Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:19–26
14:19–20Page 258
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩
Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ٢٠
And that is not difficult for Allāh.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌّ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] فَإنَّ هَلاكَ فِئَةٍ كامِلَةٍ شَدِيدَةِ القُوَّةِ والمِرَّةِ أمْرٌ عَجِيبٌ يُثِيرُ في النُّفُوسِ السُّؤالَ:
صفحة ٢١٤
كَيْفَ تَهْلَكُ فِئَةٌ مِثْلَ هَؤُلاءِ ؟ فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في عَظَمَتِها قادِرٌ عَلى إهْلاكِ ما هو دُونَها، فَمَبْدَأُ الِاسْتِئْنافِ هو قَوْلُهُ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ مُوقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ الِاسْتِئْنافِ، قُدِّمَ عَلَيْها كَما تَجْعَلُ النَّتِيجَةَ مُقَدَّمَةً في الخَطابَةِ والجِدالِ عَلى دَلِيلِها، وقَدْ بَيَّناهُ في كِتابِ أُصُولِ الخَطابَةِ.
ومُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذا الِاسْتِئْنافِ ما سَبَقَهُ مِن تَفَرُّقِ الرَّمادِ في يَوْمٍ عاصِفٍ.
والخِطابُ في ألَمْ تَرَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وكُلُّ مَن يُظَنُّ بِهِ التَّساؤُلُ عَنْ إمْكانِ إهْلاكِ المُشْرِكِينَ.
والرُّؤْيَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ في العِلْمِ النّاشِئِ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ مُشاهَدَةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ، وأمّا كَوْنُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ فَمُحْتاجٌ إلى أقَلِّ تَأمُّلٍ لِسُهُولَةِ الِانْتِقالِ مِنَ المُشاهَدَةِ إلى العِلْمِ، وأمّا كَوْنُ ذَلِكَ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ فَمُحْتاجٌ إلى تَأمُّلٍ عَمِيقٍ. فَلَمّا كانَ أصْلُ ذَلِكَ كُلِّهُ رُؤْيَةَ المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ عُلِّقَ الِاسْتِدْلالُ عَلى الرُّؤْيَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] .
والحَقُّ هُنا: الحِكْمَةُ، أيْ: ضِدُّ العَبَثِ، بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) بِصِيغَةِ الفِعْلِ عَلى أنَّ السَّماواتِ مَفْعُولُهُ والأرْضَ عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ بِالنَّصْبِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى (السَّماواتِ) وبِخَفْضِ (الأرْضِ) .
صفحة ٢١٥
والخِطابُ في (يُذْهِبُكم) لِجَماعَةٍ مِن جُمْلَتِهِمُ المُخاطَبُ بِـ ألَمْ تَرَ، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ خاصَّةً. تَأْكِيدًا لِوَعِيدِهِمُ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣]، أيْ: إنْ شاءَ أعْدَمَ النّاسَ كُلَّهم وخَلَقَ ناسًا آخَرِينَ.
وقَدْ جِيءَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ بِالحُكْمِ الأعَمِّ إدْماجًا لِلتَّعْلِيمِ بِالوَعِيدِ وإظْهارًا لِعَظِيمِ القُدْرَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يُذْهِبُ الجَبابِرَةَ المُعانِدِينَ ويَأْتِي في مَكانِهِمْ في سِيادَةِ الأرْضِ بِالمُؤْمِنِينَ لِيُمَكِّنَهم في الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِها، وإنَّما سَلَكَ بِهَذا التَّأْكِيدِ مَسْلَكَ العَطْفِ لِما فِيهِ مِنَ المُغايَرَةِ لِلْمُؤَكَّدِ في الجُمْلَةِ بِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ هَذا المَشْيَ سَهْلٌ عَلَيْهِ هَيِّنٌ، كَقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
والعَزِيزُ عَلى أحَدٍ: المُتَعاصِي عَلَيْهِ المُمْتَنِعُ بِقُوَّتِهِ وأنْصارِهِ.
14:21Page 258
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١
And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٩] بِاعْتِبارِ جَوابِ الشَّرْطِ وهو الإذْهابُ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَأذْهَبَهم وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: ويَبْرُزُونَ لِلَّهِ، فَقَدْ عَدَلَ عَنِ المُضارِعِ إلى الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
صفحة ٢١٦
والبُرُوزُ: الخُرُوجُ مِن مَكانٍ حاجِبٍ مِن بَيْتٍ أوْ قَرْيَةٍ، والمَعْنى: حُشِرُوا مِنَ القُبُورِ.
و”جَمِيعًا“ تَأْكِيدٌ لِيَشْمَلَ جَمِيعَهم مِن سادَةٍ ولَفِيفٍ.
وقَدْ جِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِوَصْفِ حالِ الفِرَقِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومُجادَلَةِ أهْلِ الضَّلالَةِ مَعَ قادَتِهِمْ، ومُجادَلَةُ الجَمِيعِ لِلشَّيْطانِ، وكَوْنُ المُؤْمِنِينَ في شُغُلٍ عَنْ ذَلِكَ بِنُزُلِ الكَرامَةِ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَنْبِيهُ النّاسِ إلى تَدارُكِ شَأْنِهِمْ قَبْلَ الفَواتِ. فالمَقْصُودُ: التَّحْذِيرُ مِمّا يُفْضِي إلى سُوءِ المَصِيرِ.
واللّامُ الجارَّةُ لِاسْمِ الجَلالَةِ مُعَدِّيَةٌ فِعْلَ ”بَرَزُوا“ إلى المَجْرُورِ. يُقالُ: بَرَزَ لِفُلانٍ، إذا ظَهَرَ لَهُ، أيْ: حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما يُقالُ: ظَهَرَ لَهُ.
والضُّعَفاءُ: عَوامُّ النّاسِ والأتْباعُ، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: السّادَةُ، لِأنَّهم يَتَكَبَّرُونَ عَلى العُمُومِ وكانَ التَّكَبُّرُ شِعارَ السّادَةِ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الكِبْرِ، والتَّبَعُ: اسْمُ جَمْعٍ: التّابِعُ مِثْلُ الخَدَمِ والخَوَلِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِكْبارِ عَلى التَّبَعِيَّةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ يَقْتَضِي الشَّفاعَةَ لَهم.
ومُوجِبُ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ في ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ هو كَوْنُ المُسْتَكْبِرِينَ يُغْنُونَ عَنْهم لا أصْلُ الغَناءِ عَنْهم، لِأنَّهم آيِسُونَ مِنهُ لَمّا رَأوْا آثارَ الغَضَبِ الإلَهِيِّ عَلَيْهِمْ وعَلى سادَتِهِمْ. كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ حِكايَةُ قَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾، فَعَلِمُوا أنَّهم قَدْ غَرُّوهم في الدُّنْيا، فَتَعَيَّنَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوَرُّكِ والتَّوْبِيخِ والتَّنْكِيتِ، أيْ: فَأظْهِرُوا مَكانَتَكم عِنْدَ اللَّهِ الَّتِي كُنْتُمْ تَدَّعُونَها وتَغُرُّونَنا بِها في الدُّنْيا. فَإيلاءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وبَيَّنَهُ ما في نَظِيرِهِ مِن سُورَةِ غافِرٍ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٧] .
و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ بَدَلِيَّةٌ، أيْ: غَناءً بَدَلًا عَنْ عَذابِ اللَّهِ.
صفحة ٢١٧
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ مَزِيدَةٌ لِوُقُوعِ مَدْخُولِها في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ بِحَرْفِ هَلْ، وشَيْءٌ في مَعْنى المَصْدَرِ، وحَقُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَوَقَعَ جَرُّهُ بِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ، والمَعْنى: هَلْ تُغْنُونَ عَنّا شَيْئًا ؟
وجَوابُ المُسْتَكْبِرِينَ اعْتِذارٌ عَنْ تَغْرِيرِهِمْ بِأنَّهم ما قَصَدُوا بِهِ تَوْرِيطَ أتْباعِهِمْ، كَيْفَ وقَدْ ورَّطُوا أنْفُسَهم أيْضًا ؟ أيْ: لَوْ كُنّا نافِعِينَ لَنَفَعْنا أنْفُسَنا، وهَذا الجَوابُ جارٍ عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ العِتابِيِّ إذْ لَمْ يُجِيبُوهم بِأنّا لا نَمْلِكُ لَكم غَناءً ولَكِنِ ابْتَدَءُوا بِالِاعْتِذارِ عَمّا صَدَرَ مِنهم نَحْوَهم في الدُّنْيا عِلْمًا بِأنَّ الضُّعَفاءَ عالِمُونَ بِأنَّهم لا يَمْلِكُونَ لَهم غَناءً مِنَ العَذابِ.
وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ مِن كَلامِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وهي مُسْتَأْنَفَةٌ تَبْيِينٌ عَنْ سُؤالٍ مِنَ الضُّعَفاءِ يَسْتَفْتُونَ المُسْتَكْبِرِينَ أيَصْبِرُونَ أمْ يَجْزِعُونَ تَطَلُّبًا لِلْخَلاصِ مِنَ العَذابِ، فَأرادُوا تَأْيِيسَهم مِن ذَلِكَ يَقُولُونَ: لا يُفِيدُنا جَزَعٌ ولا صَبْرٌ، فَلا نَجاةَ مِنَ العَذابِ، فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكُ شامِلٌ لِلْمُتَكَلِّمِينَ والمُجابِينَ، جَمَعُوا أنْفُسَهم إتْمامًا لِلِاعْتِذارِ عَنْ تَوْرِيطِهِمْ.
والجَزَعُ: حُزْنٌ مَشُوبٌ بِاضْطِرابٍ، والصَّبْرُ: تَقَدَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِمَعْنى الِاسْتِواءِ، أيْ: حَيْثُ لا مَحِيصَ ولا نَجاةَ فَسَواءٌ الجَزَعُ والصَّبْرُ.
والمَحِيصُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كالمَغِيبِ والمَشِيبِ وهو النَّجاةُ، ويُقالُ: حاصَ عَنْهُ، أيْ: نَجا مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ مِن حاصَ أيْضًا، أيْ: ما لَنا مَلْجَأٌ ومَكانٌ نَنْجُو فِيهِ.
14:22Page 258
وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢
And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allāh had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allāh] before.1 Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."
صفحة ٢١٨
﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
أفْضَتْ مُجادَلَةُ الضُّعَفاءِ وسادَتِهِمْ في تَغْرِيرِهِمْ بِالضَّلالَةِ إلى نُطْقِ مَصْدَرِ الضَّلالَةِ وهو الشَّيْطانُ: إمّا لِأنَّهم بَعْدَ أنِ اعْتَذَرَ إلَيْهِمْ كُبَراؤُهم بِالحِرْمانِ مِنَ الهُدى عَلِمُوا أنَّ سَبَبَ إضْلالِهِمْ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ نَفْيَ الِاهْتِداءِ يُرادِفُهُ الضَّلالُ، وإمّا لِأنَّ المُسْتَكْبِرِينَ انْتَقَلُوا مِنَ الِاعْتِذارِ لِلضُّعَفاءِ إلى مَلامَةِ الشَّيْطانِ المُوَسْوِسِ لَهم ما أوْجَبَ ضَلالَهَمْ، وكُلُّ ذَلِكَ بِعِلْمٍ يَقَعُ في نُفُوسِهِمْ كالوِجْدانِ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ مَلامٌ صَرِيحٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ تَوَقَّعَهُ فَدَفَعَهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ وأنَّهُ يُتَوَّجَهُ إلَيْهِ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، فَجُمْلَةُ ﴿وقالَ الشَّيْطانُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ [إبراهيم: ٢١] .
والمَقْصُودُ مِن وصْفِ هَذا المَوْقِفِ إثارَةَ بُغْضِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ أهْلِ الكُفْرِ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم بِدِفاعِ وسْواسِهِ؛لِأنَّ هَذا الخِطابَ الَّذِي يُخاطِبُهم بِهِ الشَّيْطانُ مَلِيءٌ بِإضْمارِهِ الشَّرَّ لَهم فِيما وعَدَهم في الدُّنْيا مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَسْتَفِزَّ غَضَبَهم مِن كَيْدِهِ لَهم وسُخْرِيَتِهِ بِهِمْ، فَيُورِثُهم ذَلِكَ كَراهِيَةً لَهُ وسُوءَ ظَنِّهِمْ بِما يَتَوَقَّعُونَ إتْيانَهُ إلَيْهِمْ مِن قِبَلِهِ، وذَلِكَ أصْلٌ عَظِيمٌ في المَوْعِظَةِ والتَّرْبِيَةِ.
ومَعْنى قُضِيَ الأمْرُ تُمِّمَ الشَّأْنُ، أيْ: إذْنُ اللَّهِ وحُكْمُهُ، ومَعْنى إتْمامِهِ: ظُهُورُهُ، وهو أمْرُهُ تَعالى بِتَمْيِيزِ أهْلِ الضَّلالَةِ وأهْلِ الهِدايَةِ، قالَ تَعالى ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]، وذَلِكَ بِتَوْجِيهِ كُلِّ فَرِيقٍ إلى مَقَرِّهِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِعَمَلِهِ، فَيَتَصَدّى الشَّيْطانُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ المَلامِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَشْرِيكِ الَّذِينَ أضَلَّهم مَعَهُ في تَبِعَةِ ضَلالِهِمْ، وقَدْ أنْطَقَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِإعْلانِ الحَقِّ. وشَهادَةٍ عَلَيْهِمْ بِأنَّ لَهم كَسْبًا في اخْتِيارِ الِانْطِباعِ إلى دَعْوَةِ الضَّلالِ دُونَ دَعْوَةِ الحَقِّ، فَهَذا
صفحة ٢١٩
شَبِيهُ شَهادَةِ ألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقَوْلِهِمْ لَهم ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] إظْهارًا لِلْحَقِيقَةِ وتَسْجِيلًا عَلى أهْلِ الضَّلالَةِ وقَمْعًا لِسَفْسَطَتِهِمْ.
وأخْبَرَ اللَّهُ بِها النّاسَ اسْتِقْصاءً في الإبْلاغِ لِيُحِيطَ النّاسَ عِلْمًا بِكُلِّ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ، وإيقاظًا لَهم لِيَتَأمَّلُوا الحَقائِقَ الخَفِيَّةَ فَتُصْبِحَ بَيِّنَةً واضِحَةً، فَقَوْلُ الشَّيْطانِ ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ إبْطالٌ لِإفْرادِهِ بِاللَّوْمِ أوْ لِابْتِداءِ تَوْجِيهِ المُلامِ إلَيْهِ في حِينِ أنَّهم أجْدَرُ بِاللَّوْمِ أوْ بِابْتِداءِ تَوْجِيهِهِ.
وأمّا وقْعُ كَلامِ الشَّيْطانِ مِن نُفُوسِ الَّذِينَ خاطَبَهم فَهو مُوقِعُ الحَسْرَةِ مِن نُفُوسِهِمْ زِيادَةً في عَذابِ النَّفْسِ.
وإضافَةُ (وعْدَ) إلى (الحَقِّ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مُبالَغَةً في الِاتِّصافِ، أيِ الوَعْدُ الحَقُّ الَّذِي لا نَقْضَ لَهُ.
والحَقُّ: هُنا بِمَعْنى الصِّدْقِ والوَفاءِ بِالمَوْعُودِ بِهِ، وضِدُّهُ: الإخْلافُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾، أيْ: كَذَبْتُ مَوْعِدِي، وشَمَلَ وعَدُ الحَقِّ جَمِيعَ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِالقُرْآنِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، وشَمَلَ الخُلْفُ جَمِيعَ ما كانَ يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِ أوْلِيائِهِ وما يَعِدُهم إلّا غُرُورًا.
والسُّلْطانُ: اسْمُ مَصْدَرِ (تَسَلَّطَ عَلَيْهِ)، أيْ: غَلَبَهُ وقَهَرَهُ، أيْ: لَمْ أكُنْ مُجْبِرًا لَكم عَلى اتِّباعِي فِيما أمَرْتُكم.
والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ لَيْسَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ. فالمَعْنى: لَكِنِّي دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي.
وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾، والمَقْصُودُ: لُومُوا أنْفُسَكم، أيْ: إذْ قَبِلْتُمْ إشارَتِي ودَعْوَتِي، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ صَدْرَ الكَلامِ عَلى الآيَةِ.
صفحة ٢٢٠
ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ يُفِيدُ مَعْنى القَصْرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَلا تَلُومُوا إلّا أنْفُسَكم، وهو في مَعْنى قَصْرِ قَلْبٍ بِالنِّسْبَةِ إلى إفْرادِهِ بِاللَّوْمِ، وحَقُّهُمُ التَّشْرِيكُ فَقَلْبُ اعْتِقادِهِمْ إفْرادُهُ دُونَ اعْتِبارِ الشِّرْكَةِ، وهَذا مِن نادِرِ مَعانِي القَصْرِ الإضافِيِّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ أجْدَرِ الطَّرَفَيْنِ بِالرَّدِّ، وهو طَرَفُ اعْتِقادِ العَكْسِ بِحَيْثُ صارَ التَّشْرِيكُ كالمُلْغى؛ لِأنَّ الحَظَّ الأوْفَرَ لِأحَدِ الشَّرِيكَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾، بَيانٌ لِجُمْلَةِ النَّهْيِ عَنْ لَوْمٍ؛ لِأنَّ لَوْمَهُ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم يَتَطَلَّبُونَ مِنهُ حِيلَةً لِنَجاتِهِمْ، فَنَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنْ أنْ يَلُومُوهُ.
والإصْراخُ: الإغاثَةُ، اشْتُقَّ مِنَ الصُّراخِ؛ لِأنَّ المُسْتَغِيثَ يَصْرُخُ بِأعْلى صَوْتِهِ، فَقِيلَ: أصْرَخَهُ، إذا أجابَ صُراخَهُ، كَما قالُوا: أعْتَبَهُ، إذا قَبِلَ اسْتِعْتابَهُ، وأمّا عَطْفُ ﴿وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ اسْتِقْصاءُ عَدَمِ غَناءِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً، وأصْلُهُ بِمُصْرِخِيِيَ بِياءَيْنِ: أُولاهُما ياءُ جَمْعِ المُذَكَّرِ المَجْرُورِ، وثانِيهُما ياءُ المُتَكَلِّمِ، وحَقُّها السُّكُونُ فَلَمّا التَقَتِ الياءانِ ساكِنَتَيْنِ وقَعَ التَّخَلُّصُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالفَتْحَةِ لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ بِكَسْرِ الياءِ تَخَلُّصًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالكَسْرَةِ؛ لِأنَّ الكَسْرَةَ هو أصْلُ التَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: تَحْرِيكُ الياءِ بِالكَسْرِ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، إلّا أنَّ كَسْرَ ياءِ المُتَكَلِّمِ في مِثْلِهِ نادِرٌ، وأنْشَدَ في تَنْظِيرِ هَذا التَّخَلُّصِ بِالكَسْرِ قَوْلُ الأغْلَبِ العِجْلِيِّ:
قالَ لَها هَلْ لَكِ يا تا فِيِّ قالَتْ لَهُ: ما أنْتَ بِالمُرْضِيِّ
أرادَ: هَلْ لَكِ في يا هَذِهِ ؟
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: زَعَمَ قُطْرُبٌ: إنَّها لُغَةُ بَنِي يَرْبُوعٍ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ أجازَ الكَسْرَ، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ التَّخَلُّصَ بِالفَتْحَةِ في مِثْلِهِ أشْهَرُ مِنَ التَّخَلُّصِ بِالكَسْرَةِ، وإنْ كانَ التَّخَلُّصُ بِالكَسْرَةِ
صفحة ٢٢١
هُوَ القِياسُ، وقَدْ أثْبَتَهُ سَنَدُ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَدْ تَحامَلَ عَلَيْهِ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَبَقَهُما في ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ والأخْفَشُ بْنُ سَعِيدٍ وابْنُ النَّحّاسِ ولَمْ يَطَّلِعِ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى نِسْبَةِ ذَلِكَ البَيْتِ لِلْأغْلَبِ العِجْلِيِّ.
والَّذِي ظَهَرَ لِي أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ قَرَأ بِها بَنُو يَرْبُوعٍ مِن تَمِيمٍ، وبَنُو عِجْلِ بْنِ لُجَيْمٍ مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، فَقَرَءُوا بِلَهْجَتِهِمْ أخْذًا بِالرُّخْصَةِ لِلْقَبائِلِ أنْ يَقْرَءُوا القُرْآنَ بِلَهَجاتِهِمْ وهي الرُّخْصَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»، كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، ثُمَّ نُسِخَتْ تِلْكَ الرُّخْصَةُ بِقِراءَةِ النَّبِيءِ ﷺ في الأعْوامِ الأخِيرَةِ مِن حَياتِهِ المُبارَكَةِ، ولَمْ يَثْبُتْ ما يَنْسَخُها في هَذِهِ الآيَةِ، واسْتَقَرَّ الأمْرُ عَلى قَبُولِ كُلِّ قِراءَةٍ صَحَّ سَنَدُها، ووافَقَتْ وجْهًا في العَرَبِيَّةِ ولَمْ تُخالِفْ رَسْمَ المُصْحَفِ الإمامِ، وهَذِهِ الشُّرُوطُ مُتَوَفِّرَةٌ في قِراءَةِ حَمْزَةَ هَذِهِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا؛ فَقُصارى أمْرِها أنَّها تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ ما يَنْطِقُ بِهِ أحَدُ فُصَحاءِ العَرَبِ عَلى لُغَةِ قَبائِلِها بِحَيْثُ لَوْ قُرِئَ بِها في الصَّلاةِ لَصَحَّتْ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ اسْتِئْنافُ تَنَصُّلٍ آخَرَ مِن تَبِعاتِ عِبادَتِهِمْ إيّاهُ قُصِدَ مِنهُ دَفْعُ زِيادَةِ العَذابِ عَنْهُ بِإظْهارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى، وأرادَ بِقَوْلِهِ (كَفَرْتُ) شِدَّةَ التَّبَرُّؤِ مِن إشْراكِهِمْ إيّاهُ في العِبادَةِ، فَإنْ أرادَ مِن (مُضِيِّ) فِعْلِ (كَفَرْتُ) مُضِيَّ الأزْمِنَةِ كُلِّها، أيْ: كُنْتُ غَيْرَ راضٍ بِإشْراكِكم إيّايَ فَهو كَذِبٌ مِنهُ أظْهَرَ بِهِ التَّذَلُّلَ، وإنْ كانَ مُرادُهُ مِنَ المُضِيِّ إنْشاءَ عَدَمِ الرِّضى بِإشْراكِهِمْ إيّاهُ فَهو نَدامَةٌ بِمَنزِلَةِ التَّوْبَةِ حَيْثُ لا يُقْبَلُ مَتابٌ، ومِن قَبْلُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أشْرَكْتُمُونِ.
والإشْراكُ الَّذِي كَفَرَ بِهِ إشْراكُهم إيّاهُ في العِبادَةِ بِأنْ عَبَدُوهُ مَعَ اللَّهِ؛ لِأنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مَن يَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ والجِنَّ، فَهَؤُلاءِ يَعْبُدُونَ جِنْسَ الشَّيْطانِ مُباشَرَةً، ومِنهم مَن يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَهم يَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ بِواسِطَةِ عِبادَةِ آلِهَتِهِ.
صفحة ٢٢٢
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنِ الشَّيْطانِ، وهي في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾، أيْ: لِأنَّهُ لا يَدْفَعُ عَنْكَ العَذابَ دافَعٌ فَهو واقِعٌ بِكم.
14:23Page 258
وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣
And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"
﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، وهو انْتِقالٌ لِوَصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ مِن جُمْلَةِ الأحْوالِ المَقْصُودَةِ بِالوَصْفِ إظْهارًا لِتَفاوُتِ الأحْوالِ، فَلَمْ يَدْخُلِ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ في المُنازَعَةِ والمُجادَلَةِ تَنْزِيهًا لَهم عَنِ الخَوْضِ في تِلْكَ الغَمْرَةِ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم حِينَئِذٍ في سَلامَةٍ ودَعَةٍ.
ويَجُوزُ جَعْلُ الواوِ لِلْحالِ، أيْ: بَرَزُوا وقالَ الضُّعَفاءُ وقالَ الكُبَراءُ وقالَ الشَّيْطانُ إلَخْ، وقَدْ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّهم فازُوا بِنُزُلِ الكَرامَةِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ.
وقَوْلُهُ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إشارَةٌ إلى العِنايَةِ والِاهْتِمامِ، فَهو إذَنْ أخَصُّ مِن أمْرِ القَضاءِ العامِّ.
وقَوْلُهُ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
14:24–26Page 258
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤
Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?
تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥
It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦
And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.
صفحة ٢٢٣
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكْلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ اقْتَضَتْهُ مُناسَبَةُ ما حُكِيَ عَنْ أحْوالِ أهْلِ الضَّلالَةِ وأحْوالِ أهْلِ الهِدايَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِكَلِمَةِ الإيمانِ وكَلِمَةِ الشِّرْكِ، فَقَوْلُهُ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ إيقاظٌ لِلذِّهْنِ لِيُتَرَقَّبَ ما يَرِدُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ألَمْ تَعْلَمْ، ولَمْ يَكُنْ هَذا المَثَلُ مِمّا سَبَقَ ضَرْبُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ بَلِ الآيَةُ هي الَّتِي جاءَتْ بِهِ، فالكَلامُ تَشْوِيقٌ إلى عِلْمِ هَذا المَثَلِ، وصَوْغُ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ في صِيغَةِ الزَّمَنِ الماضِي الدّالِّ عَلَيْها حَرْفُ (لَمْ) الَّتِي هي لِنَفِيِ الفِعْلِ في الزَّمَنِ الماضِي والدّالِّ عَلَيْها فِعْلُ (ضَرَبَ) بِصِيغَةِ الماضِي لِقَصْدِ الزِّيادَةِ في التَّشْوِيقِ لِمَعْرِفَةِ هَذا المَثَلِ وما مُثِّلَ بِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ألَمْ تَرَ إنْكارِيٌّ نَزَلَ المُخاطَبُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْلَمْ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عَدَمَ العِلْمِ أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى عِلْمِهِ، أوْ هو لِلتَّقْرِيرِ، ومِثْلُهُ في التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ، وهو كِنايَةٌ في التَّحْرِيضِ عَلى العِلْمِ بِذَلِكَ.
والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ مُعَلَّقٌ فِعْلُها عَنِ العَمَلِ بِما ولِيَها مِنَ الِاسْتِفْهامِ بِـ (كَيْفَ)، وإيثارُ (كَيْفَ) هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حالَةَ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ ذاتُ كَيْفِيَّةٍ عَجِيبَةٍ مِن بَلاغَتِهِ وانْطِباقِهِ.
وتَقَدَّمَ المَثَلُ في قَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وضَرْبُ المَثَلِ: نَظْمُ تَرْكِيبِهِ الدّالِّ عَلى تَشْبِيهِ الحالَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٢٤
وإسْنادُ ضَرَبَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْحى بِهِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ - الصَّلاةُ والسَّلامِ - .
والمَثَلُ لَمّا كانَ مَعْنًى مُتَضَمِّنًا عِدَّةَ أشْياءَ صَحَّ الِاقْتِصارُ في تَعْلِيقِ فِعْلِ (ضَرَبَ) بِهِ عَلى وجْهِ إجْمالٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ﴾ إلى آخِرِهِ، فانْتَصَبَ ”كَلِمَةً“ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ”مَثَلًا“ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ؛ لِأنَّ المَثَلَ يَتَعَلَّقُ بِها لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ .
والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ قِيلَ: هي كَلِمَةُ الإسْلامِ، وهي: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: كَلِمَةُ الشِّرْكِ.
والطَّيِّبَةُ: النّافِعَةُ، اسْتُعِيرَ الطَّيِّبُ لِلنَّفْعِ لِحُسْنِ وقْعِهِ في النُّفُوسِ كَوَقْعِ الرَّوائِحِ الذَّكِيَّةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ.
والفَرْعُ: ما امْتَدَّ مِنَ الشَّيْءِ وعَلا، مُشْتَقٌّ مِنَ الِافْتِراعِ وهو الِاعْتِلاءُ، وفَرْعُ الشَّجَرَةِ: غُصْنُها، وأصْلُ الشَّجَرَةِ: جِذْرُها.
والسَّماءُ: مُسْتَعْمَلٌ في الِارْتِفاعِ، وذَلِكَ مِمّا يُزِيدُ الشَّجَرَةَ بَهْجَةً وحُسْنَ مَنظَرٍ.
والأُكْلُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ: المَأْكُولُ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الشَّجَرَةِ عَلى مَعْنى اللّامِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
فالمُشَبَّهُ هو الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِنَ البَهْجَةِ في الحِسِّ والفَرَحِ في النَّفْسِ وازْدِيادِ أُصُولِ النَّفْعِ بِاكْتِسابِ المَنافِعِ المُتَتالِيَةِ بِهَيْئَةِ رُسُوخِ الأصْلِ، وجَمالِ المَنظَرِ، ونَماءِ أغْصانِ الأشْجارِ، ووَفْرَةِ الثِّمارِ، ومُتْعَةِ أكْلِها. وكُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ إحْدى الهَيْئَتَيْنِ يُقابِلُهُ الجُزْءُ الآخَرُ مِنَ الهَيْئَةِ الأُخْرى، وذَلِكَ أكْمَلُ أحْوالِ التَّمْثِيلِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِجَمْعِ التَّشْبِيهِ وتَفْرِيقِهِ.
وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَمْثِيلِ حالِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ بِالشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ عَلى الضِّدِّ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الماضِيَةِ مِنَ اضْطِرابِ الِاعْتِقادِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، وكَدَرِ
صفحة ٢٢٥
التَّفْكِيرِ، والضُّرِّ المُتَعاقِبِ، وقَدِ اخْتُصِرَ فِيها التَّمْثِيلُ اخْتِصارًا اكْتِفاءً بِالمُضادِّ، فانْتَفَتْ عَنْها سائِرُ المَنافِعِ لِلْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ «مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ تُؤْتِي أُكْلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها قالَ: هي النَّخْلَةُ. ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ قالَ: هي الحَنْظَلُ» .
وجُمْلَةُ ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ صِفَةٌ لِـ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ؛ لِأنَّ النّاسَ لا يَتْرُكُونَها تَلْتَفِتُ عَلى الأشْجارِ فَتَقْتُلَها.
والِاجْتِثاثُ: قَطْعُ الشَّيْءِ كُلِّهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الجُثَّةِ وهي الذّاتُ، و﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ تَصْوِيرٌ لِـ (اجْتُثَّتْ)، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في صِفَةِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ ﴿أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الِاجْتِثاثِ؛ لِأنَّ الِاجْتِثاثَ مِنَ انْعِدامِ القَرارِ.
والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ القُرْآنُ وإرْشادُهُ، وبِالكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ تَعالِيمُ أهْلِ الشِّرْكِ وعَقائِدِهِمْ، فَـ (الكَلِمَةُ) في المَوْضِعَيْنِ مُطْلَقَةٌ عَلى القَوْلِ والكَلامِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، والمَقْصُودُ مَعَ التَّمْثِيلِ إظْهارُ المُقابَلَةِ بَيْنَ الحالَيْنِ، إلّا أنَّ الغَرَضَ في هَذا المَقامِ بِتَمْثِيلِ كُلِّ حالَةٍ عَلى حِدَةٍ بِخِلافٍ ما يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٧٥]، فانْظُرْ بَيانَهُ هُنالِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، والواوُ واوُ الِاعْتِراضِ، ومَعْنى (لَعَلَّ) رَجاءُ تَذْكِيرِهِمْ، أيْ: تَهْيِئَةُ التَّذَكُّرِ لَهم، وقَدْ مَضَتْ نَظائِرُها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences