Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:6–10
14:6Page 256
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٦
And [recall, O Children of Israel], when Moses said to his people, "Remember the favor of Allāh upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ [إبراهيم: ٥] بِاعْتِبارِ غَرَضِ الجُمْلَتَيْنِ، وهو التَّنْظِيرُ بِسُنَنِ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ السّابِقُونَ مِن إرْشادِ الأُمَمِ وتَذْكِيرِها، كَما أُنْزِلَ القُرْآنُ لِذَلِكَ.
وإذْ ظَرْفٌ لِلْماضِي مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ الَّذِي هو ذِكْرُ شَواهِدِ التّارِيخِ بِأحْوالِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ أُمَمِهِمْ. والمَعْنى: واذْكُرْ قَوْلَ مُوسى لِقَوْمِهِ الخَ.
وهَذا مِمّا قالَهُ مُوسى لِقَوْمِهِ بَعْدَ أنْ أنْجاهُمُ اللَّهُ مِنَ اسْتِبْعادِ القِبْطِ وإهانَتِهِمْ، فَهو تَفاصِيلُ ما فُسِّرَ بِهِ إرْسالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو مِنَ التَّذْكِيرِ بِأيّامِ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُذَكِّرَهُ قَوْمَهُ.
وإذْ نَجّاكم ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ بِمَعْنى الإنْعامِ، أيِ: الإنْعامُ الحاصِلُ في وقْتِ إنْجائِهِ إيّاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذا في سُورَةِ الأعْرافِ (يَقْتُلُونَ)، سِوى أنَّ هَذِهِ الآيَةِ عُطِفَتْ فِيها جُمْلَةُ ويُذَبِّحُونَ عَلى جُمْلَةِ (يَسُومُونَكم) وفي آيَةِ البَقَرَةِ والأعْرافِ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (يُذَبِّحُونَ) وجُمْلَةُ (يَقْتُلُونَ) بِدُونِ عَطْفٍ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿يَسُومُونَكم
صفحة ١٩٢
سُوءَ العَذابِ﴾، فَكانَ مَضْمُونُ جُمْلَةِ (ويُذَبِّحُونَ) هُنا مَقْصُودًا بِالعَدِّ كَأنَّهُ صِنْفٌ آخَرُ غَيْرُ سُوءِ العَذابِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، فَعَطْفُهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وعَلى كِلا النَّظْمَيْنِ قَدْ حَصَلَ الِاهْتِمامُ بِهَذا العَذابِ المَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ، فالقُرْآنُ حَكى مُرادَ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذِكْرِ العَذابِ الأعَمِّ وذِكْرِ الأخَصِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهو حاصِلٌ عَلى كِلا النَّظْمَيْنِ، وإنَّما حَكاهُ القُرْآنُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِطَرِيقَةٍ تَفَنُّنًا في إعادَةِ القِصَّةِ بِحُصُولِ اخْتِلافٍ في صُورَةِ النَّظْمِ مَعَ الحِفاظِ عَلى المَعْنى المَحْكِيِّ، وهو ذِكْرُ سُوءِ العَذابِ مُجْمَلًا، وذِكْرُ أفْظَعِ أنْواعِهِ مُبَيَّنًا.
وأمّا عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ في الآياتِ الثَّلاثِ فَلِأنَّ مَضْمُونَها بِاسْتِقْلالِهِ لا يَصْلُحُ لِبَيانِ سُوءِ العَذابِ، لِأنَّ اسْتِحْياءَ النِّساءِ في ذاتِهِ نِعْمَةٌ، ولَكِنَّهُ يَصِيرُ مِنَ العَذابِ عِنْدَ اقْتِرانِهِ بِتَذْبِيحِ الأبْناءِ، إذْ يُعْلَمُ أنَّ مَقْصُودَهم مِنَ اسْتِحْياءِ النِّساءِ اسْتِرْقاقِهِنْ وإهانَتِهِنَّ فَصارَ الِاسْتِحْياءُ بِذَلِكَ القَصْدِ تَهْيِئَةً لِتَعْذِيبِهِنَّ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ جَمِيعُ ذَلِكَ بَلاءً.
وأصْلُ البَلاءِ: الِاخْتِبارُ، والبَلاءُ هُنا المُصِيبَةُ بِالشَّرِّ، سُمِّيَ بِاسْمِ الِاخْتِبارِ لِأنَّهُ اخْتِبارٌ لِمِقْدارِ الصَّبْرِ، فالبَلاءُ مُسْتَعْمَلٌ في شِدَّةِ المَكْرُوهِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، وقَدْ شاعَ إطْلاقُ هَذا بِصِيغَةِ اسْمِ المَصْدَرِ بِحَيْثُ يَكادُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَكْرُوهِ، وما ورَدَ مِنهُ مُسْتَعْمَلًا في الخَيْرِ فَإنَّما ورَدَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقَوْلِهِ ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وتَقَدَّمَ في نَظِيرِها مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُعِلَ هَذا الضُّرُّ الَّذِي لَحِقَهم وارِدًا مِن جانِبِ اللَّهِ لِأنَّ تَخَلِّيَهُ آلَ فِرْعَوْنَ لِفِعْلِ ذَلِكَ وعَدَمِ إلْطافِهِ بِبَنِي إسْرائِيلَ يَجْعَلُهُ كالوارِدِ مِنَ اللَّهِ، وهو جَزاءٌ عَلى نَبْذِ بَنِي إسْرائِيلَ دِينَهُمُ الحَقَّ الَّذِي أوْصى بِهِ إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واتِّباعِهِمْ دِينَ القِبْطِ وعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، واخْتِيارُ وصْفِ الرَّبِّ هُنا لِلْإيماءِ إلى أنَّهُ أرادَ بِهِ صَلاحَ مُسْتَقْبَلِهِمْ وتَنْبِيهَهم لِاجْتِنابِ عِبادَةِ الأوْثانِ وتَحْرِيفِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] .
صفحة ١٩٣
وهَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ ما في فِقْرَةِ ١٧ مِنَ الإصْحاحِ ٢١، وفِقْرَةِ ٣ مِنَ الإصْحاحِ ١٣ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ، وما في فِقْرَةِ ١٣ مِنَ الإصْحاحِ ٢٦ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ.
14:7Page 256
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧
And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.'"
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [إبراهيم: ٦] فَهو مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمُ الخَ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ بِالزِّيادَةِ مِنها نِعْمَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ فَلا يَسْتَحِقُّ جَزاءً لَوْلا سِعَةُ فَضْلِ اللَّهِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَجاءَتْ بِهِ المُقابَلَةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ وإذْ تَأذَّنَ عَلى ﴿نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦]، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: واذْكُرُوا إذْ تَأذَّنَ رَبُّكم، عَلى أنَّ (إذْ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ولَيْسَتْ ظَرْفًا وذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالاتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وقَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] .
ومَعْنى ﴿تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ تَكَلَّمَ كَلامًا عَلَنًا، أيْ: كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما تَضَمَّنَهُ هَذا الَّذِي في الآيَةِ بِمَسْمَعٍ مِن جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولَعَلَّ هَذا الكَلامَ هو الَّذِي في الفِقْراتِ ٩، ٢٠ مِنَ الإصْحاحِ ٩١ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ، والفِقْراتِ ١، ١٨، ٢٢ مِنَ الإصْحاحِ ٢٠ مِنهُ، والفِقْراتِ مِن ٢٠ إلى ٣٠ مِنَ الإصْحاحِ ٢٣ مِنهُ.
والتَّأذُّنُ مُبالَغَةٌ في الأذانِ يُقالُ: أذَّنَ وتَأذَّنَ كَما يُقالُ: تَوَعَّدَ وأوْعَدَ، وتَفَضَّلَ وأفْضَلَ، فَفي صِيغَةِ تَفَعَّلَ زِيادَةُ مَعْنى عَلى صِيغَةِ أفْعَلَ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ والقَسَمُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّأْكِيدِ، والشُّكْرُ مُؤْذِنٌ بِالنِّعْمَةِ، فالمُرادُ: شُكْرُ نِعْمَةِ الإنْجاءِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وغَيْرِها، ولِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ شَكَرْتُمْ ومَفْعُولُ لَأزِيدَنَّكم لِيُقَدَّرَ عامًّا في الفِعْلَيْنِ.
صفحة ١٩٤
والكُفْرُ مُرادٌ بِهِ كُفْرُ النِّعْمَةِ وهو مُقابَلَةُ المُنْعِمِ بِالعِصْيانِ، وأعْظَمُ الكُفْرِ جَحْدُ الخالِقِ أوْ عِبادَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ وهو الإشْراكُ، كَما أنَّ الشُّكْرَ مُقابَلَةُ النِّعْمَةِ بِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ.
واسْتَغْنى بِـ ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ عَنْ (لَأُعَذِّبَنَّكم عَذابًا شَدِيدًا) لِكَوْنِهِ أعَمَّ وأوْجَزَ، ولِكَوْنِ إفادَةِ الوَعِيدِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّعْرِيضِ أوْقَعَ في النَّفْسِ، والمَعْنى: إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ لِمَن كَفَرَ فَأنْتُمْ إذَنْ مِنهم.
14:8Page 256
وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨
And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy."
﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حُمَيْدٌ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ في عَطْفِ بَعْضِ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى بَعْضٍ لِئَلّا يُتَوَّهَّمَ أنَّ هَذا مِمّا تَأذَّنَ بِهِ الرَّبُّ وإنَّما هو تَنْبِيهٌ عَلى كَلامِ اللَّهِ، وفي إعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ اهْتِمامٌ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَنْوِيهٌ بِها حَتّى تَبْرُزَ مُسْتَقِلَّةً وحَتّى يُصْغِيَ إلَيْها السّامِعُونَ لِلْقُرْآنِ.
ووَجْهُ الِاهْتِمامِ بِها أنَّ أكْثَرَ الكُفّارِ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ إلى اللَّهِ بِإيمانِهِمْ، وأنَّ أنْبِياءَهم حِينَ يُلِحُّونَ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ إنَّما يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ تَعْزِيزَ جانِبِهِمْ والحِرْصَ عَلى مَصْلَحَتِهِمْ. فَلَمّا وعَدَهم عَلى الشُّكْرِ بِالزِّيادَةِ وأوْعَدَهم عَلى الكُفْرِ بِالعُقُوبَةِ خَشِيَ أنْ يَحْسَبُوا ذَلِكَ لِانْتِقامِ المُثِيبِ بِما أثابَ عَلَيْهِ، ولِتَضَرُّرِهِ مِمّا عاقَبَ عَلَيْهِ، فَنَبَّهَهم إلى هَذا الخاطِرِ الشَّيْطانِيِّ حَتّى لا يَسْرِيَ إلى نُفُوسِهِمْ فَيُكْسِبَهم إدْلالًا بِالإيمانِ والشُّكْرِ والإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ.
و”أنْتُمْ“ فُصِلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إذْ كانَ هَذا المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا.
صفحة ١٩٥
و”جَمِيعًا“ تَأْكِيدٌ لِمَن في الأرْضِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، ونَصْبُهُ غَيْرُ بَعِيدٍ، .
والغَنِيُّ: الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ في شَيْءٍ، فَدَخَلَ في عُمُومِ غِناهُ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِهِ.
والحَمِيدُ: المَحْمُودُ، والمَعْنى: أنَّهُ مَحْمُودٌ مِن غَيْرِكم مُسْتَغْنٍ عَنْ حَمْدِكم؛ عَلى أنَّهم لَوْ كَفَرُوا بِهِ لَكانُوا حامِدِينَ بِلِسانِ حالِهِمْ كَرْهًا، فَإنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ تَنالُهم فَيَحْمَدُونَها فَإنَّما يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعالى، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، وهَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ ما في الفِقْراتِ ٣٠ إلى ٣٣ مِنَ الإصْحاحِ ٣٢ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.
14:9Page 256
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٩
Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and ʿAad and Thamūd and those after them? No one knows them [i.e., their number] but Allāh. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths1 and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."
﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحِ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
هَذا الكَلامُ: اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ رَجَعَ بِهِ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ ألَمْ يَأْتِكم؛ لِأنَّ المُوَجَّهَ إلَيْهِ الخِطابُ هُنا هُمُ الكافِرُونَ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢]، وهم مُعْظَمُ المَعْنِيِّ مِنَ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]، فَإنَّهم بَعْدَ أنْ أُجْمِلَ لَهُمُ الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] الآيَةَ، ثُمَّ فُصِّلَ بِأنْ ضُرِبَ المَثَلُ لِلْإرْسالِ إلَيْهِمْ لِغَرَضِ الإخْراجِ مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإخْراجِ قَوْمِهِ، وقُضِيَ حَقُّ ذَلِكَ عَقِبِهِ بِكَلامٍ جامِعٍ لِأحْوالِ الأُمَمِ ورُسُلِهِمْ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ الحَوْصَلَةِ
صفحة ١٩٦
والتَّذْيِيلُ مَعَ تَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وتَشابُهِ عَقْلِيّاتِهِمْ في حُجَجِهِمُ الباطِلَةِ ورَدِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ ما رَدَّ بِهِ القُرْآنُ عَلى المُشْرِكِينَ في مَواضِعَ، ثُمَّ خُتِمَ بِالوَعِيدِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ لِأنَّهم قَدْ بَلَغَتْهم أخْبارُهم؛ فَأمّا قَوْمُ نُوحٍ فَقَدْ تَواتَرَ خَبَرُهم بَيْنَ الأُمَمِ بِسَبَبِ خَبَرِ الطُّوفانِ، وأمّا عادٌ وثَمُودُ فَهم مِنَ العَرَبِ ومَساكِنُهم في بِلادِهِمْ وهم يَمُرُّونَ عَلَيْها ويُخْبِرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِها، قالَ تَعالى ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وقالَ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧] .
﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ يَشْمَلُ أهْلَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقَوْمَ تُبَّعٍ وغَيْرَهم مِن أُمَمٍ انْقَرَضُوا وذَهَبَتْ أخْبارُهم فَلا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ الواقِعَةُ حالًا مِنَ ﴿الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وهو كِنايَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُها انْتِفاءُ عِلْمِ النّاسِ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ جاءَ كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولُها.
وضَمائِرُ (رَدُّوا) و(أيْدِيَهم) و(أفْواهِهِمْ) عائِدٌ جَمِيعُها إلى قَوْمِ نُوحٍ والمَعْطُوفاتِ عَلَيْهِ.
وهَذا التَّرْكِيبُ لا أعْهَدُ سَبْقَ مِثْلِهِ في كَلامِ العَرَبِ فَلَعَلَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ.
ومَعْنى ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ عِدَّةَ وُجُوهٍ أنْهاها في الكَشّافِ إلى سَبْعَةٍ وفي بَعْضِها بُعْدٌ، وأوْلاها بِالِاسْتِخْلاصِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ إخْفاءً لِشِدَّةِ الضَّحِكِ مِن كَلامِ الرُّسُلِ كَراهِيَةَ أنْ تَظْهَرَ دَواخِلُ أفْواهِهِمْ، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحالَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِالرُّسُلِ.
صفحة ١٩٧
والرَّدُّ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى تَكْرِيرِ جَعْلِ الأيْدِي في الأفْواهِ كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، أيْ: وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى الأفْواهِ ثُمَّ أزالُوها ثُمَّ أعادُوا وضْعَها فَتِلْكَ الإعادَةُ رَدٌّ.
وحَرْفُ ”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُرادِ بِها التَّمْكِينُ، فَهي بِمَعْنى (عَلى) كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣] . فَمَعْنى رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ جَعَلُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ. وعَطْفُهُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ مُشِيرٌ إلى أنَّهم بادَرُوا بِرَدِّ أيْدِيهِمْ في أفْواهِهِمْ بِفَوْرِ تَلَقِّيهِمْ دَعْوَةَ رُسُلِهِمْ، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رَدُّ الأيْدِي في الأفْواهِ تَمْثِيلًا لِحالِ المُتَعَجِّبِ المُسْتَهْزِئِ، فالكَلامُ تَمْثِيلٌ لِلْحالَةِ المُعْتادَةِ ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَتُهُ، لِأنَّ وُقُوعَهُ خَبَرًا عَنِ الأُمَمِ مَعَ اخْتِلافِ عَوائِدِهِمْ وإشاراتِهِمْ واخْتِلافِ الأفْرادِ في حَرَكاتِهِمْ عِنْدَ التَّعَجُّبِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ ما أُرِيدَ بِهِ إلّا بَيانٌ عَرَبِيٌّ.
ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤]، فَمِيراثُ الأرْضِ كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ العاقِبَةِ جَرْيًا عَلى بَيانِ العَرَبِ عِنْدَ تَنافُسِ قَبائِلِهِمْ أنَّ حُسْنَ العاقِبَةِ يَكُونُ لِمَن أخَذَ أرْضَ عَدُوِّهِ.
وأكَّدُوا كُفْرَهم بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ (إنَّ) وفِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ ”إنّا كَفَرْنا“، وسَمَّوْا ما كَفَرُوا بِهِ (مُرْسَلًا) بِهِ تَهَكُّمًا بِالرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، فَمَعْنى ذَلِكَ: أنَّهم كَفَرُوا بِأنَّ ما جاءُوا بِهِ مُرْسَلٌ بِهِ مِنَ اللَّهِ، أيْ: كَفَرُوا بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَهم. فَهَذا مِمّا أيْقَنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ فِيهِ.
وأمّا قَوْلُهم ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ فَذَلِكَ شَكٌّ في صِحَّةِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ وسَدادِهِ، فَهو عِنْدَهم مُعَرَّضٌ لِلنَّظَرِ وتَمْيِيزِ صَحِيحِهِ مِن سَقِيمِهِ، فَمَوْرِدُ الشَّكِّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ومَوْرِدُ التَّكْذِيبِ نِسْبَةُ دَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ، فَمُرادُهم: أنَّهم وإنْ كانُوا كاذِبِينَ في دَعْوى الرِّسالَةِ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ ما هو صِدْقٌ وحَقٌّ فَإنَّ الكاذِبَ قَدْ يَقُولُ حَقًّا.
صفحة ١٩٨
وجَعَلُوا الشَّكَّ قَوِيًّا فَلِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهُ بِأنَّهم مَظْرُوفُونَ فِيهِ، أيْ: هو مُحِيطٌ بِهِمْ ومُتَمَكِّنٌ كَمالَ التَّمَكُّنِ.
و”مُرِيبٍ“ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى (في شَكٍّ)، والمُرِيبُ: المُوقِعُ في الرَّيْبِ، وهو مُرادِفُ الشَّكِّ، فَوَصْفُ الشَّكِّ بِالمُرِيبِ مِن تَأْكِيدِ ماهِيَّتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وشِعْرٌ شاعِرٌ.
وحُذِفَتْ إحْدى النُّونَيْنِ مِن قَوْلِهِ ”إنّا“ تَخْفِيفًا تَجَنُّبًا لِلثِّقَلِ النّاشِئِ مِن وُقُوعِ نُونَيْنِ آخَرِينِ بَعْدُ في قَوْلِهِ ”تَدْعُونَنا“ اللّازِمُ ذِكْرُهُما، بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ هُودٍ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا﴾ [هود: ٦٢] إذْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبٌ لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ فِيها بِقَوْلِهِ تَدْعُونا واحِدٌ.
14:10Page 256
۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠
Their messengers said, "Can there be doubt about Allāh, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays you [i.e., your death] for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority [i.e., evidence]."
﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، ومَوْرِدُ الإنْكارِ هو وُقُوعُ الشَّكِّ في وُجُودِ اللَّهِ، فَقُدِّمَ مُتَعَلِّقُ الشَّكِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولَوْ قالَ: أشُكُّ في اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذا الوَقْعُ، مِثْلَ قَوْلِ القَطامِيِّ:
أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَّتاعا
فَكانَ أبْلَغُ لَهُ لَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ: أبْعَدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي كُفْرٌ.
وعُلِّقَ اسْمُ الجَلالَةِ بِالشَّكِّ، والِاسْمُ العَلَمُ يَدُلُّ عَلى الذّاتِ، والمُرادُ: إنْكارُ وُقُوعِ الشَّكِّ في أهَمِّ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ وهي صِفَةُ التَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ، أيْ: صِفَةُ الوَحْدانِيَّةِ.
وأُتْبِعَ اسْمُ الجَلالَةِ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى وُجُودِهِ وهو وُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ الدّالُّ عَلى أنَّ لَهُما خالِقًا حَكِيمًا لِاسْتِحالَةِ صُدُورِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ
صفحة ١٩٩
العَجِيبَةِ المُنَظَّمَةِ عَنْ غَيْرِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وذَلِكَ تَأْيِيدٌ لِإنْكارِ وُقُوعِ الشَّكِّ في انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ يَقْتَضِي انْفِرادَهُ بِاسْتِحْقاقِهِ عِبادَةَ مَخْلُوقاتِهِ.
وجُمْلَةُ يَدْعُوكم حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ: يَدْعُوكم أنْ تَنْبِذُوا الكُفْرَ لِيَغْفِرَ لَكم ما أسْلَفْتُمْ مِنَ الشِّرْكِ ويَدْفَعَ عَنْكم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ فَيُؤَخِّرَكم في الحَياةِ إلى أجَلٍ مُعْتادٍ.
والدُّعاءُ: حَقِيقَتُهُ النِّداءُ. فَأُطْلِقَ عَلى الأمْرِ والإرْشادِ مَجازًا؛لِأنَّ الآمِرَ يُنادِي المَأْمُورَ.
ويُعَدّى فِعْلُ الدُّعاءِ إلى الشَّيْءِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ غالِبًا وهو (إلى)، نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١]، قَدْ يُعَدّى بِلامِ التَّعْلِيلِ داخِلَةً عَلى ما جُعِلَ سَبَبًا لِلدَّعْوَةِ فَإنَّ العِلَّةَ تَدُلُّ عَلى المَعْلُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَتُهم إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ لِتَغْفِرَ، أيْ: دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ لِتَغْفِرَ لَهم، وهو في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ، أيْ: يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم.
وقَدْ يُعَدّى فِعْلُ الدَّعْوَةِ إلى المَدْعُوِّ إلَيْهِ بِاللّامِ تَنْزِيلًا لِلشَّيْءِ الَّذِي يُدْعى إلى الوُصُولِ إلَيْهِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ الَّذِي لِأجْلِهِ يُدْعى، كَقَوْلِ أعْرابِيٍّ مِن بَنِي أسَدٍ:
دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ∗∗∗ فَلَبّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ
* * *
صفحة ٢٠٠
﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾أرادُوا إفْحامَ الرُّسُلِ بِقَطْعِ المُجادَلَةِ النَّظَرِيَّةِ، فَنَفَوُا اخْتِصاصَ الرُّسُلِ بِشَيْءٍ زائِدٍ في صُورَتِهِمُ البَشَرِيَّةِ يُعْلَمُ بِهِ أنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم دُونَ غَيْرِهِمْ بِأنْ جَعَلَهم رُسُلًا عَنْهُ، وهَؤُلاءِ الأقْوامُ يَحْسَبُونَ أنَّ هَذا أقْطَعُ لِحُجَّةِ الرُّسُلِ؛ لِأنَّ المُماثَلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمِهِمْ مَحْسُوسَةٌ لا تَحْتاجُ إلى تَطْوِيلٍ في الِاحْتِجاجِ، فَلِذَلِكَ طالَبُوا رُسُلَهم أنْ يَأْتُوا بِحُجَّةٍ مَحْسُوسَةٍ تُثْبِتُ أنَّ اللَّهَ اخْتارَهم لِلرِّسالَةِ عَنْهُ، وحُسْبانُهم بِذَلِكَ التَّعْجِيزُ.
فَجُمْلَةُ ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي قَيْدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الحَصْرُ في جُمْلَةِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ مِن جَحْدِ كَوْنِهِمْ رُسُلًا مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ الَّذِي جاءُوهم بِهِ مُخالِفًا لِدِينِهِمُ القَدِيمِ، فَبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ كانَ مَوْقِعُ التَّفْرِيعِ لِجُمْلَةِ ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ لِأنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِمْ بَشَرًا لا يَقْتَضِي مُطالَبَتَهم بِالإتْيانِ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وإنَّما اقْتَضاهُ أنَّهم جاءُوهم بِإبْطالِ دِينِ قَوْمِهِمْ، وهو مَضْمُونُ ما أُرْسِلُوا بِهِ.
وقَدْ عَبَّرُوا عَنْ دِينِهِمْ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِدِينِهِمْ بِأنَّهُ مُتَقَلَّدُ آبائِهِمُ الَّذِينَ يَحْسَبُونَهم مَعْصُومِينَ مِنَ اتِّباعِ الباطِلِ، ولِلْأُمَمِ تَقْدِيسٌ لِأسْلافِها فَلِذَلِكَ عَدَلُوا عَنْ أنْ يَقُولُوا: تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَنْ دِينِنا.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [الأعراف: ٧١] في سُورَةِ الأعْرافِ.
المُبِينُ: الواضِحُ الَّذِي لا احْتِمالَ فِيهِ لِغَيْرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences