إنَّ“ وكَلِمَةِ ”إنّا“ مِرارًا في هَذا الحَدِيثِ.

صفحة ٢٠٨

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أحَدَ عَشَرَ﴾ - بِفَتْحِ العَيْنِ - مِن عَشَرَ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ - بِسُكُونِ العَيْنِ - .

واسْتَعْمَلَ ضَمِيرَ جَمْعِ المُذَكَّرِ لِلْكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾؛ لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ لِلْعُقَلاءِ غالِبٌ لا مُطَّرِدٌ، كَما قالَ - تَعالى - في الأصْنامِ ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]، وقالَ ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا﴾ [النمل: ١٨] .

وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ لَمّا كانَتِ الحالَةُ المَرْئِيَّةُ مِنَ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ حالَةَ العُقَلاءِ، وهي حالَةُ السُّجُودِ نَزَّلَها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ، فَأطْلَقَ عَلَيْها ضَمِيرَ هم وصِيغَةَ جَمْعِهِمْ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لِي ساجِدِينَ﴾ لِلِاهْتِمامِ، عَبَّرَ بِهِ عَنْ مَعْنى تَضَمُّنِهِ كَلامَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلُغَتِهِ يَدُلُّ عَلى حالَةٍ في الكَواكِبِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ تَقْتَضِي الِاهْتِمامَ بِذِكْرِهِ فَأفادَهُ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.

وابْتِداءُ قِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذِكْرِ رُؤْياهُ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ هَيَّأ نَفْسَهُ لِلنُّبُوَّةِ فابْتَدَأهُ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ كَما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ ”«أنَّ أوَّلَ ما ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّادِقَةُ فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» “ . وفي ذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ وهو تَقْرِيرُ فَضْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن طَهارَةٍ وزَكاءِ نَفْسٍ وصَبْرٍ. فَذَكَرَ هَذِهِ الرُّؤْيا في صَدْرِ القِصَّةِ كالمُقَدِّمَةِ والتَّمْهِيدِ لِلْقِصَّةِ المَقْصُودَةِ.

وجَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الرُّؤْيا تَنْبِيهًا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعُلُوِّ شَأْنِهِ لِيَتَذَكَّرَها كُلَّما حَلَّتْ بِهِ ضائِقَةٌ فَتَطَمَئِنَّ بِها نَفْسُهُ أنَّ عاقِبَتَهُ طَيِّبَةٌ.

وإنَّما أخْبَرَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أباهُ بِهاتِهِ الرُّؤْيا لِأنَّهُ عَلِمَ بِإلْهامٍ أوْ بِتَعْلِيمٍ سابِقٍ مِن أبِيهِ أنَّ لِلرُّؤْيا تَعْبِيرًا، وعَلِمَ أنَّ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كِنايَةٌ

صفحة ٢٠٩

عَنْ مَوْجُوداتٍ شَرِيفَةٍ، وأنَّ سُجُودَ المَخْلُوقاتِ الشَّرِيفَةِ لَهُ كِنايَةٌ عَنْ عَظَمَةِ شَأْنِهِ. ولَعَلَّهُ عَلِمَ أنَّ الكَواكِبَ كِنايَةٌ عَنْ مَوْجُوداتٍ مُتَماثِلَةٍ، وأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ كِنايَةٌ عَنْ أصْلَيْنِ لِتِلْكَ المَوْجُوداتِ فاسْتَشْعَرَ عَلى الإجْمالِ دَلالَةَ رُؤْياهُ عَلى رِفْعَةِ شَأْنِهِ فَأخْبَرَ بِها أباهُ.

وكانُوا يَعُدُّونَ الرُّؤْيا مِن طُرُقِ الإنْباءِ بِالغَيْبِ، إذا سَلِمَتْ مِنَ الِاخْتِلاطِ وكانَ مِزاجُ الرّائِيَ غَيْرَ مُنْحَرِفٍ ولا مُضْطَرِبٍ، وكانَ الرّائِي قَدِ اعْتادَ وُقُوعَ تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، وهو شَيْءٌ ورِثُوهُ مِن صَفاءِ نُفُوسِ أسْلافِهِمْ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، فَقَدْ كانُوا آلَ بَيْتِ نُبُوَّةٍ وصَفاءِ سَرِيرَةٍ.

ولَمّا كانَتْ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيًا، وقَدْ رَأى إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُ ولَدَهُ فَلَمّا أخْبَرَهُ ﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] . وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُ أبِي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ [يوسف: ٦] . فَلا جَرَمَ أنْ تَكُونَ مِرائِي أبْنائِهِمْ مُكاشَفَةً وحَدِيثًا مَلَكِيًّا.

وفِي الحَدِيثِ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُّؤْيا الصّالِحَةَ يَراها المُسْلِمُ أوْ تُرى لَهُ» .

والِاعْتِدادُ بِالرُّؤْيا مِن قَدِيمِ أُمُورِ النُّبُوءَةِ. وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ خاطَبَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤْيا رَآها وهو في طَرِيقِهِ بِبِلادِ شالِيمَ بَلَدٌ مَلْكِيٌّ صادِقٌ وبَشَّرَهُ بِأنَّهُ يَهَبُهُ نَسْلًا كَثِيرًا، ويُعْطِيهِ الأرْضَ الَّتِي هو سائِرٌ فِيها (في الإصْحاحِ ١٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ) .

أمّا العَرَبُ فَإنَّهم وإنْ لَمْ يَرِدْ في كَلامِهِمْ شَيْءٌ يُفِيدُ اعْتِدادَهم بِالأحْلامِ، ولَعَلَّ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

إنَّ الأمانِيَ والأحْلامَ تَضْلِيلُ

صفحة ٢١٠

يُفِيدُ عَدَمَ اعْتِدادِهِمْ بِالأحْلامِ، فَإنَّ الأحْلامَ في البَيْتِ هي مِرائِي النَّوْمِ.

ولَكِنَّ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ رُؤْيا عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو قائِمٌ في الحِجْرِ أنَّهُ أتاهُ آتٍ فَأمَرَهُ بِحَفْرِ بِئْرِ زَمْزَمَ فَوَصَفَ لَهُ مَكانَها، وكانَتْ جُرْهم سَدَمُوها عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ. وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ رُؤْيا عاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أنَّ: ”راكِبًا أقْبَلَ عَلى بَعِيرٍ فَوَقَفَ بِالأبْطُحِ ثُمَّ صَرَخَ: يا آلَ غَدَرَ اخْرُجُوا إلى مُصارِعِكم في ثَلاثٍ“ فَكانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ عَقِبَها بِثَلاثِ لَيالٍ.

وقَدْ عُدَّتِ المَرائِي النَّوْمِيَّةُ في أُصُولِ الحِكْمَةِ الإشْراقِيَّةِ وهي مِن تُراثِها عَنْ حِكْمَةِ الأدْيانِ السّالِفَةِ مِثْلَ الحَنِيفِيَّةِ. وبالَغَ في تَقْرِيبِها بِالأُصُولِ النَّفْسِيَّةِ شِهابُ الدِّينِ الحَكِيمُ السُّهْرَوَرْدِيُّ في هَياكِلِ النُّورِ وحِكْمَةِ الإشْراقِ، وأبُو عَلِيٍّ ابْنُ سِينا في الإشاراتِ بِما حاصِلُهُ: وأصْلُهُ: أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ - وهي المُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّوحِ - هي مِنَ الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ الَّتِي مَقَرُّها العالَمُ العُلْوِيُّ، فَهي قابِلَةٌ لِاكْتِشافِ الكائِناتِ عَلى تَفاوُتٍ في هَذا القَبُولِ، وأنَّها تُودَعُ في جِسْمِ الجَنِينِ عِنْدَ اكْتِمالِ طَوْرِ المُضْغَةِ، وأنَّ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ آثارًا مِنَ الِانْكِشافاتِ إذا ظَهَرَتْ فَقَدْ يَنْتَقِشُ بَعْضُها بِمَدارِكِ صاحِبِ النَّفْسِ في لَوْحِ حِسِّهِ المُشْتَرَكِ، وقَدْ يَصْرِفُهُ عَنِ الِانْتِقاشِ شاغِلانِ: أحَدُهُما حِسِّيٌّ خارِجِيٌّ، والآخَرُ باطِنِيٌّ عَقْلِيٌّ أوْ وهْمِيٌّ، وقُوى النَّفْسِ مُتَجاذِبَةٌ مُتَنازِعَةٌ فَإذا اشْتَدَّ بَعْضُها ضَعُفَ البَعْضُ الآخَرُ، كَما إذا هاجَ الغَضَبُ ضَعُفَتِ الشَّهْوَةُ، فَكَذَلِكَ إنْ تَجَرَّدَ الحِسُّ الباطِنُ لِلْعَمَلِ شُغِلَ عَنِ الحِسِّ الظّاهِرِ، والنَّوْمُ شاغِلٌ لِلْحِسِّ، فَإذا قَلَّتْ شَواغِلُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ فَقَدْ تَتَخَلَّصُ النَّفْسُ عَنْ شَغْلِ مُخَيِّلاتِها، فَتَطَّلِعُ عَلى أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ، فَتَكُونُ المَناماتُ الصّادِقَةُ.

والرُّؤْيا الصّادِقَةُ حالَةٌ يُكْرِمُ اللَّهُ بِها بَعْضَ أصْفِيائِهِ الَّذِينَ زَكَتْ نُفُوسُهم فَتَتَّصِلُ نُفُوسُهم بِتَعَلُّقاتٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ وتَعَلُّقاتٍ مِن إرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ وأمْرِهِ التَّكْوِينِيِّ فَتَنْكَشِفُ بِها الأشْياءُ المُغَيَّبَةُ بِالزَّمانِ قَبْلَ وُقُوعِها، أوِ المُغَيَّبَةُ بِالمَكانِ قَبْلَ اطِّلاعِ النّاسِ عَلَيْها اطِّلاعًا عادِيًّا. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ

صفحة ٢١١

«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ» .

وقَدْ بَيَّنَ تَحْدِيدُ هَذِهِ النِّسْبَةِ الواقِعَةِ في الحَدِيثِ في شُرُوحِ الحَدِيثِ. وقالَ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوءَةِ إلّا المُبَشِّراتِ وهي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ يَراها أوْ تُرى لَهُ» .

وإنَّما شُرِطَتِ المُرائِي الصّادِقَةُ بِالنّاسِ الصّالِحِينَ لِأنَّ الِارْتِياضَ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ شاغِلٌ لِلنَّفْسِ عَنِ السَّيِّئاتِ، ولِأنَّ الأعْمالَ الصّالِحاتِ ارْتِقاءاتٌ وكَمالاتٌ فَهي مُعِينَةٌ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ عَلى الِاتِّصالِ بِعالَمِها الَّذِي خُلِقَتْ فِيهِ وأُنْزِلَتْ مِنهُ، وبِعَكْسِ ذَلِكَ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ تُبْعِدُها عَنْ مَأْلُوفاتِها وتُبَلِّدُها وتُذَبْذِبُها.

والرُّؤْيا مَراتِبُ:

مِنها أنْ: تَرى صُوَرَ أفْعالٍ تَتَحَقَّقُ أمْثالُها في الوُجُودِ مِثْلَ «رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ»، وظَنُّهُ أنَّ تِلْكَ الأرْضَ اليَمامَةُ فَظَهَرَ أنَّها المَدِينَةُ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَمّا رَأى المَدِينَةَ وجَدَها مُطابِقَةً لِلصُّورَةِ الَّتِي رَآها، ومِثْلَ «رُؤْياهُ امْرَأةً في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ فَقِيلَ لَهُ اكْتَشِفْها فَهي زَوْجُكَ فَكَشَفَ فَإذا هي عائِشَةُ، فَعَلِمَ أنْ سَيَتَزَوَّجَها» . وهَذا النَّوْعُ نادِرٌ وحالَةُ الكَشْفِ فِيهِ قَوِيَّةٌ.

ومِنها أنْ تَرى صُوَرًا تَكُونُ رُمُوزًا لِلْحَقائِقِ الَّتِي سَتَحْصُلُ أوِ الَّتِي حَصَلَتْ في الواقِعِ، وتِلْكَ مِن قَبِيلِ مُكاشَفَةِ النَّفْسِ لِلْمَعانِي والمَواهِي وتَشْكِيلِ المُخَيِّلَةِ تِلْكَ الحَقائِقَ في أشْكالٍ مَحْسُوسَةٍ هي مِن مَظاهِرَ تِلْكَ المَعانِي، وهو ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ الَّذِي تَخْتَرِعُهُ ألْبابُ الخُطَباءِ والشُّعَراءِ، إلّا أنَّ هَذا تَخْتَرِعُهُ الألْبابُ في حالَةِ هَدُوِّ الدِّماغِ مِنَ الشَّواغِلِ الشّاغِلَةِ، فَيَكُونُ أتْقَنَ وأصْدَقَ. وهَذا أكْثَرُ أنْواعِ المَرائِي. ومِنهُ «رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يَشْرَبُ مِن قَدَحِ لَبَنٍ رَأى الرِّيَّ في أظْفارِهِ ثُمَّ أعْطى فَضْلَهُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» . وتَعْبِيرُهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ العِلْمُ.

صفحة ٢١٢

وكَذَلِكَ «رُؤْياهُ امْرَأةً سَوْداءَ ناشِرَةً شَعْرَها خارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ إلى الجَحْفَةِ»، فَعَبَّرَها بِالحُمّى تَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الجَحْفَةِ، «ورُئِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ أنَّهُ في رَوْضَةٍ، وأنَّ فِيها عَمُودًا، وأنَّ فِيهِ عُرْوَةً، وأنَّهُ أخَذَ بِتِلْكَ العُرْوَةِ فارْتَقى إلى أعْلى العَمُودِ، فَعَبَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ لا يَزالُ آخِذًا بِالإيمانِ الَّذِي هو العُرْوَةُ الوُثْقى، وأنَّ الرَّوْضَةَ هي الجَنَّةُ»، فَقَدْ تَطابَقَ التَّمْثِيلُ النَّوْمِيُّ مَعَ التَّمْثِيلِ المُتَعارَفِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وفي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ» .

وسَيَأْتِي تَأْوِيلُ هَذِهِ الرُّؤْيا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском