Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:84–95
12:84–87Page 245
وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤
And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2
قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥
They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."
قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦
He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.
يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧
O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."
صفحة ٤٢
﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾
انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.
ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.
ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.
والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.
وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.
صفحة ٤٣
وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.
وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.
و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.
قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ
وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.
والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.
وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ عِنْدَما سَمِعُوا قَوْلَهُ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾) وقَدْ قالَها في خَلْوَتِهِ فَسَمِعُوها.
والتّاءُ حَرْفُ قَسَمٍ، وهي عِوَضٌ عَنْ واوِ القَسَمِ. قالَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: التّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ. وسَلَّمَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ،
صفحة ٤٤
وفَسَّرَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِالتّاءِ يَكُونُ نادِرَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَعَجَّبَ مِنهُ لا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، ومِن ثَمَّ قَلَّ اسْتِعْمالُ التّاءِ إلّا مَعَ اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ الجَلالَةِ أقْوى القَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ هو (﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾) بِاعْتِبارِ ما بَعْدَهُ مِنَ الغايَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا اليَمِينِ الإشْفاقُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ صائِرٌ إلى الهَلاكِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَناسِيهِ مُصِيبَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ المَقْصُودُ تَحْقِيقَ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ عَنْ تَذَكُّرِ يُوسُفَ. وجَوابُ القَسَمِ هُنا فِيهِ حَرْفُ النَّفْيِ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ عَدَمِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُثْبَتًا لَوَجَبَ قَرْنُهُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا.
ومَعْنى (تَفْتَأُ) تَفْتُرُ. يُقالُ: فَتِئَ مِن بابِ عَلِمَ. إذا فَتَرَ عَنِ الشَّيْءِ. والمَعْنى: لا تَفْتُرُ في حالِ كَوْنِكَ تَذْكُرُ يُوسُفَ. ولِمُلازَمَةِ النَّفْيِ لِهَذا الفِعْلِ ولُزُومِ حالٍ يَعْقُبُ فاعِلَهُ صارَ شَبِيهًا بِالأفْعالِ النّاقِصَةِ.
و(حَرَضًا) مَصْدَرٌ هو شِدَّةُ المَرَضِ المُشْفِي عَلى الهَلاكِ، وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، أيْ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا، أيْ بالِيًا لا شُعُورَ لَكَ. ومَقْصُودُهُمُ الإنْكارُ عَلَيْهِ صَدًّا لَهُ عَنْ مُداوَمَةِ ذِكْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى لِسانِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُ بِاللِّسانِ يُفْضِي إلى دَوامِ حُضُورِهِ في ذِهْنِهِ.
وفِي جَعْلِهِمُ الغايَةَ الحَرَضَ أوِ الهَلاكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَذْكُرُ أمْرًا لا طَمَعَ في تَدارُكِهِ، فَأجابَهم بِأنَّ ذِكْرَهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوَجَّهٌ إلى اللَّهِ دُعاءً بِأنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ. فَقَوْلُهُ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ تَعْرِيضٌ بِدُعاءِ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ أسَفَهُ بِرَدِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَهْلِكْ ولَكِنَّهُ بِأرْضِ غُرْبَةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِفِراسَةٍ صادِقَةٍ وهي المُسَمّاةُ بِالإلْهامِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ.
فَجُمْلَةُ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ مُفِيدَةٌ قَصْرَ شَكْواهُ عَلى التَّعَلُّقِ بِاسْمِ اللَّهِ، أيْ يَشْكُو إلى اللَّهِ لا إلى نَفْسِهِ لِيُجَدِّدَ الحُزْنَ، فَصارَتِ الشَّكْوى بِهَذا القَصْدِ ضَراعَةً وهي عِبادَةٌ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ. وصارَ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ النّاشِئُ عَنِ التَّذَكُّرِ
صفحة ٤٥
النّاشِئِ عَنِ الشَّكْوى أثَرًا جَسَدِيًّا ناشِئًا عَنْ عِبادَةٍ مِثْلَ تَفَطُّرِ أقْدامِ النَّبِيءِ ﷺ مِن قِيامِ اللَّيْلِ.
والبَثُّ: الهَمُّ الشَّدِيدُ، وهو التَّفْكِيرُ في الشَّيْءِ المُسِيءِ. والحُزْنُ: الأسَفُ عَلى فائِتٍ. فَبَيْنَ الهَمِّ والحُزْنِ العُمُومُ والخُصُوصُ الوَجْهِيُّ، وقَدِ اجْتَمَعا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ مُهْتَمًّا بِالتَّفْكِيرِ في مَصِيرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما يَعْتَرِضُهُ مِنَ الكَرْبِ في غُرْبَتِهِ وكانَ آسِفًا عَلى فِراقِهِ.
وقَدْ أعْقَبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِيُنَبِّهَهم إلى قُصُورِ عُقُولِهِمْ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ العالِيَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم دُونَ مَرْتَبَةِ أنْ يَعْلَمُوهُ أوْ يَلُومُوهُ، أيْ أنا أعْلَمُ عِلْمًا مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُونَهُ وهو عِلْمُ النُّبُوءَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سُورَةِ الأعْرافِ فَهي مِن كَلامِ النُّبُوءَةِ الأُولى. وحُكِيَ مِثْلُها عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ يَطْمَعُ في المُحالِ بِأنَّ ما يَحْسَبُونَهُ مُحالًا سَيَقَعُ.
ثُمَّ صَرَّحَ لَهم بِشَيْءٍ مِمّا يَعْلَمُهُ وكاشَفَهم بِما يُحَقِّقُ كَذِبَهُمُ ادِّعاءَ ائْتِكالَ الذِّئْبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أذِنَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ تَقْدِيرِ انْتِهاءِ البَلْوى فَقالَ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ .
فَجُمْلَةُ (﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يُثِيرُ في أنْفُسِهِمْ تَرَقُّبَ مُكاشَفَتِهِ عَلى كَذِبِهِمْ فَإنَّ صاحِبَ الكَيْدِ كَثِيرُ الظُّنُونِ (﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]) .
والتَّحَسُّسُ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ: شِدَّةُ التَّطَلُّبِ والتَّعَرُّفِ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّجَسُّسِ بِالجِيمِ فَهو التَّطَلُّبُ مَعَ اخْتِفاءٍ وتَسَتُّرٍ.
والرَّوْحُ بِفَتْحِ الرّاءِ: النَّفَسُ بِفَتْحِ الفاءِ اسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الكَرْبِ؛ لِأنَّ الكَرْبَ والهَمَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِما الغَمُّ وضِيقُ النَّفَسِ وضِيقُ الصَّدْرِ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ التَّنَفُّسُ والتَّرَوُّحُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، ومِنهُ اسْتِعارَةُ قَوْلِهِمْ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ إذا زالَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ.
صفحة ٤٦
وفِي خِطابِهِمْ بِوَصْفِ البُنُوَّةِ مِنهُ تَرْقِيقٌ لَهم وتَلَطُّفٌ لِيَكُونَ أبْعَثَ عَلى الِامْتِثالِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اليَأْسِ، فَمَوْقِعُ إنَّ التَّعْلِيلُ. والمَعْنى: لا تَيْأسُوا مِنَ الظَّفَرِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَلِّينَ بِطُولِ مُدَّةِ البُعْدِ الَّتِي يَبْعُدُ مَعَها اللِّقاءُ عادَةً. فَإنَّ اللَّهَ إذا شاءَ تَفْرِيجَ كُرْبَةٍ هَيَّأ لَها أسْبابَها، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِأنَّ اللَّهَ واسِعُ القُدْرَةِ لا يُحِيلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَحَقُّهُ أنْ يَأْخُذَ في سَبَبِهِ ويَعْتَمِدَ عَلى اللَّهِ في تَيْسِيرِهِ، وأمّا القَوْمُ الكافِرُونَ بِاللَّهِ فَهم يَقْتَصِرُونَ عَلى الأُمُورِ الغالِبَةِ في العادَةِ ويُنْكِرُونَ غَيْرَها.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِخُلْفٍ عَنْهُ (ولا تَأْيَسُوا) و(إنَّهُ لا يَأْيَسُ) بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ الثّانِيَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (فَلَمّا اسْتَيْئَسُوا مِنهُ) .
12:88Page 246
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨
So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ فارْتَحَلُوا إلى مِصْرَ بِقَصْدِ اسْتِطْلاقِ بِنْيامِينَ مِن عَزِيزِ مِصْرَ ثُمَّ بِالتَّعَرُّضِ إلى التَّحَسُّسِ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَصَلُوا مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ إلَخْ. . .
وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا وجْهُ دُعائِهِمْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَصْفِ العَزِيزِ.
وأرادُوا بِمَسِّ الضُّرِّ إصابَتَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ إطْلاقُ مَسِّ الضُّرِّ عَلى الإصابَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
والبِضاعَةُ تَقَدَّمَتْ آنِفًا. والمُزْجاةُ: القَلِيلَةُ الَّتِي لا يُرْغَبُ فِيها فَكَأنَّ صاحِبَها يُزْجِيها، أيْ يَدْفَعُها بِكُلْفَةٍ لِيَقْبَلَها المَدْفُوعَةُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِها مالٌ
صفحة ٤٧
قَلِيلٌ لِلِامْتِيارِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ (﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾)، وطَلَبُوا التَّصَدُّقَ مِنهُ تَعْرِيضًا بِإطْلاقِ أخِيهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ إذْ صارَ مَمْلُوكًا لَهُ كَما تَقَدَّمَ.
وجُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعائِهِمُ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ.
12:89–93Page 246
قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩
He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"
قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠
They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١
They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."
قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢
He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.
ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣
Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.
و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ
صفحة ٤٨
فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.
وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.
وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.
ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.
والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.
ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.
وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ ثُمَّ مِن تَفَهُّمِ قَوْلِ أبِيهِمْ لَهم ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] إذْ قَدِ اتَّضَحَ لَهُمُ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ مِن كَلامِهِ فَعَرَفُوا أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مُرِيدًا نَفْسَهُ.
صفحة ٤٩
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ وضَمِيرِ الفَصْلِ لِشِدَّةِ تَحَقُّقِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُدْخِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ لِأنَّهم تَطَلَّبُوا تَأْيِيدَهُ لِعِلْمِهِمْ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّكَ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمُرادُ لازِمُ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ عَرَفْناكَ. ألا تَرى أنَّ جَوابَهُ بِـ أنا يُوسُفُ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا مُتَحَقِّقِينَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَأْيِيدُهُ لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿وهَذا أخِي﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُما بَعْدَ طُولِ الفُرْقَةِ، فَجُمْلَةُ (﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ (﴿وهَذا أخِي﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) . فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّقى اللَّهَ وصَبَرَ وبِنْيامِينُ صَبَرَ ولَمْ يَعْصِ اللَّهَ فَكانَ تَقِيًّا. أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْلِيمَهم وسائِلَ التَّعَرُّضِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وحَثَّهم عَلى التَّقْوى والتَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِيهِ وفي أخِيهِ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى إيثارِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلَيْهِمْ.
وهَذا مِن أفانِينِ الخَطابَةِ أنْ يَغْتَنِمَ الواعِظُ الفُرْصَةَ لِإلْقاءِ المَوْعِظَةِ، وهي فُرْصَةُ تَأثُّرِ السّامِعِ وانْفِعالِهِ وظُهُورِ شَواهِدِ صِدْقِ الواعِظِ في مَوْعِظَتِهِ.
وذِكْرُ المُحْسِنِينَ وضْعٌ لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم. فَعَدَلَ عَنْهُ إلى المُحْسِنِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ، ولِلتَّعْمِيمِ في الحُكْمِ لِيَكُونَ كالتَّذْيِيلِ، ويَدْخُلَ في عُمُومِهِ هو وأخُوهُ.
ثُمَّ إنَّ هَذا في مَقامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وإظْهارُ المَوْعِظَةِ سائِغٌ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنِّي لَأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .
صفحة ٥٠
والإيثارُ: التَّفْضِيلُ بِالعَطاءِ. وصِيغَةُ اليَمِينِ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ الفائِدَةِ، وهي عِلْمُهم ويَقِينُهم بِأنَّ ما نالَهُ هو تَفْضِيلٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهم عَرَفُوا مَرْتَبَتَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ تَحْصِيلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُهُ. والمُرادُ: الإيثارُ في الدُّنْيا بِما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ.
واعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ إذْ قالُوا (﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾)، والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، أيِ الجَرِيمَةِ، فَنَفَعَتْ فِيهِمُ المَوْعِظَةُ.
ولِذَلِكَ أعْلَمَهم بِأنَّ الذَّنْبَ قَدْ غُفِرَ فَرُفِعَ عَنْهُمُ الذَّمُّ فَقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم.
والتَّثْرِيبُ: التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والظّاهِرُ أنَّ مُنْتَهى الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ فَيُبْنى عَلى الِاخْتِصارِ فَيَكْتَفِي بِـ (﴿لا تَثْرِيبَ﴾) مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا باسَ، وقَوْلُهُ تَعالى (﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١]) .
وزِيادَةُ (عَلَيْكم) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ زِيادَةِ لَكَ بَعْدَ سَقْيًا ورَعْيًا، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ (اليَوْمَ) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾) . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أعْلَمَهم بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم في تِلْكَ السّاعَةِ لِأنَّها ساعَةُ تَوْبَةٍ، فالذَّنْبُ مَغْفُورٌ لِإخْبارِ اللَّهِ في شَرائِعِهِ السّالِفَةِ دُونَ احْتِياجٍ إلى وحْيٍ سِوى أنَّ الوَحْيَ لِمَعْرِفَةِ إخْلاصِ تَوْبَتِهِمْ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمَنِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم في أوَّلِ سُورَةِ العُقُودِ.
وقَوْلُهُ (﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم قَمِيصًا، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ قَمِيصَهُ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى حَياتِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مُصْطَلَحًا عَلَيْهِ بَيْنَهُما. وكانَ لِلْعائِلاتِ في النِّظامِ القَدِيمِ عَلاماتٌ يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَحْتَفِظُونَ بِها لِتَكُونَ وسائِلَ لِلتَّعارُفِ بَيْنَهم عِنْدَ الفِتَنِ والِاغْتِرابِ، إذْ كانَتْ تَعْتَرِيهِمْ حَوادِثُ الفَقْدِ والفِراقِ بِالغَزْوِ والغاراتِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ، وتِلْكَ العَلاماتُ مِن لِباسٍ ومِن كَلِماتٍ يَتَعارَفُونَ بِها وهي الشِّعارُ، ومِن عَلاماتٍ في البَدَنِ وشاماتٍ.
صفحة ٥١
وفائِدَةُ إرْسالِهِ إلى أبِيهِ القَمِيصَ أنْ يَثِقَ أبُوهُ بِحَياتِهِ ووُجُودِهِ في مِصْرَ، فَلا يَظُنُّ الدَّعْوَةَ إلى قُدُومِهِ مَكِيدَةً مِن مَلِكِ مِصْرَ. ولِقَصْدِ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لَهُ.
والأظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ فِيما يُبَلِّغُونَهُ إلى أبِيهِمْ مِن أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَلْبِهِ فَإنَّ قُمْصانَ المُلُوكِ والكُبَراءِ تُنْسَجُ إلَيْهِمْ خِصِّيصًا ولا تُوجَدُ أمْثالُها عِنْدَ النّاسِ وكانَ المُلُوكُ يَخْلَعُونَها عَلى خاصَّتِهِمْ، فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ أنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ صِدْقٍ.
ومِنَ البَعِيدِ ما قِيلَ: إنَّ القَمِيصَ كانَ قَمِيصَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدْ جاءَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى أبِيهِمْ حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ.
وأمّا إلْقاءُ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ فَلِقَصْدِ المُفاجَأةِ بِالبُشْرى لِأنَّهُ كانَ لا يُبْصِرُ مِن بَعِيدٍ فَلا يَتَبَيَّنُ رِفْعَةَ القَمِيصِ إلّا مِن قُرْبٍ.
وأمّا كَوْنُهُ يَصِيرُ بَصِيرًا فَحَصَلَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ فَبَشَّرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ الحِينِ. ولَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ ساعَتَئِذٍ.
وأُدْمِجَ الأمْرُ بِالإتْيانِ بِأبِيهِ في ضِمْنِ تَبْشِيرِهِ بِوُجُودِهِ إدْماجًا بَلِيغًا إذْ قالَ (﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾) ثُمَّ قالَ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ لِقَصْدِ صِلَةِ أرْحامِ عَشِيرَتِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ عَشِيرَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ سِتًّا وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ.
12:94–95Page 246
وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤
And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."
قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥
They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."
صفحة ٥٢
﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] التَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا وارْتَحَلُوا في عِيرٍ.
ومَعْنى فَصَلَتِ: ابْتَعَدَتْ عَنِ المَكانِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعِيرُ تَقَدَّمَ آنِفًا، وهي العِيرُ الَّتِي أقْبَلُوا فِيها مِن فِلَسْطِينَ.
ووِجْدانُ يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلْهامٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ بِشارَةً لَهُ إذْ ذَكَّرَهُ بِشَمِّهِ الرِّيحَ الَّذِي ضَمَّخَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ خُرُوجِهِ مَعَ إخْوَتِهِ وهَذا مِن صِنْفِ الوَحْيِ بِدُونِ كَلامِ مَلَكٍ مُرْسَلٍ، وهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] .
والرِّيحُ: الرّائِحَةُ، وهي ما يَعْبَقُ مِن طِيبٍ تُدْرِكُهُ حاسَّةُ الشَّمِّ.
وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ (أنْ) واللّامِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإنْكارِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِـ (﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾) .
وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ، أيْ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَتَحَقَّقْتُمْ ذَلِكَ.
والتَّفْنِيدُ: النِّسْبَةُ لِلْفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو اخْتِلالُ العَقْلِ مِنَ الخَوْفِ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ وبَقِيَتِ الكِسْرَةُ.
والَّذِينَ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ هُمُ الحاضِرُونَ مِن أهْلِهِ ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم لِظُهُورِ المُرادِ مِنهم ولَيْسُوا أبْناءَهُ لِأنَّهم كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِهِمْ إلَيْهِ.
صفحة ٥٣
والضَّلالُ: البُعْدُ عَنِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازٌ في قُوَّةِ الِاتِّصافِ والتَّلَبُّسِ وأنَّهُ كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. والمَعْنى: أنَّكَ مُسْتَمِرٌّ في التَّلَبُّسِ بِتَطَلُّبِ شَيْءٍ مِن غَيْرِ طَرِيقِهِ. أرادُوا طَمَعَهُ في لِقاءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوا ذَلِكَ بِالقَدِيمِ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وكانَتْ مُدَّةُ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً. وكانَ خِطابُهم إيّاهُ بِهَذا مُشْتَمِلًا عَلى شَيْءٍ مِنَ الخُشُونَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ أدَبُ عَشِيرَتِهِ مُنافِيًا لِذَلِكَ في عُرْفِهِمْ.
و(أنْ) في قَوْلِهِ (﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ووُقُوعُ (أنْ) بَعْدَ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيقُ هَذِهِ الكَرامَةِ الحاصِلَةِ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها خارِقُ عادَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِـ (أنْ) في نَظائِرِ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ داعٍ لِلتَّأْكِيدِ.
والبَشِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفَعِّلٍ، أيِ المُبَشِّرُ مِثْلَ السَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ
والتَّبْشِيرُ: المُبادَرَةُ بِإبْلاغِ الخَبَرِ المُسِرِّ بِقَصْدِ إدْخالِ السُّرُورِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] في سُورَةِ بَراءَةَ. وهَذا البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ العِيرِ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن يُخْبِرُ أباهُ بِخَبَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
وارْتَدَّ: رَجَعَ، وهو افْتِعالٌ مُطاوِعُ رَدَّهُ، أيْ رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ قُوَّةَ بَصَرِهِ كَرامَةً لَهُ ولِيُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ وخارِقَةً لِلْعادَةِ. وقَدْ أشَرْتُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences