Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:11–18
14:11–12Page 257
قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allāh confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢
And why should we not rely upon Allāh while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allāh let those who would rely [indeed] rely."
صفحة ٢٠١
﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بِشْرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾
قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ جَوابٌ بِطَرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ في عِلْمِ آدابِ البَحْثِ، وهو تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقاءِ الأنْواعِ بِبَيانِ مَحَلِّ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ تامِّ الإنْتاجِ، وفِيهِ إطْماعٌ في المُوافَقَةِ، ثُمَّ كَرَّ عَلى اسْتِدْلالِهِمُ المَقْصُودُ بِالإبْطالِ بِتَبْيِينِ خَطَئِهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] .
وهَذا النَّوْعُ مِنَ القَوادِحِ في عِلْمِ الجَدَلِ شَدِيدُ الوَقْعِ عَلى المُناظِرِ، فَلَيْسَ قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِلدَّلِيلِ، ولَكِنَّهُ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ غَلَطِ المُسْتَدِلِّ في الِاسْتِنْتاجِ مِن دَلِيلِهِ، ومَحَلُّ البَيانِ هو الِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ المُماثَلَةَ في البَشَرِيَّةِ لا تَقْتَضِي المُماثَلَةَ في زائِدٍ عَلَيْها فالبَشَرُ كُلُّهم عِبادُ اللَّهِ واللَّهُ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِنِعَمٍ لَمْ يُعْطِها غَيْرَهم.
فالِاسْتِدْراكُ رَفْعٌ لِما تَوَهَّمُوهُ مِن كَوْنِ المُماثَلَةِ في البَشَرِيَّةِ مُقْتَضى الِاسْتِواءِ في كُلِّ خَصْلَةٍ.
وأوْرَدَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ في التَّفْسِيرِ وجْهًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ إذْ زِيدَ فِيها كَلِمَةُ (لَهم) في قَوْلِهِ ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ وبَيْنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها إذْ قالَ فِيها ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] بِوَجْهَيْنِ:
صفحة ٢٠٢
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ خاصَّةً بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِهِمْ يَقُولُونَها لِغَيْرِهِمْ إذْ هو جَوابٌ عَنْ كَلامٍ صَدَرَ مِنهم والمَقالَةُ الأُولى يَقُولُونَها لَهم ولِغَيْرِهِمْ، أيْ: لِلْمُصَدِّقِينَ والمُكَذِّبِينَ.
وثانِيهِما: أنَّ وُجُودَ اللَّهِ أمْرٌ نَظَرِيٌّ، فَكانَ كَلامُ الرُّسُلِ في شَأْنِهِ خِطابًا لِعُمُومِ قَوْمِهِمْ، وأمّا بَعْثَةُ الرُّسُلِ فَهي أمْرٌ ضَرُورِيٌّ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما قالُوا هَذا إلّا لِلْمُكَذِّبِينَ لِغَباوَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا لِغَيْرِهِمْ.
وأجابَ الأبِيُّ أنَّ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] خِطابٌ لِمَن عانَدَ في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ، فَكَأنَّ المُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ يُجِيبُ بِهِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ ولا يُقْبِلُ بِالجَوابِ عَلى المُخاطَبِ لِمُعانَدَتِهِ فَيُجِيبُ وهو مُعْرِضٌ عَنْهُ بِخِلافِ قَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَقالَتِهِمْ فَهم يُقْبِلُونَ عَلَيْهِمْ بِالجَوابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْطِلُوا كَلامَهم بِالإطْلاقِ بَلْ يُقَرِّرُونَهُ ويَزِيدُونَ فِيهِ اهـ.
والحاصِلُ أنَّ زِيادَةَ ”لَهم“ تُؤْذِنُ بِالدَّلالَةِ عَلى تَوَجُّهِ الرُّسُلِ إلى قَوْمِهِمْ بِالجَوابِ لِما في الجَوابِ عَنْ كَلامِهِمْ مِنَ الدِّقَّةِ المُحْتاجَةِ إلى الِاهْتِمامِ بِالجَوابِ بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ إذِ اللّامُ الدّاخِلَةُ بَعْدَ فِعْلِ القَوْلِ في نَحْوِ: أقُولُ لَكَ، لامُ تَعْلِيلٍ، أيْ: أقُولُ قَوْلِي لِأجْلِكَ، ثُمَّ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ تَبْيِينُ أنَّ ما سَألَهُ القَوْمُ مِنَ الإتْيانِ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ لَيْسَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ ولَكِنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ولَيْسَ اللَّهُ بِمُكْرَهٍ عَلى إجابَةِ مَن يَتَحَدّاهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمْرٌ لِمَن آمَنَ مِن قَوْمِهِمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا لِأنَّهم أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ المُؤْمِنُونَ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا﴾ إلى آخِرِهِ.
ولَمّا كانَ حُصُولُ إذْنِ اللَّهِ تَعالى بِتَأْيِيدِ الرُّسُلِ بِالحُجَّةِ المَسْؤُولَةِ غَيْرَ مَعْلُومِ المِيقاتِ ولا مُتَعَيَّنَ الوُقُوعِ وكانَتْ مُدَّةُ تَرَقُّبِ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِتَكْذِيبِ
صفحة ٢٠٣
الَّذِينَ كَفَرُوا رُسُلَهم تَكْذِيبًا قاطِعًا وتَوَقَّعَ الرُّسُلُ أذاةَ قَوْمِهِمْ إيّاهم شَأْنَ القاطِعِ بِكَذِبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ ولِأنَّهم قَدْ بَدَءُوهم بِالأذى كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ . أظْهَرَ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ أنَّهم غَيْرُ غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ وأنَّهم يَتَلَقَّوْنَ ما عَسى أنْ يُواجِهَهم بِهِ المُكَذِّبُونَ مِن أذًى بِتَوَكُّلِهِمْ عَلى اللَّهِ هم ومَن آمَنَ مَعَهم؛ فابْتَدَءُوا بِأنْ أمَرُوا المُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ تَذْكِيرًا لَهم لِئَلّا يَتَعَرَّضَ إيمانُهم إلى زَعْزَعَةِ الشَّكِّ حِرْصًا عَلى ثَباتِ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أفِي شَكٍّ أنْتَ يا بْنَ الخَطّابِ»، وفي ذَلِكَ الأمْرِ إيذانٌ بِأنَّهم لا يَعْبَئُونَ بِما يُضْمِرُهُ لَهُمُ الكافِرُونَ مِنَ الأذى، كَقَوْلِ السَّحَرَةِ لِفِرْعَوْنَ حِينَ آمَنُوا: ﴿لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] .
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ مُؤُذِنٌ بِالحَصْرِ وأنَّهم لا يَرْجُونَ نَصْرًا مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لِضَعْفِهِمْ وقِلَّةِ ناصِرِهِمْ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم واثِقُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ بِما أفادَهُ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، والتَّقْدِيرُ: إنْ عَجِبْتُمْ مِن قِلَّةِ اكْتِراثِنا بِتَكْذِيبِكم أيُّها الكافِرُونَ، وإنْ خَشِيتُمْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ أيُّها المُؤْمِنُونَ، فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ عَلى اللَّهِ، فَإنَّهم لَنْ يَضِيرَهم عَدُوُّهم، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ.
والتَّوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ وتَفْوِيضُ التَّدْبِيرِ إلى الغَيْرِ ثِقَةٌ بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما يَصْلُحُ، فالتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَحَقَّقَ أنَّهُ أعْلَمُ بِما يَنْفَعُ أوْلِياءَهُ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّوَكُّلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى صِدْقِ رَأْيِهِمْ في تَفْوِيضِ
صفحة ٢٠٤
أمْرِهِمْ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهم رَأوْا بِوارِقَ عِنايَتِهِ بِهِمْ إذْ هَداهم إلى طَرائِقِ النَّجاةِ والخَيْرِ، ومَبادِئُ الأُمُورِ تَدُلُّ عَلى غاياتِها، وأضافُوا السُّبُلَ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلِاخْتِصارِ لِأنَّ أُمُورَ دِينِهِمْ صارَتْ مَعْرُوفَةً لَدى الجَمِيعِ فَجَمَعَها قَوْلُهم (سُبُلَنا) .
﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِانْتِفاءِ تَوَكُّلِهِمْ عَلى اللَّهِ، أتَوْا بِهِ في صُورَةِ الإنْكارِ بِناءً عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِنَ اسْتِحْماقِ الكُفّارِ إيّاهم في تَوَكُّلِهِمْ عَلى اللَّهِ، فَجاءُوا بِإنْكارِ نَفْيِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، ومَعْنى وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ ما ثَبَتَ لَنا مِن عَدَمِ التَّوَكُّلِ، فاللّامُ لِلِاسْتِحْقاقِ.
وزادُوا قَوْمَهم تَأْيِيسًا بِالأذى فَأقْسَمُوا عَلى أنَّ صَبْرَهم عَلى أذى قَوْمِهِمْ سَيَسْتَمِرُّ، فَصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ المُسْتَفادَةُ مِنَ المُضارِعِ المُؤَكَّدِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ في (لَنَصْبِرَنَّ) دَلَّتْ عَلى أذى مُسْتَقْبَلٍ، ودَلَّتْ صِيغَةُ المُضِيِّ المُنْتَزَعُ مِنها المَصْدَرُ في قَوْلِهِ (ما آذَيْتُمُونا) عَلى أذًى مَضى، فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ مَعْنى نَصْبِرُ عَلى أذًى مُتَوَقَّعٍ كَما صَبَرْنا عَلى أذًى مَضى، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الرُّسُلِ فَتَكُونَ تَذْيِيلًا وتَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَكانَتْ تَذْيِيلًا لِما فِيها مِنَ العُمُومِ الزّائِدِ في قَوْلِهِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى عُمُومِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ وكانَتْ تَأْكِيدًا؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ مِن جُمْلَةِ المُتَوَكِّلِينَ، والمَعْنى: مَن كانَ مُتَوَكِّلًا في أمْرِهِ عَلى غَيْرِهِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَهي تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُتَوَكِّلِينَ عَلى اللَّهِ، أيْ: لا يَنْبَنِي التَّوَكُّلُ إلّا عَلَيْهِ.
14:13Page 257
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣
And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.
صفحة ٢٠٥
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لِنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤]
تَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الحِكايَةِ بِطَرِيقِ الإظْهارِ دُونَ الإضْمارِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا غَيْرُ الكافِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَتِ الحِكايَةُ عَنْهم فَإنَّ الحِكايَةَ عَنْهم كانَتْ بِطَرِيقِ الإضْمارِ. فالظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا كُفّارُ قُرَيْشٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ، وأنَّ المُرادَ بِـ ”رُسُلِهِمْ“ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، أُجْرِيَتْ عَلى وصْفِهِ صِيغَةَ الجَمْعِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] في سُورَةِ غافِرٍ، فَإنَّ المُرادَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَما هو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] وقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فَإنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ في المَوْضِعَيْنِ الأخِيرَيْنِ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ لِأنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ الحَدِيدُ، أيِ القِتالُ بِالسَّيْفِ لِأهْلِ الدَّعْوَةِ المُكَذِّبِينَ، وقَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ [سبإ: ٤٥] في سُورَةِ سَبَأٍ عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ في المُرادِ بِهِمْ وهو أظْهَرُهُما.
وإطْلاقُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ مَجازٌ: إمّا اسْتِعارَةٌ؛ إنْ كانَ فِيهِ مُراعاةُ تَشْبِيهِ الواحِدِ بِالجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] .
وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ؛ إذا رُوعِيَ فِيهِ قَصْدُ التَّعْمِيَةِ، فَعَلاقَتُهُ الإطْلاقُ والتَّقَيُّدُ، والعُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلَيْهِ لِقَصْدِ التَّعْمِيَةِ.
فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا كُفّارَ مَكَّةَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤] فَإنَّهُ لا يُعْرَفُ أنَّ رَسُولًا
صفحة ٢٠٦
مِن رُسُلِ الأُمَمِ السّالِفَةِ دَخَلَ أرْضَ مُكَذِّبِيهِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ وامْتَلَكَها إلّا النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَ في حِجَّةِ الوَداعِ مَنزِلُنا إنْ شاءَ اللَّهُ غَدًا بِالخَيْفِ خَيْفِ بَنِي كِنانَةَ حَيْثُ تَقاسَمُوا عَلى الكُفْرِ.
وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ نَفْسَ المُرادِ مِنَ الأقْوامِ السّالِفَيْنِ، فالإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ اتِّصافِهِمْ بِالكُفْرِ حَتّى صارَ الخَصْلَةَ الَّتِي يُعْرَفُونَ بِها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الرُّسُلِ ظاهِرَ الجَمْعِ فَيَكُونُ هَذا التَّوَعُّدُ شَنْشَنَةَ الأُمَمِ ويَكُونُ الإيماءُ إلَيْهِمْ بِهِ سُنَّةَ اللَّهِ مَعَ رُسُلِهِ.
وتَأْكِيدُ تَوَعُّدِهِمْ بِالإخْراجِ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ ضَراوَةٌ في الشَّرِّ.
و(أوْ) لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، أقْسَمُوا عَلى حُصُولِ أحَدِ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ، أحَدُهُما مِن فِعْلِ المُقَسَّمِينَ، والآخَرُ مَن فِعْلِ مَن خُوطِبَ بِالقَسَمِ، ولَيْسَتْ هي (أوْ) الَّتِي بِمَعْنى (إلى) أوْ بِمَعْنى (إلّا) .
والعَوْدُ: الرُّجُوعُ إلى شَيْءٍ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ مُتَّبِعًا مِلَّةَ الكُفْرِ بَلْ كانُوا مُنْعَزِلِينَ عَنِ المُشْرِكِينَ دُونَ تَغْيِيرٍ عَلَيْهِمْ. فَكانَ المُشْرِكُونَ يَحْسَبُونَهم مُوافِقِينَ لَهم، وكانَ الرُّسُلُ يَتَجَنَّبُونَ مُجْتَمَعاتِهِمْ بِدُونِ أنْ يَشْعُرُوا بِمُجانَبَتِهِمْ، فَلَمّا جاءُوهم بِالحَقِّ ظَنُّوهم قَدِ انْتَقَلُوا مِن مُوافَقَتِهِمْ إلى مُخالَفَتِهِمْ فَطَلَبُوا مِنهم أنْ يَعُودُوا إلى ما كانُوا يَحْسَبُونَهم عَلَيْهِ.
والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ في مِلَّتِنا مَجازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَكُّنِ مِنَ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ المَتْرُوكِ فَكَأنَّهُ عادَ إلَيْهِ.
والمِلَّةُ: الدِّينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، وانْظُرْ قَوْلَهُ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] في أوائِلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٢٠٧
وتَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا﴾ الخَ تَفْرِيعٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ العَزْمِ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ مِنَ الأرْضِ، أيْ: أوْحى اللَّهُ إلى الرُّسُلِ ما يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَهم، وهو الوَعْدُ بِإهْلاكِ الظّالِمِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ أوْحى. . . .
وإسْكانُ الأرْضِ: التَّمْكِينُ مِنها وتَخْوِيلُها إيّاهم، كَقَوْلِهِ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] .
والخِطابُ في ”لَنُسْكِنَنَّكم“ لِلرُّسُلِ والَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ، فَلا يَقْتَضِي أنْ يَسْكُنَ الرَّسُولُ بِأرْضِ عَدُوِّهِ بَلْ يَكْفِي أنْ يَكُونَ لَهُ السُّلْطانُ عَلَيْها وأنْ يَسْكُنَها المُؤْمِنُونَ، كَما مَكَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مَكَّةَ وأرْضَ الحِجازِ وأسْكَنَها الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ فَتْحِها.
14:14Page 257
وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤
And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position1 and fears My threat."
﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾
ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الإهْلاكِ والإسْكانِ المَأْخُوذَيْنِ مِن لَنُهْلِكَنَّ - ولَنُسْكِنَنَّكُمُ. عادَ إلَيْهِما اسْمُ الإشارَةِ بِالإفْرادِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) .
واللّامُ لِلْمِلْكِ، أيْ: ذَلِكَ عَطاءٌ وتَمْلِيكٌ لِمَن خافَ مَقامِي، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، والمَعْنى: ذَلِكَ الوَعْدُ لِمَن خافَ مَقامِي، أيْ: ذَلِكَ لَكم؛ لِأنَّكم خِفْتُمْ مَقامِي، فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى مَن خافَ مَقامِي لِدَلالَةِ المَوْصُولِ عَلى الإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في حُصُولِ تِلْكَ العَطِيَّةِ.
صفحة ٢٠٨
ومَعْنى ﴿خافَ مَقامِي﴾ خافَنِي، فَلَفْظُ (مَقامٍ) مُقْحِمٌ لِلْمُبالَغَةِ في تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ لِأنَّ المَقامَ أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ، وأُرِيدَ فِيهِ بِالقِيامِ مُطْلَقُ الوُجُودِ؛ لِأنَّ الأشْياءَ تُعْتَبَرُ قائِمَةً، فَإذا قِيلَ ﴿خافَ مَقامِي﴾ كانَ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في (خافَنِي) بِحَيْثُ إنَّ الخَوْفَ يَتَعَلَّقُ بِمَكانِ المُخَوَّفِ مِنهُ، كَما يُقالُ: قَصَّرَ في جانِبِي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، وكُلُّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِ زِيادٍ الأعْجَمِ:
إنَّ السَّماحَةَ والمَرُوءَةَ والنَّدى في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ أيْ: في ابْنِ الحَشْرَجِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وُجُودِ قُبَّةٍ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ الرَّحِمَ أخَذَتْ بِساقِ العَرْشِ وقالَتْ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، أيْ: هَذا العائِذُ بِكَ القَطِيعَةَ»، وخَوْفُ اللَّهِ: هو خَوْفُ غَضَبِهِ؛ لِأنَّ غَضَبَ اللَّهِ أمْرٌ مَكْرُوهٌ لَدى عَبِيدِهِ.
وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ عَلى ﴿خافَ مَقامِي﴾ مَعَ إعادَةِ فِعْلِ (خافَ) دُونَ اكْتِفاءٍ بِعَطْفِ وعِيدِي عَلى مَقامِي؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّلَةَ وإنْ كانَ صَرِيحُها ثَناءً عَلى المُخاطَبِينَ فالمُرادُ مِنها التَّعْرِيضُ بِالكافِرِينَ بِأنَّهم لا يَخافُونَ وعِيدَ اللَّهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿خافَ مَقامِي﴾ تُغْنِي عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَعْبَئُوا بِوَعِيدِ اللَّهِ وحَسِبُوهُ عَبَثًا، قالَ تَعالى ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧]، ولِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُما في سُورَةِ البَيِّنَةِ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]؛ لِأنَّهُ في سِياقِ ذِكْرِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً.
وهَذِهِ الآيَةُ في ذِكْرِ إهْلاكِ الظّالِمِينَ وإسْكانِ المُؤْمِنِينَ أرْضَهم فَكانَ المَقامُ لِلْفَرِيقَيْنِ، فَجُمِعَ في جَزاءِ المُؤْمِنِينَ بِإدْماجِ التَّعْرِيضِ بِوَعِيدِ الكافِرِينَ، وفي الجَمْعِ بَيْنَهُما دَلالَةً عَلى أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِ أنْ يَخافَ غَضَبَ رَبِّهِ وأنْ يَخافَ
صفحة ٢٠٩
وعِيدَهُ، والَّذِينَ يَخافُونَ غَضَبَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ هُمُ المُتَّقُونَ الصّالِحُونَ، فَآلَ مَعْنى الآيَةِ إلى مَعْنى الآيَةِ الأُخْرى ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (وعِيدِ) بِدُونِ ياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِدُونِ ياءٍ في الوَقْفِ وبِإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ في ياءِ المُتَكَلِّمِ الواقِعَةِ مُضافًا إلَيْها في غَيْرِ النِّداءِ، وفِيها في النِّداءِ لُغَتانِ أُخْرَيانِ.
14:15–17Page 257
وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥
And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.
مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦
Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2
يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧
He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.
﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣]، أوْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا النَّصْرَ، وضَمِيرُ اسْتَفْتَحُوا عائِدٌ إلى الرُّسُلِ، ويَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] الخَ، أيْ: فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ وخابَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: لَمْ يَتَحَقَّقْ تَوَعُّدُهُمُ الرُّسُلَ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [إبراهيم: ١٣]، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وخابَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا كانُوا جَبابِرَةً عُنَداءَ وأنَّ كُلَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ يَخِيبُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] ويَكُونُ ضَمِيرُ اسْتَفْتَحُوا عائِدًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: وطَلَبُوا النَّصْرَ عَلى رُسُلِهِمْ فَخابُوا في ذَلِكَ، ولِكَوْنِ في قَوْلِهِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ
صفحة ٢١٠
عَنِيدٍ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: وخابُوا، إلى قَوْلِهِ ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لِمِثْلِ الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا.
والِاسْتِفْتاحُ: طَلَبُ الفَتْحِ وهو النَّصْرُ، قالَ تَعالى ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] .
والجَبّارُ: المُتَعاظِمُ الشَّدِيدُ التَّكَبُّرِ.
والعَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وتَقَدَّما في قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] في سُورَةِ هُودٍ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ المُتَعاظِمُونَ، فَوَصْفُ ”جَبّارٍ“ خُلُقٌ نَفْسانِيٌّ، ووَصْفُ ”عَنِيدٍ“ مِن أثَرِ وصْفِ جَبّارٍ؛ لِأنَّ العَنِيدَ المُكابِرَ المُعارِضَ لِلْحُجَّةِ.
وبَيْنَ خافَ وعِيدِ، ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ جِناسٌ مُصَحَّفٌ.
وقَوْلُهُ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ صِفَةٌ لِـ جَبّارٍ عَنِيدٍ أيْ: خابَ الجَبّارُ العَنِيدُ في الدُّنْيا، ولَيْسَ ذَلِكَ حَظُّهُ مِنَ العِقابِ بَلْ وراءَهُ عِقابُ الآخِرَةِ.
والوَراءُ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى ما يَنْتَظِرُهُ ويَحِلُّ بِهِ مِن بَعْدُ، فاسْتُعِيرَ لِذَلِكَ بِجامِعِ الغَفْلَةِ عَنِ الحُصُولِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ مِن وراءِ المَرْءِ لا يَشْعُرُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَراهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ: وهم غافِلُونَ عَنْهُ ولَوْ ظَفِرَ بِهِمْ لِأفْتَكَ سَفِينَتَهم، وقَوْلُ هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ:
عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ
وأمّا إطْلاقُ الوَراءِ عَلى مَعْنى (مِن بَعْدِ) فاسْتِعْمالٌ آخَرُ قَرِيبٌ مِن هَذا ولَيْسَ عَيْنَهُ.
والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ تَنْتَظِرُهُ، أيْ: فَهو صائِرٌ إلَيْها بَعْدَ مَوْتِهِ.
صفحة ٢١١
والصَّدِيدُ: المُهْلَةُ. أيْ: مِثْلُ الماءِ يَسِيلُ مِنَ الدُّمَّلِ ونَحْوِهِ، وجَعَلَ الصَّدِيدَ ماءً عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في الإسْقاءِ، لِأنَّ شَأْنَ الماءِ أنْ يُسْقى، والمَعْنى: ويُسْقى صَدِيدًا عِوَضَ الماءِ إنْ طَلَبَ الإسْقاءَ، ولِذَلِكَ جُعِلَ ”صَدِيدًا“ عَطْفَ بَيانٍ لِـ ”ماءٍ“، وهَذا مِن وُجُوهِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ (يُسْقى) عَلى جُمْلَةِ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾؛ لِأنَّ السَّقْيَ مِنَ الصَّدِيدِ شَيْءٌ زائِدٌ عَلى نارِ جَهَنَّمَ والتَّجَرُّعُ: تَكَلُّفُ الجَرْعِ، والجَرْعِ: بَلْعُ الماءِ.
ومَعْنى (يُسِيغُهُ) يَفْعَلُ سَوْغَهُ في حَلْقِهِ، والسَّوْغُ: انْحِدارُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِدُونِ غُصَّةٍ، وذَلِكَ إذا كانَ الشَّرابُ غَيْرَ كَرِيهِ الطَّعْمِ ولا الرِّيحِ، يُقالُ: ساغَ الشَّرابُ، وشَرابٌ سائِغٌ، ومَعْنى لا يَكادُ يُسِيغُهُ لا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يُسِيغَهُ بِالفِعْلِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإتْيانُ المَوْتِ: حُلُولُهُ، أيْ: حُلُولُ آلامِهِ وسَكَراتِهِ، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا تَبْقَ حاجَةٌ لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وما هو بِمَيِّتٍ﴾، أيْ: فَيَسْتَرِيحُ.
والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ مِثْلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾، أيْ: يَنْتَظِرُهُ عَذابٌ آخَرُ بَعْدَ العَذابِ الَّذِي هو فِيهِ.
والغَلِيظُ: حَقِيقَتُهُ الخَشِنُ الجِسْمِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في القُوَّةِ والشِّدَّةِ بِجامِعِ الوَفْرَةِ في كُلٍّ، أيْ: عَذابٌ لَيْسَ بِأخَفِّ مِمّا هو فِيهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] في سُورَةِ هُودٍ.
14:18Page 257
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨
The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.
صفحة ٢١٢
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ ما عَمِلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الخَيْراتِ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أثارَ هَذا التَّمْثِيلُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن شِدَّةِ عَذابِهِمْ، فَيَخْطُرُ بِبالِهِمْ أوْ بِبالِ مَن يَسْمَعُ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْألَ نَفْسَهُ أنَّ لَهم أعْمالًا مِنَ الصِّلَةِ والمَعْرُوفِ: مِن إطْعامِ الفُقَراءِ، ومِن عِتْقِ رِقابٍ، وقِرى ضُيُوفٍ، وحِمالَةِ دِياتٍ، وفِداءِ أُسارى، واعْتِمارٍ، ورِفادَةِ الحَجِيجِ، فَهَلْ يَجِدُونَ ثَوابَ ذَلِكَ ؟ وأنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ تَطَلَّبَتْ نُفُوسُهم وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ وُجُودِ عَمَلٍ صالِحٍ وبَيْنَ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ، فُضُرِبَ هَذا المَثَلُ لِبَيانِ ما يَكْشِفُ جَمِيعَ الِاحْتِمالاتِ.
والمَثَلُ: الحالَةُ العَجِيبَةُ، أيْ: حالُ الَّذِينَ كَفَرُوا العَجِيبَةُ أنَّ أعْمالَهم كَرَمادٍ الخَ. فالمَعْنى: حالُ أعْمالِهِمْ، بِقَرِينَةِ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ عَنْها لِأنَّهُ مَهْما أُطْلِقَ مَثَلُ كَذا إلّا والمُرادُ حالٌ خاصَّةٌ مِن أحْوالِهِ يُفَسِّرُها الكَلامُ، فَهو مِنَ الإيجازِ المُلْتَزَمِ في الكَلامِ.
فَقَوْلُهُ ”أعْمالُهم“ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و”كَرَمادٍ“ خَبَرٌ عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ.
ولَمّا جُعِلَ الخَبَرُ عَنْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ”أعْمالُهم“ آلَ الكَلامُ إلى أنَّ مَثَلَ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَرَمادٍ.
شُبِّهَتْ أعْمالُهُمُ المُتَجَمِّعَةُ العَدِيدَةُ بِرَمادٍ مُكَدَّسٍ فَإذا اشْتَدَّتِ الرِّياحُ بِالرَّمادِ انْتَثَرَ وتَفَرَّقَ تَفَرُّقًا لا يُرْجى مَعَهُ اجْتِماعُهُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِنَ اضْمِحْلالِ شَيْءٍ كَثِيرٍ بَعْدَ تَجَمُّعِهِ، والهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ مَعْقُولَةٌ.
صفحة ٢١٣
ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعاصِفِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أيْ: عاصِفٌ رِيحُهُ، كَما يُقالُ: يَوْمٌ ماطِرٌ، أيْ: سَحابُهُ.
والرَّمادُ: ما يَبْقى مِنَ احْتِراقِ الحَطَبِ والفَحْمِ، والعاصِفُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ.
ومِن لَطائِفِ هَذا التَّمْثِيلِ أنِ اخْتِيرَ لَهُ التَّشْبِيهُ بِهَيْئَةِ الرَّمادِ المُجْتَمِعِ؛ لِأنَّ الرَّمادَ أثَرٌ لِأفْضَلِ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا وأشْيَعِها بَيْنَهم وهو قِرى الضَّيْفِ حَتّى صارَتْ كَثْرَةُ الرَّمادِ كِنايَةً في لِسانِهِمْ عَنِ الكَرَمِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّياحُ)، وقَرَأهُ البَقِيَّةُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ بِالإفْرادِ، وهَما سَواءٌ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ التَّشْبِيهِ، أيْ: ذَهَبَتْ أعْمالُهم سُدًى فَلا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنها.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِخُلاصَةِ حالِهِمْ، وهي أنَّها ضَلالٌ بَعِيدٌ.
والمُرادُ بِالبَعِيدِ البالِغُ نِهايَةَ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ماهِيَّتُهُ، أيْ: بِعِيدٌ في مَسافاتِ الضَّلالِ، فَهو كَقَوْلِكَ: أقْصى الضَّلالِ أوْ جِدُّ ضَلالٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences