Ibn 'AshurAn‑Nahl · 16:38–44

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:38–44

16:38Page 271

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٨

And they swear by Allāh their strongest oaths [that] Allāh will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

انْتِقالٌ لِحِكايَةِ مَقالَةٍ أُخْرى مِن شَنِيعِ مَقالاتِهِمْ في كُفْرِهِمْ، واسْتِدْلالٌ مِن أدِلَّةِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ فِيما يُخْبِرُ بِهِ إظْهارٌ لِدَعْوَتِهِ في مَظْهَرِ المُحالِ، وذَلِكَ إنْكارُهُمُ الحَياةَ الثّانِيَةَ والبَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ. وذَلِكَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ في هَذِهِ السُّورَةِ سِوى الِاسْتِطْرادِ بِقَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النحل: ٢٢] . والقَسَمُ عَلى نَفْيِ البَعْثِ أرادُوا بِهِ الدَّلالَةَ عَلى يَقِينِهِمْ بِانْتِفائِهِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

وإنَّما أيْقَنُوا بِذَلِكَ وأقْسَمُوا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ سَلامَةَ الأجْسامِ وعَدَمَ انْخِرامِها شَرْطٌ لِقَبُولِها الحَياةَ، وقَدْ رَأوْا أجْسادَ المَوْتى مُعَرَّضَةً لِلِاضْمِحْلالِ فَكَيْفَ تُعادُ كَما كانَتْ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِجُمْلَةِ (أقْسَمُوا) وهي ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ.

والبَعْثُ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] .

صفحة ١٥٤

والعُدُولُ عَنِ (المَوْتى) إلى (مَن يَمُوتُ) لِقَصْدِ إيذانِ الصِّلَةِ بِتَعْلِيلِ نَفْيِ البَعْثِ، فَإنَّ الصِّلَةَ أقْوى دَلالَةً عَلى التَّعْلِيلِ مِن دَلالَةِ المُشْتَقِّ عَلى عِلِّيَّةِ الِاشْتِقاقِ، فَهم جَعَلُوا الِاضْمِحْلالَ مُنافِيًا لِإعادَةِ الحَياةِ، كَما حُكِيَ عَنْهم ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] .

و(بَلى) حَرْفٌ لِإبْطالِ النَّفْيِ في الخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ، أيْ بَلْ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الإبْطالِ مِن حُصُولِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ويُسَمّى هَذا النَّوْعُ مِنَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ، أيْ مُؤَكِّدًا لِمَعْنى فِعْلٍ هو عَيْنُ مَعْنى المَفْعُولِ المُطْلَقِ.

و(عَلَيْهِ) صِفَةٌ لِـ (وعْدًا)، أيْ وعْدًا كالواجِبِ عَلَيْهِ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ الخُلْفَ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، شُبِّهَ الوَعْدُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِمَحْضِ إرادَتِهِ واخْتِيارِهِ بِالحَقِّ الواجِبِ عَلَيْهِ ورَمَزَ إلَيْهِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ.

و(حَقًّا) صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (وعْدًا)، والحَقُّ هُنا بِمَعْنى الصِّدْقِ الَّذِي لا يُتَخَلَّفُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١] في سُورَةِ بَراءَةٍ.

والمُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ (المُشْرِكُونَ)، وهم يَوْمَئِذٍ أكْثَرُ النّاسِ، ومَعْنى لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ فَيُقِيمُونَ مِن الِاسْتِبْعادِ دَلِيلَ اسْتِحالَةِ حُصُولِ البَعْثِ بَعْدَ الفَناءِ.

والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَنْ جَعْلِهِ وعْدًا عَلى اللَّهِ حَقًّا، إذْ يَتَوَهَّمُ السّامِعُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ فَجاءَ الِاسْتِدْراكُ لِرَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ؛ ولِأنَّ جُمْلَةَ ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ تَقْتَضِي إمْكانَ وُقُوعِهِ، والنّاسُ يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ.

16:39Page 271

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ ٣٩

[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.

صفحة ١٥٥

﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾

(لِيُبَيِّنَ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨] لِقَصْدِ بَيانِ حِكْمَةِ جَعْلِهِ وعْدًا لازِمًا لا يَتَخَلَّفُ؛ لِأنَّهُ مَنُوطٌ بِحِكْمَةٍ، واللَّهُ تَعالى حَكِيمٌ لا تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى خِلافِ الحِكْمَةِ التّامَّةِ، أيْ جَعَلَ البَعْثَ لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ الشَّيْءَ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ؛ فَيَظْهَرُ حَقُّ المُحِقِّ، ويَظْهَرُ باطِلُ المُبْطِلِ في العَقائِدِ ونَحْوِها مِن أُصُولِ الدِّينِ، وما أُلْحِقَ بِها.

وشَمَلَ قَوْلُهُ (يَخْتَلِفُونَ) كُلَّ مَعانِي المُحاسَبَةِ عَلى الحُقُوقِ؛ لِأنَّ تَمْيِيزَ الحُقُوقِ مِنَ المَظالِمِ كُلَّهُ مَحَلُّ اخْتِلافِ النّاسِ وتَنازُعِهِمْ.

وعَطَفَ عَلى هَذِهِ الحِكْمَةِ العامَّةِ حِكْمَةً فَرْعِيَّةً خاصَّةً بِالمَرْدُودِ عَلَيْهِمْ هُنا، وهي حُصُولُ العِلْمِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اخْتَرَعُوهُ مِنَ الشِّرْكِ، وتَحْرِيمِ الأشْياءِ، وإنْكارِ البَعْثِ.

وفِي حُصُولِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَوْمَ البَعْثِ مَثارٌ لِلنَّدامَةِ والتَّحَسُّرِ عَلى ما فَرَطَ مِنهم مَن إنْكارِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ حِكْمَةِ الجَزاءِ في يَوْمِ البَعْثِ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.

وكانُوا كاذِبِينَ أقْوى في الوَصْفِ بِالكَذِبِ مِن (كَذَّبُوا أوْ كاذِبُونَ)، لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ (كانَ) مِنَ الوُجُودِ زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ اسْمُ الفاعِلِ مِن الِاتِّصافِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وُجِدَ كَذِبُهم ووُصِفُوا بِهِ، وكَذِبُهم يَسْتَلْزِمُ أنَّهم مُعَذَّبُونَ عُقُوبَةً عَلى كَذِبِهِمْ، فَفِيهِ شَتْمٌ صَرِيحٌ وتَعْرِيضٌ بِالعِقابِ.

16:40Page 271

إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠

Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.

﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]؛ لِبَيانِ أنَّ جَهْلَهم بِمَدى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ واسْتِحالَتِهِ

صفحة ١٥٦

عِنْدَهم، فَهي بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٣٩] إلى آخِرِها اعْتِراضًا بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ.

والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ تَكْوِينُ شَيْءٍ إذا أرادَهُ اللَّهُ إلّا عَلى أنْ تَتَعَلَّقَ قُدْرَتُهُ بِتَكْوِينِهِ، ولَيْسَ إحْياءُ الأمْواتِ إلّا مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ، وما البَعْثُ إلّا تَكْوِينٌ، فَما بَعْثُ الأمْواتِ إلّا مِن جُمْلَةِ تَكْوِينِ المَوْجُوداتِ، فَلا يَخْرُجُ عَنْ قُدْرَتِهِ.

وأفادَتْ (إنَّما) قَصْرًا هو قَصْرُ وُقُوعِ التَّكْوِينِ عَلى صُدُورِ الأمْرِ بِهِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ لِإبْطالِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ تَعَذُّرَ إحْياءِ المَوْتى ظَنًّا مِنهم أنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا إذا سَلِمَتِ الأجْسادُ مِنَ الفَسادِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَأُرِيدَ بِـ ﴿قَوْلُنا لِشَيْءٍ﴾ تَكْوِينُنا شَيْئًا، أيْ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِخَلْقِ شَيْءٍ، وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﴿إذا أرَدْناهُ﴾ إذا تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ الإلَهِيَّةُ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًا، فَإذا كانَ سَبَبُ التَّكْوِينِ لَيْسَ زائِدًا عَلى قَوْلِ كُنْ فَقَدْ بَطَلَ تَعَذُّرُ إحْياءِ المَوْتى، ولِذَلِكَ كانَ هَذا قَصْرَ قَلْبٍ لِإبْطالِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ.

والشَّيْءُ: أُطْلِقَ هُنا عَلى المَعْدُومِ بِاعْتِبارِ إرادَةِ وجُودِهِ، فَهو مِن إطْلاقِ اسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ، أوِ المُرادُ بِالشَّيْءِ مُطْلَقُ الحَقِيقَةِ المَعْلُومَةِ، وإنْ كانَتْ مَعْدُومَةً، وإطْلاقُ الشَّيْءِ عَلى المَعْدُومِ مُسْتَعْمَلٌ.

و﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِنا.

والمُرادُ بِقَوْلِ (كُنْ) تَوَجُّهُ القُدْرَةِ إلى إيجادِ المَقْدُورِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ التَّوَجُّهِ بِالقَوْلِ بِالكَلامِ كَما عَبَّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وشُبِّهَ الشَّيْءُ المُمْكِنُ حُصُولُهُ بِشَخْصٍ مَأْمُورٍ، وشُبِّهَ انْفِعالُ المُمْكِنِ لِأمْرِ التَّكْوِينِ بِامْتِثالِ المَأْمُورِ لِأمْرِ الآمِرِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَعْقِلُونَ، ولَيْسَ هو خِطابًا لِلْمَعْدُومِ، ولا أنَّ لِلْمَعْدُومِ سَمْعًا يَعْقِلُ بِهِ الكَلامَ فَيَمْتَثِلُ لِلْآمِرِ.

صفحة ١٥٧

و(كانَ) تامَّةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَيَكُونُ) بِالرَّفْعِ أيْ (فَهو يَكُونُ)، عَطْفًا عَلى الخَبَرِ وهو جُمْلَةُ (أنْ نَقُولَ)، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (نَقُولَ)، أيْ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ وأنْ يَكُونَ.

16:41–42Page 271

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

لَمّا ثَبَتَتْ حِكْمَةُ البَعْثِ بِأنَّها تَبْيِينُ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النّاسُ مِن هُدًى وضَلالَةٍ، ومِن ذَلِكَ أنْ يَتَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ بِتَبْيِينٍ بِالبَعْثِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا صادِقِينَ بِدَلالَةِ المُضادَّةِ، وأنَّهم مُثابُونَ ومُكَرَّمُونَ، فَلَمّا عُلِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ، وقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وأُدْمِجَ مَعَ ذَلِكَ وعْدُهم بِحُسْنِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا مُقابَلَةَ وعِيدِ الكافِرِينَ بِسُوءِ العاقِبَةِ فِيها الواقِعِ بِالتَّعْرِيضِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] .

والمُهاجَرَةُ: مُتارَكَةُ الدِّيارِ لِغَرَضٍ ما. و(في) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ، تَقْدِيرُهُ: هاجَرُوا لِأجْلِ مَرْضاةِ اللَّهِ.

وإسْنادُ فِعْلِ ظَلَمُوا إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ الفاعِلِ مِنَ السِّياقِ، وهو المُشْرِكُونَ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ أصْنافَ الِاعْتِداءِ مِنَ الأذى والتَّعْذِيبِ.

صفحة ١٥٨

والتَّبْوِئَةُ: الإسْكانُ، وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى الجَزاءِ بِالحُسْنى عَلى المُهاجَرَةِ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ لِلْمُهاجَرَةِ؛ لِأنَّ المُهاجَرَةَ الخُرُوجُ مِنَ الدِّيارِ فَيُضادُّها الإسْكانُ.

وفِي الجَمْعِ بَيْنَ (هاجَرُوا) و(لَنُبَوِّئَنَّهم) مُحَسِّنُ الطِّباقِ، والمَعْنى: لَنُجازِيَنَّهم جَزاءً حَسَنًا، فَعَبَّرَ عَنِ الجَزاءِ بِالتَّبْوِئَةِ؛ لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى تَرْكِ المُباءَةِ.

و(حَسَنَةً) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ جارٍ عَلى (نُبَوِّئَنَّهم)، أيْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً.

وهَذا الجَزاءُ يَجْبُرُ كُلَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ المُهاجَرَةُ مِنَ الأضْرارِ الَّتِي لَقِيَها المُهاجِرُونَ مِن مُفارَقَةِ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وما لاقَوْهُ مِنَ الأذى الَّذِي ألْجَأهم إلى المُهاجَرَةِ مِن تَعْذِيبٍ واسْتِهْزاءٍ ومَذَلَّةٍ وفِتْنَةٍ، فالحَسَنَةُ تَشْتَمِلُ عَلى تَعْوِيضِهِمْ دِيارًا خَيْرًا مِن دِيارِهِمْ، ووَطَنًا خَيْرًا مِن وطَنِهِمْ، وهو المَدِينَةُ، وأمْوالًا خَيْرًا مِن أمْوالِهِمْ، وهي ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ ومِنَ الخَراجِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ: هَذا ما وعَدَكَ رَبُّكَ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْبَرُ، وغَلَبَةً لِأعْدائِهِمْ في الفُتُوحِ، وأهَمُّها فَتْحُ مَكَّةَ، وأمْنًا في حَياتِهِمْ بِما نالُوهُ مِنَ السُّلْطانِ، قالَ تَعالى ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وسَبَبُ النُّزُولِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ، أوِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ الهِجْرَةَ الأُولى قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ، وبَقِيَّةُ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ مِثْلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وأصْحابِهِ إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةً بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى إلى المَدِينَةِ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يُنافِي كَوْنَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، ولا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ أُولَئِكَ بِهَذا الوَعْدِ.

ثُمَّ أعْقَبَ هَذا الوَعْدَ بِالوَعْدِ العَظِيمِ المَقْصُودِ وهو قَوْلُهُ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾، ومَعْنى (أكْبَرُ) أنَّهُ أهَمُّ وأنْفَعُ، وإضافَتُهُ إلى الآخِرَةِ عَلى مَعْنى (في)، أيِ الأمْرُ الَّذِي في الآخِرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ الوَعْدِ كُلِّها؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ العَظِيمَ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ يُثِيرُ في نُفُوسِ

صفحة ١٥٩

السّامِعِينَ أنْ يَسْألُوا كَيْفَ لَمْ يَقْتَدِ بِهِمْ مَن بَقُوا عَلى الكُفْرِ فَتَقَعُ جُمْلَةُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ بَيانًا لِما اسْتُبْهِمَ عَلى السّائِلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لاقْتَدَوْا بِهِمْ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ، فَضَمِيرُ يَعْلَمُونَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ المُثارُ هو: كَيْفَ يَحْزَنُ المُهاجِرُونَ عَلى ما تَرَكُوهُ مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ، فَيَكُونُ: المَعْنى لَوْ كانَ المُهاجِرُونَ يَعْلَمُونَ ما أُعِدَّ لَهم عِلْمَ مُشاهَدَةٍ لَما حَزِنُوا عَلى مُفارَقَةِ دِيارِهِمْ، ولَكانَتْ هِجْرَتُهم عَنْ شَوْقٍ إلى ما يُلاقُونَهُ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ العِلْمِ الحِسِّيِّ عَلى المِزاجِ الإنْسانِيِّ أقْوى مِنَ العِلْمِ العَقْلِيِّ عَلى تَفاصِيلِ الكَيْفِيّاتِ الَّتِي تُحِبُّها النُّفُوسُ، وتَرْتَمِي إلَيْها الشَّهَواتُ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَوْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ويُؤْمِنُونَ؛ لَأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لا يُناسِبُ مَوْقِعَ (لَوْ) الِامْتِناعِيَّةِ.

فَضَمِيرُ (يَعْلَمُونَ) عَلى هَذا ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠]، وفي هَذا الوَجْهِ تَتَناسَقُ الضَّمائِرُ.

و﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ صِفَةٌ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠]، والصَّبْرُ: تَحَمُّلُ المَشاقِّ، والتَّوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ.

وتَقَدَّمَ الصَّبْرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] أوائِلِ البَقَرَةِ، والتَّوَكُّلُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في آلِ عِمْرانَ.

والتَّعْبِيرُ في جانِبِ الصَّبْرِ بِالمُضِيِّ، وفي جانِبِ التَّوَكُّلِ بِالمُضارِعِ إيماءً إلى أنَّ صَبْرَهم قَدْ آذَنَ بِالِانْقِضاءِ لِانْقِضاءِ أسْبابِهِ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهم فَرَجًا بِالهِجْرَةِ الواقِعَةِ والهِجْرَةِ المُتَرَقَّبَةِ، فَهَذا بِشارَةٌ لَهم.

صفحة ١٦٠

وأنَّ التَّوَكُّلَ دَيْدَنُهم؛ لِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ أعْمالًا جَلِيلَةً تَتِمُّ لَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في أُمُورِهِمْ فَهم يُكَرِّرُونَهُ، وفي هَذا بِشارَةٌ بِضَمانِ النَّجاحِ.

وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لِلْقَصْرِ، أيْ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى رَبِّهِمْ دُونَ التَّوَكُّلِ عَلى سادَةِ المُشْرِكِينَ ووَلائِهِمْ.

16:43Page 272

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ فَسَألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] .

كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ جارِيَةً عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْكارِهِمْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ القُرْآنَ وحْيُ اللَّهِ إلَيْهِ، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، ورَدِّ مَزاعِمِهِمُ الباطِلَةِ بِالأدِلَّةِ القارِعَةِ لَهم مُتَخَلِّلًا بِما أُدْمِجَ في أثْنائِهِ مِن مَعانٍ أُخْرى تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، فَعادَ هُنا إلى إبْطالِ شُبْهَتِهِمْ في إنْكارِ نُبُوءَتِهِ مِن أنَّهُ بَشَرٌ لا يَلِيقُ بِأنْ يَكُونَ سَفِيرًا بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ، إبْطالًا بِقِياسِ التَّمْثِيلِ بِالرُّسُلِ الأسْبَقِينَ الَّذِينَ لا تُنْكِرُ قُرَيْشٌ رِسالَتَهم مِثْلُ نُوحٍ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] .

وقَدْ غُيِّرَ أُسْلُوبُ نَظْمِ الكَلامِ هُنا بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ أنْ كانَ جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [النحل: ٣٥] الآيَةَ، تَأْنِيسًا لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ فِيما مَضى مِنَ

صفحة ١٦١

الكَلامِ آنِفًا حِكايَةُ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا، فَأقْبَلَ اللَّهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِالخِطابِ؛ لِما في هَذا الكَلامِ مِن تَنْوِيهِ مَنزِلَتِهِ بِأنَّهُ في مَنزِلَةِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .

وفِي هَذا الخِطابِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ التَفَتَ إلى خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ .

وصِيغَةُ القَصْرِ لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ وقَوْلِهِمْ ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، فَقُصِرَ الإرْسالُ عَلى التَّعَلُّقِ بِرِجالٍ مَوْصُوفِينَ بِأنَّهم يُوحى إلَيْهِمْ.

ثُمَّ أشْهَدَ عَلى المُشْرِكِينَ بِشَواهِدِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ تَوْبِيخًا لَهم؛ لِأنَّ التَّوْبِيخَ يُناسِبُهُ الخِطابُ؛ لِكَوْنِهِ أوْقَعَ في نَفْسِ المُوَبَّخِ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ، فَهَذا احْتِجاجٌ بِأهْلِ الأدْيانِ السّابِقِينَ أهْلِ الكُتُبِ اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئَةِ.

والذِّكْرُ: كِتابُ الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في أوَّلِ الحِجْرِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إيماءً إلى أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم قَصَدُوا المُكابَرَةَ والتَّمْوِيهَ؛ لِتَضْلِيلِ الدَّهْماءِ، فَلِذَلِكَ جِيءَ في الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّتِي تَرِدُ في الشَّرْطِ المَظْنُونِ عَدَمَ وُجُودِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وما أرْسَلْنا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] .

والجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ تَقْتَرِنُ بِالفاءِ إذا كانَ مَعْنى الجُمْلَةِ مُفَرَّعًا عَلى ما قَبْلَهُ، وقَدْ جَعَلَها في الكَشّافِ مُعْتَرِضَةً عَلى اعْتِبارِ وُجُوهٍ ذَكَرَها في مُتَعَلِّقِ قَوْلِهِ تَعالى بِالبَيِّناتِ.

ونُقِلَ عَنْهُ في سُورَةِ الإنْسانِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩] أنَّهُ لا تَقْتَرِنُ الجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ بِالفاءِ، وتَرَدَّدَ صاحِبُ الكَشّافِ في صِحَّةِ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِمُخالَفَتِهِ كَلامَهُ في آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ.

صفحة ١٦٢

وقَوْلُهُ (بِالبَيِّناتِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُسْتَقَرِّ صِفَةٍ أوْ حالًا مِن (رِجالًا)، وفي تَعَلُّقِهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ذَكَرَها في الكَشّافِ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ مَصْحُوبِينَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فالبَيِّناتُ دَلائِلُ الصِّدْقِ مِن مُعْجِزاتٍ أوْ أدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ، وقَدِ اجْتَمَعَ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وافْتَرَقَ بَيْنَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ كَما تَفَرَّقَ مِنهُ كَثِيرٌ لِرَسُولِنا ﷺ .

والزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّبْرِ، أيِ الكِتابَةِ، فَفَعُولُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والزُّبُرُ الكُتُبُ الَّتِي كُتِبَ فِيها ما أُوحِيَ إلى الرُّسُلِ مِثْلُ صُحُفِ إبْراهِيمَ والتَّوْراةِ وما كَتَبَهُ الحَوارِيُّونَ مِنَ الوَحْيِ إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وإنْ لَمْ يَكْتُبْهُ عِيسى.

ولَعَلَّ عَطْفَ (بِالزُّبُرِ) عَلى (بِالبَيِّناتِ) عَطْفُ تَقْسِيمٍ بِقَصْدِ التَّوْزِيعِ، أيْ بَعْضُهم مَصْحُوبٌ بِالبَيِّناتِ وبَعْضُهم بِالأمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَجِئُ رُسُلٌ بِدُونِ كُتُبٍ، مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ رَسُولِ أهْلِ الرَّسِّ، وخالِدِ بْنِ سِنانٍ رَسُولِ عَبْسٍ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كِتابًا.

وقَدْ تُجْعَلُ الزُّبُرُ خاصَّةً بِالكُتُبِ الوَجِيزَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِيها شَرِيعَةٌ واسِعَةٌ مِثْلُ صُحُفِ إبْراهِيمَ وزَبُورِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - والإنْجِيلُ كَما فَسَّرُوها بِهِ في سُورَةِ فاطِرٍ.

16:44Page 272

بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

لَمّا اتَّضَحَتِ الحُجَّةُ بِشَواهِدِ التّارِيخِ الَّذِي لا يُنْكَرُ ذُكِرَتِ النَّتِيجَةُ المَقْصُودَةُ، وهو أنَّ ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ إنَّما هو ذِكْرٌ، ولَيْسَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.

صفحة ١٦٣

والذِّكْرُ: الكَلامُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُذْكَرَ، أيْ يُتْلى ويُكَرَّرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ، أيْ ما كُنْتَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ فَقَدْ أوْحَيْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ، والذِّكْرُ: ما أُنْزِلَ لِيَقْرَأهُ النّاسُ، ويَتْلُوَهُ تَكْرارًا؛ لِيَتَذَكَّرُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ المَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِ المُخاطَبِ.

وفِي الِاقْتِصارِ عَلى إنْزالِ الذِّكْرِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ هو بَيِّنَةٌ وزَبُورٌ مَعًا، أيْ هو مُعْجِزَةٌ وكِتابُ شَرْعٍ، وذَلِكَ مِن مَزايا القُرْآنِ الَّتِي لَمْ يُشارِكْهُ فِيها كِتابٌ آخَرُ، ولا مُعْجِزَةٌ أُخْرى، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] .

وفِي الحَدِيثِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» .

والتَّبْيِينُ: إيضاحُ المَعْنى.

والتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلْعُمُومِ.

والإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ ماصَدَقَ المَوْصُولَ غَيْرُ الذِّكْرِ المُتَقَدِّمِ، إذْ لَوْ كانَ إيّاهُ لَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لِتُبَيِّنَهُ: لِلنّاسِ، ولِذا فالأحْسَنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِما نَزَّلَ إلَيْهِمُ الشَّرائِعَ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ بِها مُحَمَّدًا ﷺ؛ فَجَعَلَ القُرْآنَ جامِعًا لَها، ومُبَيِّنًا لَها بِبَلِيغِ نَظْمِهِ ووَفْرَةِ مَعانِيهِ؛ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .

وإسْنادُ التَّبْيِينِ إلى النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُبَلِّغُ لِلنّاسِ هَذا البَيانَ والأُمَمِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِذِكْرِ العِلَّةِ الأصْلِيَّةِ في إنْزالِ القُرْآنِ.

صفحة ١٦٤

وفُسِّرَ ﴿ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ بِأنَّهُ عَيْنُ الذِّكْرِ المُنَزَّلِ، أيْ أنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَهُ لِلنّاسِ فَيَكُونُ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ أنَّ إنْزالَ الذِّكْرِ إلى النَّبِيءِ ﷺ هو إنْزالُهُ إلى النّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] .

وإنَّما أُتِيَ بِلَفْظِهِ مَرَّتَيْنِ لِلْإيماءِ إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْزالَيْنِ: فَإنْزالُهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُباشَرَةً، وإنْزالُهُ إلى إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ.

فالمُرادُ بِالتَّبْيِينِ عَلى هَذا تَبْيِينُ ما في القُرْآنِ مِنَ المَعانِي، وتَكُونُ اللّامُ لِتَعْلِيلِ بَعْضِ الحِكَمِ الحافَّةِ بِإنْزالِ القُرْآنِ، فَإنَّها كَثِيرَةٌ، فَمِنها أنْ يُبَيِّنَهُ النَّبِيءُ ﷺ فَتَحْصُلُ فَوائِدُ العِلْمِ والبَيانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .

ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِمَسائِلِ تَخْصِيصِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وبَيانُ مُجْمَلِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وتَرْجِيحُ دَلِيلِ السُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ عَلى دَلِيلِ الكِتابِ عِنْدَ التَّعارُضِ المَفْرُوضاتِ في أُصُولِ الفِقْهِ، إذْ كُلٌّ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ هو تَبْيِينُ النَّبِيءِ ﷺ إذْ هو واسِطَتُهُ.

وعَطْفُ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ حِكْمَةٌ أُخْرى مِن حِكَمِ إنْزالِ القُرْآنِ، وهي تَهْيِئَةُ تَفَكُّرِ النّاسِ فِيهِ، وتَأمُّلِهِمْ فِيما يُقَرِّبُهم إلى رِضى اللَّهِ تَعالى، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ﴾ يَكُونُ المُرادُ أنْ يَتَفَكَّرُوا بِأنْفُسِهِمْ في مَعانِي القُرْآنِ، وفَهْمِ فَوائِدِهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أنْ يَتَفَكَّرُوا في بَيانِكَ ويَعُوهُ بِأفْهامِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском