Ibn 'AshurYusuf · 12:56–66

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:56–66

12:56–57Page 242

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allāh.

﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ آيَةِ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ آنِفًا. والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ مَكانٍ لِلْبَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، فَمَعْنى التَّبَوُّءِ النُّزُولُ والإقامَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلُهُ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَصَرُّفِهِ في جَمِيعِ مَمْلَكَةِ مِصْرَ فَهو عِنْدَ حُلُولِهِ بِمَكانٍ مِنَ المَمْلَكَةِ لَوْ شاءَ أنْ يَحِلَّ بِغَيْرِهِ لَفَعَلَ، فَجُمْلَةُ يَتَبَوَّأُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] بِنُونِ العَظَمَةِ، أيْ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، أيْ حَيْثُ نَأْمُرُهُ أوْ نُلْهِمُهُ. والمَعْنى مُتَّحِدٌ لِأنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما شاءَهُ اللَّهُ

صفحة ١١

وجُمْلَةُ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ لِمُناسَبَةِ عُمُومِهِ لِخُصُوصِ ما أصابَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرَّحْمَةِ في أحْوالِهِ في الدُّنْيا وما كانَ لَهُ مِن مَواقِفِ الإحْسانِ الَّتِي كانَ ما أُعْطِيَهُ مِنَ النِّعَمِ وشَرَفِ المُنْزِلَةِ جَزاءً لَها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. ولَأجْرُهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ لَهُ ولِكُلِّ مَن آمَنَ واتَّقى.

والتَّعْبِيرُ في جانِبِ الإيمانِ بِصِيغَةِ الماضِي وفي جانِبِ التَّقْوى بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ الإيمانَ عَقْدُ القَلْبِ الجازِمُ فَهو حاصِلٌ دُفْعَةً واحِدَةً، وأمّا التَّقْوى فَهي مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ أسْبابِ الأمْرِ والنَّهْيِ واخْتِلافِ الأعْمالِ والأزْمانِ.

12:58–60Page 242

وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.1

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father.1 Do you not see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ طَوى القُرْآنُ أخَرَةَ أمْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحُلُولَ سِنِي الخِصْبِ والِادِّخارِ ثُمَّ اعْتِراءَ سِنِي القَحْطِ لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ كُلِّهِ في الغَرَضِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجْلِهِ، وهو إظْهارُ ما يَلْقاهُ الأنْبِياءُ مِن ذَوِيهِمْ وكَيْفَ تَكُونُ لَهم عاقِبَةُ النَّصْرِ والحُسْنى، ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتِ القِصَّةُ إلى ما فِيها مِن مَصِيرِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حاجَةٍ إلى نِعْمَتِهِ، ومِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الَّذِي يُحِبُّهُ، ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبَوَيْهِ، ثُمَّ مَظاهِرِ عَفْوِهِ عَنْ إخْوَتِهِ وصِلَتِهِ رَحِمَهُ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ أثَرًا في مَعْرِفَةِ فَضائِلِهِ.

وكانَ مَجِيءُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ عِنْدَ حُلُولِ القَحْطِ بِأرْضِ مِصْرَ وما جاوَرَها مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ مَنازِلِ آلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ

صفحة ١٢

السَّلامُ، وكانَ مَجِيئُهم في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِن سِنِي القَحْطِ. وإنَّما جاءَ إخْوَتُهُ عَدا بِنْيامِينَ لِصِغَرِهِ، وإنَّما رَحَلُوا لِلْمِيرَةِ كُلُّهم لَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّزْوِيدَ مِنَ الطَّعامِ كانَ بِتَقْدِيرٍ يُراعى فِيهِ عَدَدُ المُمْتارِينَ، وأيْضًا لِيَكُونُوا جَماعَةً لا يَطْمَعُ فِيهِمْ قُطّاعُ الطَّرِيقِ، وكانَ الَّذِينَ جاءُوا عَشَرَةً. وقَدْ عُرِفَ أنَّهم جاءُوا مُمْتارِينَ مِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقَوْلِهِ الآتِي ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ .

ودُخُولُهم عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُراقِبُ أمْرَ بَيْعِ الطَّعامِ بِحُضُورِهِ ويَأْذَنُ بِهِ في مَجْلِسِهِ خَشْيَةَ إضاعَةِ الأقْواتِ؛ لِأنَّ بِها حَياةَ الأُمَّةِ.

وعَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهِ بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ عَلى فِراقِهِمْ لِقُوَّةِ فِراسَتِهِ وزَكانَةِ عَقْلِهِ دُونَهم.

وجُمْلَةُ ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَعَرَفَهم)، ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أمْرٌ ثابِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، وكانَ الإخْبارُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إيّاهم بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَعْرِفَتَهُ إيّاهم حَصَلَتْ بِحِدْثانِ رُؤْيَتِهِ إيّاهم دُونَ تَوَسُّمٍ وتَأمُّلٍ. وقُرِنَ مَفْعُولُ (مُنْكِرُونَ) الَّذِي هو ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ ولَمْ يَقُلْ وهم مُنْكِرُونَ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ جَهْلِهِمْ بِمَعْرِفَتِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ في (لَهُ مُنْكِرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ نُكْرَتِهِمْ إيّاهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وإلّا فَإنَّ شَمائِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَجْهَلَ ويَنْسى.

والجَهازُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوَّلُهُ ما سافَرَ لِأجْلِهِ مِنَ الأحْمالِ. والتَّجْهِيزُ: إعْطاءُ الجِهازِ.

وقَوْلُهُ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ حَدِيثٍ مِنهم عَنْ أنَّ لَهم أخًا مِن أبِيهِمْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهم وإلّا لَكانَ إنْباءُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهَذا يُشْعِرُهم

صفحة ١٣

أنَّهُ يُكَلِّمُهم عارِفٌ بِهِمْ وهو لا يُرِيدُ أنْ يَكْشِفَ ذَلِكَ لَهم. وفي التَّوْراةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتالَ لِذَلِكَ بِأنْ أوْهَمَهم أنَّهُ اتَّهَمَهم أنْ يَكُونُوا جَواسِيسَ لِلْعَدُوِّ أوْ أنَّهم تَبَرَّءُوا مِن ذَلِكَ فَعَرَّفُوهُ بِمَكانِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ وبِأبِيهِمْ وعَدَدِ عائِلَتِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ أظْهَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ إلى أنْ يَرْجِعُوا ويَأْتُوا بِأخِيهِمُ الأصْغَرِ لِيُصَدِّقُوا قَوْلَهم فِيما أخْبَرُوهُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ .

و(مِن أبِيكم) حالٌ مِن (أخٍ لَكم) أيْ أُخُوَّتُهُ مِن جِهَةِ أبِيكم، وهَذا مِن مَفْهُومِ الِاقْتِصارِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ إرادَةِ غَيْرِهِ، أيْ مِن أبِيكم ولَيْسَ مِن أُمِّكم، أيْ لَيْسَ بِشَقِيقٍ.

والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: ائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِأخِيهِمْ إلّا مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ عِنْدَهُ. فَعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ المُقْتَضِيَةِ المَعْرِفَةَ إلى التَّنْكِيرِ تَنابُهًا في التَّظاهُرِ بِجَهْلِهِ بِهِ.

﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ لا تَعُودُوا إلى مِصْرَ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يَتْرُكُونَ أخاهم رَهِينَةً.

وقَوْلُهُ ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ تَرْغِيبٌ لَهم في العَوْدَةِ إلَيْهِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم مُضْطَرُّونَ إلى العَوْدِ إلَيْهِ لِعَدَمِ كِفايَةِ المِيرَةِ الَّتِي امْتارُوها لِعائِلَةٍ ذاتِ عَدَدٍ مِنَ النّاسِ مِثْلَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم بَعْدُ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥] .

ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يُنْزِلُ المُمْتارِينَ في ضِيافَتِهِ لِكَثْرَةِ الوافِدِينَ عَلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ. والمُنْزِلُ: المُضِيفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ كِنايَةٌ عَنِ الوَعْدِ بِأنْ يُوفِيَ لَهُمُ الكَيْلَ ويُكْرِمَ ضِيافَتَهم إنْ أتَوْا بِأخِيهِمْ. والكَيْلُ في المَوْضِعَيْنِ مُرادٌ مِنَ المَصْدَرِ. فَمَعْنى ﴿فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ أيْ لا يُكالُ لَكم، كِنايَةٌ عَنْ مَنعِهِمْ مِنِ ابْتِياعِ الطَّعامِ.

12:61Page 242

قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

صفحة ١٤

﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾

وعْدٌ بِأنْ يَبْذُلُوا قُصارى جُهْدِهِمْ في الإتْيانِ بِأخِيهِمْ وإشْعارٌ بِصُعُوبَةِ ذَلِكَ. فَمَعْنى ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ سَنُحاوِلُ أنْ لا يَشِحَّ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] .

وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الوَعْدِ بِتَحْقِيقِ المَوْعُودِ بِهِ، فَهو فِعْلُ ما أمَرَهم بِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وحَرْفِ التَّأْكِيدِ.

12:62Page 242

وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise1 into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

﴿وقالَ لِفِتْيَتِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ”لِفِتْيَتِهِ“ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ جَمْعُ تَكْسِيرِ فَتًى مِثْلِ أخٍ وإخْوَةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ (لِفِتْيانِهِ) بِوَزْنِ إخْوانٍ. والأوَّلُ صِيغَةُ قِلَّةٍ والثّانِي صِيغَةُ كَثْرَةٍ وكِلاهُما يُسْتَعْمَلُ في الآخَرِ. وعَدَدُ الفِتْيانِ لا يَخْتَلِفُ. والفَتى: مَن كانَ في مَبْدَأِ الشَّبابِ، ومُؤَنَّثُهُ فَتاةٌ، ويُطْلَقُ عَلى الخادِمِ تَلَطُّفًا، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالشَّبابِ في الخِدْمَةِ، وكانُوا أكْثَرَ ما يَسْتَخْدِمُونَ العَبِيدَ.

والبِضاعَةُ: المالُ أوِ المَتاعُ المُعَدُّ لِلتِّجارَةِ. والمُرادُ بِها هُنا الدَّراهِمُ الَّتِي ابْتاعُوا بِها الطَّعامَ كَما في التَّوْراةِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ رَجاءَ أنْ يَعْرِفُوا أنَّها عَيْنُ بِضاعَتِهِمْ إمّا بِكَوْنِها مَسْكُوكٌ سِكَّةَ بِلادِهِمْ وإمّا بِمَعْرِفَةِ الصُّرَرِ الَّتِي كانَتْ مَصْرُورَةً فِيها كَما في التَّوْراةِ، أيْ يَعْرِفُونَ أنَّها وُضِعَتْ هُنالِكَ قَصْدَ عَطِيَّةٍ مِن عَزِيزِ مِصْرَ.

صفحة ١٥

والرِّحالُ: جَمْعُ رَحْلٍ، وهو ما يُوضَعُ عَلى البَعِيرِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ، ولِذا سُمِّيَ البَعِيرُ راحِلَةً.

والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالرُّجُوعِ اسْتَشْعَرَ بِنَفاذِ رَأْيِهِ أنَّهم قَدْ يَكُونُونَ غَيْرَ واجِدِينَ بِضاعَةً لِيَبْتاعُوا بِها المِيرَةَ لِأنَّهُ رَأى مَخايِلَ الضِّيقِ عَلَيْهِمْ.

12:63–64Page 242

فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allāh is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

مَعْنى ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكَيْلِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ رُجُوعَهم بِالطَّعامِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالجَهازِ أنَّ المَنعَ مِنَ الكَيْلِ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ تَرْكِيبَ (مُنِعَ مِنّا) يُؤْذِنُ بِذَلِكَ، إذْ جَعَلُوا الكَيْلَ مَمْنُوعَ الِابْتِداءِ مِنهم؛ لِأنَّ (مِن) حَرْفُ ابْتِداءٍ.

والكَيْلُ مَصْدَرٌ صالِحٌ لِمَعْنى الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ، وهو هُنا بِمَعْنى الإسْنادِ إلى الفاعِلِ، أيْ لَنْ نَكِيلَ، فالمَمْنُوعُ هو ابْتِداءُ الكَيْلِ مِنهم. ولَمّا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِمْ ما يُكالُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الكَيْلِ بِطَلَبِهِ، أيْ مُنِعَ مِنّا ذَلِكَ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّنا لا نُمْنَحُهُ إلّا إذا وفَّيْنا بِما وعَدْنا مِن إحْضارِ أخِينا. ولِذَلِكَ صَحَّ تَفْرِيعُ ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ عَلَيْهِ، فَصارَ تَقْدِيمُ الكَلامِ: مُنِعْنا مِن أنْ نَطْلُبَ الكَيْلَ إلّا إذا حَضَرَ

صفحة ١٦

مَعَنا أخُونا. فَتَعَيَّنَ أنَّهم حَكَوُا القِصَّةَ لِأبِيهِمْ مُفَصَّلَةً واخْتَصَرَها القُرْآنُ لِظُهُورِ المُرادِ. والمَعْنى: إنْ أرْسَلْتَهُ مَعَنا نَرْحَلْ لِلِاكْتِيالِ ونَطْلُبْهُ. وإطْلاقُ المَنعِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، لِأنَّهم أُنْذِرُوا بِالحِرْمانِ فَصارَ طَلَبُهم مَمْنُوعًا مِنهم؛ لِأنَّ طَلَبَهُ عَبَثٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَكْتَلْ) بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ عِوَضَ النُّونِ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى (أخانا): أيْ يَكْتَلْ مَعَنا.

وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأرْسِلْ)، وأكَّدُوا حِفْظَهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ.

وجَوابُ أبِيهِمْ كَلامٌ مُوَجَّهٌ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنِّي آمَنُكم عَلَيْهِ كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ ماذا أفادَ ائْتِمانُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى آمَنَكم عَلَيْهِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، فَهو يَسْتَفْهِمُ عَنْ وجْهِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى احْتِمالَيْها هو التَّفْرِيعُ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾)، أيْ خَيْرٌ حِفْظًا مِنكم، فَإنْ حَفِظَهُ اللَّهُ سَلِمَ وإنْ لَمْ يَحْفَظْهُ لَمْ يَسْلَمْ كَما لَمْ يَسْلَمْ أخُوهُ مِن قَبْلُ حِينَ أمِنتُكم عَلَيْهِ.

وهم قَدِ اقْتَنَعُوا بِجَوابِهِ وعَلِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُرْسِلٌ مَعَهم أخاهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُراجِعُوهُ في شَأْنِهِ.

و(حِفْظًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ حافِظًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهي حالٌ لازِمَةٌ.

12:65Page 243

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ ٦٥

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies [i.e., food] for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."1

صفحة ١٧

﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أصْلُ المَتاعِ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ العُرُوضِ والثِّيابِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى أعْدالِ المَتاعِ وأحْمالِهِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ الحالِّ فِيهِ.

وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَرَقُّبِ السّامِعِ أنْ يَعْلَمَ ماذا صَدَرَ مِنهم حِينَ فَجَأهم وِجْدانُ بِضاعَتِهِمْ في ضِمْنِ مَتاعِهِمْ لِأنَّها مُفاجَأةٌ غَرِيبَةٌ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُعْطَفْ بِالفاءِ.

و(ما) في قَوْلِهِ ما نَبْغِي يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِ مَنزِلَةَ مَن يَتَطَلَّبُ مِنهم تَحْصِيلَ بُغْيَةٍ فَيُنْكِرُونَ أنْ تَكُونَ لَهم بُغْيَةٌ أُخْرى أيْ ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هَذا. ويَجُوزُ كَوْنُ (ما) نافِيَةً، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في مَعْنى النَّفْيِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما نَبْغِي﴾ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ. وإنَّما عَلِمُوا أنَّها رُدَّتْ إلَيْهِمْ بِقَرِينَةِ وضْعِها في العِدْلِ بَعْدَ وضْعِ الطَّعامِ وهم قَدْ كانُوا دَفَعُوها إلى الكَيّالِينَ، أوْ بِقَرِينَةِ ما شاهَدُوا في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العَطْفِ عَلَيْهِمْ، والوَعْدِ بِالخَيْرِ إنْ هم أتَوْا بِأخِيهِمْ إذْ قالَ لَهم ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] .

وجُمْلَةُ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾، لِأنَّها في قُوَّةِ هَذا ثَمَنُ ما نَحْتاجُهُ مِنَ المِيرَةِ صارَ إلَيْنا ونَمِيرُ بِهِ أهْلَنا، أيْ نَأْتِيهِمْ بِالمِيرَةِ.

والمِيرَةُ بِكَسْرِ المِيمِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ: هي الطَّعامُ المَجْلُوبُ.

صفحة ١٨

وجُمْلَةُ ﴿نَحْفَظُ أخانا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾؛ لِأنَّ المَيْرَ يَقْتَضِي ارْتِحالًا لِلْجَلْبِ، وكانُوا سَألُوا أباهم أنْ يَكُونَ أخُوهم رَفِيقًا لَهم في الِارْتِحالِ المَذْكُورِ، فَكانَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ وجُمْلَةِ ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ تَطْمِينًا لِخاطِرٍ فِيهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ زِيادَةٌ في إظْهارِ حِرْصِهِمْ عَلى سَلامَةِ أخِيهِمْ؛ لِأنَّ في سَلامَتِهِ فائِدَةً لَهم بِازْدِيادِ كَيْلِ بَعِيرٍ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُعْطِي المُمْتارَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ، فَإذا كانَ أخُوهم مَعَهم أعْطاهُ حِمْلَ بَعِيرٍ في عِدادِ الأُخْوَةِ. وبِهِ تَظْهَرُ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها.

وهَذِهِ الجُمَلُ مُرَتَّبَةٌ تَرْتِيبًا بَدِيعًا؛ لِأنَّ بَعْضَها مُتَوَلِّدٌ عَنْ بَعْضٍ.

والإشارَةُ في ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ إلى الطَّعامِ الَّذِي في مَتاعِهِمْ. وإطْلاقُ الكَيْلِ عَلَيْهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ بِقَرِينَةِ الإشارَةِ.

قِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: لَعَلَّهم نَسُوا البِضاعَةَ فَإذا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِمْ فَأخْبِرُوهم بِأنَّكم وجَدْتُمُوها في رِحالِكم.

12:66Page 243

قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٦٦

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise [i.e., oath] by Allāh that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded [i.e., overcome by enemies]." And when they had given their promise, he said, "Allāh, over what we say, is Entrusted."1

﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ اشْتَهَرَ الإيتاءُ والإعْطاءُ وما يُرادُ بِهِما في إنْشاءِ الحَلِفِ لِيَطْمَئِنَّ بِصِدْقِ الحالِفِ غَيْرُهُ وهو المَحْلُوفُ لَهُ.

وفِي حَدِيثِ الحَشْرِ «فَيُعْطِي اللَّهَ مِن عُهُودٍ ومَواثِيقَ أنْ لا يَسْألَهُ غَيْرَهُ» . كَما أُطْلِقَ فِعْلُ الأخْذِ عَلى تَلَقِّي المَحْلُوفِ لَهُ لِلْحَلِفِ، قالَ تَعالى ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] و﴿قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٠] .

صفحة ١٩

ولَعَلَّ سَبَبَ إطْلاقِ فِعْلِ الإعْطاءِ أنَّ الحالِفَ كانَ في العُصُورِ القَدِيمَةِ يُعْطِي المَحْلُوفَ لَهُ شَيْئًا تَذْكِرَةً لِلْيَمِينِ مِثْلَ سَوْطِهِ أوْ خاتَمِهِ، أوْ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَ صاحِبِ الحَقِّ ضَمانًا يَكُونُ رَهِينَةً عِنْدَهُ. وكانَتِ الحَمالَةُ طَرِيقَةً لِلتَّوْثِيقِ فَشَبَّهَ اليَمِينَ بِالحَمالَةِ. وأثْبَتَ لَهُ الإعْطاءَ والأخْذَ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وقَدِ اشْتُهِرَ ضِدُّ ذَلِكَ في إبْطالِ التَّوْثِيقِ يُقالُ: رَدَّ عَلَيْهِ حِلْفَهُ.

والمَوْثِقُ: أصْلُهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلتَّوْثِيقِ، أُطْلِقَ هُنا عَلى المَفْعُولِ وهو ما بِهِ التَّوَثُّقُ، يَعْنِي اليَمِينَ.

ومِنَ اللَّهِ صِفَةٌ لِـ (مَوْثِقًا)، و(مِنَ) لِلِابْتِداءِ، أيْ مَوْثِقًا صادِرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى ذَلِكَ أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ شاهِدًا عَلَيْهِمْ فِيما وعَدُوا بِهِ بِأنْ يَحْلِفُوا بِاللَّهِ فَتَصِيرُ شَهادَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَتَوَثُّقٍ صادِرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الِاعْتِبارِ. وذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: لَكَ مِيثاقُ اللَّهِ أوْ عَهْدُ اللَّهِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وبِهَذا يُضافُ المِيثاقُ والعَهْدُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَأنَّ الحالِفَ اسْتَوْدَعَ اللَّهَ ما بِهِ التَّوَثُّقُ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (مَوْثِقًا)، وهو حِكايَةٌ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ أبْناؤُهُ المَطْلُوبُ مِنهم إيقاعُهُ حِكايَةً بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ لِأنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِالقَسَمِ لَقالُوا: لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ، فَلَمّا حَكاهُ هو رَكَّبَ الحِكايَةَ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي كَلامُهم وبِالضَّمائِرِ المُناسِبَةِ لِكَلامِهِ بِخِطابِهِ إيّاهم.

ومِن هَذا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، وإنَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ: قُلْ لَهم أنْ يَعْبُدُوا رَبَّكَ ورَبَّهم.

ومَعْنى ﴿يُحاطَ بِكُمْ﴾ يُحِيطُ بِكم مُحِيطٌ. والإحاطَةُ: الأخْذُ بِأسْرٍ أوْ هَلاكٍ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وأصْلُهُ إحاطَةُ الجَيْشِ في الحَرْبِ، فاسْتُعْمِلَ مَجازًا في الحالَةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ التَّغَلُّبُ عَلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] .

صفحة ٢٠

والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ أحْوالٍ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ مَعَ الفِعْلِ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، فَتَأْوِيلُهُ: إلّا مُحاطًا بِكم.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] تَذْكِيرٌ لَهم بِأنَّ اللَّهَ رَقِيبٌ عَلى ما وقَعَ بَيْنَهم. وهَذا تَوْكِيدٌ لِلْحَلِفِ.

والوَكِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ في ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском