Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:101–109
17:101–102Page 292
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١
And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."
قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢
[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾
بَقِيَ قَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] غَيْرَ مَرْدُودٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ لَهُ مُخالَفَةً لِبَقِيَّةِ ما اقْتَرَحُوهُ بِأنَّهُ اقْتِراحُ آيَةِ عَذابٍ ورُعْبٍ، فَهو مِن قَبِيلِ آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّسْعِ، فَكانَ ذِكْرُ ما آتاهُ اللَّهُ مُوسى مِنَ الآياتِ، وعَدَمِ إجْداءِ ذَلِكَ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ تَنْظِيرًا لِما سَألَهُ المُشْرِكُونَ.
والمَقْصُودُ: أنَّنا آتَيْنا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِهِ، فَلَمْ يَهْتَدِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وزَعَمُوا ذَلِكَ سِحْرًا، فَفي ذَلِكَ
صفحة ٢٢٥
مَثَلٌ لِلْمُكابِرِينَ كُلِّهِمْ، وما قُرَيْشٌ إلّا مِنهم، فَفي هَذا مَثَلٌ لِلْمُعانِدِينَ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، والآياتُ التِّسْعُ هي: بَياضُ يَدِهِ كُلَّما أدْخَلَها في جَيْبِهِ وأخْرَجَها، وانْقِلابُ العَصا حَيَّةً، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقَمْلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والرِّجْزُ وهو الدُّمَّلُ، والقَحْطُ وهو السُّنُونَ ونَقَصُ الثَّمَراتِ، وهي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ الأعْرافِ، وجَمَعَها الفَيْرُوزَ آبادِيُّ في قَوْلِهِ:
عَصًا سَنَةٌ بَحْرٌ جَرادٌ وقُمَّلُ يَدٌ ودَمٌ بَعْدَ الضَّفادِعِ طُوفانُ
فَقَدْ حَصَلَتْ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الحُجَّةُ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ الآياتِ.
ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الِاعْتِناءُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالمُقارَنَةِ بَيْنَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالرِّسالَةِ بِعِلَّةِ أنَّ الَّذِي جاءَهم بَشَرٌ، ولِلْحُجَّةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ، ولَقَّنُوهم شُبَهَ الإلْحادِ في الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ؛ لِيَصْفُوَ لَهم جَوُّ العِلْمِ في بِلادِ العَرَبِ، وهم ما كانُوا يَحْسُبُونَ لِما وراءَ ذَلِكَ حِسابًا.
فالمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ عَلى رِسالَتِهِ.
وهَذا مِثْلُ التَّنْظِيرِ بَيْنَ إيتاءِ مُوسى، وإيتاءِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢] الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] الآيَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّفْرِيعِ إلى التَّسْجِيلِ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ اسْتِشْهادًا بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، وإدْماجًا لِلتَّعْرِيضِ بِهِمْ بِأنَّهم ساوَوُا المُشْرِكِينَ في إنْكارِ
صفحة ٢٢٦
نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومُظاهَرَتِهِمُ المُشْرِكِينَ بِالدَّسِّ وتَلْقِينِ الشُّبَهِ؛ تَذْكِيرًا لَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إذْ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ .
والخِطابُ في قَوْلِهِ ”فاسْألْ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ، والمُرادُ: سُؤالُ الِاحْتِجاجِ بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، لا سُؤالُ الِاسْتِرْشادِ كَما هو بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ مَسْحُورًا ظاهِرُهُ أنَّ مَعْناهُ مُتَأثِّرًا بِالسِّحْرِ، أيْ سَحَرَكَ السَّحَرَةُ، وأفْسَدُوا عَقْلَكَ؛ فَصِرْتَ تَهْرِفُ بِالكَلامِ الباطِلِ الدّالِّ عَلى خَلَلِ العَقْلِ، مِثْلَ المَيْمُونِ والمَشْئُومِ، وهَذا قَوْلٌ قالَهُ فِرْعَوْنُ في مَقامٍ غَيْرِ الَّذِي قالَ لَهُ فِيهِ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥]، والَّذِي قالَ فِيهِ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]، فَيَكُونُ إعْراضًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِالآياتِ، وإقْبالًا عَلى تَطَلُّعِ حالِ مُوسى فِيما يَقُولُهُ مِن غَرائِبِ الأقْوالِ عِنْدَهم، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥]، وكُلُّ تِلْكَ الأقْوالِ صَدَرَتْ مِن فِرْعَوْنَ في مَقاماتِ مُحاوَراتِهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحُكِيَ في كُلِّ آيَةٍ مِنها شَيْءٌ مِنها.
و(إذا) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”آتَيْنا“، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”جاءَهم“ عائِدٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأصْلُ الكَلامِ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ إذْ جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ، فاسْألْهم.
وكانَ فِرْعَوْنُ تَعَلَّقَ ظَنُّهُ بِحَقِيقَةِ ما أظْهَرَ مِنَ الآياتِ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ أنَّها سِحْرٌ، أوْ تَعَلَّقَ ظَنُّهُ بِحَقِيقَةِ حالِ مُوسى، فَرَجَحَ عِنْدَهُ أنَّهُ أصابَهُ سِحْرٌ؛ لِأنَّ الظَّنَّ دُونَ اليَقِينِ، قالَ تَعالى ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الظَّنُّ بِمَعْنى العِلْمِ اليَقِينِ.
ومَعْنى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْقَ في نَفْسِهِ شَكٌّ في أنَّ تِلْكَ الآياتِ لا تَكُونُ إلّا بِتَسْخِيرِ اللَّهِ، إذْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ، وأنَّهُ إنَّما قالَ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ عِنادًا ومُكابَرَةً وكِبْرِياءً.
صفحة ٢٢٧
وأُكِّدَ كَلامُ مُوسى بِلامِ القَسَمِ، وحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ عِلْمِ فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ، وإنَّما أيْقَنَ مُوسى بِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ: إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أعْلَمَهُ بِهِ، وإمّا بِرَأْيٍ مُصِيبٍ؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ عِنْدَ قِيامِ البُرْهانِ الضَّرُورِيِّ حُصُولٌ عَقْلِيٌّ طَبِيعِيٌّ، لا يَتَخَلَّفُ عَنْ عَقْلٍ سَلِيمٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ (لَقَدْ عَلِمْتُ) بِضَمِّ التّاءِ، أيْ أنَّ تِلْكَ الآياتِ لَيْسَتْ بِسِحْرٍ - كَما زَعَمْتَ - كِنايَةً عَلى أنَّهُ واثِقٌ مِن نَفْسِهِ السَّلامَةَ مِنَ السِّحْرِ.
والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى الآياتِ التِّسْعِ جِيءَ لَها بِاسْمِ إشارَةِ العاقِلِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَشْهُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقَوْلُ جَرِيرٍ:
ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللَّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
والأكْثَرُ أنْ يُشارَ بِـ (أُولاءِ) إلى العاقِلِ.
والبَصائِرُ: الحُجَجُ المُفِيدَةُ لِلْبَصِيرَةِ، أيِ العِلْمِ، فَكَأنَّها نَفْسُ البَصِيرَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] في آخِرِ الأعْرافِ.
وعَبَّرَ عَنِ اللَّهِ بِطَرِيقِ إضافَةِ وصْفِ الرَّبِّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ؛ تَذْكِيرًا بِأنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ هو القادِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الخَوارِقِ.
والمَثْبُورُ: الَّذِي أصابَهُ الثُّبُورُ، وهو الهَلاكُ، وهَذا نِذارَةٌ وتَهْدِيدٌ لِفِرْعَوْنَ بِقُرْبِ هَلاكِهِ، وإنَّما جَعَلَهُ مُوسى ظَنًّا؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِاسْتِقْراءٍ تامٍّ، أفادَهُ هَلاكُ المُعانِدِينَ لِلرُّسُلِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَدْرِ لَعَلَّ فِرْعَوْنَ يُقْلِعُ عَنْ ذَلِكَ، وكانَ عِنْدَهُ احْتِمالٌ ضَعِيفٌ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ تَوَقُّعَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ظَنًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلًا بِمَعْنى اليَقِينِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وفِي ذِكْرِ هَذا مِن قِصَّةِ مُوسى إتْمامٌ لِتَمْثِيلِ حالِ مُعانِدِي الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِحالِ مَن عانَدَ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٢٨
وجاءَ في جَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما شافَهَهُ فِرْعَوْنُ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ مُقارَعَةً لَهُ، وإظْهارًا لِكَوْنِهِ لا يَخافُهُ، وأنَّهُ يُعامِلُهُ مُعامَلَةَ المِثْلِ قالَ تَعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
17:103–104Page 292
فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣
So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.
وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤
And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."
﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ .
أُكْمِلَتْ قِصَّةُ المَثَلِ بِما فِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَمْثِيلِ الحالَيْنِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُحاوَلاتِهِمْ صائِرَةٌ إلى ما صارَ إلَيْهِ مَكْرُ فِرْعَوْنَ وكَيْدُهُ، فَفَرَّعَ عَلى تَمْثِيلِ حالَيِ الرِّسالَتَيْنِ وحالَيِ المُرْسَلِ إلَيْهِما ذِكْرَ عاقِبَةِ الحالِ المُمَثَّلِ بِها إنْذارًا لِلْمُمَثَّلِينَ بِذَلِكَ المَصِيرِ.
فَقَدْ أضْمَرَ المُشْرِكُونَ إخْراجَ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ، فَمُثِّلَتْ إرادَتُهم بِإرادَةِ فِرْعَوْنَ إخْراجَ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، قالَ تَعالى ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] .
والِاسْتِفْزازُ: الِاسْتِخْفافُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإبْعادِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والمُرادُ (بِمَن مَعَهُ) جُنْدُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ يَتَّبِعُونَ بَنِي إسْرائِيلَ.
والأرْضُ الأُولى هي المَعْهُودَةُ، وهي أرْضُ مِصْرَ، والأرْضُ الثّانِيَةُ أرْضُ الشّامِ، وهي المَعْهُودَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِوَعْدِ اللَّهِ إبْراهِيمَ إيّاها.
صفحة ٢٢٩
ووَعْدُ الآخِرَةِ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ الخَلائِقَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ مِنَ البَعْثِ والحَشْرِ.
واللَّفِيفُ: الجَماعاتُ المُخْتَلِطُونَ مِن أصْنافٍ شَتّى، والمَعْنى: حَكَمْنا بَيْنَهم في الدُّنْيا بِغَرَقِ الكَفَرَةِ، وتَمْلِيكِ المُؤْمِنِينَ، وسَنَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
ومَعْنى ﴿جِئْنا بِكُمْ﴾ أحْضَرْناكم لَدَيْنا، والتَّقْدِيرُ: جِئْنا بِكم إلَيْنا.
17:105Page 293
وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥
And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ عَوْدٌ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، فَلَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠] الآياتِ إلى هُنا، وسَمَحَتْ مُناسَبَةُ ذِكْرِ تَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، عادَ الكَلامُ إلى التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ.
وقَدْ وُصِفَ القُرْآنُ بِصِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما تَحْتَوِي عَلى ثَناءٍ عَظِيمٍ، وتَنْبِيهٍ لِلتَّدَبُّرِ فِيهِما.
وقَدْ ذُكِرَ فِعْلُ النُّزُولِ مَرَّتَيْنِ، وذُكِرَ لَهُ في كُلِّ مَرَّةٍ مُتَعَلِّقٌ مُتَماثِلُ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ مُخْتَلِفُ المَعْنى، فَعَلَّقَ إنْزالَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ ”بِالحَقِّ“، فَكانَ مَعْنى الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، ولا كَذِبَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وهو رَدٌّ لِتَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وعَلَّقَ نُزُولَ القُرْآنِ، أيْ بُلُوغَهُ لِلنّاسِ بِأنَّهُ بِالحَقِّ، فَكانَ مَعْنى الحَقِّ الثّانِي مُقابِلَ الباطِلِ، أيْ مُشْتَمِلًا عَلى الحَقِّ الَّذِي بِهِ قِوامُ صَلاحِ النّاسِ، وفَوْزِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، وقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] .
وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ المَعْرُوفِ مِنَ المَقامِ.
والباءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْمُصاحَبَةِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ والهُدى، والمُصاحَبَةُ
صفحة ٢٣٠
تُشْبِهُ الظَّرْفِيَّةَ، ولَوْلا اخْتِلافُ مَعْنى الباءَيْنِ في الآيَةِ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾؛ لِأنَّهُ إذا أُنْزِلَ بِالحَقِّ نَزَلَ بِهِ، ولا يَنْبَغِي المَصِيرُ إلَيْهِ ما لَمْ يَتَعَيَّنْ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى عامِلِهِ لِلْقَصْرِ؛ رَدًّا عَلى المُنْكِرِينَ الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أوْ سِحْرٌ مُبِينٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
* * *
﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، أيْ وفي ذَلِكَ الحَقِّ نَفْعٌ وضُرٌّ، فَأنْتَ بِهِ مُبَشِّرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ونَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ.
والقَصْرُ لِلرَّدِّ عَلى الَّذِينَ سَألُوهُ أشْياءَ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى والَّذِينَ ظَنُّوا أنْ لا يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا.
17:106Page 293
وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦
And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.
﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أنْزَلْناهُ.
وانْتَصَبَ ”قُرْآنًا“ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ”فَرَقْناهُ“ مُقَدَّمَةً عَلى صاحِبِها تَنْوِيهًا الكَوْنُ قُرْآنًا، أيْ كَوْنُهُ كِتابًا مَقْرُوءًا، فَإنَّ اسْمَ القُرْآنِ مُشْتَقٌّ مِنَ القِراءَةِ، وهي التِّلاوَةُ، إشارَةً إلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الكَلامِ الَّذِي يُحْفَظُ، ويُتْلى، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، فَهَذا الكِتابُ لَهُ أسْماءٌ بِاخْتِلافِ صِفاتِهِ فَهو كِتابٌ، وقُرْآنٌ، وفُرْقانٌ، وذِكْرٌ، وتَنْزِيلٌ، وتَجْرِي عَلَيْهِ الأوْصافُ أوْ بَعْضُها بِاخْتِلافِ المَقامِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْلِهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] بِاعْتِبارِ أنَّ
صفحة ٢٣١
المَقامَ لِلْأمْرِ بِالتِّلاوَةِ في الصَّلاةِ أوْ مُطْلَقًا، وإلى قَوْلِهِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] في مَقامِ كَوْنِهِ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولِهَذا لَمْ يُوصَفْ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِوَصْفِ القُرْآنِ غَيْرُ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
ومَعْنى ”فَرَقْناهُ“ جَعَلْناهُ فَرْقًا، أيْ أنْزَلْناهُ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا غَيْرَ مُجْتَمِعٍ صَبْرَةً واحِدَةً، يُقالُ: فَرَّقَ الأشْياءَ إذا باعَدَ بَيْنَها، وفَرَّقَ الصَّبْرَةَ إذا جَزَّأها، ويُطْلَقُ الفَرْقُ عَلى البَيانِ؛ لِأنَّ البَيانَ يُشْبِهُ تَفْرِيقَ الأشْياءِ المُخْتَلِطَةِ، فَيَكُونُ ”فَرَقْناهُ“ مُحْتَمِلًا مَعْنى بَيَّنّاهُ، وفَصَّلْناهُ، وإذْ قَدْ كانَ قَوْلُهُ ”قُرْآنًا“ حالًا مِن ضَمِيرِ ”فَرَقْناهْ“ آلَ المَعْنى إلى: أنّا فَرَقْناهُ وأقْرَأْناهُ.
وقَدْ عُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾، فَهُما عِلَّتانِ: أنْ يُقْرَأ عَلى النّاسِ، وتِلْكَ عِلَّةٌ لِجَعْلِهِ قُرْآنًا، وأنْ يُقْرَأ عَلى مُكْثٍ، أيْ مَهَلٍ وبُطْءٍ، وهي عِلَّةٌ لِتَفْرِيقِهِ.
والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ألْفاظُهُ ومَعانِيهِ أثْبَتَ في نُفُوسِ السّامِعِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾، وفي فِعْلِ ”نَزَّلْناهُ“ المُضاعَفِ وتَأْكِيدِهِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ إشارَةٌ إلى تَفْرِيقِ إنْزالِهِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] .
وطُوِيَ بَيانُ الحِكْمَةِ لِلِاجْتِزاءِ بِما في قَوْلِهِ ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ مِنِ اتِّحادِ الحِكْمَةِ، وهي ما صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] .
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَرَّقْنا إنْزالَهُ؛ رَعْيًا لِلْأسْبابِ والحَوادِثِ، وفي كِلا الوَجْهَيْنِ إبْطالٌ لَشُبْهَتِهِمْ إذْ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] .
17:107–109Page 293
قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧
Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,
وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨
And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."
وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩
And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.
صفحة ٢٣٢
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ .
اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِيُلَقِّنَهُ بِما يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ لَهُمُ الدَّلائِلَ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ القُرْآنِ لا يَكُونُ إلّا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ بَيانِ فَضائِلِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، ثُمَّ بِالتَّعَرُّضِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ، ثُمَّ يَكْشِفُ شُبْهَتَهُمُ الَّتِي يُمَوِّهُونَ بِها امْتِناعَهم مِنَ الإيمانِ بِرِسالَةِ البَشَرِ، وبَيَّنَ لَهم غَلَطَهم أوْ مُغالَطَتَهم، ثُمَّ بِالأمْرِ بِإقامَةِ اللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ثُمَّ بِتَهْدِيدِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ، ثُمَّ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ بِحالِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَعَ مُوسى، وما عُجِّلَ لَهم مِن عَذابِ الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ، ثُمَّ بِكَشْفِ شُبْهَتِهِمْ في تَنْجِيمِ القُرْآنِ - أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ النَّظَرِ في تَرْجِيحِ الإيمانِ بِصِدْقِ القُرْآنِ، وعَدَمِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ إيمانِهِمْ وعَدَمِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ في قَوْلِهِ ”آمِنُوا“ لِلتَّسْوِيَةِ، أيْ إنْ شِئْتُمْ.
وجُزِمَ ”لا تُؤْمِنُوا“ بِالعَطْفِ عَلى المَجْزُومِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]، فَحَرْفُ (لا) حَرْفُ نَفْيٍ، ولَيْسَ حَرْفَ نَهْيٍ، ولا يَقَعُ مَعَ الأمْرِ المُرادِ بِهِ التَّسْوِيَةُ إلّا كَذَلِكَ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ عَنْهم واحْتِقارِهِمْ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ، ويَنْدَمِجُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ .
صفحة ٢٣٣
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَعْنى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ إيمانِهِمْ بِهِ وعَدَمِهِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِفِعْلِ ”قُلْ“، أوْ لِكِلَيْهِما، شَأْنَ العِلَلِ الَّتِي تَرِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، ومَوْقِعُ (إنَّ) فِيها مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ، أيْ إنَّما كانَ إيمانُكم بِالقُرْآنِ وعَدَمُهُ سَواءً؛ لِأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ إيمانِكم بِهِ بِإيمانِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ، فَهم أرْجَحُ مِنكم أحْلامًا، وأفْضَلُ مَقامًا، وهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَزِيدُهم إيمانًا بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُنْزِلَ هَذا عَلَيْهِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ جَهَلَةٌ، وأهْلُ جاهِلِيَّةٍ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أمْثالُ: ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَدْ تَسامَعَ أهْلُ مَكَّةَ بِشَهادَتِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، ومَن آمَنَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن مِثْلِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومُعَيْقِيبٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ.
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِمَغِيبٍ.
وضَمائِرُ (بِهِ، ومِن قَبْلِهِ، ويُتْلى) عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ مَعْهُودِ الحَذْفِ، أيْ آمَنُوا بِصِدْقِهِ، ومِن قَبْلِ نُزُولِهِ.
والخُرُورُ: سُقُوطُ الجِسْمِ، قالَ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] .
وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واللّامُ في لِلْأذْقانِ بِمَعْنى (عَلى) كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ
صفحة ٢٣٤
وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ أنَّها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الِاخْتِصاصِ لِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ التَّمَكُّنِ، كَتَمَكُنِّ الشَّيْءِ بِما هو مُخْتَصٌّ بِهِ.
والأذْقانُ: جَمْعُ الذَّقَنِ - بِفَتْحِ الذّالِ وفَتْحِ القافِ - مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وذَكَرَ الذَّقَنَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِهِمُ الوُجُوهَ كُلَّها مِنَ الأرْضِ مِن قُوَّةِ الرَّغْبَةِ في السُّجُودِ لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْضارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى.
و”سُجَّدًا“ جَمْعُ ساجِدٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَخِرُّونَ“؛ لِبَيانِ الغَرَضِ مِن هَذا الخُرُورِ، وسُجُودُهم سُجُودُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ آيَةٍ مِن دَلائِلِ عَلْمِهِ وصَدِقِ رُسُلِهِ، وتَحْقِيقِ وعْدِهِ.
وعُطِفَتْ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَلى ”يَخِرُّونَ“؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يَجْمَعُونَ بَيْنَ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الخُضُوعِ والقَوْلِ الدّالِّ عَلى التَّنْزِيهِ والتَّعْظِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥]، عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ دَلالَةٌ عَلى التَّعَجُّبِ، والبَهْجَةِ مِن تَحَقُّقِ وعْدِ اللَّهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ الخاتَمِ ﷺ .
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ مِن تَمامِ مَقُولِهِمْ، وهو المَقْصُودُ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ تَسْبِيحَهم - قَبْلَهُ - تَسْبِيحُ تَعَجُّبٍ واعْتِبارٍ بِأنَّهُ الكِتابُ المَوْعُودُ بِهِ، وبِرَسُولِهِ في الكُتُبِ السّابِقَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَدْ بَطَلَ عَمَلُها بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ، ووَلِيَها فِعْلٌ مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ؛ جَرْيًا عَلى الغالِبِ في اسْتِعْمالِ المُخَفَّفَةِ، وقُرِنَ خَبَرُ النّاسِخِ بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
والوَعْدُ باقٍ عَلى أصْلِهِ مِنَ المَصْدَرِيَّةِ، وتَحْقِيقُ الوَعْدِ يَسْتَلْزِمُ تَحْقِيقَ المَوْعُودِ بِهِ؛ فَحَصَلَ التَّصْدِيقُ بِالوَعْدِ والمَوْعُودِ بِهِ.
ومَعْنى ”مَفْعُولًا“ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما جاءَ في وعْدِهِ، أيْ يُكَوِّنُهُ ويُحَقِّقُهُ، وهَذا السُّجُودُ سُجُودُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ، إذْ حَقَّقَ وعْدَهُ بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ.
صفحة ٢٣٥
وقَوْلُهُ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ بِاخْتِلافِ الحالِ المُقْتَرِنَةِ بِها، أُعِيدَتِ الجُمْلَةُ؛ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ الحالِ، وقَدْ يَقَعُ التَّكْرِيرُ مَعَ العَطْفِ؛ لِأجْلِ اخْتِلافِ القُيُودِ، فَتَكُونُ تِلْكَ المُغايَرَةُ مُصَحِّحَةً العَطْفَ، كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ:
فَهَلّا أعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفاقَدُوا ∗∗∗ إذا الخَصْمُ أبْزى مائِلُ الرَّأْسِ أنْكَبُ
وهَلّا أعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفاقَدُوا ∗∗∗ وفي الأرْضِ مَثْبُوتٌ شُجاعٌ وعَقْرَبُ
فالخُرُورُ المَحْكِيُّ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ هو الخُرُورُ الأوَّلُ، وإنَّما خَرُّوا خُرُورًا واحِدًا ساجِدِينَ باكِينَ، فَذُكِرَ مَرَّتَيْنِ؛ اهْتِمامًا بِما صَحِبَهُ مِن عَلاماتِ الخُشُوعِ.
وذَكَرَ ”يَبْكُونَ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.
والبُكاءُ بُكاءُ فَرَحٍ وبَهْجَةٍ، والبُكاءُ: يَحْصُلُ مِنِ انْفِعالٍ باطِنِيٍّ ناشِئٍ عَنْ حُزْنٍ، أوْ عَنْ خَوْفٍ، أوْ عَنْ شَوْقٍ.
ويَزِيدُهُمُ القُرْآنُ خُشُوعًا عَلى خُشُوعِهِمُ الَّذِي كانَ لَهم مِن سَماعِ كِتابِهِمْ.
ومِنَ السُّنَّةِ سُجُودُ القارِئِ والمُسْتَمِعِ لَهُ؛ بِقَصْدِ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِداءً بِأُولَئِكَ السّاجِدِينَ بِحَيْثُ لا يَذْكُرُ المُسْلِمُ سُجُودَ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، إلّا وهو يُرى أجْدَرَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences