Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:66–69
16:66Page 274
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦
And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.
صفحة ١٩٩
﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نَسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى، ومِنَّةٌ مِنَ المِنَنِ النّاشِئَةِ عَنْ مَنافِعِ خَلْقِ الأنْعامِ، أُدْمِجَ في مِنَّتِها العِبْرَةُ بِما في دَلالَتِها عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] إلى قَوْلِهِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.
ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ هُنا أنَّ بِألْبانِ الأنْعامِ حَياةَ الإنْسانِ، كَما تَحْيا الأرْضُ بِماءِ السَّماءِ، وأنَّ لِآثارِ ماءِ السَّماءِ أثَرًا في تَكْوِينِ ألْبانِ الحَيَوانِ بِالمَرْعى.
واخْتَصَّتْ هَذِهِ العِبْرَةُ بِما تُنَبِّهُ إلَيْهِ مِن بَدِيعِ الصُّنْعِ والحِكْمَةِ في خَلْقِ الألْبانِ بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا﴾، ثُمَّ بِالتَّذْكِيرِ بِما في ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلى النّاسِ إدْماجًا لِلْعِبْرَةِ بِالمِنَّةِ.
فَجُمْلَةُ (وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]، أيْ كَما كانَ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ عِبْرَةٌ في إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ لَكم في الأنْعامِ عِبْرَةٌ أيْضًا، إذْ قَدْ كانَ المُخاطَبُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ القَوْمَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ.
وضَمِيرُ الخِطابِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ. وتَوْكِيدُها بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ كَتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ قَبْلَها.
والأنْعامُ: اسْمُ جَمْعٍ لِكُلِّ جَماعَةٍ مِن أحَدِ أصْنافِ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ.
والعِبْرَةُ: ما يُتَّعَظُ بِهِ ويُعْتَبَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في نِهايَةِ سُورَةِ يُوسُفَ، وجُمْلَةُ ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ .
والبُطُونُ: جَمْعُ بَطْنٍ، وهو اسْمٌ لِلْجَوْفِ الحاوِيَةِ لِلْجِهازِ الهَضْمِيِّ كُلِّهِ؛ مِن مَعِدَةٍ وكَبِدٍ وأمْعاءَ.
صفحة ٢٠٠
و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ؛ لِأنَّ اللَّبَنَ يُفْرَزُ عَنِ العَلَفِ الَّذِي في البُطُونِ، وماصَدَقُ ما في بُطُونِهِ العَلَفُ، ويَجُوزُ جَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً، ويَكُونُ ماصَدَقُ ما في بُطُونِهِ هو اللَّبَنُ اعْتِدادًا بِحالَةِ مُرُورِهِ في داخِلِ الأجْهِزَةِ الهَضْمِيَّةِ قَبْلَ انْحِدارِهِ في الضَّرْعِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ﴾ زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ التَّوَسُّطِ، أيْ يُفْرَزُ في حالَةٍ بَيْنَ حالَتَيِ الفَرْثِ والدَّمِ.
ووَقَعَ البَيانُ بِـ نَسْقِيكم دُونَ أنْ يُقالَ: تَشْرَبُونَ أوْ نَحْوُهُ؛ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ مَعَ العِبْرَةِ.
ووَجْهُ العِبْرَةِ في ذَلِكَ أنَّ ما تَحْتَوِيهِ بُطُونُ الأنْعامِ مِنَ العَلَفِ والمَرْعى يَنْقَلِبُ بِالهَضْمِ في المَعِدَةِ، ثُمَّ الكَبِدِ، ثُمَّ غُدَدِ الضَّرْعِ، مائِعًا يُسْقى، وهو مُفْرَزٌ مِن بَيْنِ إفْرازِ فَرْثٍ ودَمٍ.
والفَرْثُ: الفَضَلاتُ الَّتِي تَرَكَها الهَضْمُ المُعْدِي فَتَنْحَدِرُ إلى الأمْعاءِ فَتَصِيرُ فَرْثًا، والدَّمُ: إفْرازٌ تَفْرِزُهُ الكَبِدُ مِنَ الغِذاءِ المُنْحَدِرِ إلَيْها، ويَصْعَدُ إلى القَلْبِ فَتَدْفَعُهُ حَرَكَةُ القَلْبِ المِيكانِيئِيَّةِ إلى الشَّرايِينِ والعُرُوقِ، ويَبْقى يَدُورُ كَذَلِكَ بِواسِطَةِ القَلْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
ومَعْنى كَونِ اللَّبَنِ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ أنَّهُ إفْرازٌ حاصِلٌ في حِينِ إفْرازِ الدَّمِ وإفْرازِ الفَرْثِ، وعَلاقَتُهُ بِالفَرْثِ أنَّ الدَّمَ الَّذِي يَنْحَدِرُ في عُرُوقِ الضَّرْعِ يَمُرُّ بِجَوازِ الفَضَلاتِ البَوْلِيَّةِ والثُّفْلِيَّةِ، فَتُفْرِزُهُ غُدَدُ الضَّرْعِ لَبَنًا كَما تُفْرِزُهُ غُدَدُ الكُلْيَتَيْنِ بَوْلًا بِدُونِ مُعالَجَةٍ زائِدَةٍ، وكَما تُفْرِزُ تَكامِيشُ الأمْعاءِ ثُفْلًا بِدُونِ مُعالَجَةٍ بِخِلافِ إفْرازِ غُدَدِ المَثانَةِ لِلْمَنِيِّ لِتَوَقُّفِهِ عَلى مُعالَجَةٍ يَنْحَدِرُ بِها الدَّمُ إلَيْها.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّبَنَ يَتَمَيَّعُ مِن بَيْنِ طَبَقَتَيْ فَرْثٍ ودَمٍ، وإنَّما الَّذِي أوْهَمَ ذَلِكَ مَن تَوَهَّمَهُ حَمْلُهُ (بَيْنَ) عَلى حَقِيقَتِها مِن ظَرْفِ المَكانِ، وإنَّما هي
صفحة ٢٠١
تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المَكانِ المَجازِيِّ فَيُرادُ بِها الوَسَطُ بَيْنَ مَرْتَبَتَيْنِ كَقَوْلِهِمُ: الشَّجاعَةُ صِفَةٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ، فَمِن بَلاغَةِ القُرْآنِ هَذا التَّعْبِيرُ القَرِيبُ لِلْأفْهامِ لِكُلِّ طَبَقَةٍ مِنَ النّاسِ بِحَسَبِ مَبالِغِ عِلْمِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ مُوافِقًا لِلْحَقِيقَةِ.
والمَعْنى: إفْرازٌ لَيْسَ هو بِدَمٍ؛ لِأنَّهُ ألْيَنُ مِنَ الدَّمِ، ولِأنَّهُ غَيْرُ باقٍ في عُرُوقِ الضَّرْعِ كَبَقاءِ الدَّمِ في العُرُوقِ، فَهو شَبِيهٌ بِالفَضَلاتِ في لُزُومِ إفْرازِهِ، ولَيْسَ هو بِالفَضْلَةِ؛ لِأنَّهُ إفْرازٌ طاهِرٌ نافِعٌ مُغَذٍّ، ولَيْسَ قَذَرًا ضارًّا غَيْرَ صالِحٍ لِلتَّغْذِيَةِ كالبَوْلِ والثُّفْلِ.
ومَوْقِعُ (مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ) مَوْقِعُ الصِّفَةِ لِـ (لَبَنًا)، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِها؛ لِأنَّها مَوْضِعُ العِبْرَةِ، فَكانَ لَها مَزِيدُ اهْتِمامٍ، وقَدْ صارَتْ بِالتَّقْدِيمِ حالًا.
ولَمّا كانَ اللَّبَنُ يَحْصُلُ في الضَّرْعِ لا في البَطْنِ جُعِلَ مَفْعُولًا لِـ (نَسْقِيكم)، وجُعِلَ مِمّا في بُطُونِهِ تَبْيِينًا لِمَصْدَرِهِ لا لِمَوْرِدِهِ، فَلَيْسَ اللَّبَنُ مِمّا في البُطُونِ، ولِذَلِكَ كانَ مِمّا في بُطُونِهِ مُتَقَدِّمًا في الذِّكْرِ؛ لِيَظْهَرَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (نَسْقِيكم) ولَيْسَ وصْفًا لِلَّبَنِ.
وقَدْ أحاطَ بِالأوْصافِ الَّتِي ذَكَرْناها لِلَّبَنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾، فَخُلُوصُهُ نَزاهَتُهُ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ البَوْلُ والثُّفْلُ، وسَوْغُهُ لِلشّارِبِينَ سَلامَتُهُ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الدَّمُ مِنَ المَضارِّ لِمَن شَرِبَهُ، فَلِذَلِكَ لا يُسِيغُهُ الشّارِبُ ويَتَجَهَّمُهُ.
وهَذا الوَصْفُ العَجِيبُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ، إذْ هو وصْفٌ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ أنْ يَعْرِفَ دَقائِقَ تَكْوِينِهِ، ولا أنْ يَأْتِيَ عَلى وصْفِهِ بِما لَوْ وصَفَ بِهِ العالِمُ الطَّبِيعِيُّ لَمْ يَصِفْهُ بِأوْجَزَ مِن هَذا وأجْمَعِ.
وإفْرادُ ضَمِيرِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ مُراعاةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُفْرَدًا؛ لِأنَّ اسْمَ الجَمْعِ لَفْظٌ مُفْرَدٌ، إذْ لَيْسَ مِن صِيَغِ الجُمُوعِ، فَقَدْ يُراعى
صفحة ٢٠٢
اللَّفْظُ فَيَأْتِي ضَمِيرُهُ مُفْرَدًا، وقَدْ يُراعى مَعْناهُ فَيُعامَلُ مُعامَلَةَ الجُمُوعِ، كَما في آيَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ [المؤمنون: ٢١] .
والخالِصُ: المُجَرَّدُ مِمّا يُكَدِّرُ صَفاءَهُ، فَهو الصّافِي، والسّائِغُ: السَّهْلُ المُرُورِ في الحَلْقِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ (نَسْقِيكم) بِفَتْحِ النُّونِ مُضارِعُ سَقى، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ أسْقى، وهُما لُغَتانِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ عِوَضًا عَنِ النُّونِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأنْعامِ.
16:67Page 274
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧
And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.
﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦] .
ووُجُودُ (مِن) في صَدْرِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها وهو (نَسْقِيكم)، فالتَّقْدِيرُ: ونَسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَتَّخِذُونَ)، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ وُجُودُ (مِن) الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ (تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا) المانِعُ مِنَ اعْتِبارِ تَعَلُّقِ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ بِـ (تَتَّخِذُونَ)، فَإنَّ نُظُمَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى قَصْدِ المُتَكَلِّمِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَتَّخِذُونَ) مُقَدَّمًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ المَعْنى عَنْ الِامْتِنانِ بِلُطْفِ اللَّهِ تَعالى إذْ جَعَلَ نَفْسَهُ السّاقِي لِلنّاسِ، وهَذا عَطْفٌ مِنهُ عَلى مِنَّةٍ؛ لِأنَّ نَسْقِيكم وقَعَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦] ومُفادُ فِعْلِ نَسْقِيكم مُفادُ الِامْتِنانِ؛ لِأنَّ السَّقْيَ مَزِيَّةٌ، وكِلْتا العِبْرَتَيْنِ في السَّقْيِ، والمُناسَبَةُ أنَّ كِلْتَيْهِما ماءٌ، وأنَّ كِلْتَيْهِما يُضْغَطُ بِاليَدِ، وقَدْ أطْلَقَ
صفحة ٢٠٣
العَرَبُ الحَلْبَ عَلى عَصِيرِ الخَمْرِ والنَّبِيذِ، قالَ حَسّانٌ يَذْكُرُ الخَمْرَ المَمْزُوجَةَ والخالِصَةَ:
كِلْتاهُما حَلَبَ العَصِيرَ فَعاطِنِي بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمَفْصِـلِ
ويُشِيرُ إلى كَوْنِهِما عِبْرَتَيْنِ مِن نَوْعٍ مُتَقارِبٍ جَعْلُ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) عَقِبَ ذِكْرِ السَّقْيَيْنِ دُونَ أنْ يُذَيِّلَ سَقْيَ الألْبانِ بِكَوْنِهِ آيَةً، فالعِبْرَةُ في خَلْقِ الثِّمارِ صالِحَةً لِلْعَصْرِ والِاخْتِمارِ، ومُشْتَمِلَةً عَلى مَنافِعَ لِلنّاسِ ولَذّاتٍ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فَهَذا مُرْتَبِطٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ العِبْرَةِ بِخَلْقِ النَّباتِ والثَّمَراتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ﴾ [النحل: ١١] الآيَةَ.
وجُمْلَةُ (تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا) إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ.
و(مِن) في المَوْضِعَيْنِ ابْتِدائِيَّةٌ، فالأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (نَسْقِيكم) المُقَدَّرِ، والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (تَتَّخِذُونَ)، ولَيْسَتِ الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةً؛ لِأنَّ السَّكَرَ لَيْسَ بَعْضَ الثَّمَراتِ، فَمَعْنى الِابْتِداءِ يَنْتَظِمُ كِلا الحَرْفَيْنِ.
والسَّكَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: الشَّرابُ المُسْكِرُ.
وهَذا امْتِنانٌ بِما فِيهِ لَذَّتُهُمُ المَرْغُوبَةُ لَدَيْهِمْ، والمُتَفَشِّيَةُ فِيهِمْ وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وتَحْرِيمُ الخَمْرِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ فالِامْتِنانُ حِينَئِذٍ بِمُباحٍ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، ووُصِفَ بِـ (حَسَنًا) لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، وذَلِكَ التَّمْرُ والعِنَبُ؛ لِأنَّهُما حُلْوانِ لَذِيذانِ يُؤْكَلانِ رَطْبَيْنِ ويابِسَيْنِ قابِلانِ لِلِادِّخارِ، ومِن أحْوالِ عَصِيرِ العِنَبِ أنْ يَصِيرَ خَلًّا ورُبًّا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَعْدادِ الآيَةِ؛ لِأنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
صفحة ٢٠٤
والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]، والإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن نِعْمَةِ سَقْيِ الألْبانِ، وسَقْيِ السَّكَرِ وطُعْمِ الثَّمَرِ.
واخْتِيرَ وصْفُ العَقْلِ هُنا؛ لِأنَّ دَلالَةَ تَكْوِينِ ألْبانِ الأنْعامِ عَلى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى يَحْتاجُ إلى تَدَبُّرٍ فِيما وصَفَتْهُ الآيَةُ هُنا، ولَيْسَ هو بِبَدِيهِيٍّ كَدَلالَةِ المَطَرِ كَما تَقَدَّمَ.
16:68–69Page 274
وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨
And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩
Then eat from all the fruits1 and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
عَطْفُ عِبْرَةٍ عَلى عِبْرَةٍ ومِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ، وغَيَّرَ أُسْلُوبَ الِاعْتِبارِ لِما في هَذِهِ العِبْرَةِ مِن تَنْبِيهٍ عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، إذْ أوْدَعَ في خِلْقَةِ الحَشَرَةِ الضَّعِيفَةِ هَذِهِ الصَّنْعَةَ العَظِيمَةَ، وجَعَلَ فِيها هَذِهِ المَنفَعَةَ كَما أوْدَعَ في الأنْعامِ ألْبانَها وأوْدَعَ في ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ شَرابًا، وكانَ ما في بُطُونِ النَّحْلِ وسَطًا بَيْنَ ما في بُطُونِ الأنْعامِ، وما في قَلْبِ الثِّمارِ فَإنَّ النَّحْلَ يَمْتَصُّ ما في الثَّمَراتِ والأنْوارِ مِنَ المَوادِّ السُّكَّرِيَّةِ العَسَلِيَّةِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ عَسَلًا كَما يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِن خُلاصَةِ المَرْعى.
وفِيهِ عِبْرَةٌ أُخْرى، وهي أنْ أوْدَعَ اللَّهُ في ذُبابَةِ النَّحْلِ إدْراكًا لِصُنْعٍ مُحْكَمٍ مَضْبُوطٍ مُنْتِجٍ شَرابًا نافِعًا لا يَحْتاجُ إلى حَلْبِ الحالِبِ.
فافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِفِعْلِ (أوْحى) دُونَ أنْ تُفْتَتَحَ بِاسْمِ الجَلالَةِ مِثْلُ جُمْلَةِ ( واللَّهُ أنْزَلَ، لِما في أوْحى مِنَ الإيماءِ إلى إلْهامِ تِلْكَ الحَشَرَةِ الضَّعِيفَةِ تَدْبِيرًا عَجِيبًا وعَمَلًا مُتْقَنًا وهَنْدَسَةً في الجِبِلَّةِ.
صفحة ٢٠٥
فَكانَ ذَلِكَ الإلْهامُ في ذاتِهِ دَلِيلًا عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَلى ما بَعْدَهُ مِن دَلالَةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومِنَّةً مِنهُ.
والوَحْيُ: الكَلامُ الخَفِيُّ والإشارَةُ الدّالَّةُ عَلى مَعْنًى كَلامِيٍّ، ومِنهُ سُمِّيَ ما يُلْقِيهِ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ وحْيًا؛ لِأنَّهُ خَفِيٌّ عَنْ أسْماعِ النّاسِ.
وأُطْلِقَ الوَحْيُ هُنا عَلى التَّكْوِينِ الخَفِيِّ الَّذِي أوْدَعَهُ اللَّهُ في طَبِيعَةِ النَّحْلِ، بِحَيْثُ تَنْساقُ إلى عَمَلٍ مُنَظَّمٍ مُرَتَّبٍ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ آحادُها، تَشْبِيهًا لِلْإلْهامِ بِكَلامٍ خَفِيٍّ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الشَّبِيهَ بِعَمَلِ المُتَعَلِّمِ بِتَعْلِيمِ المُعَلِّمِ، أوِ المُؤْتَمَرِ بِإرْشادِ الآمِرِ، الَّذِي تَلَقّاهُ سِرًّا، فَإطْلاقُ الوَحْيِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
والنَّحْلُ: اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، واحِدُهُ نَحْلَةٌ، وهو ذُبابٌ لَهُ جِرْمٌ بِقَدْرِ ضِعْفَيْ جِرْمِ الذُّبابِ المُتَعارَفِ، وأرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ، ولَوْنُ بَطْنِهِ أسْمَرُ إلى الحُمْرَةِ، وفي خُرْطُومِهِ شَوْكَةٌ دَقِيقَةٌ كالشَّوْكَةِ الَّتِي في ثَمَرَةِ التِّينِ البَرْبَرِيِّ (المُسَمّى بِالهِنْدِيِّ) مُخْتَفِيَةٌ تَحْتَ خُرْطُومِهِ يَلْسَعُ بِها ما يَخافُهُ مِنَ الحَيَوانِ، فَتَسُمَّ المَوْضِعَ سُمًّا غَيْرَ قَوِيٍّ، ولَكِنَّ الذُّبابَةَ إذا انْفَصَلَتْ شَوْكَتُها تَمُوتُ، وهو ثَلاثَةُ أصْنافٍ ذَكَرٌ وأُنْثى وخُنْثى، فالذُّكُورُ هي الَّتِي تَحْرُسُ بُيُوتَها، ولِذَلِكَ تَكُونُ مُحَوِّمَةً بِالطَّيَرانِ والدَّوِيِّ أمامَ البَيْتِ، وهي تُلَقِّحُ الإناثَ لَقاحًا بِهِ تَلِدُ الإناثُ إناثًا.
والإناثُ: هي المُسَمّاةُ اليَعاسِيبَ، وهي أضْخَمُ جِرْمًا مِنَ الذُّكُورِ، ولا تَكُونُ الَّتِي تَلِدُ في البُيُوتِ إلّا أُنْثى واحِدَةٌ، وهي قَدْ تَلِدُ بِدُونِ لِقاحِ ذَكَرٍ، ولَكِنَّها في هَذِهِ الحالَةِ لا تَلِدُ إلّا ذُكُورًا فَلَيْسَ في أفْراخِها فائِدَةٌ لِإنْتاجِ الوالِداتِ.
وأمّا الخُنْثى: فَهي الَّتِي تُفْرِزُ العَسَلَ، وهي العَواسِلُ، وهي أصْغَرُ جِرْمًا مِنَ الذُّكُورِ وهي مُعْظَمُ سُكّانِ بَيْتِ النَّحْلِ.
صفحة ٢٠٦
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، وهي تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ؛ لِأنَّ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةَ مِن رَوادِفِ الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
واتِّخاذُ البُيُوتِ هو أوَّلُ مَراتِبِ الصُّنْعِ الدَّقِيقِ الَّذِي أوْدَعَهُ اللَّهُ في طَبائِعِ النَّحْلِ؛ فَإنَّها تَبْنِي بُيُوتًا بِنِظامٍ دَقِيقٍ، ثُمَّ تُقَسِّمُ أجْزاءَها أقْسامًا مُتَساوِيَةً بِأشْكالٍ مُسَدَّسَةِ الأضْلاعِ، بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّلُ بَيْنَها فَراغٌ تَنْسابُ مِنهُ الحَشَراتُ؛ لِأنَّ خَصائِصَ الأشْكالِ المُسَدَّسَةِ إذا ضُمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ أنْ تَتَّصِلَ فَتَصِيرُ كَقِطْعَةٍ واحِدَةٍ، وما عَداها مِنَ الأشْكالِ مِنَ المُثَلَّثِ إلى المُعَشَّرِ إذا جُمِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنها إلى أمْثالِهِ لَمْ تَتَّصِلْ، وحَصَلَتْ بَيْنَها فُرَجٌ، ثُمَّ تَغُشِّي عَلى سُطُوحِ المُسَدَّساتِ بِمادَّةِ الشَّمْعِ، وهو مادَّةٌ دُهْنِيَّةٌ مُتَمَيِّعَةٌ أقْرَبُ إلى الجُمُودِ، تَتَكَوَّنُ في كِيسٍ دَقِيقٍ جِدًّا تَحْتَ بَطْنِ النَّحْلَةِ العامِلَةِ فَتَرْفَعُهُ النَّحْلَةُ بِأرْجُلِها إلى فَمِها، وتَمْضُغُهُ، وتَضَعُ بَعْضَهُ لَصْقَ بَعْضٍ لِبِناءِ المُسَدَّسِ المُسَمّى بِالشَّهْدِ لِتَمْنَعَ تَسَرُّبَ العَسَلِ مِنها.
ولَمّا كانَتْ بُيُوتُ النَّحْلِ مَعْرُوفَةٌ لِلْمُخاطَبِينَ اكْتُفِيَ في الِاعْتِبارِ بِها بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْها والتَّذْكِيرِ بِها.
وأُشِيرَ إلى أنَّها تُتَّخَذُ في أحْسَنِ البِقاعِ مِنَ الجِبالِ أوِ الشَّجَرِ أوِ العَرْشِ دُونَ بُيُوتِ الحَشَراتِ الأُخْرى، وذَلِكَ لِشَرَفِها بِما تَحْتَوِيهِ مِنَ المَنافِعِ، وبِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن دَقائِقِ الصَّنْعَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى في ضِدِّها ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجِبالِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (الجِبالِ) وما عُطِفَ عَلَيْها بِمَعْنى (في)، وأصْلُها (مِن) الِابْتِدائِيَّةُ، فالتَّعْبِيرُ بِها دُونَ (في) الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ النَّحْلَ تَبْنِي لِنَفْسِها بُيُوتًا، ولا تَجْعَلُ بُيُوتَها جُحُورَ الجِبالِ ولا أغْصانَ الشَّجَرِ ولا أعْوادَ العَرِيشِ
صفحة ٢٠٧
وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، ولَيْسَتْ مِثْلَ (مِن) الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ [النحل: ٨١] .
و(ما يَعْرِشُونَ) أيْ ما يَجْعَلُونَهُ عُرُوشًا، جَمْعُ عَرِيشٍ، وهو مَجْلِسٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ في الحائِطِ أوِ الحَقْلِ يُتَّخَذُ مِن أعْوادٍ، ويُسَقَّفُ أعْلاهُ بِوَرَقٍ ونَحْوِهِ؛ لِيَكُونَ لَهُ ظِلٌّ فَيَجْلِسُ فِيهِ صاحِبُهُ مُشْرِفًا عَلى ما حَوْلَهُ.
يُقالُ: عَرَّشَ، إذا بَنى ورَفَعَ، ومِنهُ سُمِّيَ السَّرِيرُ الَّذِي يَرْتَفِعُ عَنِ الأرْضِ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ العُظَماءُ عَرْشًا.
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِكَسْرِ راءِ (يَعْرِشُونَ)، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّ إلْهامَ النَّحْلِ لِلْأكْلِ مِنَ الثَّمَراتِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَكَوُّنُ العَسَلِ في بُطُونِها، وذَلِكَ أعْلى رُتْبَةً مِنَ اتِّخاذِها البُيُوتَ؛ لِاخْتِصاصِها بِالعَسَلِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الحَشَراتِ الَّتِي تَبْنِي البُيُوتَ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ فائِدَةً لِلْإنْسانِ، ولِأنَّ مِنهُ قُوتَها الَّذِي بِهِ بَقاؤُها، وسُمِّيَ امْتِصاصُها أكْلًا؛ لِأنَّها تَقْتاتَهُ فَلَيْسَ هو بِشُرْبٍ.
والثَّمَراتُ: جَمْعُ ثَمَرَةٍ، وأصْلُ الثَّمَرَةِ ما تُخْرِجُهُ الشَّجَرَةُ مِن غَلَّةٍ، مِثْلُ التَّمْرِ والعِنَبِ، والنَّحْلُ يَمْتَصُّ مِنَ الأزْهارِ قَبْلَ أنْ تَصِيرَ ثَمَراتٍ، فَأُطْلِقَ الثَّمَراتُ في الآيَةِ عَلى الأزْهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ الأوَّلِ.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ فاسْلُكِي بِفاءِ التَّفْرِيعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في طَبْعِ النَّحْلِ عِنْدَ الرَّعْيِ التَّنَقُّلَ مِن زَهْرَةٍ إلى زَهْرَةٍ ومِن رَوْضَةٍ إلى رَوْضَةٍ، وإذا لَمْ تَجِدْ زَهْرَةً أبْعَدَتْ الِانْتِجاعَ ثُمَّ إذا شَبِعَتْ قَصَدَتِ المُبادَرَةَ بِالطَّيَرانِ عَقِبَ الشِّبَعِ لِتَرْجِعَ إلى بُيُوتِها فَتَقْذِفُ مِن بُطُونِها العَسَلَ الَّذِي يَفْضُلُ عَنْ قُوتِها، فَذَلِكَ السُّلُوكُ مُفَرَّعٌ عَلى طَبِيعَةِ أكْلِها.
صفحة ٢٠٨
وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ لِلْأزْهارِ ولِلثِّمارِ غُدَدًا دَقِيقَةً تَفْرِزُ سائِلًا سُكَّرِيًّا تَمْتَصُّهُ النَّحْلُ، وتَمْلَأُ بِهِ ما هو كالحَواصِلِ في بُطُونِها وهو يَزْدادُ حَلاوَةً في بُطُونِ النَّحْلِ بِاخْتِلاطِهِ بِمَوادٍّ كِيمْيائِيَّةٍ مُودَعَةٍ في بُطُونِ النَّحْلِ، فَإذا راحَتْ مِن مَرْعاها إلى بُيُوتِها أخْرَجَتْ مِن أفْواهِها ما حَصَلَ في بُطُونِها بَعْدَ أنْ أخَذَ مِنهُ جِسْمُها ما يَحْتاجُهُ لِقُوتِهِ، وذَلِكَ يُشْبِهُ اجْتِرارَ الحَيَوانِ المُجْتَرِّ، فَذَلِكَ هو العَسَلُ.
والعَسَلُ حِينَ القَذْفِ بِهِ في خَلايا الشَّهْدِ يَكُونُ مائِعًا رَقِيقًا، ثُمَّ يَأْخُذُ في جَفافِ ما فِيهِ مِن رُطُوبَةِ مِياهِ الأزْهارِ بِسَبَبِ حَرارَةِ الشَّمْعِ المُرَكَّبِ مِنهُ الشَّهْدُ، وحَرارَةِ بَيْتِ النَّحْلِ حَتّى يَصِيرَ خاثِرًا، ويَكُونُ أبْيَضَ في الرَّبِيعِ وأسْمَرَ في الصَّيْفِ.
والسُّلُوكُ: المُرُورُ وسَطَ الشَّيْءِ مِن طَرِيقٍ ونَحْوِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] في سُورَةِ الحِجْرِ.
ويُسْتَعْمَلُ في الأكْثَرِ مُتَعَدِّيًا كَما في آيَةِ الحِجْرِ بِمَعْنى أسْلُكُهُ، وقاصِرًا بِمَعْنى (مَرَّ) كَما هُنا؛ لِأنَّ السُّبُلَ لا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ مَفْعُولَ سَلَكَ المُتَعَدِّي، فانْتِصابُ (سُبُلَ) هُنا عَلى نَزْعِ الخافِضِ تَوَسُّعًا.
وإضافَةُ (السُّبُلِ) إلى (رَبِّكَ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ النَّحْلَ مُسَخَّرَةٌ لِسُلُوكِ تِلْكَ السُّبُلِ لا يَعْدِلُها عَنْها شَيْءٌ؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَسْلُكْها لاخْتَلَّ نِظامُ إفْرازِ العَسَلِ مِنها.
و(ذُلُلًا) جَمْعُ ذَلُولٍ، أيْ مُذَلَّلَةٌ مُسَخَّرَةٌ لِذَلِكَ السُّلُوكِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَبَرِ عَنْ إلْهامِ النَّحْلِ تِلْكَ الأعْمالِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ عَنِ الغايَةِ مِن هَذا التَّكْوِينِ العَجِيبِ، فَيَكُونُ مَضْمُونُ جُمْلَةِ (يَخْرُجُ مِن
صفحة ٢٠٩
بُطُونِها شَرابٌ) بَيانًا لِما سَألَ عَنْهُ، وهو أيْضًا مَوْضِعُ المِنَّةِ كَما كانَ تَمامَ العِبْرَةِ.
وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الخُرُوجِ وتَكَرُّرِهِ.
وعَبَّرَ عَنِ العَسَلِ بِاسْمِ الشَّرابِ دُونَ العَسَلِ؛ لِما يُومِئُ إلَيْهِ اسْمُ الجِنْسِ مِن مَعْنى الِانْتِفاعِ بِهِ وهو مَحَلُّ المِنَّةِ، ولِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾، وسُمِّيَ شَرابًا؛ لِأنَّهُ مائِعٌ يُشْرَبُ شُرْبًا ولا يُمْضَغُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّرابِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ [النحل: ١٠] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
ووَصْفُهُ بِـ (مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ)؛ لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في العِبْرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤])، فَذَلِكَ مِنَ الآياتِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، ودَقِيقِ الحِكْمَةِ.
وفِي العَسَلِ خَواصٌّ كَثِيرَةُ المَنافِعِ مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ الطِّبِّ.
وجُعِلَ الشِّفاءُ مَظْرُوفًا في العَسَلِ عَلى وجْهِ الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وهي المُلابَسَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ مُلابَسَةِ الشِّفاءِ إيّاهُ، وإيماءٌ إلى أنَّهُ لا يَقْتَضِي أنْ يَطَّرِدَ الشِّفاءُ بِهِ في كُلِّ حالَةٍ مِن أحْوالِ الأمْزِجَةِ، أوْ قَدْ تَعْرِضُ لِلْأمْزِجَةِ عَوارِضُ تَصِيرُ غَيْرَ مُلائِمٍ لَها شُرْبُ العَسَلِ، فالظَّرْفِيَّةُ تَصْلُحُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَخَلُّفِ المَظْرُوفِ عَنْ بَعْضِ أجْزاءِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ يَكُونُ أوْسَعَ مِنَ المَظْرُوفِ غالِبًا، شَبَّهَ تَخَلُّفَ المُقارَنَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ بِقِلَّةِ كَمِّيَّةِ المَظْرُوفِ عَنْ سِعَةِ الظَّرْفِ في بَعْضِ أحْوالِ الظُّرُوفِ ومَظْرُوفاتِها، وبِذَلِكَ يَبْقى تَعْرِيفُ النّاسِ عَلى عُمُومِهِ، وإنَّما التَّخَلُّفُ في بَعْضِ الأحْوالِ العارِضَةِ، ولَوْلا العارِضُ لَكانَتِ الأمْزِجَةُ كُلُّها صالِحَةٌ لِلِاسْتِشْفاءِ بِالعَسَلِ.
وتَنْكِيرُ (شِفاءٌ) في سِياقِ الإثْباتِ لا يَقْتَضِي العُمُومَ فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ، كَما أنَّ مُفادَ (في) مِنَ الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ لا يَقْتَضِي عُمُومَ الأحْوالِ.
وعُمُومُ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ تَعالى (لِلنّاسِ) لا يَقْتَضِي العُمُومَ الشُّمُولِيَّ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ بَلْ لَفْظُ (النّاسِ) عُمُومُهُ بَدَلِيٌّ، والشِّفاءُ ثابِتٌ لِلْعَسَلِ في
صفحة ٢١٠
أفْرادِ النّاسِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ حاجاتِ الأمْزِجَةِ إلى الِاسْتِشْفاءِ، وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ مَحْمَلُ ما جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي في الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أخِي اسْتُطْلِقَ بَطْنُهُ، فَقالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا، ثُمَّ جاءَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا، قالَ: اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا، فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا ثُمَّ جاءَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، فَذَهَبَ فَسَقاهُ عَسَلًا فَبَرِئَ» .
إذِ المَعْنى أنَّ الشِّفاءَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِوُجُودِهِ في العَسَلِ ثابِتٌ، وأنَّ مِزاجَ أخِي السّائِلِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مُعارِضُ ذَلِكَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ أمْرُ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ أنْ يَسْقِيَهُ العَسَلَ، فَإنَّ خَبَرَهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ العَسَلَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ باقٍ عَلى ما جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الشِّفاءِ.
ومِن لَطِيفِ النَّوادِرِ ما في الكَشّافِ: أنَّ مِن تَأْوِيلاتِ الرَّوافِضِ أنَّ المُرادَ بِالنَّحْلِ في الآيَةِ عَلِيٌّ وآلِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ عِنْدَ المَهْدِيِّ: إنَّما النَّحْلُ بَنُو هاشِمٍ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهِمُ العِلْمُ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: جَعَلَ اللَّهُ طَعامَكَ وشَرابَكَ أُضْحُوكَةً مِن أضاحِيكِهِمْ.
قُلْتُ: الرَّجُلُ الَّذِي أجابَ الرّافِضِيَّ هو بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ، وهَذِهِ القِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في أخْبارِ بِشّارٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ مِثْلُ الجُمْلَتَيْنِ المُماثِلَتَيْنِ لَها، وهو تَكْرِيرٌ لِتَعْدادِ الِاسْتِدْلالِ، واخْتِيرَ وصْفُ التَّفَكُّرِ هُنا؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِتَفْصِيلِ ما أجْمَلَتْهُ الآيَةُ في نِظامِ النَّحْلِ مُحْتاجٌ إلى إعْمالِ فِكْرٍ دَقِيقٍ، ونَظَرٍ عَمِيقٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences