Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الرعد
Ar-Ra'd
The Thunder · Medinan · 43 ayahs
13:1Page 249
الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١
Alif, Lām, Meem, Rā.1 These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.
صفحة ٧٨
﴿المر﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ (المر) مِمّا وقَعَ في أوائِلِ بَعْضِ السُّورِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ
* * *
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ القَوْلُ في ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ مِن طالِعَةِ سُورَةِ يُونُسَ.
والمُشارُ إلَيْهِ بِ (تِلْكَ) هو ما سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أخْبَرَ عَنْها بِأنَّها آياتٌ، أيْ دَلائِلُ إعْجازٍ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ إشارَةِ المُؤَنَّثِ مُراعاةً لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ.
وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارٍ. ولَمْ يُكْتَفَ بِعَطْفِ خَبَرٍ عَلى خَبَرِ اسْمِ الإشارَةِ بَلْ جِيءَ بِجُمْلَةٍ كامِلَةٍ مُبْتَدِئَةٍ بِالمَوْصُولِ لِلتَّعْرِيفِ بِأنَّ آياتِ الكِتابِ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأنَّها لَمّا تَقَرَّرَ أنَّها آياتٌ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أنَّها مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَوْلا أنَّها كَذَلِكَ لَما كانَتْ آياتٍ.
وأخْبَرَ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ بِأنَّهُ الحَقُّ بِصِيغَةِ القَصْرِ، أيْ هو الحَقُّ لا غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ، فالقَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى كُتُبٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهم مِثْلَ قِصَّةِ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ اللَّتَيْنِ عَرَفَهُما النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ. فالمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوهُ كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ، أوِ القَصْرُ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ مُبالَغَةً لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السّابِقَةِ، أيْ هو الحَقُّ الكامِلُ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ مُنْتَهى مُرادِ
صفحة ٧٩
اللَّهِ مِنَ النّاسِ إذْ كانَتْ دَرَجاتٍ مُوَصِّلَةً إلى الدَّرَجَةِ العُلْيا، فَلِذَلِكَ ما جاءَ مِنها كِتابٌ إلّا ونُسِخَ العَمَلُ بِهِ أوْ عُيِّنَ لِأُمَّةٍ خاصَّةٍ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى قَوْلِهِ (الكِتابِ) مُفْرَدٍ، مِن بابِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الِاسْمِ، مِثْلَ ما أنْشَدَ الفَرّاءُ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَـ ـامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ بِالمُزْدَحَمْ
والإتْيانُ بِـ (رَبِّكَ) دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّلَطُّفِ. والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ راجِعٌ إلى ما أفادَهُ القَصْرُ مِن إبْطالِ مُساواةِ غَيْرِهِ لَهُ في الحَقِّيَّةِ إبْطالًا يَقْتَضِي ارْتِفاعَ النِّزاعِ في أحَقِّيَّتِهِ، أيْ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بِما دَلَّتِ الأدِلَّةُ عَلى الإيمانِ بِهِ، فَمِن أجْلِ هَذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ فِيهِمْ يَسْتَمِرُّ النِّزاعُ مِنهم في كَوْنِهِ حَقًّا.
وابْتِداءُ السُّورَةِ بِهَذا تَنْوِيهٌ بِما في القُرْآنِ الَّذِي هَذِهِ السُّورَةُ جُزْءٌ مِنهُ، مَقْصُودٌ بِهِ تَهْيِئَةُ السّامِعِ لِلتَّأمُّلِ مِمّا سَيَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ.
13:2Page 249
ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢
It is Allāh who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne1 and made subject2 the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو ابْتِداءُ المَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ وما قَبْلَهُ بِمَنزِلَةِ الدِّيباجَةِ مِنَ الخُطْبَةِ، ولِذا تَجِدُ الكَلامَ في هَذا الغَرَضِ قَدْ طالَ واطَّرَدَ.
ومُناسَبَةُ هَذا الِاسْتِئْنافِ لِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١]؛ لِأنَّ أصْلَ كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ ناشِئٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالكُفْرِ وعَنْ تَطَبُّعِهِمْ بِالِاسْتِكْبارِ والإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الحَقِّ.
صفحة ٨٠
والِافْتِتاحُ بِاسْمِ الجَلالَةِ دُونَ الضَّمِيرِ الَّذِي يَعُودُ إلى (رَبِّكَ) لِأنَّهُ مُعَيَّنٌ بِهِ لا يَشْتَبِهُ غَيْرُهُ مِن آلِهَتِهِمْ لِيَكُونَ الخَبَرُ المَقْصُودُ جارِيًا عَلى مُعَيَّنٍ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ إبْلاغًا في قَطْعِ شائِبَةِ الإشْراكِ.
والَّذِي رَفَعَ هو الخَبَرُ. وجُعِلَ اسْمَ مَوْصُولٍ لِكَوْنِ الصِّلَةِ مَعْلُومَةَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن تَثْبُتُ لَهُ هو المُتَوَحِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ إذْ لا يَسْتَطِيعُ مِثْلَ تِلْكَ الصِّلَةِ غَيْرُ المُتَوَحِّدِ ولِأنَّهُ مُسَلَّمٌ لَهُ ذَلِكَ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَقُولُنَّ اللَّهُ. والسَّماواتُ تَقَدَّمَتْ مِرارًا، وهي الكَواكِبُ السَّيّارَةُ وطَبَقاتُ الجَوِّ الَّتِي تَسْبَحُ فِيها.
ورَفَعَها: خَلَقَها مُرْتَفِعَةً، كَما يُقالُ: وسِّعْ طَوْقَ الجُبَّةِ وضَيِّقْ كُمَّها، لا تُرِيدُ وُسِّعْهُ بَعْدَ أنْ كانَ ضَيِّقًا ولا ضَيِّقْهُ بَعْدَ أنْ كانَ واسِعًا وإنَّما يُرادُ اجْعَلْهُ واسِعًا واجْعَلْهُ ضَيِّقًا، فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ رَفَعَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُنْخَفِضَةً.
والعَمَدُ: جَمْعُ عِمادٍ، مِثْلُ إهابٍ وأُهُبٍ، والعامِدُ: ما تُقامُ عَلَيْهِ القُبَّةُ والبَيْتُ. وجُمْلَةُ (تَرَوْنَها) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّماواتِ، أيْ لا شُبْهَةَ في كَوْنِها بِغَيْرِ عَمَدٍ.
والقَوْلُ في مَعْنى ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ يُونُسَ.
وكَذَلِكَ الكَلامُ عَلى سَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والجَرْيُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ. وسَيْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في مَسافاتٍ شاسِعَةٍ، فَهو أسْرَعُ التَّنَقُّلاتِ في بابِها وذَلِكَ سَيْرُها في مَداراتِها.
صفحة ٨١
واللّامُ لِلْعِلَّةِ. والأجَلُ: هو المُدَّةُ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لِدَوامِ سَيْرِها، وهي مُدَّةُ بَقاءِ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ الَّذِي إذا اخْتَلَّ انْتَثَرَتِ العَوالِمُ وقامَتِ القِيامَةُ.
والمُسَمّى: أصْلُهُ المَعْرُوفُ بِاسْمِهِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ المُعَيَّنِ المُحَدَّدِ إذِ التَّسْمِيَةُ تَسْتَلْزِمُ التَّعْيِينَ والتَّمْيِيزَ عَنِ الِاخْتِلاطِ.
* * *
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ جُمْلَةُ (يُدَبِّرُ الأمْرَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. وجُمْلَةُ يُفَصِّلُ الآياتِ حالٌ ثانِيَةٌ تُرِكَ عَطْفُها عَلى الَّتِي قَبْلَها لِتَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدادِ والتَّوْقِيفِ وذَلِكَ اهْتِمامٌ بِاسْتِقْلالِها. وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى يُدَبِّرُ الأمْرَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وتَفْصِيلُ الآياتِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] في طالِعَةِ سُورَةِ هُودٍ.
ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُما هُنا أنَّ تَدْبِيرَ الأمْرِ يَشْمَلُ تَقْدِيرَ الخَلْقِ الأوَّلِ والثّانِي فَهو إشارَةٌ إلى التَّصَرُّفِ بِالتَّكْوِينِ لِلْعُقُولِ والعَوالِمِ، وتَفْصِيلُ الآياتِ مُشِيرٌ إلى التَّصَرُّفِ بِإقامَةِ الأدِلَّةِ والبَراهِينِ، وشَأْنُ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أنْ يُفِيدَ اهْتِداءَ النّاسِ إلى اليَقِينِ بِأنَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى؛ لِأنَّ النَّظَرَ بِالعَقْلِ في المَصْنُوعاتِ وتَدْبِيرَها يَهْدِي إلى ذَلِكَ، وتَفْصِيلُ الآياتِ والأدِلَّةِ يُنَبِّهُ العُقُولَ ويُعِينُها عَلى ذَلِكَ الِاهْتِداءِ ويُقَرِّبُهُ. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤]، وهَذا مِن إدْماجِ غَرَضٍ في أثْناءِ غَرَضٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ. وفي أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ دَلالَةٌ عَلى البَعْثِ أيْضًا.
صفحة ٨٢
وصِيغَ (يُدَبِّرُ) و(يُفَصِّلُ) بِالمُضارِعِ عَكْسَ قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ والتَّفْصِيلَ مُتَجَدِّدٌ مُتَكَرِّرٌ بِتَجَدُّدِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُوراتِ. وأمّا رَفْعُ السَّماواتِ وتَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ فَقَدْ تَمَّ واسْتَقَرَّ دُفْعَةً واحِدَةً.
13:3Page 249
وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٣
And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.
﴿وهْوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] فَبَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ شِبْهُ التَّضادِّ اشْتَمَلَتِ الأُولى عَلى ذِكْرِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ وأحْوالِها، واشْتَمَلَتِ الثّانِيَةُ عَلى ذِكْرِ العَوالِمِ السُّفْلِيَّةِ. والمَعْنى: أنَّهُ خالِقُ جَمِيعِ العَوالِمِ وأعْراضِها.
والمَدُّ: البَسْطُ والسِّعَةُ، ومِنهُ: ظِلٌّ مَدِيدٌ. ومِنهُ مَدُّ البَحْرِ وجَزْرُهُ، ومَدَّ يَدَهُ إذا بَسَطَها. والمَعْنى: خَلَقَ الأرْضَ مَمْدُودَةً مُتَّسِعَةً لِلسَّيْرِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَها أسْنِمَةً مِن حَجَرٍ أوْ جِبالًا شاهِقَةً مُتَلاصِقَةً لَما تَيَسَّرَ لِلْأحْياءِ الَّتِي عَلَيْها الِانْتِفاعُ بِها والسَّيْرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ في طَلَبِ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّها كانَتْ غَيْرَ مَمْدُودَةٍ فَمَدَّها بَلْ هو كَقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] . فَهَذِهِ خِلْقَةٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ وعَلى اللُّطْفِ بِعِبادِهِ فَهي آيَةٌ ومِنَّةٌ.
والرَّواسِي: جَمْعُ راسٍ. وهو الثّابِتُ المُسْتَقِرُّ، أيْ جِبالًا رَواسِيَ. وقَدْ حُذِفَ مَوْصُوفُهُ لِظُهُورِهِ فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ولَهُ الجَوارِي﴾ [الرحمن: ٢٤]، أيِ السُّفُنُ الجارِيَةُ. وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [النحل: ١٥] في سُورَةِ النَّحْلِ بِأبْسَطَ مِمّا هُنا.
وجِيءَ في جَمْعِ راسٍ بِوَزْنِ فَواعِلَ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِهِ غَيْرُ عاقِلٍ، ووَزْنُ فَواعِلَ يَطَّرِدُ فِيما مُفْرَدُهُ صِفَةٌ لِغَيْرِ عاقِلٍ مِثْلَ: صاهِلٍ وبازِلٍ.
والِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ الجِبالِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ لِما في خَلْقِها مِنَ العَظَمَةِ المُشاهَدَةِ بِخِلافِ خِلْقَةِ المَعادِنِ والتُّرابِ فَهي خَفِيَّةٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] .
صفحة ٨٣
والأنْهارُ: جَمْعُ نَهْرٍ، وهو الوادِي العَظِيمُ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . وقَوْلُهُ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ عَطْفٌ عَلى (أنْهارًا) فَهو مَعْمُولٌ لِـ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ، ودُخُولُ (مِن) عَلى (كُلِّ) جَرى عَلى الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ في ذِكْرِ أجْناسِ غَيْرِ العاقِلِ كَقَوْلِهِ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ، و(مِن) هَذِهِ تُحْمَلُ عَلى التَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ حَقائِقَ الأجْناسِ لا تَنْحَصِرُ والمَوْجُودُ مِنها ما هو إلّا بَعْضُ جُزْئِيّاتِ الماهِيَّةِ؛ لِأنَّ مِنها جُزْئِيّاتٍ انْقَضَتْ ومِنها جُزْئِيّاتٍ سَتُوجَدُ.
والمُرادُ بِـ (الثَّمَراتِ) هي وأشْجارُها. وإنَّما ذُكِرَتِ الثَّمَراتُ لِأنَّها مَوْقِعُ مِنَّةٍ مَعَ العِبْرَةِ كَقَوْلِهِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] . فَيَنْبَغِي الوَقْفُ عَلى ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، وبِذَلِكَ انْتَهى تَعْدادُ المَخْلُوقاتِ المُتَّصِلَةِ بِالأرْضِ. وهَذا أحْسَنُ تَفْسِيرًا. ويُعَضِّدُهُ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] في سُورَةِ النَّحْلِ.
وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ ابْتِداءُ كَلامٍ.
وتَتَعَلَّقُ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ بِـ ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، وبِهَذا فَسَّرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لا نُكْتَةَ في تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ المَذْكُورِ مَحَلُّ اهْتِمامٍ فَلا خُصُوصِيَّةَ لِلثَّمَراتِ هُنا، ولِأنَّ الثَّمَراتِ لا يَتَحَقَّقُ فِيها وُجُودُ أزْواجٍ ولا كَوْنُ الزَّوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. وأيْضًا فِيهِ فَواتُ المِنَّةِ بِخَلْقِ الحَيَوانِ وتَناسُلِهِ مَعَ أنَّ مِنهُ مُعْظَمَ نَفْعِهِمْ ومَعاشِهِمْ. ومِمّا يُقَرِّبُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في نَحْوِ هَذا المَعْنى ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبإ: ٦]، والمَعْرُوفُ أنَّ الزَّوْجَيْنِ هَمّا الذَّكَرُ والأُنْثى قالَ تَعالى ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهو جِنْسُ الحَيَوانِ المَخْلُوقِ صِنْفَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى أحَدُهُما زَوْجٌ
صفحة ٨٤
مَعَ الآخَرِ، وشاعَ إطْلاقُ الزَّوْجِ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلُهُ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠]، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] فَذَلِكَ إطْلاقُ الزَّوْجِ عَلى الصِّنْفِ بِناءً عَلى شُيُوعِ إطْلاقِهِ عَلى صِنْفِ الذَّكَرِ وصِنْفِ الأُنْثى فَأُطْلِقَ مَجازًا عَلى مُطْلَقِ صِنْفٍ مِن غَيْرِ ما يَتَّصِفُ بِالذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ (أنْبَتْنا) مَعَ عَدَمِ التَّثْنِيَةِ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] في سُورَةِ طَهَ.
وتَنْكِيرُ زَوْجَيْنِ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ جَعَلَ زَوْجَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ. ومَعْنى التَّثْنِيَةِ في زَوْجَيْنِ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنَ الزَّوْجِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ زَوْجٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] الآيَةَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
والوَصْفُ بِقَوْلِهِ (اثْنَيْنِ) لِلتَّأكُّدِ تَحْقِيقًا لِلِامْتِنانِ.
* * *
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
جُمْلَةُ (يُغْشِي) حالٌ مِن ضَمِيرِ (جَعَلَ)، وجِيءَ فِيهِ بِالمُضارِعِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ جَعْلَ الأشْياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها جَعْلٌ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ، وأمّا إغْشاءُ اللَّيْلِ والنَّهارِ فَهو أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِأعْراضِ أحْوالِ الأرْضِ. وذِكْرُهُ مَعَ آياتِ العالَمِ السُّفْلِيِّ في غايَةِ الدِّقَّةِ العِلْمِيَّةِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ مِن أعْراضِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ بِحَسَبِ اتِّجاهِها إلى الشَّمْسِ ولَيْسا مِن أحْوالِ السَّماواتِ إذِ الشَّمْسُ والكَواكِبُ لا يَتَغَيَّرُ حالُها بِضِياءٍ وظُلْمَةٍ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في أوائِلِ سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مُضارِعُ أغْشى. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ مُضارِعُ غَشّى.
صفحة ٨٥
وقَوْلُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلى هُنا بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
وجَعَلَ الأشْياءَ المَذْكُوراتِ ظُرُوفًا لِـ (آياتٍ)؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ تَتَضَمَّنُ آياتٍ عَظِيمَةً يَجْلُوها النَّظَرُ الصَّحِيحُ والتَّفْكِيرُ المُجَرَّدُ عَنِ الأوْهامِ. ولِذَلِكَ أجْرى صِفَةَ التَّفْكِيرِ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) إشارَةً إلى أنَّ التَّفْكِيرَ المُتَكَرِّرَ المُتَجَدِّدَ هو صِفَةٌ راسِخَةٌ فِيهِمْ بِحَيْثُ جُعِلَتْ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، أيْ جِبِلَّتِهِمْ كَما بَيَّنّاهُ في دَلالَةِ لَفْظِ (قَوْمٍ) عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ الَّذِينَ نَسَبُوا أنْفُسَهم إلى التَّفْكِيرِ مِنَ الطَّبائِعِيِّينَ فَعَلَّلُوا صُدُورَ المَوْجُوداتِ عَنِ المادَّةِ ونَفَوُا الفاعِلَ المُخْتارَ ما فَكَّرُوا إلّا تَفْكِيرًا قاصِرًا مَخْلُوطًا بِالأوْهامٍ لَيْسَ ما تَقْتَضِيهِ جِبِلَّةُ العَقْلِ إذِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ العِلَلُ والمَوالِيدُ بِأصْلِ الخَلْقِ والإيجادِ.
وجِيءَ في التَّفْكِيرِ بِالصِّيغَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّكَلُّفِ وبِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى تَفْكِيرٍ شَدِيدٍ ومُكَرَّرٍ.
والتَّفْكِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أفَلا تَتَفَكَّرُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
13:4Page 249
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٤
And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise,1 watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.
﴿وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٍ ونَخِيلٍ صِنْوانٍ وغَيْرِ صِنْوانٍ تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكْلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
لِلَّهِ بَلاغَةُ القُرْآنِ في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى ذِكْرِ النِّعَمِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فِيما ألْهَمَ النّاسَ مِنَ العَمَلِ في الأرْضِ بِفَلْحِها وزَرْعِها وغَرْسِها
صفحة ٨٦
والقِيامِ عَلَيْها، فَجاءَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى الأشْياءِ الَّتِي أُسْنِدَ جَعْلُها إلى اللَّهِ تَعالى، ولَكِنَّهُ لَمْ يُسْنَدْ إلى اللَّهِ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ بِأسْرارٍ أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى فِيها هي مُوجِبُ تَفاضُلِها. وأمْثالُ هَذِهِ العِبَرِ، ولَفْتُ النَّظَرِ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ القُرْآنُ مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ.
وأُعِيدَ اسْمُ الأرْضِ الظّاهِرُ دُونَ ضَمِيرِها الَّذِي هو المُقْتَضى لِيَسْتَقِلَّ الكَلامُ ويَتَجَدَّدَ الأُسْلُوبُ، وأصْلُ انْتِظامِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وفِيها قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ، فَعَدَلَ إلى هَذا تَوْضِيحًا وإيجازًا.
والقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ بِكَسْرِ القافِ، وهي الجُزْءُ مِنَ الشَّيْءِ تَشْبِيهًا لَها بِما يُقْتَطَعُ. ولَيْسَ وصْفُ القِطَعِ بِمُتَجاوِراتٍ مَقْصُودًا بِالذّاتِ في هَذا المَقامِ إذْ لَيْسَ هو مَحَلَّ العِبْرَةِ بِالآياتِ، بَلِ المَقْصُودُ وصْفُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: مُخْتَلِفاتُ الألْوانِ والمَنابِتِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ .
وإنَّما وُصِفَتْ بِمُتَجاوِراتٍ؛ لِأنَّ اخْتِلافَ الألْوانِ والمَنابِتِ مَعَ التَّجاوُزِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] .
فَمَعْنى ﴿قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ بِقاعٌ مُخْتَلِفَةٌ مَعَ كَوْنِها مُتَجاوِرَةً مُتَلاصِقَةً. والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الأرْضِ وقِطَعِها يُشِيرُ إلى اخْتِلافٍ حاصِلٍ فِيها عَنْ غَيْرِ صُنْعِ النّاسِ وذَلِكَ اخْتِلافُ المَراعِي والكَلَأِ. ومُجَرَّدُ ذِكْرِ القِطَعِ كافٍ في ذَلِكَ فَأحالَهم عَلى المُشاهَدَةِ المَعْرُوفَةِ مِنِ اخْتِلافِ مَنابِتِ قِطَعِ الأرْضِ مِنَ الأبِّ والكَلَأِ وهي مَراعِي أنْعامِهِمْ ودَوابِّهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ هُنا لِاخْتِلافِ أكْلِهِ إذْ لا مَذاقَ لِلْآدَمِيِّ فِيهِ ولَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ شَرَهُ بَعْضِ الحَيَوانِ عَلى بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] .
صفحة ٨٧
والزَّرْعُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] . والنَّخِيلُ: اسْمُ نَخْلَةٍ مِثْلَ النَّخْلِ، وتَقَدَّمَ في تِلْكَ الآيَةِ، وكِلاهُما في سُورَةِ الأنْعامِ.
والزَّرْعُ يَكُونُ في الجَنّاتِ يُزْرَعُ بَيْنَ أشْجارِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وزَرْعٍ ونَخِيلٍ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أعْنابٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (جَنّاتٌ)، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّرْعَ الَّذِي في الجَنّاتِ مُساوٍ لِلَّذِي في غَيْرِها فاكْتُفِيَ بِهِ قَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ. وكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ هو يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الزَّرْعِ الَّذِي في الجَنّاتِ، والنَّخْلُ لا يَكُونُ إلّا في جَنّاتٍ.
وصِنْوانٌ: جَمْعُ صِنْوٍ بِكَسْرِ الصّادِ في الأفْصَحِ فِيهِما وهي لُغَةُ الحِجازِ، وبِضَمِّها فِيها أيْضًا وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ. والصِّنْوُ: النَّخْلَةُ المُجْتَمِعَةُ مَعَ نَخْلَةٍ أُخْرى نابِتَتَيْنِ في أصْلٍ واحِدٍ أوْ نَخَلاتٌ. الواحِدُ صِنْوٌ والمُثَنّى صِنْوانِ بِدُونِ تَنْوِينٍ، والجَمْعُ صِنْوانٌ بِالتَّنْوِينِ جَمْعُ تَكْسِيرٍ. وهَذِهِ الزِّنَةُ نادِرَةٌ في صِيَغِ التَّثْنِيَةِ، والجُمُوعُ في العَرَبِيَّةِ لَمْ يُحْفَظْ مِنها إلّا خَمْسَةُ جُمُوعٍ: صِنْوٌ وصِنْوانٌ، وقِنْوٌ وقِنْوانٌ، وزِيدٍ بِمَعْنى مِثْلٍ وزِيدانٍ، وشِقْذٍ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ اسْمُ الحِرْباءِ وشِقْذانٍ، وحِشٍّ بِمَعْنى بُسْتانٍ وحِشّانٍ.
وخُصَّ النَّخْلُ بِذِكْرِ صِفَةِ صِنْوانٍ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِها أقْوى. ووَجْهُ زِيادَةِ وغَيْرُ صِنْوانٍ تَجْدِيدُ العِبْرَةِ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (صِنْوانِ وغَيْرِ صِنْوانِ) بِجَرِّ (صِنْوانِ) وجَرِّ (غَيْرِ) عَطْفًا عَلى (زَرَعٍ) وقَرَأهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (وجَناتٌ) .
والسَّقْيُ: إعْطاءُ المَشْرُوبِ. والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ وماءُ الأنْهارِ وهو واحِدٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْقِيِّ بِبَعْضِهِ.
صفحة ٨٨
والتَّفْضِيلُ: مِنَّةٌ بِالأفْضَلِ وعِبْرَةٌ بِهِ وبِضِدِّهِ وكِنايَةٌ عَنِ الِاخْتِلافِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُسْقى) بِفَوْقِيَّةٍ اعْتِبارًا بِجَمْعِ (جَنّاتٌ)، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ (يُسْقى) بِتَحْتِيَّةٍ عَلى تَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونُفَضِّلُ) بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (ويُفَضِّلُ) بِتَحْتِيَّةٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢]، وتَأْنِيثُ (بَعْضَها) عِنْدَ مَن قَرَأ (يُسْقى) بِتَحْتِيَّةٍ دُونَ أنْ يَقُولَ (بَعْضَهُ) لِأنَّهُ أُرِيدَ يُفَضِّلُ بَعْضَ الجَنّاتِ عَلى بَعْضٍ في الثَّمَرَةِ.
والأُكُلُ: بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ وهو المَأْكُولُ. ويَجُوزُ في اللُّغَةِ ضَمُّ الكافِ.
وظَرْفِيَّةُ التَّفْضِيلِ في الأُكُلِ ظَرْفِيَّةٌ في مَعْنى المُلابَسَةِ؛ لِأنَّ التَّفاضُلَ يَظْهَرُ بِالمَأْكُولِ، أيْ نُفَضِّلُ بَعْضَ الجَنّاتِ عَلى بَعْضٍ أوْ بَعْضَ الأعْنابِ والزَّرْعِ والنَّخِيلِ عَلى بَعْضٍ مِن جِنْسِهِ بِما يُثْمِرُهُ. والمَعْنى أنَّ اخْتِلافَ طَعُومِهِ وتَفاضُلَها مَعَ كَوْنِ الأصْلِ واحِدًا والغِذاءِ بِالماءِ واحِدًا ما هو إلّا لِقُوى خَفِيَّةٍ أوْدَعَها اللَّهُ فِيها فَجاءَتْ آثارُها مُخْتَلِفَةً.
ومِن ثَمَّ جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ مَجِيءَ التَّذْيِيلِ.
وإشارَةُ قَوْلِهِ (ذَلِكَ) إلى جَمِيعِ المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ [الرعد: ٣] وقَدْ جُعِلَ جَمِيعُ المَذْكُورِ بِمَنزِلَةِ الظَّرْفِ لِلْآياتِ. وجُعِلَتْ دَلالَتُهُ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ دَلالاتٍ كَثِيرَةً إذْ في كُلِّ شَيْءٍ مِنها آيَةٌ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
ووُصِفَتِ الآياتُ بِأنَّها مِنِ اخْتِصاصِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ تَعْرِيضًا بِأنَّ مَن لَمْ تُقْنِعْهم تِلْكَ الآياتُ مُنَزَّلُونَ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْقِلُ. وزِيدَ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَقْلَ سَجِيَّةٌ لِلَّذِينَ انْتَفَعُوا بِتِلْكَ الآياتِ بِإجْراءِ وصْفِ العَقْلِ عَلى كَلِمَةِ قَوْمٍ إيماءً إلى أنَّ العَقْلَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما بَيَّنّاهُ في الآيَةِ قَبْلَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences