Ibn 'AshurYusuf · 12:96–108

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:96–108

12:96–98Page 247

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦

And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

صفحة ٥٤

﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّيَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ القَوْلَ. ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ قالَ مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ، وكانَ بَقِيَّةُ أبْنائِهِ قَدْ دَخَلُوا فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ لَهم مُجْمَلَ كَلامِهِ الَّذِي أجابَهم بِهِ حِينَ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلَخْ.

وقَوْلُهُمُ (﴿اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾) تَوْبَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ، فَسَألُوا أباهم أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ في المُسْتَقْبَلِ إذْ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُلازِمُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهم إلى عِظَمِ الذَّنَبِ وعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سَيُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وقِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى ساعَةٍ هي مَظِنَّةُ الإجابَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ أخَّرَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، رَواهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في رِفْعَةِ نَظَرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾)، وأكَّدَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.

12:99–100Page 247

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself [i.e., embraced them] and said, "Enter Egypt, Allāh willing, safe [and secure]."

وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration.1 And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle2 in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِيَ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

صفحة ٥٥

طَوى ذِكْرَ سَفَرِهِمْ مِن بِلادِهِمْ إلى دُخُولِهِمْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَيْسَ فِيهِ مِنَ العِبَرِ شَيْءٌ.

وأبَواهُ أحَدُهُما يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمّا الآخَرُ فالصَّحِيحُ أنَّ أُمَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي راحِيلُ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ ولَدَتْ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أُطْلِقَ الأبَوانِ عَلى الأبِ وزَوْجِ الأبِ وهي لِيئَةُ خالَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي الَّتِي تَوَلَّتْ تَرْبِيَتَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ والتَّنْزِيلِ. وإعادَةُ اسْمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ بُعْدِ المُعادِ.

وقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ دِعائِيَّةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) لِكَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ حِينَئِذٍ. فالأمْرُ في ادْخُلُوا لِلدُّعاءِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم.

والمَقْصُودُ: تَقْيِيدُ الدُّخُولِ بِـ (آمِنِينَ) وهو مَناطُ الدُّعاءِ.

والأمْنُ: حالَةُ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ وراحَةِ البالِ وانْتِفاءِ الخَوْفِ مِن كُلِّ ما يُخافُ مِنهُ، وهو يَجْمَعُ جَمِيعَ الأحْوالِ الصّالِحَةِ لِلْإنْسانِ مِنَ الصِّحَّةِ والرِّزْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالُوا في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا إنَّهُ جَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ جَمِيعَ ما يُطْلَبُ لِخَيْرِ البَلَدِ.

وجُمْلَةُ (إنْ شاءَ اللَّهُ) تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ كالِاحْتِراسِ في الدُّعاءِ الوارِدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ وهو لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ، فَوُقُوعُهُ في الوَعْدِ والعَزْمِ والدُّعاءِ بِمَنزِلَةِ وُقُوعِ

صفحة ٥٦

التَّسْمِيَةِ في أوَّلِ الكَلامِ ولَيْسَ هو مِنَ الِاسْتِثْناءِ الوارِدِ النَّهْيُ عَنْهُ في الحَدِيثِ: أنْ «لا يَقُولَ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ»؛ لِأنَّ ذَلِكَ في الدُّعاءِ المُخاطَبِ بِهِ اللَّهُ صَراحَةً. وجُمْلَةُ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (ادْخُلُوا) والحالِ مِن ضَمِيرِها.

والعَرْشُ: سَرِيرٌ لِلْقُعُودِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عَلى سُوقٍ، وفِيهِ سَعَةٌ تُمَكِّنُ الجالِسَ مِنَ الِاتِّكاءِ. والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ تَعْظِيمًا لِلذّاتِ أوْ لِصُورَتِها أوْ لِذِكْرِها، قالَ الأعْشى:

فَلَمّا أتانا بُعَيْدَ الكَرى سَجَدْنا لَهُ ورَفَعْنا العَمارا

وفِعْلُهُ قاصِرٌ فَيُعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِاللّامِ كَما في الآيَةِ.

والخُرُورُ: الهُوِيُّ والسُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى الأرْضِ.

والَّذِينَ خَرُّوا سُجَّدًا هم أبَواهُ وإخْوَتُهُ كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ وهم أحَدَ عَشَرَ وهم: رُوبِينُ، وسَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، ورِبُولُونُ، وجادٌ، وأشِيرُ، ودانِ، ونَفْتالِي، وبِنْيامِينُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، تَعْبِيرُهُما أبَواهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وراحِيلُ.

وكانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَمْنُوعًا في الشَّرائِعِ وإنَّما مَنَعَهُ الإسْلامُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنى مُساواةِ النّاسِ في العُبُودِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ. ولِذَلِكَ فَلا يُعَدُّ قَبُولُهُ السُّجُودَ مِن أبِيهِ عُقُوقًا لِأنَّهُ لا غَضاضَةَ عَلَيْهِما مِنهُ إذْ هو عادَتُهم.

والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وخَرُّوا) حالِيَّةً؛ لِأنَّ التَّحِيَّةَ كانَتْ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، عَلى أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا.

و(سُجَّدًا) حالٌ مُبَيِّنَةٌ؛ لِأنَّ الخُرُورَ يَقَعُ بِكَيْفِيّاتٍ كَثِيرَةٍ.

صفحة ٥٧

والإشارَةُ في قَوْلِهِ (﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾) إشارَةٌ إلى سُجُودِ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ لَهُ هو مِصْداقَ رُؤْياهُ الشَّمْسَ والقَمَرَ وأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا سُجَّدًا لَهُ.

وتَأْوِيلُ الرُّؤْيا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]) .

ومَعْنى (﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾) أنَّها كانَتْ مِنَ الأخْبارِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي يُكاشِفُ بِها العَقْلُ الحَوادِثَ المُغَيَّبَةَ عَنِ الحِسِّ، أيْ ولَمْ يَجْعَلْها باطِلًا مِن أضْغاثِ الأحْلامِ النّاشِئَةِ عَنْ غَلَبَةِ الأخْلاطِ الغِذائِيَّةِ أوِ الِانْحِرافاتِ الدِّماغِيَّةِ.

ومَعْنى (﴿أحْسَنَ بِي﴾) أحْسَنَ إلَيَّ. يُقالُ: أحْسَنَ بِهِ وأحْسَنَ إلَيْهِ، مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ. وقِيلَ: هو بِتَضْمِينِ (أحْسَنَ) مَعْنى لَطَفَ. وباءُ بِي لِلْمُلابَسَةِ أيْ جَعَلَ إحْسانَهُ مُلابِسًا لِي، وخَصَّ مِن إحْسانِ اللَّهِ إلَيْهِ دُونَ مُطْلَقِ الحُضُورِ لِلِامْتِيارِ أوِ الزِّيادَةِ إحْسانَيْنِ هُما يَوْمَ أخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ ومَجِيءِ عَشِيرَتِهِ مِنَ البادِيَةِ.

فَإنَّ (إذْ) ظَرْفُ زَمانٍ لِفِعْلِ (أحْسَنَ) فَهي بِإضافَتِها إلى ذَلِكَ الفِعْلِ اقْتَضَتْ وُقُوعَ إحْسانٍ غَيْرِ مَعْدُودٍ، فَإنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ كانَ زَمَنَ ثُبُوتِ بَراءَتِهِ مِنَ الإثْمِ الَّذِي رَمَتْهُ بِهِ امْرَأةُ العَزِيزِ وتِلْكَ مِنَّةٌ، وزَمَنَ خَلاصِهِ مِنَ السَّجْنِ فَإنَّ السَّجْنَ عَذابُ النَّفْسِ بِالِانْفِصالِ عَنِ الأصْدِقاءِ والأحِبَّةِ، وبِخُلْطَةِ مَن لا يُشاكِلُونَهُ، وبِشَغْلِهِ عَنْ خَلْوَةِ نَفْسِهِ بِتَلَقِّي الآدابِ الإلَهِيَّةِ، وكانَ أيْضًا زَمَنَ إقْبالِ المَلِكِ عَلَيْهِ. وأمّا مَجِيءُ أهْلِهِ فَزَوالُ ألَمٍ نَفْسانِيٍّ بِوَحْشَتِهِ في الِانْفِرادِ عَنْ قَرابَتِهِ وشَوْقِهِ إلى لِقائِهِمْ، فَأفْصَحَ بِذِكْرِ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ، ومَجِيءِ أهْلِهِ مِنَ البَدْوِ إلى حَيْثُ هو مَكِينٌ قَوِيٌّ.

وأشارَ إلى مَصائِبِهِ السّابِقَةِ مِنَ الإبْقاءِ في الجُبِّ، ومُشاهَدَةِ مَكْرِ إخْوَتِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي، فَكَلِمَةُ (بَعْدِ) اقْتَضَتْ أنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ انْقَضى أثَرُهُ - وقَدْ ألَمَّ - بِهِ إجْمالًا اقْتِصارًا عَلى شُكْرِ النِّعْمَةِ وإعْراضًا عَنِ التَّذْكِيرِ بِتِلْكَ الحَوادِثِ المُكَدِّرَةِ لِلصِّلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إخْوَتِهِ فَمَرَّ بِها مَرَّ الكِرامِ وباعَدَها عَنْهم بِقَدْرِ الإمْكانِ إذْ ناطَها بِنَزْغِ الشَّيْطانِ.

صفحة ٥٨

والمَجِيءُ في قَوْلِهِ (﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾) نِعْمَةٌ، فَأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ تَعالى وهو مَجِيئُهم بِقَصْدِ الِاسْتِيطانِ حَيْثُ هو.

والبَدْوُ: ضِدُّ الحَضَرِ، سُمِّيَ بَدْوًا؛ لِأنَّ سُكّانَهُ بادُونَ، أيْ ظاهِرُونَ لِكُلِّ وارِدٍ، إذْ لا تَحْجُبُهم جُدْرانٌ ولا تُغْلَقُ عَلَيْهِمْ أبْوابٌ. وذِكْرُ (﴿مِنَ البَدْوِ﴾) إظْهارٌ لِتَمامِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ انْتِقالَ أهْلِ البادِيَةِ إلى المَدِينَةِ ارْتِقاءٌ في الحَضارَةِ.

والنَّزْغُ: مَجازٌ في إدْخالِ الفَسادِ في النَّفْسِ. شُبِّهَ بِنَزْغِ الرّاكِبِ الدّابَّةَ وهو نَخْسُها. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِها وتَعْلِيمِ مَضْمُونِها.

واللُّطْفُ: تَدْبِيرُ المُلائِمِ. وهو يَتَعَدّى بِاللّامِ عَلى تَقْدِيرِ لَطِيفٌ لِأجْلِ ما يَشاءُ اللُّطْفُ بِهِ، ويَتَعَدّى بِالباءِ، قالَ تَعالى اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى اللُّطْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا أوْ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾، وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِلتَّقْوِيَةِ.

وتَفْسِيرُ العَلِيمِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(الحَكِيمُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] أواسِطَ سُورَةِ البَقَرَةِ.

12:101Page 247

۞ رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ١٠١

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

صفحة ٥٩

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أعْقَبَ ذِكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِتَوَجُّهِهِ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ بِالِاعْتِرافِ بِأعْظَمِ نِعَمِ الدُّنْيا والنِّعْمَةِ العُظْمى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَ ثَلاثَ نِعَمٍ: اثْنَتانِ دُنْيَوِيَّتانِ وهُما: نِعْمَةُ الوِلايَةِ عَلى الأرْضِ ونِعْمَةُ العِلْمِ، والثّالِثَةُ أُخْرَوِيَّةٌ وهي نِعْمَةُ الدِّينِ الحَقِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالإسْلامِ.

وجَعَلَ الَّذِي أُوتِيَهُ بَعْضًا مِنَ المُلْكِ ومِنَ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ ما أُوتِيَهُ بَعْضٌ مِن جِنْسِ المُلْكِ وبَعْضٌ مِنَ التَّأْوِيلِ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ في جانِبِ مُلْكِ اللَّهِ وفي جانِبِ عِلْمِهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ. وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِالمُلْكِ التَّصَرُّفَ العَظِيمَ الشَّبِيهَ بِتَصَرُّفِ المَلِكِ إذْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي يُسَيِّرُ المُلْكَ بِرَأْيِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُلْكِ حَقِيقَتُهُ ويَكُونُ التَّبْعِيضُ حَقِيقِيًّا، أيْ آتَيْتَنِي بَعْضَ المُلْكِ؛ لِأنَّ المُلْكَ مَجْمُوعُ تَصَرُّفاتٍ في أمْرِ الرَّعِيَّةِ، وكانَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الحَظُّ الأوْفَرُ، وكَذَلِكَ تَأْوِيلُ الأحادِيثِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى تَأْوِيلِ الأحادِيثِ

عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وفاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ نِداءٌ مَحْذُوفٌ حَرْفُ نِدائِهِ. والفاطِرُ: الخالِقُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والوَلِيُّ: النّاصِرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ ﴿أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مِن قَبِيلِ الخَبَرِ في إنْشاءِ الدُّعاءِ وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى الإخْبارِ بِالنِّسْبَةِ لِوِلايَةِ الدُّنْيا، قِيلَ لِإثْباتِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِوِلايَةِ الآخِرَةِ. فالمَعْنى: كُنْ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

صفحة ٦٠

وأشارَ بِقَوْلِهِ (﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾) إلى النِّعْمَةِ العُظْمى وهي نِعْمَةُ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنَّ طَلَبَ تَوَفِّيهِ عَلى الدِّينِ الحَقِّ يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالدِّينِ الحَقِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالإسْلامِ مِنَ الآنِ، فَهو يَسْألُ الدَّوامَ عَلَيْهِ إلى الوَفاةِ.

والمُسْلِمُ: الَّذِي اتَّصَفَ بِالإسْلامِ، وهو الدِّينُ الكامِلُ، وهو ما تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإلْحاقُ: حَقِيقَتُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ لاحِقًا، أيْ مُدْرِكًا مَن سَبَقَهُ في السَّيْرِ. وأُطْلِقَ هُنا مَجازًا عَلى المَزِيدِ في عِدادِ قَوْمٍ.

والصّالِحُونَ: المُتَّصِفُونَ بِالصَّلاحِ، وهو التِزامُ الطّاعَةِ. وأرادَ بِهِمُ الأنْبِياءَ. فَإنْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَدُعاؤُهُ لِطَلَبِ الدَّوامِ عَلى ذَلِكَ، وإنْ كانَ نُبِّئَ فِيما بَعْدُ فَهو دُعاءٌ بِحُصُولِهِ، وقَدْ صارَ نَبِيًّا بَعْدُ ورَسُولًا.

12:102Page 247

ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ ١٠٢

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muḥammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ عِنْدَ انْتِهائِها.

والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحَوادِثِ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ. واسْمُ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِ الأنْباءِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِتَتَمَكَّنَ مِن عُقُولِ السّامِعِينَ لِما فِيها مِنَ المَواعِظِ.

والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عِلْمِ النّاسِ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ غابَ فَسُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وتَذْكِيرُ ضَمِيرِ (نُوحِيهِ) لِأجْلِ مُراعاةِ اسْمِ الإشارَةِ.

صفحة ٦١

وضَمائِرُ ﴿لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ عائِدَةٌ إلى كُلِّ مَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ، يَشْمَلُ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والسَّيّارَةَ، وامْرَأةَ العَزِيزِ، ونِسْوَتَها.

و﴿أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ تَفْسِيرُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] .

والمَكْرُ تَقَدَّمَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِخْلاصٌ لِمَواضِعِ العِبْرَةِ مِنَ القِصَّةِ. وفِيها مِنَّةٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ، وتَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِتَنْبِيهِهِمْ لِإعْجازِ القُرْآنِ مِنَ الجانِبِ العِلْمِيِّ، فَإنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ الأُمِّيِّ آيَةٌ كُبْرى عَلى أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .

وكانَ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ تَوَرُّكًا عَلى المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ إذْ هي تَمامُ التَّعْجِيبِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (أجْمَعُوا)، وأُتِيَ (يَمْكُرُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ.

12:103–104Page 247

وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٠٣

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ انْتِقالٌ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ إلى العِبْرَةِ بِتَصْمِيمِ المُشْرِكِينَ عَلى التَّكْذِيبِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ، فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] بِاعْتِبارِ إفادَتِها أنَّ هَذا القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ داعِيًا سامِعِيهِ إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ . ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ

صفحة ٦٢

يَكُونُ مُطْمِعًا في إيمانِهِمْ عُقِّبَ بِإعْلامِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يُؤْمِنُونَ.

و(النّاسِ) يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ جِنْسِ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ناسٌ مُعَيَّنُونَ وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها، فَيَكُونُ عُمُومًا عُرْفِيًّا.

وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ (ما) وخَبَرِها.

(ولَوْ) هَذِهِ وصْلِيَّةٌ، وهي الَّتِي تُفِيدُ أنَّ شَرْطَها هو أقْصى الأسْبابِ لِجَوابِها. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجَوابُ (لَوْ) هو ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْها أوْ دَلِيلُ الجَوابِ.

والحِرْصُ: شِدَّةُ الطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ ومُعاوَدَتِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ إلى آخِرِها بِاعْتِبارِ ما أفادَتْهُ مِنَ التَّأْيِيسِ مِن إيمانِ أكْثَرِهِمْ، أيْ لا يَسُوءُكَ عَدَمُ إيمانِهِمْ فَلَسْتَ تَبْتَغِي أنْ يَكُونَ إيمانُهم جَزاءً عَلى التَّبْلِيغِ بَلْ إيمانُهم لِفائِدَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] .

وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿وما تَسْألُهُمْ﴾ عائِدٌ إلى النّاسِ، أيِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ .

وجُمْلَةُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لا لِتَحْصِيلِ أجْرِ مُبَلِّغِهِ.

وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] .

12:105–106Page 248

وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ ١٠٥

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ ١٠٦

And most of them believe not in Allāh except while they associate others with Him.

صفحة ٦٣

﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، أيْ لَيْسَ إعْراضُهم عَنْ آيَةِ حُصُولِ العِلْمِ لِلْأُمِّيِّ بِما في الكُتُبِ السّالِفَةِ فَحَسْبُ بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ آياتٍ كَثِيرَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ.

و(كَأيِّنْ) اسْمٌ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ المُبْهَمِ يُبَيِّنُهُ تَمْيِيزٌ مَجْرُورٌ بِـ (مِن)، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والآيَةُ: العَلامَةُ. والمُرادُ هُنا الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الإشْراكِ بَعْدَها.

ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ يَرَوْنَها، والمُرُورُ مَجازٌ مَكْنِيٌّ بِهِ عَنِ التَّحَقُّقِ والمُشاهَدَةِ إذْ لا يَصِحُّ حَمْلُ المُرُورِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِآياتِ السَّماواتِ، فالمُرُورُ هُنا كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .

وضَمِيرُ (يَمُرُّونَ) عائِدٌ إلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .

وجُمْلَةُ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَمُرُّونَ) أيْ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُ النّاسِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ. والمُرادُ بِـ أكْثَرُ النّاسِ أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ. وهَذا إبْطالٌ لِما يَزْعُمُونَهُ مِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وبِأنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ كالعَدَمِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ إلّا في تَشْرِيكِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ.

والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ، فَجُمْلَةُ وهم مُشْرِكُونَ حالٌ مِن (أكْثَرُهم)، والمَقْصُودُ مِن هَذا تَشْنِيعُ حالِهِمْ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَبِيلِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ

صفحة ٦٤

بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ. وإسْنادُ هَذا الحُكْمِ إلى أكْثَرِهِمْ بِاعْتِبارِ أكْثَرِ أحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ لِأنَّهم قَدْ تَصْدُرُ عَنْهم أقْوالٌ خَلِيَّةٌ عَنْ ذِكْرِ الشَّرِيكِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ بَعْضًا مِنهم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ غَيْرَ مُشْرِكٍ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ.

12:107Page 248

أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأۡتِيَهُمۡ غَٰشِيَةٞ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٠٧

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allāh or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ اعْتِراضٌ بِالتَّفْرِيعِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَتانِ قَبْلَهُ مِن تَفْظِيعِ حالِهِمْ وجُرْأتِهِمْ عَلى خالِقِهِمْ والِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ دُونَ إقْلاعٍ. فَكَأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنْ تَوَقُّعِ حُصُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِهِمْ آمِنُونَ أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِهِ في الدُّنْيا أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً فَتَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّوْبَةِ ويَصِيرُونَ إلى العَذابِ الخالِدِ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.

والغَشْيُ والغَشَيانُ: الإحاطَةُ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢]، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. والغاشِيَةُ: الحادِثَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِالنّاسِ. والعَرَبُ يُؤَنِّثُونَ هَذِهِ الحَوادِثَ مِثْلَ الطّامَّةِ والصّاخَّةِ والدّاهِيَةِ والمُصِيبَةِ والكارِثَةِ والحادِثَةِ والواقِعَةِ والحاقَّةِ.

والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٣١] في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ.

12:108Page 248

قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨

Say, "This is my way; I invite to Allāh with insight, I and those who follow me. And exalted is Allāh; and I am not of those who associate others with Him."

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَ أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِنَ الِاعْتِبارِ بِدَلالَةِ نُزُولِ هَذِهِ القِصَّةِ لِلنَّبِيِّء ﷺ الأُمِّيِّ عَلى صِدْقِ نُبُوءَتِهِ وصِدْقِهِ فِيما جاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ إلى

صفحة ٦٥

الِاعْتِبارِ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّبِيلِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِإبْلاغِها إلى المَطْلُوبِ وهو الفَوْزُ الخالِدُ كَإبْلاغِ الطَّرِيقِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ لِلسّائِرِ. وهي اسْتِعارَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ.

والسَّبِيلُ يُؤَنَّثُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويُذَكَّرُ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] في سُورَةِ الأعْرافِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ.

والإشارَةُ إلى الشَّرِيعَةِ بِتَنْزِيلِ المَعْقُولِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ لِبُلُوغِهِ مِنَ الوُضُوحِ لِلْعُقُولِ حَدًّا لا يَخْفى فِيهِ إلّا عَمَّنْ لا يُعَدُّ مُدْرِكًا. وما في جُمْلَةِ ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ مِنِ الإبْهامِ قَدْ فَسَّرَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ .

والبَصِيرَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ، والمَعْنى: أدْعُو إلى اللَّهِ بِبَصِيرَةٍ مُتَمَكِّنًا مِنها. ووَصْفُ الحُجَّةِ بِبَصِيرَةٍ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والبَصِيرُ: صاحِبُ الحُجَّةِ لِأنَّهُ بِها صارَ بَصِيرًا بِالحَقِيقَةِ. ومِثْلُهُ وصْفُ الآيَةِ بِمُبْصِرَةٍ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: ١٣]، وبِعَكْسِهِ يُوصَفُ الخَفاءُ بِالعَمى كَقَوْلِهِ ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٢٨] .

وضَمِيرُ (أنا) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (أدْعُو) . أُتِيَ بِهِ لِتَحْسِينِ العَطْفِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وهو تَحْسِينٌ واجِبٌ في اللُّغَةِ.

وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أصْحابَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مَأْمُورُونَ بِأنْ يَدْعُوا إلى الإيمانِ بِما يَسْتَطِيعُونَ. وقَدْ قامُوا بِذَلِكَ

صفحة ٦٦

بِوَسائِلِ بَثِّ القُرْآنِ وأرْكانِ الإسْلامِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقَدْ كانَتِ الدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ في صَدْرِ زَمانِ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ واجِبًا عَلى الأعْيانِ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً» أيْ بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ. ثُمَّ لَمّا ظَهَرَ الإسْلامُ وبَلَغَتْ دَعْوَتُهُ الأسْماعَ صارَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ واجِبًا عَلى الكِفايَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآيَةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ وسُبْحانَ اللَّهِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾، أيْ أدْعُو إلى اللَّهِ وأُنَزِّهُهُ. وسُبْحانَ: مَصْدَرُ التَّسْبِيحِ جاءَ بَدَلًا عَنِ الفِعْلِ لِلْمُبالَغَةِ.

والتَّقْدِيرُ: وأُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحانًا، أيْ أدْعُو النّاسَ إلى تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ وأُنَزِّهُهُ عَنِ النَّقائِصِ الَّتِي يُشْرِكُ بِها المُشْرِكُونَ مِنِ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ، والوَلَدِ، والصّاحِبَةِ.

وجُمْلَةُ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها لِأنَّها تَعُمُّ ما تَضَمَّنَتْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском