Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:106–111
16:106Page 279
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦
Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;
صفحة ٢٩٢
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . لَمّا سَبَقَ التَّحْذِيرُ مِن نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عاهَدُوهُ، وأنْ لا يَغُرَّهم ما لِأُمَّةِ المُشْرِكِينَ مِنَ السَّعَةِ والرُّبُوِّ، والتَّحْذِيرُ مِن زَلَلِ القَدَمِ بَعْدَ ثُبُوتِها، وبُشِّرُوا بِالوَعْدِ بِحَياةٍ طَيِّبَةٍ، وجَزاءُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى التَّمَسُّكِ بِالقُرْآنِ والِاهْتِداءِ بِهِ، وأنْ لا تَغُرَّهم شُبَهُ المُشْرِكِينَ، وفُتُونُهم في تَكْذِيبِ القُرْآنِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُحاوِلُونَ فِتْنَةَ الرّاغِبِينَ في الإسْلامِ، والَّذِينَ أسْلَمُوا، فَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢]، وكانُوا يَقُولُونَ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وكانَ الغُلامُ الَّذِي عَنَوْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] قَدْ أسْلَمَ ثُمَّ فَتَنَهُ المُشْرِكُونَ فَكَفَرَ، وهو (جَبْرٌ) مَوْلى عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وكانُوا راوَدُوا نَفَرًا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى الِارْتِدادِ، مِنهم: بِلالٌ، وخِبابُ بْنُ الأرَتِّ، وياسِرٌ، وسُمَيَّةُ أبَوا عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعَمّارُ ابْنُهُما، فَثَبَتُوا عَلى الإسْلامِ، وفَتَنُوا عَمّارًا فَأظْهَرَ لَهُمُ الكُفْرَ، وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، وفَتَنُوا نَفَرًا آخَرِينَ فَكَفَرُوا، وذَكَرَ مِنهُمُ الحارِثَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، وأبُو قَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وأحْسَبُ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، فَكانَ مِن هَذِهِ المُناسَبَةِ رَدٌّ لِعَجُزِ الكَلامِ عَلى صَدْرِهِ.
صفحة ٢٩٣
عَلى أنَّ مَضْمُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ مُقابِلٌ لِمَضْمُونِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]، فَحَصَلَ التَّرْهِيبُ بَعْدَ التَّرْغِيبِ، كَما ابْتُدِئَ بِالتَّحْذِيرِ؛ تَحَفُّظًا عَلى الصّالِحِ مِنَ الفَسادِ، ثُمَّ أُعِيدَ الكَلامُ بِإصْلاحِ الَّذِينَ اعْتَراهُمُ الفَسادُ، وفُتِحَ بابُ الرُّخْصَةِ لِلْمُحافِظِينَ عَلى صَلاحِهِمْ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ - إنْ كانَتْ تُشِيرُ إلى نَفَرٍ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ - كانَتْ (مَن) مَوْصُولَةً، وهي مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وقَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ في المُبْتَدَأِ شَبَهًا بِأداةِ الشَّرْطِ، وقَدْ يُعامَلُ المَوْصُولُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، ووَقَعَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠]، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] في سُورَةِ بَراءَةَ، وقِيلَ: إنَّ فَرِيقًا كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ، كَما رُوِيَ في شَأْنِ جَبْرٍ غُلامِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ، وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] الآيَةَ.
وإنْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فالآيَةُ مُجَرَّدُ تَحْذِيرٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ العَوْدِ إلى الكُفْرِ، ولِذَلِكَ تَكُونُ (مَن) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ غَيْرُ مُرادٍ بِهِ مُعَيَّنٌ بَلْ هو تَحْذِيرٌ، أيْ مِن يَكْفُرُوا بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الماضِيَ في الشَّرْطِ يَنْقَلِبُ إلى مَعْنى المُضارِعِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ جَوابًا.
والتَّحْذِيرُ حاصِلٌ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ فَهو تَرْخِيصٌ، ومَعْذِرَةٌ لِما صَدَرَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأمْثالِهِ إذا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ عَذابُ مَن فَتَنُوهم.
وقَوْلُهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ مَن كَفَرَ؛ لِئَلّا يَقَعَ حُكْمُ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، أيْ إلّا مَن أكْرَهَهُ المُشْرِكُونَ عَلى الكُفْرِ، أيْ عَلى إظْهارِهِ
صفحة ٢٩٤
فَأظْهَرُهُ بِالقَوْلِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرِ اعْتِقادُهُ، وهَذا فَرِيقٌ رَخَّصَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي.
ومُصَحِّحُ الِاسْتِثْناءِ هو الَّذِي قالَ قَوْلَ الكُفّارِ قَدْ كَفَرَ بِلَفْظِهِ.
والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ اسْتَدْرَكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وهو احْتِراسٌ مِن أنْ يَفْهَمَ أنَّ المُكْرَهَ مُرَخَّصٌ لَهُ أنْ يَنْسَلِخَ عَنِ الإيمانِ مِن قَلْبِهِ.
و(مَن) شَرْحٌ مَعْطُوفٍ بِـ (لَكِنْ) عَلى ﴿مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾؛ لِأنَّهُ في مَعْنى المَنفِيِّ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُثْبَتِ، فَحَرْفُ (لَكِنْ) عاطِفٌ، ولا عِبْرَةَ بِوُجُودِ الواوِ عَلى التَّحْقِيقِ.
واخْتِيرَ (فَعَلَيْهِمْ) غَضَبٌ دُونَ نَحْوِ: فَقَدْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الدَّوامِ والثَّباتِ، أيْ غَضَبٌ لا مَغْفِرَةَ مَعَهُ.
وتَقْدِيمُ الخَبَرِ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِهِمْ، فَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِمْ، ولِتَصْحِيحِ الإتْيانِ بِالمُبْتَدَأِ نَكِرَةٌ حِينَ قَصَدَ بِالتَّنْكِيرِ التَّعْظِيمَ، أيْ غَضَبٌ عَظِيمٌ، فاكْتَفى بِالتَّنْكِيرِ عَنِ الصِّفَةِ.
وأمّا تَقْدِيمُ (لَهم) عَلى ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَلِلِاهْتِمامِ.
والإكْراهُ: الإلْجاءُ إلى فِعْلِ ما يُكْرَهُ فِعْلُهُ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِفِعْلِ شَيْءٍ تَضِيقُ عَنْ تَحَمُّلِهِ طاقَةُ الإنْسانِ مِن إيلامٍ بالِغٍ، أوْ سَجْنٍ، أوْ قَيْدٍ، أوْ نَحْوِهِ.
وقَدْ رَخَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلْمُكْرَهِ عَلى إظْهارِ الكُفْرِ أنْ يُظْهِرَهُ بِشَيْءٍ مِن مَظاهِرِهِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْها أنَّها كُفْرٌ في عُرْفِ النّاسِ مِن قَوْلٍ، أوْ فِعْلٍ.
وقَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى الأخْذِ بِذَلِكَ في أقْوالِ الكُفْرِ، فَقالُوا: فَمَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلَيْهِ أحْكامُ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الإكْراهَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ كُفْرَهُ تَقِيَّةٌ، ومُصانَعَةٌ بَعْدَ أنْ كانَ مُسْلِمًا، وقَدْ رَخَّصَ اللَّهُ ذَلِكَ رِفْقًا بِعِبادِهِ، واعْتِبارًا لِلْأشْياءِ بِغاياتِها ومَقاصِدِها.
صفحة ٢٩٥
وفِي الحَدِيثِ: أنَّ ذَلِكَ وقَعَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَصَوَّبَهُ، وقالَ لَهُ: «وإنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ» وأجْمَعَ عَلى ذَلِكَ العُلَماءُ، وشَذَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ فَأجْرى عَلى هَذا التَّظاهُرُ بِالكُفْرِ حُكْمَ الكُفّارِ في الظّاهِرِ كالمُرْتَدِّ فَيُسْتَتابُ عَنِ المُكْنَةِ مِنهُ.
وسَوّى جُمْهُورُ العُلَماءِ بَيْنَ أقْوالِ الكُفْرِ، وأفْعالِهِ كالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ الإكْراهَ عَلى أفْعالِ الكُفْرِ لا يُبِيحُها، ونُسِبَ إلى الأوْزاعِيِّ، وسَحْنُونَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وهي تَفْرِقَةٌ غَيْرُ واضِحَةٍ، وقَدْ ناطَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بِاطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالإيمانِ وغَفَرَ ما سِوى القَلْبِ.
وإذا كانَ الإكْراهُ مُوجِبَ الرُّخْصَةِ في إظْهارِ الكُفْرِ فَهو في غَيْرِ الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي أوْلى كَشُرْبِ الخَمْرِ والزِّنا، وفي رَفْعِ أسْبابِ المُؤاخَذَةِ في غَيْرِ الِاعْتِداءِ عَلى الغَيْرِ كالإكْراهِ عَلى الطَّلاقِ أوِ البَيْعِ.
وأمّا في الِاعْتِداءِ عَلى النّاسِ مَن تَرَتُّبِ الغُرْمِ فَبَيْنَ مَراتِبِ الإكْراهِ، ومَراتِبِ الِاعْتِداءِ المَكْرُوهِ عَلَيْهِ تَفاوُتٌ، وأعْلاها الإكْراهُ عَلى قَتْلِ نَفْسٍ، وهَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُبِيحُ الإقْدامَ عَلى القَتْلِ؛ لِأنَّ التَّوَعُّدَ قَدْ لا يَتَحَقَّقُ، وتَفُوتُ نَفْسُ القَتِيلِ.
عَلى أنَّ أنْواعًا مِنَ الِاعْتِداءِ قَدْ يَجْعَلُ الإكْراهَ ذَرِيعَةً إلى ارْتِكابِها بِتَواطُئٍ بَيْنَ المُكْرَهِ والمُكْرِهِ؛ ولِهَذا كانَ لِلْمُكْرِهِ بِالكَسْرِ جانِبٌ مِنَ النَّظَرِ في حَمْلِ التَّبَعَةِ عَلَيْهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِغَيْرِ مُؤاخَذَةِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِ المَحْضِ، وما دُونُ ذَلِكَ فَهو مَجالُ الِاجْتِهادِ، والخِلافُ في طَلاقِ المُكْرَهِ مَعْلُومٌ، والتَّفاصِيلُ والتَّفارِيعُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وبَعْضِ التَّفاسِيرِ.
16:107Page 279
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧
That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.
صفحة ٢٩٦
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وإشارَةُ ذَلِكَ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .
وضَمِيرُ (بِأنَّهم) عائِدٌ إلى مَن كَفَرَ بِاللَّهِ سَواءٌ كانَ ماصَدَقُ (مَن) مُعَيَّنًا أوْ مَفْرُوضًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَمَدْخُولُها سَبَبٌ.
و(اسْتَحَبُّوا) مُبالَغَةٌ في (أحَبُّوا) مِثْلَ اسْتَأْخَرَ واسْتَكانَ، وضَمَّنَ (اسْتَحَبُّوا) مَعْنى (فَضَّلُوا) بِحَرْفِ (عَلى)، أيْ لِأنَّهم قَدَّمُوا نَفْعَ الدُّنْيا عَلى نَفْعِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَقَرَّ في قُلُوبِهِمْ أحَقِّيَّةُ الإسْلامِ، وما رَجَعُوا عَنْهُ إلّا خَوْفَ الفِتْنَةِ، أوْ رَغْبَةً في رَفاهِيَةِ العَيْشِ، فَيَكُونُ كُفْرُهم أشَدَّ مَن كُفْرِ المُسْتَصْحِبِينَ لِلْكُفْرِ مِن قَبْلِ البَعْثَةِ.
﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ سَبَبٌ ثانٍ لِلْغَضَبِ والعَذابِ، أيْ وبِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الهِدايَةَ فَهم مُوافُونَهُ عَلى الكُفْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٤] .
وهُوَ تَذْيِيلٌ لِما في صِيغَةِ القَوْمِ الكافِرِينَ مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهم وغَيْرِهِمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ، ولَكِنَّهُ عُمُومٌ بَعْدَ خُصُوصٍ.
وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن كانَ هَذا شَأْنُهم فَقَدْ عُرِفُوا بِهِ، وتَمَكَّنَ مِنهم، وصارَ سَجِيَّةً حَتّى كَأنَّهم يَجْمَعُهم هَذا الوَصْفُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ جَرَيانَ وصْفٍ أوْ خَبَرٍ عَلى لَفْظِ (قَوْمَ) يُؤْذِنُ بِأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] في سُورَةِ
صفحة ٢٩٧
البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في سُورَةِ يُونُسَ.
16:108–109Page 279
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨
Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩
Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] بِأنَّ حِرْمانَهُمُ الهِدايَةَ بِحِرْمانِهِمُ الِانْتِفاعَ بِوَسائِلِها: مِنَ النَّظَرِ الصّادِقِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ومِنَ الوَعْيِ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، ومِن ثَباتِ القَلْبِ عَلى حِفْظِ ما داخَلَهُ مِنَ الإيمانِ، حَيْثُ انْسَلَخُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ تَلَبَّسُوا بِهِ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَبْيِينًا لِمَعْنى الصِّلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي اتِّصافُهم بِالِارْتِدادِ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ.
وأخْبَرَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ المُبَيَّنِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .
والطَّبْعُ: مُسْتَعارٌ لِمَنعِ وُصُولِ الإيمانِ وأدِلَّتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلْبَيانِ، أيِ الغافِلُونَ الأكْمَلُونَ في الغَفْلَةِ؛ لِأنَّ الغافِلَ البالِغَ الغايَةَ يُنافِي حالَةَ الِاهْتِداءِ.
صفحة ٢٩٨
والقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وهو حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ، لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالغافِلِينَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في الغَفْلَةِ حَتّى عُدَّ كُلُّ غافِلٍ غَيْرِهِمْ كَمَن لَيْسَ بِغافِلٍ، ومِن هُنا جاءَ مَعْنى الكَمالِ في الغَفْلَةِ، لا مِن لامِ التَّعْرِيفِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ ما قَبْلَها صارَ كالدَّلِيلِ عَلى مَضْمُونِها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِكَلِمَةِ نَفْيِ الشَّكِّ.
فَإنَّ (لا جَرَمَ) بِمَعْنى (لا مَحالَةَ) أوْ (لا بُدَّ)، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ٢٣]، وتَقَدَّمُ بَسْطُ تَفْسِيرِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّ خَسارَتَهم هي الخَسارَةُ؛ لِأنَّهم أضاعُوا النَّعِيمَ إضاعَةً أبَدِيَّةً.
ويَجْرِي هَذا المَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في ماصَدَقِ (مَن) مِن قَوْلِهِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] الآيَةَ.
ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] ووَقَعَ هُنا هُمُ الخاسِرُونَ؛ لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ هُودٍ تَقَدَّمَها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١]، فَكانَ المَقْصُودُ بَيانَ خَسارَتِهِمْ في الآخِرَةِ أشَدَّ مِن خَسارَتِهِمْ في الدُّنْيا،
16:110Page 279
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠
Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ هُمُ الخاسِرُونَ.
صفحة ٢٩٩
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِها الجُمَلَ؛ وذَلِكَ أنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أعْظَمُ رُتْبَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ إذْ لا أعْظَمَ مِن رِضى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
والمُرادُ بِـ الَّذِينَ هاجَرُوا المُهاجِرُونَ إلى الحَبَشَةِ الَّذِينَ أذِنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالهِجْرَةِ لِلتَّخَلُّصِ مِن أذى المُشْرِكِينَ، ولا يَسْتَقِيمُ مَعْنى الهِجْرَةِ إلّا لِهَذِهِ الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يُصِيبُ أصْحابَهُ مِنَ البَلاءِ وما هو فِيهِ مِنَ العافِيَةِ بِمَكانِهِ مِنَ اللَّهِ، ومِن عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَمْنَعَهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ البَلاءِ، قالَ لَهم: «لَوْ خَرَجْتُمْ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَإنَّ بِها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ، وهي أرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكم فَرَجًا مِمّا أنْتُمْ فِيهِ»؛ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَخافَةَ الفِتْنَةِ وفِرارًا بِدِينِهِمُ اهـ.
فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ آمَنُوا، وصَبَرُوا عَلى الأذى وعَذَرَ الَّذِينَ اتَّقَوْا عَذابَ الفِتْنَةِ بِأنْ قالُوا كَلامَ الكُفْرِ بِأفْواهِهِمْ، ولَكِنَّ قُلُوبَهم مُطَمْئِنَّةٌ بِالإيمانِ ذَكَرَ فَرِيقًا آخَرَ فازُوا بِفِرارٍ مِنَ الفِتْنَةِ؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ بُعْدَهم عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في تِلْكَ الشِّدَّةِ يُوهِنُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ فاسْتَوْفى ذِكْرَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ كُلِّها، وقَدْ أوْمَأ إلى حَظِّهِمْ مِنَ الفَضْلِ بِقَوْلِهِ: (هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا) فَسَمّى عَمَلَهم هِجْرَةً.
وهَذا الِاسْمُ في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ لِأجْلِ المُحافَظَةِ عَلى الدِّينِ، كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي، وقالَ في الأنْصارِ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، أيِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فارَقُوا مَكَّةَ.
وسَمّى ما لَقَوْهُ مِنَ المُشْرِكِينَ فِتْنَةً، والفِتْنَةُ: العَذابُ والأذى الشَّدِيدُ المُتَكَرِّرُ الَّذِي لا يَتْرُكُ لِمَن يَقَعُ بِهِ صَبْرًا ولا رَأْيًا، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ هم عَلى
صفحة ٣٠٠
النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ فَقَدْ نالَهُمُ الأذى في اللَّهِ.
والمُجاهَدَةُ: المُقاوَمَةُ بِالجُهْدِ، أيِ الطّاقَةِ.
والمُرادُ بِالمُجاهَدَةِ هُنا دِفاعُهُمُ المُشْرِكِينَ عَنْ أنْ يَرُدُّوهم إلى الكُفْرِ.
وهاتانِ الآيَتانِ مَكِّيَّتانِ نازِلَتانِ قَبْلَ شَرْعِ الجِهادِ الَّذِي هو بِمَعْنى قِتالِ الكُفّارِ لِنَصْرِ الدِّينِ.
والصَّبْرُ: الثَّباتُ عَلى تَحَمُّلِ المَكْرُوهِ والمَشاقِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ، والِاهْتِمامُ يَدْفَعُ النَّقِيصَةَ عَنْهم في الفَضْلِ.
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وهي مِمَّنْ قَدِمَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، دَخَلَتْ عَلى حَفْصَةَ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَيْها فَقالَ لَها: سَبَقْناكم بِالهِجْرَةِ فَنَحْنُ أحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنكم، فَغَضِبَتْ أسْماءُ وقالَتْ: كَلّا واللَّهِ، كُنْتُمْ مَعَ النَّبِيءِ يُطْعِمُ جائِعَكم ويَعِظُ جاهِلَكم، وكُنّا في أرْضِ البَعْداءِ البَغْضاءِ بِالحَبَشَةِ، ونَحْنُ كُنّا نَؤْذى ونَخافُ، وذَلِكَ في اللَّهِ ورَسُولِهِ، وايْمُ اللَّهِ لا أطْعَمُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى أذْكُرَ ما قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيءُ ﷺ بَيْتَ حَفْصَةَ قالَتْ: أسْماءُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عُمَرَ قالَ كَذا وكَذا، قالَ: فَما قُلْتِ لَهُ ؟ قالَتْ: قُلْتُ لَهُ كَذا وكَذا، قالَ لَيْسَ بِأحَقَّ بِي مِنكم، ولَهُ ولِأصْحابِهِ هِجْرَةٌ واحِدَةٌ ولَكم أنْتُمْ أهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتانِ» .
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ غَفُورٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، وأُعِيدَ إنَّ رَبَّكَ ثانِيًا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرِها المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ مَعَ إفادَةِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.
صفحة ٣٠١
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي هو اسْمُ (إنَّ) بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ العَلَمِيَّةِ لِما يُومِئُ إلَيْهِ إضافَةُ لَفْظِ (رَبَّ) إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ مِن كَوْنِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِأصْحابِهِ كانَتْ؛ لِأنَّهم أُوذُوا لِأجْلِ اللَّهِ، ولِأجْلِ النَّبِيءِ ﷺ فَكانَ إسْنادُ المَغْفِرَةِ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ حاصِلًا أُسْلُوبٌ يَدُلُّ عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ، وعَلى الذّاتِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وهَذا مِن أدَقِّ لَطائِفِ القُرْآنِ في قَرْنِ اسْمِ النَّبِيءِ بِاسْمِ اللَّهِ بِمُناسَبَةِ هَذا الإسْنادِ بِخُصُوصِهِ.
وضَمِيرُ (مِن بَعْدِها) عائِدٌ إلى الهِجْرَةِ المُسْتَفادَةِ مِن هاجَرُوا، أوْ إلى المَذْكُوراتِ: مِن هِجْرَةٍ، وفِتْنَةٍ، وجِهادٍ، وصَبْرٍ، أوْ إلى الفِتْنَةِ المَأْخُوذَةِ مَن (فَتَنُوا)، وكُلِّ تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ تُشِيرُ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ لَهم جَزاءٌ عَلى بَعْضِ تِلْكَ الأفْعالِ، أوْ كُلِّها.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فَتَنُوا بِفَتْحِ الفاءِ والتّاءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي لُغَةٌ في افْتَتَنَ، بِمَعْنى (وقَعَ) في الفِتْنَةِ.
16:111Page 280
۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١
On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِئْنافًا، وتَذْيِيلًا بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها، وقَعَ عَقِبَ التَّحْذِيرِ والوَعِيدِ؛ وعِيدًا لِلَّذِينِ أُنْذِرُوا، ووَعْدًا لِلَّذِينِ بُشِّرُوا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَيَكُونُ انْتِصابُ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ (لَغَفُورٍ رَحِيمٍ) أيْ يَغْفِرُ لَهم، ويَرْحَمُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ أثَرًا لِذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَخْلُو
صفحة ٣٠٢
عَنْها غالِبُ النّاسِ، ويَجِدُونَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَهَذا المَعْنى هو مُقْتَضى الإتْيانِ بِهَذا الظَّرْفِ.
والمُجادَلَةُ: دِفاعٌ بِالقَوْلِ؛ لِلتَّخَلُّصِ مِن تَبِعَةِ فِعْلٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
والنَّفْسُ الأوَّلُ: بِمَعْنى الذّاتِ والشَّخْصِ كَقَوْلِهِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، والنَّفْسُ الثّانِيَةِ ما بِهِ الشَّخْصُ شَخْصٌ، فالِاخْتِلافُ بَيْنَهُما بِالِاعْتِبارِ كَقَوْلِ أعْرابِيٍّ قَتَلَ أخُوهُ ابْنًا لَهُ مِنَ الحَماسَةِ:
أقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْساءً وتَسْلِيَةً إحْدى يَدَيَّ أصابَتْنِي ولَمْ تُرِدْ
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ يَسْتَشْعِرُونَ لِلْإنْسانِ جُمْلَةً مُرَكَّبَةً مِن جَسَدٍ ورُوحٍ فَيُسَمُّونَها النَّفْسَ، أيِ الذّاتَ، وهي ما يُعَبِّرُ عَنْهُ المُتَكَلِّمُ بِضَمِيرِ أنا، ويَسْتَشْعِرُونَ لِلْإنْسانِ قُوَّةً باطِنِيَّةً بِها إدْراكُهُ، ويُسَمُّونَها نَفْسًا أيْضًا، ومِنهُ أخَذَ عُلَماءُ المَنطِقِ اسْمَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ.
والمَعْنى: يَأْتِي كُلُّ أحَدٍ يُدافِعُ عَنْ ذاتِهِ، أيْ يُدافِعُ بِأقْوالِهِ لِيَدْفَعَ تَبَعاتِ أعْمالِهِ، فَفاعِلُ المُجادَلَةِ، وما هو في قُوَّةٍ مَفْعُولِهِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهَذا قَرِيبٌ مِن نَوْعِ وُقُوعِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ شَيْئًا واحِدًا في أفْعالِ الظَّنِّ والدُّعاءِ بِكَثْرَةٍ، مِثْلُ: أرانِي فاعِلًا كَذا، وقَوْلُهم: عَدِمْتَنِي، وفَقَدْتَنِي، وبِقِلَّةٍ في غَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأفْعالِ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
قَدْ بَتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ
وتُوَفّى: تُعْطى شَيْئًا وافِيًا، أيْ كامِلًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، و(ما عَمِلَتْ) مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ تُوَفّى، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما عَمِلَتْ، أيْ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإظْهارُ كُلِّ نَفْسٍ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَجْرِي مَجْرى المَثَلِ.
صفحة ٣٠٣
والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى مُجاوَزَةِ الحَدِّ المُعَيَّنِ لِلْجَزاءِ في الشَّرِّ، والإجْحافِ عَنْهُ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا عَيَّنَ الجَزاءَ عَلى الشَّرِّ، ووَعَدَ بِالجَزاءِ عَلى الخَيْرِ صارَ ذَلِكَ كالحَقِّ لِكُلِّ فَرِيقٍ. والعِلْمُ بِمَراتِبِ هَذا التَّحْدِيدِ مُفَوَّضٌ لِلَّهِ تَعالى ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا.
وضَمِير و(﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾) عائِدانِ إلى كُلِّ نَفْسٍ بِحَسَبِ المَعْنى؛ لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ مِنَ النُّفُوسِ.
وزِيادَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلتَّصْرِيحِ بِمَفْهُومِ وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ؛ لِأنَّ تَوْفِيَةَ الجَزاءِ عَلى العَمَلِ تَسْتَلْزِمُ كَوْنَ تِلْكَ التَّوْفِيَةِ عَدْلًا، فَصَرَّحَ بِهَذا اللّازِمِ بِطَرِيقَةِ نَفْيِ ضِدِّهِ، وهو نَفْيُ الظُّلْمِ عَنْهم، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَدْلَ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدُ المَعْنى الأوَّلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences