Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:76–83
12:76Page 244
فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦
So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1
﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
بَدَأ أيْ أمَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَداءَةِ بِأوْعِيَةِ بَقِيَّةِ إخْوَتِهِ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ الشَّقِيقِ.
وأوْعِيَةٌ: جَمْعُ وِعاءٍ، وهو الظَّرْفُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الوَعْيِ وهو الحِفْظُ. والِابْتِداءُ بِأوْعِيَةِ غَيْرِ أخِيهِ لِإبْعادِ أنْ يَكُونَ الَّذِي يُوجَدُ في وِعائِهِ هو المَقْصُودَ مِن أوَّلِ الأمْرِ. وتَأْنِيثُ ضَمِيرِ (اسْتَخْرَجَها) لِلسِّقايَةِ. وهَذا التَّأْنِيثُ في تَمامِ الرَّشاقَةِ إذْ كانَتِ الحَقِيقَةُ أنَّها سِقايَةٌ جُعِلَتْ صُواعًا. فَهو كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
والقَوْلُ في كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ كالقَوْلِ في كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ.
والكَيْدُ: فِعْلٌ يُتَوَصَّلُ بِظاهِرِهِ إلى مَقْصِدٍ خَفِيٍّ. والكَيْدُ: هُنا هو إلْهامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِهَذِهِ الحِيلَةِ المُحْكَمَةِ في وضْعِ الصُّواعِ وتَفْتِيشِهِ وإلْهامِ إخْوَتِهِ إلى ذَلِكَ الحُكْمِ المُصْمَتِ.
وأُسْنِدَ الكَيْدُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُلْهِمُهُ فَهو مُسَبِّبُهُ. وجَعَلَ الكَيْدَ لِأجَلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لِفائِدَتِهِ.
صفحة ٣٢
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ بَيانٌ لِلْكَيْدِ بِاعْتِبارِ جَمِيعِ ما فِيهِ مِن وضْعِ السِّقايَةِ ومِن حُكْمِ إخْوَتِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما يُلائِمُ مَرْغُوبَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْقاءِ أخِيهِ عِنْدَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَتْ شَرِيعَةُ القِبْطِ تُخَوِّلُهُ ذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ شَرْعَهم في جَزاءِ السّارِقِ أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ الشَّيْءُ ويُضْرَبَ ويُغَرَّمَ ضِعْفَيِ المَسْرُوقِ أوْ ضِعْفَيْ قِيمَتِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ (﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾) أيْ حُكْمِهِ وهو اسْتِرْقاقُ السّارِقِ. وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ لِقَوْلِهِ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ أيْ لَوْلا حِيلَةُ وضْعِ الصُّواعِ في مَتاعِ أخِيهِ. ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا شائِعًا في كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَما تَقَدَّمَ، أيْ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ كانَ عادِلًا فَلا يُؤْخَذُ أحَدٌ في بِلادِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. ومِثْلُهُ ما كانَ في شَرْعِ الرُّومانِ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَدِينِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالدِّينِ الشَّرِيعَةٌ لا مُطْلَقُ السُّلْطانِ.
ومَعْنى لامِ الجَحُودِ هُنا نَفْيُ أنْ يَكُونَ في نَفْسِ الأمْرِ سَبَبٌ يُخَوِّلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذَ أخِيهِ عِنْدَهُ.
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ أسْبابِ أخْذِ أخِيهِ المَنفِيَّةِ. وفي الكَلامِ حَرْفُ جَرٍّ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ، وهو باءُ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها نَفْيُ الأخْذِ، أيْ أسْبابُهُ. فالتَّقْدِيرُ: إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ، أيْ يُلْهِمَ تَصْوِيرَ حالَتِهِ ويَأْذَنَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في عَمَلِهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ الجَمَّةِ لِيُوسُفَ وإخْوَتِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ لَهم ولِذُرِّيَّتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ أخْذِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهُ؛ لِأنَّ فِيها رَفْعَ دَرَجَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الحالِ بِالتَّدْبِيرِ الحَكِيمِ مِن وقْتِ مُناجاتِهِ أخاهُ إلى وقْتِ اسْتِخْراجِ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ. ورَفْعَ دَرَجَةِ أخِيهِ في الحالِ بِإلْحاقِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في العَيْشِ الرَّفِيهِ والكَمالِ بِتَلَقِّي الحِكْمَةِ مِن فِيهِ. ورَفْعَ دَرَجاتِ إخْوَتِهِ وأبِيهِ في الِاسْتِقْبالِ بِسَبَبِ رَفْعِ دَرَجَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحُنُوِّهِ عَلَيْهِمْ. فالدَّرَجاتُ مُسْتَعارَةٌ لِقُوَّةِ الشَّرَفِ مِنِ
صفحة ٣٣
اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ في سُورَةِ الأنْفالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ ثانٍ لِجُمْلَةِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ الآيَةَ.
وفِيها شاهِدٌ لِتَفاوُتِ النّاسِ في العِلْمِ المُؤْذِنِ بِأنَّ عِلْمَ الَّذِي خَلَقَ لَهُمُ العِلْمَ لا يَنْحَصِرُ مَداهُ، وأنَّهُ فَوْقَ كُلِّ نِهايَةٍ مِن عِلْمِ النّاسِ.
والفَوْقِيَّةُ مَجازٌ في شَرَفِ الحالِ؛ لِأنَّ الشَّرَفَ يُشَبَّهُ بِالِارْتِفاعِ.
وعَبَّرَ عَنْ جِنْسِ المُتَفَوِّقِ في العِلْمِ بِوَصْفِ (عَلِيمٌ) بِاعْتِبارِ نِسْبَتِهِ إلى مَن هو فَوْقَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ إلى العَلِيمِ المُطْلَقِ سُبْحانَهُ.
وظاهِرُ تَنْكِيرِ (عَلِيمٌ) أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَيَعُمُّ كُلَّ مَوْصُوفٍ بِقُوَّةِ العِلْمِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. فَعُمُومُ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَخْلُوقاتِ لا إشْكالَ فِيهِ، ويَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ العَقْلِ إذْ لَيْسَ فَوْقَ اللَّهِ عَلِيمٌ.
وقَدْ يُحْمَلُ التَّنْكِيرُ عَلى الوَحْدَةِ ويَكُونُ المُرادُ عَلِيمٌ واحِدٌ فَيَكُونُ التَّنْكِيرُ لِلْوَحْدَةِ والتَّعْظِيمِ، وهو اللَّهُ تَعالى فَلا يَحْتاجُ إلى التَّخْصِيصِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾) بِإضافَةِ (دَرَجاتٍ) إلى (مَن نَشاءُ)، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتَنْوِينِ دَرَجاتٍ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِتَعَلُّقِ فِعْلِ (نَرْفَعُ) بِمَفْعُولِهِ وهو (مَن نَشاءُ) .
12:77Page 244
۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧
They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."
صفحة ٣٤
﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ لَمّا بُهِتُوا بِوُجُودِ الصُّواعِ في رَحْلِ أخِيهِمُ اعْتَراهم ما يَعْتَرِي المَبْهُوتَ فاعْتَذَرُوا عَنْ دَعْواهم تَنَزُّهَهم عَنِ السَّرِقَةِ. إذْ قالُوا (﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]) . عُذْرًا بَأنَّ أخاهم قَدْ تَسَرَّبَتْ إلَيْهِ خَصْلَةُ السَّرِقَةِ مِن غَيْرِ جانِبِ أبِيهِمْ فَزَعَمُوا أنَّ أخاهُ الَّذِي أُشِيعَ فَقْدُهُ كانَ سَرَقَ مِن قَبْلُ. وقَدْ عَلِمَ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المُتَّهَمَ أخٌ مِن أُمٍّ أُخْرى. فَهَذا اعْتِذارٌ بِتَعْرِيضٍ بِجانِبِ أُمِّ أخَوَيْهِمْ وهي زَوْجَةُ أبِيهِمْ وهي راحِيلُ ابْنَةُ لابانَ خالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وكانَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعُ زَوْجاتٍ: راحِيلُ هَذِهِ أُمُّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِنْيامِينَ، ولِيئَةُ بِنْتُ لابانَ أُخْتُ راحِيلَ وهي أُمُّ رُوبِينَ، وشَمْعُونَ، ولاوِي، ويَهُوذا، وبِساكِرَ، وزَبُولُونَ، وبُلْهَةُ جارِيَةُ راحِيلَ وهي أُمُّ دانا، ونَفْتالِي، وزُلْفَةُ جارِيَةُ راحِيلَ أيْضًا وهي أُمُّ جادَ، وأشِيرَ.
وإنَّما قالُوا: (﴿قَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾) بُهْتانًا ونَفْيًا لِلْمَعَرَّةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. ولَيْسَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَئِذٍ سَرِقَةٌ قَبْلُ. ولَمْ يَكُنْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْبِياءَ. وشَتّانَ بَيْنَ السَّرِقَةِ وبَيْنَ الكَذِبِ إذا لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ.
وكانَ هَذا الكَلامُ بِمَسْمَعٍ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَجْلِسِ حُكْمِهِ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ البارِزُ إلى جُمْلَةِ (﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾) عَلى تَأْوِيلِ ذَلِكَ القَوْلِ بِمَعْنى المَقالَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]) بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، ويَكُونُ مَعْنى (﴿أسَرَّها في نَفْسِهِ﴾) أنَّهُ تَحَمَّلَها ولَمْ يُظْهِرْ
صفحة ٣٥
غَضَبًا مِنها، وأعْرَضَ عَنْ زَجْرِهِمْ وعِقابِهِمْ مَعَ أنَّها طَعْنٌ فِيهِ وكَذِبٌ. وإلى هَذا التَّفْسِيرِ يَنْحُو أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وأبُو حَيّانَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾) كَلامًا مُسْتَأْنَفًا حِكايَةً لِما أجابَهم بِهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَراحَةً عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَرَةِ، وهو كَلامٌ لا يَقْتَضِي تَقْرِيرَ ما نَسَبُوهُ إلى أخِي أخِيهِمْ، أيْ أنْتُمْ أشَدُّ شَرًّا في حالَتِكم هَذِهِ؛ لِأنَّ سَرِقَتَكم مُشاهَدَةٌ وأمّا سَرِقَةُ أخِي أخِيكم فَمُجَرَّدُ دَعْوى، وفِعْلُ (قالَ) يُرَجِّحُ هَذا الوَجْهَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (فَأسَرَّها) إلى ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾)، وبِهَذا فَسَّرَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ قالَ في نَفْسِهِ، وهو يُشْبِهُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ والقِصَّةِ، لَكِنَّ تَأْنِيثَهُ بِتَأْوِيلِ المَقُولَةِ أوِ الكَلِمَةِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ ) تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ في (أسَرَّها) .
والإسْرارُ، عَلى هَذا الوَجْهِ، مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، وهو إخْفاءُ الكَلامِ عَنْ أنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ.
وجُمْلَةُ (﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾) قِيلَ هي تَوْكِيدٌ لِجُمْلَةِ (﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾)، وشَأْنُ التَّوْكِيدِ أنْ لا يُعْطَفَ. وُوَجْهُ عَطْفِها ما فِيها مِنَ المُغايَرَةِ لِلَّتِي قَبْلَها بِزِيادَةِ قَيْدِ (لَهم) المُشْعِرِ بِأنَّهُ أبْدى لِأخِيهِ أنَّهم كاذِبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمْ يُبْدِ لَهم غَضَبًا ولا عِقابًا كَما تَقَدَّمَ مُبالَغَةً في كَظْمِ غَيْظِهِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيرُ مُضافٍ مُناسِبٍ، أيْ لَمْ يُبْدِ أثَرَها.
و(شَرٌّ) اسْمُ تَفْضِيلٍ، وأصْلُهُ أشَّرُ، و(مَكانًا) تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الأشَرِّ.
وأُطْلِقَ المَكانُ عَلى الحالَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، والحالَةُ هي السَّرِقَةُ، وإطْلاقُ المَكانِ والمَكانَةِ عَلى الحالَةِ شائِعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، وهو تَشْبِيهُ الِاتِّصافِ بِوَصْفٍ ما بِالحُلُولِ في مَكانٍ. والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَلَّلُوا سَرِقَةَ أخِيهِمْ بِأنَّ أخاهُ مِن قَبْلُ قَدْ سَرَقَ فَإذا كانَتْ سَرِقَةٌ سابِقَةٌ مِن أخٍ أعْدَتْ أخاهُ الآخَرَ لِلسَّرِقَةِ، فَهم وقَدْ سَبَقَهم أخَوانِ
صفحة ٣٦
بِالسَّرِقَةِ أجْدَرُ بِأنْ يَكُونُوا سارِقِينَ مِنَ الَّذِي سَبَقَهُ أخٌ واحِدٌ. والكَلامُ قابِلٌ لِلْحَمْلِ عَلى مَعْنى أنْتُمْ شَرٌّ حالَةً مِن أخِيكم هَذا والَّذِي قَبْلَهُ لِأنَّهُما بَرِيئانِ مِمّا رَمَيْتُمُوهُما بِهِ وأنْتُمْ مُجْرِمُونَ عَلَيْهِما إذْ قَذَفْتُمْ أوَّلَهُما في الجُبِّ، وأيَّدْتُمْ تُهْمَةَ ثانِيهِما بِالسَّرِقَةِ.
ثُمَّ ذَيَّلَهُ بِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ وهو كَلامٌ جامِعٌ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ بِصِدْقِكم فِيما وصَفْتُمْ أوْ بِكَذِبِكم. والمُرادُ: أنَّهُ يَعْلَمُ كَذِبَهم، فالمُرادُ: أعْلَمُ بِحالِ ما تَصِفُونَ.
12:78–79Page 244
قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨
They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."
قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩
He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ نادَوْا بِوَصْفِ العَزِيزِ إمّا؛ لِأنَّ كُلَّ رَئِيسِ وِلايَةٍ مُهِمَّةٍ يُدْعى بِما يُرادِفُ العَزِيزَ فَيَكُونُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزِيزًا، كَما أنَّ رَئِيسَ الشُّرْطَةِ يُدْعى العَزِيزَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى امْرَأةُ العَزِيزِ، وإمّا؛ لِأنَّ يُوسُفَ ضُمَّتْ إلَيْهِ وِلايَةُ العَزِيزِ الَّذِي اشْتَراهُ فَجَمَعَ التَّصَرُّفاتِ وراجَعُوهُ في أخْذِ أخِيهِمْ.
ووَصَفُوا أباهم بِثَلاثِ صِفاتٍ تَقْتَضِي التَّرْقِيقَ عَلَيْهِ، وهي: حَنانُ الأُبُوَّةِ، وصِفَةُ الشَّيْخُوخَةِ، واسْتِحْقاقُهُ جَبْرَ خاطِرِهِ لِأنَّهُ كَبِيرُ قَوْمِهِ أوْ لِأنَّهُ انْتَهى في الكِبَرِ إلى أقْصاهُ، فالأوْصافُ مَسُوقَةٌ لِلْحَثِّ عَلى سَراحِ الِابْنِ لا لِأصْلِ الفائِدَةِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا أخْبَرُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ أبِيهِمْ.
والمُرادُ بِالكَبِيرِ: إمّا كَبِيرُ عَشِيرَتِهِ فَإساءَتُهُ تَسُوءُهم جَمِيعًا، ومِن عادَةِ الوُلاةِ اسْتِجْلابُ القَبائِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَبِيرًا تَأْكِيدًا لِـ (شَيْخًا) أيْ بَلَغَ الغايَةَ في
صفحة ٣٧
الكِبَرِ في السِّنِّ، ولِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ (﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾) إذْ كانَ هو أصْغَرَ الإخْوَةِ، والأصْغَرُ أقْرَبُ إلى رِقَّةِ الأبِ عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِإجابَةِ المَطْلُوبِ لا لِلطَّلَبِ. والتَّقْدِيرُ: فَلا تَرُدَّ سُؤالَنا لِأنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ فَمِثْلُكَ لا يَصْدُرُ مِنهُ ما يَسُوءُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا.
والمَكانُ: أصْلُهُ مَحَلُّ الكَوْنِ، أيْ ما يَسْتَقِرُّ فِيهِ الجِسْمُ، وهو هُنا مَجازٌ في العِوَضِ؛ لِأنَّ العِوَضَ يَضَعُهُ آخِذُهُ في مَكانِ الشَّيْءِ المُعَوَّضِ عَنْهُ كَما في الحَدِيثِ «هَذِهِ مَكانُ حُجَّتِكَ» .
و(مَعاذَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ اسْمٌ لِلْعَوْذِ، وهو اللَّجَأُ إلى مَكانٍ لِلتَّحَصُّنِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] .
وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ نائِبًا عَنْ فِعْلِهِ المَحْذُوفِ. والتَّقْدِيرُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ جُعِلَ الِاسْمُ المَجْرُورُ بِباءِ التَّعْدِيَةِ مُتَّصِلًا بِالمَصْدَرِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ فَقِيلَ: مَعاذَ اللَّهِ، كَما قالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، عِوَضًا عَنْ أُسَبِّحُ اللَّهَ. والمُسْتَعاذُ مِنهُ هو المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، والمَعْنى: الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ، أيْ نَلْجَأُ إلى اللَّهِ أنْ يَعْصِمَنا مِن أخْذِ مَن لا حَقَّ لَنا في أخْذِهِ، أيْ أنْ يَعْصِمَنا مِنَ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ أخْذَ مَن وُجِدَ المَتاعُ عِنْدَهُ صارَ حَقًّا عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ التَّحْكِيمَ لَهُ قُوَّةُ الشَّرِيعَةِ. وأمّا أخْذُ غَيْرِهِ فَلا يَسُوغُ إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَسْتَرِقَّ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا.
ودَلِيلُ التَّعْلِيلِ شَيْئانِ: وُقُوعُ (إنَّ) في صَدْرِ الجُمْلَةِ، والإتْيانُ بِحَرْفِ الجَزاءِ هو (إذَنْ) وضَمائِرُ (نَأْخُذَ) و(وجَدْنا) و(مَتاعَنا) و(إنّا) و(لَظالِمُونَ) مُرادٌ بِها المُتَكَلِّمُ وحْدَهُ دُونَ مُشارِكٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنِ اسْتِعْمالِ ضَمِيرِ الجَمْعِ في
صفحة ٣٨
التَّعْظِيمِ حِكايَةً لِعِبارَتِهِ في اللُّغَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها فَإنَّهُ كانَ عَظِيمَ المَدِينَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتُعْمِلَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ تَواضُعًا مِنهُ تَشْبِيهًا لِنَفْسِهِ بِمَن لَهُ مُشارِكٌ في الفِعْلِ وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما الآيَةَ مِن سُورَةِ الكَهْفِ.
وإنَّما لَمْ يُكاشِفْهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحالِهِ ويَأْمُرْهم بِجَلْبِ أبِيهِمْ يَوْمَئِذٍ: إمّا لِأنَّهُ خَشِيَ إنْ هو تَرَكَهم إلى اخْتِيارِهِمْ أنْ يَكِيدُوا لِبِنْيامِينَ فَيَزْعُمُوا أنَّهم يَرْجِعُونَ جَمِيعًا إلى أبِيهِمْ فَإذا انْفَرَدُوا بِبِنْيامِينَ أهْلَكُوهُ في الطَّرِيقِ، وإمّا لِأنَّهُ قَدْ كانَ بَيْنَ القِبْطِ وبَيْنَ الكَنْعانِيِّينَ في تِلْكَ المُدَّةِ عَداواةٌ فَخافَ إنْ هو جَلَبَ عَشِيرَتَهُ إلى مِصْرَ أنْ تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ ظُنُونُ السُّوءِ مِن مَلِكِ مِصْرَ فَتَرَيَّثَ إلى أنْ يَجِدَ فُرْصَةً لِذَلِكَ، وكانَ المَلِكُ قَدْ أحْسَنَ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الوَفاءِ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَكْرَهُهُ أوْ يُسِيءُ ظَنَّهُ، فَتَرَقَّبَ وفاةَ المَلِكِ أوِ السَّعْيَ في إرْضائِهِ بِذَلِكَ، أوْ أرادَ أنْ يَسْتَعْلِمَ مِن أخِيهِ في مُدَّةِ الِانْفِرادِ بِهِ أحْوالَ أبِيهِ وأهْلِهِمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَأْتِي بِهِمْ أوْ بِبَعْضِهِمْ، وسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ قالَ ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩] .
12:80–82Page 245
فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠
So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.
ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١
Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1
وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢
And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِيَ أبِيَ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾
صفحة ٣٩
اسْتَيْأسُوا بِمَعْنى يَئِسُوا فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، ومِثْلُها (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: ٣٤]) و(اسْتَعْصَمَ) .
واليَأْسُ مِنهُ: اليَأْسُ مِن إطْلاقِهِ أخاهم، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِقَرِينَةِ المَقامِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿اسْتَيْأسُوا﴾) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ عَلى أصْلِ التَّصْرِيفِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخُلْفٍ عَنْهُ بِألِفٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ القَلْبِ في المَكانِ ثُمَّ إبْدالِ الهَمْزَةِ.
و(خَلَصُوا) بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا. وأصْلُهُ مِنَ الخُلُوصِ وهو الصَّفاءُ مِنَ الأخْلاطِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها حَيْثُ عَزَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنْ يَخْطُبَ في النّاسِ فَيُحَذِّرَهم مِن قَوْمٍ يُرِيدُونَ المُزاحَمَةَ في الخِلافَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعاعَ النّاسِ فَأمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَتَخْلُصَ بِأهْلِ الفِقْهِ. . . إلَخْ.
والنَّجِيُّ: اسْمٌ مِنَ المُناجاةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. كانَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذْ هم نَجْوى، والمَعْنى: انْفَرَدُوا تَناجِيًا. والتَّناجِي: المُحادَثَةُ سِرًّا، أيْ مُتَناجِينَ.
وجُمْلَةُ (﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾) وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ المُناجاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُ كَبِيرِهِمْ هَذا، وكَبِيرُهم هو أكْبَرُهم سَنًّا وهو رُوبِينُ بِكْرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾) تَقْرِيرِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِعَدَمِ اطْمِئْنانِ أبِيهِمْ بِحِفْظِهِمْ لِابْنِهِ.
وجُمْلَةُ (ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن قِبَلِ المَوْثِقِ، أيْ فَهو غَيْرُ مُصَدِّقِكم فِيما
صفحة ٤٠
تُخْبِرُونَ بِهِ مِن أخْذِ بِنْيامِينَ في سَرِقَةِ الصُّواعِ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ كَبِيرُهم أنَّهُ يَبْقى في مِصْرَ لِيَكُونَ بَقاؤُهُ عَلامَةً عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْرِفُ بِها صِدْقَهم في سَبَبِ تَخَلُّفِ بِنْيامِينَ، إذْ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَبْقى غَرِيبًا لَوْلا خَوْفُهُ مِن أبِيهِ، ولا يَرْضى بَقِيَّةُ أشِقّائِهِ أنْ يَكِيدُوا لَهُ كَما يَكِيدُونَ لِغَيْرِ الشَّقِيقِ.
وقَوْلُهُ (﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾) تَرْدِيدٌ بَيْنَ ما رَسَمَهُ هو لِنَفْسِهِ وبَيْنَ ما عَسى أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَحْكُمَ) المَجْرُورُ بِالباءِ لِتَنْزِيلِ فِعْلِ (يَحْكُمَ) مَنزِلَةَ ما لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا.
واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بِما فِيهِ نَفْعِي. والمُرادُ بِالحُكْمِ التَّقْدِيرُ.
وجُمْلَةُ وهو (﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾) تَذْيِيلٌ. و(﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾) إنْ كانَ عَلى التَّعْمِيمِ فَهو الَّذِي حُكْمُهُ لا جَوْرَ فِيهِ أوِ الَّذِي حُكْمُهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَهُ، وإنْ كانَ عَلى إرادَةِ ”وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ لِي“ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الثَّناءِ لِلتَّعْرِيضِ بِالسُّؤالِ أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ما فِيهِ رَأْفَةٌ في رَدِّ غُرْبَتِهِ.
وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِقَوْلٍ صَدَرَ مِن بِنْيامِينَ يُدافِعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لازِمُ السُّكُوتِ لِأنَّهُ كانَ مُطَّلِعًا عَلى مُرادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ اسْتِبْقائِهِ عِنْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ.
ثُمَّ لَقَّنَهم كَبِيرُهم ما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ. ومَعْنى (﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾) احْتِراسٌ مِن تَحَقُّقِ كَوْنِهِ سَرَقَ، وهو إمّا لِقَصْدِ التَّلَطُّفِ مَعَ أبِيهِمْ في نِسْبَةِ ابْنِهِ إلى السَّرِقَةِ وإمّا لِأنَّهم عَلِمُوا مِن أمانَةِ أخِيهِمْ ما خالَجَهم بِهِ الشَّكُّ في وُقُوعِ السَّرِقَةِ مِنهُ.
والغَيْبُ: الأحْوالُ الغائِبَةُ عَنِ المَرْءِ. والحِفْظُ: بِمَعْنى العِلْمِ.
وسُؤالُ القَرْيَةِ مَجازٌ عَنْ سُؤالِ أهْلِها. والمُرادُ بِها مَدِينَةُ مِصْرَ. والمَدِينَةُ والقَرْيَةُ مُتَرادِفَتانِ. وقَدْ خُصَّتِ المَدِينَةُ في العُرْفِ بِالقَرْيَةِ الكَبِيرَةِ.
والمُرادُ بِالعِيرِ الَّتِي كانُوا فِيها رِفاقُهم في عِيرِهِمُ القادِمِينَ إلى مِصْرَ مِن
صفحة ٤١
أرْضِ كَنْعانَ، فَأمّا سُؤالُ العِيرِ فَسَهْلٌ وأمّا سُؤالُ القَرْيَةِ فَيَكُونُ بِالإرْسالِ أوِ المُراسَلَةِ أوِ الذَّهابِ بِنَفْسِهِ إنْ أرادَ الِاسْتِثْباتَ.
12:83Page 245
قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣
[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."
﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾) في صُورَةِ الجَوابِ عَنِ الكَلامِ الَّذِي لَقَّنَهُ أخُوهم عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ فَقالُوا ذَلِكَ الكَلامَ الَّذِي لَقَّنَهُ إيّاهم رُوبِينُ قالَ أبُوهم: بَلْ سَوَّلَتْ. . . إلَخَّ.
وقَوْلُهُ هُنا كَقَوْلِهِ لَهم حِينَ زَعَمُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَهو تُهْمَةٌ لَهم بِالتَّغْرِيرِ بِأخِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظَنَّ بِهِمْ سُوءًا فَصَدَقَ ظَنُّهُ في زَعْمِهِمْ في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَتَحَقَّقْ ما ظَنَّهُ في أمْرِ بِنْيامِينَ، أيْ أخْطَأ في ظَنِّهِ بِهِمْ في قَضِيَّةِ بِنْيامِينَ، ومُسْتَنَدُهُ في هَذا الظَّنِّ عِلْمُهُ أنَّ ابْنَهُ لا يَسْرِقُ، فَعَلِمَ أنَّ في دَعْوى السَّرِقَةِ مَكِيدَةً. فَظَنُّهُ صادِقٌ عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَّفْصِيلِ. وأمّا تُهْمَتُهُ أبْناءَهُ بِأنْ يَكُونُوا تَمالَئُوا عَلى أخِيهِمْ بِنْيامِينَ فَهو ظَنٌّ مُسْتَنِدٌ إلى القِياسِ عَلى ما سَبَقَ مِن أمْرِهِمْ في قَضِيَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ قالَ لَهم هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ، ويَجُوزُ عَلى النَّبِيءِ الخَطَأُ في الظَّنِّ في أُمُورِ العاداتِ كَما جاءَ في حَدِيثِ تَرْكِ إبّارِ النَّخْلِ.
ولَعَلَّهُ اتَّهَمَ رُوبِينَ أنْ يَكُونَ قَدِ اخْتَفى لِتَرْوِيجِ دَعْوى إخْوَتِهِ. وضَمِيرُ (بِهِمْ) لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِنْيامِينَ ورُوبِينَ. وهَذا كَشْفٌ مِنهُ إذْ لَمْ يَيْأسْ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِرَجائِهِ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ مَواقِعُهُمُ المُتَفَرِّقَةُ. حَكِيمٌ فَهو قادِرٌ عَلى إيجادِ أسْبابِ جَمْعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences