Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:35–41
17:35Page 285
وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥
And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.
﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ هَذانِ حُكْمانِ هُما الثّانِيَ عَشَرَ، والثّالِثَ عَشَرَ مِنَ الوَصايا الَّتِي قَضى اللَّهُ بِها، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وزِيادَةُ الظَّرْفِ في هَذِهِ الآيَةِ وهو ﴿إذا كِلْتُمْ﴾ دُونَ ذِكْرِ نَظِيرِهِ في آيَةِ الأنْعامِ لِما في (إذا) مِن مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فَتَقْتَضِي تَجَدُّدَ ما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ في
صفحة ٩٨
جَمِيعِ أزْمِنَةِ حُصُولِ مَضْمُونِ شَرْطِ إذا الظَّرْفِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ التَّسامُحِ في شَيْءٍ مِن نَقْصِ الكَيْلِ عِنْدَ كُلِّ مُباشَرَةٍ لَهُ، ذَلِكَ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلافِ آيَةِ (الأنْعامِ) فَإنَّ مَضْمُونَها تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ في سُوءِ شَرائِعِهِمْ، وكانَتْ هُنا أجْدَرَ بِالمُبالَغَةِ في التَّشْرِيعِ.
وفِعْلُ كالَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَهُ مُباشِرُ الكَيْلِ، فَهو الَّذِي يَدْفَعُ الشَّيْءَ المَكِيلَ، وهو بِمَنزِلَةِ البائِعِ، ويُقالُ لِلَّذِي يَقْبِضُ الشَّيْءَ المَكِيلَ: مُكْتالٌ، وهو مِن أخَواتِ باعَ وابْتاعَ، وشَرى واشْتَرى، ورَهَنَ وارْتَهَنَ، قالَ تَعالى ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] .
والقُسْطاسِ بِضَمِّ القافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأهُ بِالكَسْرِ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وهُما لُغَتانِ فِيهِ، وهو اسْمٌ لِلْمِيزانِ، أيْ: آلَةِ الوَزْنِ، واسْمٌ لِلْعَدْلِ، قِيلَ: هو مُعَرَّبٌ مِنَ الرُّومِيَّةِ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ قَسَطَ، أيْ عَدَلَ، وطاسَ وهو كِفَّةُ المِيزانِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وقالَ مُجاهِدٌ: القِسْطاسُ: العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ، ولَعَلَّ كَلِمَةَ قَسَطَ اخْتِصارٌ لِقِسْطاسٍ؛ لِأنَّ غالِبَ الكَلِماتِ الرُّومِيَّةِ تَنْتَهِي بِحَرْفِ السِّينِ، وأصْلُهُ في الرُّومِيَّةِ مَضْمُومُ الحَرْفِ الأوَّلِ، وإنَّما غَيَّرَهُ العَرَبُ بِالكَسْرِ عَلى وجْهِ الجَوازِ؛ لِأنَّهم لا يَتَحَرَّوْنَ في ضَبْطِ الكَلِماتِ الأعْجَمِيَّةِ، ومِن أمْثالِهِمْ (أعْجَمِيٌّ فالعَبْ بِهِ ما شِئْتَ) .
ومَعْنى العَدْلِ والمِيزانِ صالِحانِ هُنا، لَكِنَّ الَّتِي في الأنْعامِ جاءَ فِيها ﴿بِالقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فَهو العَدْلُ؛ لِأنَّها سِيقَتْ مَساقَ التَّذْكِيرِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ المَفاسِدِ فَناسَبَ أنْ يُذَكَّرُوا بِالعَدْلِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما يَفْعَلُونَهُ ظُلْمٌ، والباءُ هُنالِكَ لِلْمُلابَسَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَكانَتْ أجْدَرَ بِاللَّفْظِ الصّالِحِ لِمَعْنى آلَةِ الوَزْنِ؛ لِأنَّ شَأْنَ التَّشْرِيعِ بَيانُ تَحْدِيدِ العَمَلِ مَعَ كَوْنِهِ يُومِئُ إلى مَعْنى العَدْلِ عَلى اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، فالباءُ هُنا ظاهِرَةٌ في مَعْنى الِاسْتِعانَةِ والآلَةِ، ومُفِيدَةٌ لِلْمُلابَسَةِ أيْضًا.
صفحة ٩٩
والمُسْتَقِيمُ: السَّوِيُّ، مُشْتَقٌّ مِنِ القَوامِ بِفَتْحِ القافِ، وهو اعْتِدالُ الذّاتِ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ، ووَصْفُ المِيزانِ بِهِ ظاهِرٌ، وأمّا العَدْلُ فَهو وصْفٌ لَهُ كاشِفٌ؛ لِأنَّ العَدْلَ كُلَّهُ اسْتِقامَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ وهو الكَيْلُ والوَزْنُ المُسْتَفادُ مِن فِعْلَيْ (كِلْتُمْ، وزِنُوا) .
وخَيْرٌ تَفْضِيلٌ، أيْ خَيْرٌ مِنَ التَّطْفِيفِ، أيْ خَيْرٌ لَكم، فُضِّلَ عَلى التَّطْفِيفِ تَفْضِيلًا لِخَيْرِ الآخِرَةِ الحاصِلِ مِن ثَوابِ الِامْتِثالِ عَلى خَيْرِ الدُّنْيا الحاصِلِ مِنَ الِاسْتِفْضالِ الَّذِي يُطَفِّفُهُ المُطَفِّفُ، وهو أيْضًا أفْضَلُ مِنهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ انْشِراحَ النَّفْسِ الحاصِلَ لِلْمَرْءِ مِنَ الإنْصافِ في الحَقِّ أفْضَلُ مِنَ الِارْتِياحِ الحاصِلِ لَهُ بِاسْتِفْضالِ شَيْءٍ مِنَ المالِ.
والتَّأْوِيلُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الأوَلِ، وهو الرُّجُوعُ، يُقالُ: أوَّلَهُ إذا أرْجَعَهُ، أيْ أحْسَنَ إرْجاعًا، إذا أرْجَعَهُ المُتَأمِّلُ إلى مَراجِعِهِ وعَواقِبِهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ عِنْدَ التَّأمُّلِ يَكُونُ كالمُنْتَقِلِ بِماهِيَّةِ الشَّيْءِ في مَواقِعِ الأحْوالِ مِنَ الصَّلاحِ، والفَسادِ فَإذا كانَتِ الماهِيَّةُ صَلاحًا اسْتَقَرَّ رَأْيُ المُتَأمِّلِ عَلى ما فِيها مِنَ الصَّلاحِ، فَكَأنَّهُ أرْجَعَها بَعْدَ التَّطْوافِ إلى مَكانِها الصّالِحِ بِها وهو مَقَرُّها، فَأطْلَقَ عَلى اسْتِقْرارِ الرَّأْيِ بَعْدَ الأمَلِ اسْمَ التَّأْوِيلِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ.
ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ أحْسَنَ تَأْوِيلًا: أنَّ النَّظَرَ إذا جالَ في مَنافِعِ التَّطْفِيفِ في الكَيْلِ والوَزْنِ وفي مَضارِّ الإيفاءِ فِيهِما ثُمَّ عادَ فَجالَ في مَضارِّ التَّطْفِيفِ، ومَنافِعِ الإيفاءِ اسْتَقَرَّ وآلَ إلى أنَّ الإيفاءَ بِهِما خَيْرٌ مِنَ التَّطْفِيفِ؛ لِأنَّ التَّطْفِيفَ يَعُودُ عَلى المُطَفِّفِ بِاقْتِناءِ جُزْءٍ قَلِيلٍ مِنَ المالِ ويُكْسِبُهُ الكَراهِيَةَ، والذَّمَّ عِنْدَ النّاسِ، وغَضَبَ اللَّهِ، والسُّحْتَ في مالِهِ مَعَ احْتِقارِ نَفْسِهِ في نَفْسِهِ، والإيفاءُ بِعَكْسِ ذَلِكَ يُكْسِبُهُ مَيْلَ النّاسِ إلَيْهِ، ورِضى اللَّهِ عَنْهُ، ورِضاهُ عَنْ نَفْسِهِ والبَرَكَةَ في مالِهِ.
صفحة ١٠٠
فَهُوَ أحْسَنُ تَأْوِيلًا، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّأْوِيلِ بِمَعانِيهِ في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
17:36Page 285
وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ٣٦
And do not pursue1 that of which you have no knowledge. Indeed, the hearing, the sight and the heart - about all those [one] will be questioned.
﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
القَفْوُ: الِاتِّباعُ، يُقالُ: قَفاهُ يَقْفُوهُ إذا اتَّبَعَهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ القَفا، وهو ما وراءَ العُنُقِ، واسْتُعِيرَ هَذا الفِعْلُ هُنا لِلْعَمَلِ، والمُرادُ بِ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الخاطِرُ النَّفْسانِيُّ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ولا غَلَبَةَ ظَنٍّ بِهِ.
ويَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذا أنْواعٌ كَثِيرَةٌ؛ مِنها خَلَّةٌ مِن خِلالِ الجاهِلِيَّةِ، وهي الطَّعْنُ في أنْسابِ النّاسِ، فَكانُوا يَرْمُونَ النِّساءَ بِرِجالٍ لَيْسُوا بِأزْواجِهِنَّ، ويَلِيطُونَ بَعْضَ الأوْلادِ بِغَيْرِ آبائِهِمْ بُهْتانًا، أوْ سُوءَ ظَنٍّ إذا رَأوْا بُعْدًا في الشَّبَهِ بَيْنَ الِابْنِ وأبِيهِ، أوْ رَأوْا شَبَهَهُ بِرَجُلٍ آخَرَ مِنَ الحَيِّ أوْ رَأوْا لَوْنًا مُخالِفًا لِلَوْنِ الأبِ أوِ الأُمِّ، تَخَرُّصًا، وجَهْلًا بِأسْبابِ التَّشَكُّلِ، فَإنَّ النَّسْلَ يَنْزِعُ في الشَّبَهِ وفي اللَّوْنِ إلى أُصُولٍ مِن سِلْسِلَةِ الآباءِ أوِ الأُمَّهاتِ الأدْنَيْنَ أوِ الأبْعَدِينَ، وجَهْلًا بِالشَّبَهِ النّاشِئِ عَنِ الرَّحِمِ، وقَدْ جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ ولَدًا أسْوَدَ يُرِيدُ أنْ يَنْتَفِيَ مِنهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ هَلْ لَكَ مِن إبِلٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ما ألْوانُهُنَّ ؟ قالَ: وُرْقٌ، قالَ: وهَلْ فِيها مِن جَمَلٍ أسْوَدَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَمِن أيْنَ ذَلِكَ ؟ قالَ: لَعَلَّهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ فَلَعَلَّ ابْنَكَ نَزَعَهُ عِرْقٌ»، ونَهاهُ عَنِ الِانْتِفاءِ مِنهُ، فَهَذا كانَ شائِعًا في مُجْتَمَعاتِ الجاهِلِيَّةِ فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ.
ومِنها القَذْفُ بِالزِّنى وغَيْرُهُ مِنَ المُساوِي بِدُونِ مُشاهَدَةٍ، ورُبَّما رَمَوُا الجِيرَةَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ كانَ عَمَلُهم إذا غابَ زَوْجُ المَرْأةِ
صفحة ١٠١
لَمْ يَلْبَثُوا أنْ يُلْصِقُوا بِها تُهْمَةً بِبَعْضِ جِيرَتِها، وكَذَلِكَ يَصْنَعُونَ إذا تَزَوَّجَ مِنهم شَيْخٌ مُسِنٌّ امْرَأةً شابَّةً أوْ نِصْفًا فَوَلَدَتْ لَهُ ألْصَقُوا الوَلَدَ بِبَعْضِ الجِيرَةِ، ولِذَلِكَ لَمّا «قالَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمًا سَلُونِي أكْثَرَ الحاضِرُونَ أنْ يَسْألَ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: مَن أبِي ؟ فَيَقُولُ: أبُوكَ فُلانٌ»، وكانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَطْعَنُونَ في نَسَبِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ مِن أبِيهِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ؛ لِأنَّ أُسامَةَ كانَ أسْوَدَ اللَّوْنِ، وكانَ زَيْدٌ أبُوهُ أبْيَضَ أزْهَرَ، وقَدْ أثْبَتَ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ أُسامَةَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَهَذا خُلُقٌ باطِلٌ كانَ مُتَفَشِّيًا في الجاهِلِيَّةِ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ سُوءِ أثَرِهِ.
ومِنها تَجَنُّبُ الكَذِبِ، قالَ قَتادَةُ: لا تَقْفُ: لا تَقُلْ: رَأيْتُ وأنْتَ لَمْ تَرَ، ولا سَمِعْتُ وأنْتَ لَمْ تَسْمَعْ، وعَلِمْتُ وأنْتَ لَمْ تَعْلَمْ.
ومِنها شَهادَةُ الزُّورِ وشَمِلَها هَذا النَّهْيُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةَ وجَماعَةٌ.
وما يَشْهَدُ لِإرادَةِ جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي تَعْلِيلُ النَّهْيِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، فَمَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ تَعْلِيلٍ، أيْ أنَّكَ أيُّها الإنْسانُ تَسْألُ عَمّا تُسْنِدُهُ إلى سَمْعِكَ وبَصَرِكَ وعَقْلِكَ بِأنَّ مَراجِعَ القَفْوِ المَنهِيِّ عَنْهُ إلى نِسْبَةٍ لِسَمْعٍ أوْ بَصَرٍ أوْ عَقْلٍ في المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمُعْتَقَداتِ.
وهَذا أدَبٌ خُلُقِيٌّ عَظِيمٌ، وهو أيْضًا إصْلاحٌ عَقْلِيٌّ جَلِيلٌ يُعَلِّمُ الأُمَّةَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَراتِبِ الخَواطِرِ العَقْلِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ عِنْدَها المَعْلُومُ والمَظْنُونُ والمَوْهُومُ، ثُمَّ هو أيْضًا إصْلاحٌ اجْتِماعِيٌّ جَلِيلٌ يُجَنِّبُ الأُمَّةَ مِنَ الوُقُوعِ، والإيقاعِ في الأضْرارِ والمَهالِكِ مِن جَرّاءِ الِاسْتِنادِ إلى أدِلَّةٍ مَوْهُومَةٍ.
وقَدْ صِيغَتْ جُمْلَةُ ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ عَلى هَذا النَّظْمِ بِتَقْدِيمِ كُلِّ الأدِلَّةِ عَلى الإحاطَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وأتى بِاسْمِ الإشارَةِ دُونَ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: كُلُّها كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا، لِما في الإشارَةِ مِن زِيادَةِ التَّمْيِيزِ، وأُقْحِمَ فِعْلُ كانَ لِدَلالَتِهِ عَلى رُسُوخِ الخَبَرِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
صفحة ١٠٢
وعَنْهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ لِاسْمِ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، ولِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ، والتَّقْدِيرُ: كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ، كَما تَقُولُ: كانَ مَسْئُولًا زَيْدٌ، ولا ضَيْرَ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ الَّذِي هو في رُتْبَةِ نائِبِ الفاعِلِ، وإنْ كانَ تَقْدِيمُ نائِبِ الفاعِلِ مَمْنُوعًا؛ لِتَوَسُّعِ العَرَبِ في الظُّرُوفِ والمَجْرُوراتِ، ولِأنَّ تَقْدِيمَ نائِبِ الفاعِلِ الصَّرِيحِ يُصَيِّرُهُ مُبْتَدَأً، ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ مُبْتَدَأً فانْدَفَعَ مانِعُ التَّقْدِيمِ.
والمَعْنى: كُلُّ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ كانَ مَسْئُولًا عَنْ نَفْسِهِ، ومَحْقُوقًا بِأنْ يُبَيِّنَ مُسْتَنَدَ صاحِبِهِ مِن حِسِّهِ.
والسُّؤالُ: كِنايَةٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالتَّقْصِيرِ، وتَجاوُزِ الحَقِّ، كَقَوْلِ كَعْبٍ:
وقِيلَ إنَّكَ مَنسُوبٌ ومَسْئُولٌ
أيْ مُؤاخَذٌ بِما اقْتَرَفْتَ مِن هَجْوِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، وهو في الآيَةِ كِنايَةٌ بِمَرْتَبَةٍ أُخْرى عَنْ مُؤاخَذَةِ صاحِبِ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ بِكَذِبِهِ عَلى حَواسِّهِ، ولَيْسَ هو بِمَجازٍ عَقْلِيٍّ لِمُنافاةِ اعْتِبارِهِ هُنا تَأْكِيدَ الإسْنادِ بِ (إنَّ) وبِ (كُلُّ) ومُلاحَظَةِ اسْمِ الإشارَةِ و(كانَ)، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] أيْ يُسْألُ السَّمْعُ: هَلْ سَمِعْتَ ؟ فَيَقُولُ: لَمْ أسْمَعْ، فَيُؤاخَذُ صاحِبُهُ بِأنْ أُسْنِدَ إلَيْهِ ما لَمْ يَبْلُغْهُ إيّاهُ، وهَكَذا.
والِاسْمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ يَعُودُ إلى السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ وهو مِنِ اسْتِعْمالِ اسْمِ الإشارَةِ الغالِبِ اسْتِعْمالُهُ لِلْعامِلِ في غَيْرِ العاقِلِ تَنْزِيلًا لِتِلْكَ الحَواسِّ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ؛ لِأنَّها جَدِيرَةٌ بِذَلِكَ إذْ هي طَرِيقُ العَقْلِ، والعَقْلُ نَفْسُهُ، عَلى أنَّ اسْتِعْمالَ أُولَئِكَ لِغَيْرِ العُقَلاءِ اسْتِعْمالٌ مَشْهُورٌ قِيلَ هو اسْتِعْمالٌ
صفحة ١٠٣
حَقِيقِيٌّ، أوْ لِأنَّ هَذا المَجازَ غَلَبَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ، قالَ تَعالى ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] وقالَ:
ذَمُّ المَنازِلِ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
وفِيهِ تَجْرِيدٌ لِإسْنادِ ﴿مَسْئُولًا﴾ إلى تِلْكَ الأشْياءِ بِأنَّ المَقْصُودَ سُؤالُ أصْحابِها، وهو مِن نُكَتِ بَلاغَةِ القُرْآنِ.
17:37Page 285
وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧
And do not walk upon the earth exultantly. Indeed, you will never tear the earth [apart], and you will never reach the mountains in height.1
﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ نُهِيَ عَنْ خَصْلَةٍ مِن خِصالِ الجاهِلِيَّةِ، وهي خَصْلَةُ الكِبْرِياءِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَعَمَّدُونَها، وهَذِهِ الوَصِيَّةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، ولَيْسَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ إذْ لا يُناسِبُ ما بَعْدَهُ.
والمَرَحُ بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ الرّاءِ: شِدَّةُ ازْدِهاءِ المَرْءِ وفَرَحِهِ بِحالِهِ في عَظَمَةِ الرِّزْقِ، و﴿مَرَحًا﴾ مَصْدَرٌ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿تَمْشِ﴾، ومَجِيءُ المَصْدَرِ حالًا كَمَجِيئِهِ صِفَةً يُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ في الِاتِّصافِ، وتَأْوِيلُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ، أيْ لا تَمْشِ مارِحًا، أيْ مِشْيَةَ المارِحِ، وهي المِشْيَةُ الدّالَّةُ عَلى كِبْرِياءِ الماشِي بِتَمايُلٍ وتَبَخْتُرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَرَحًا﴾ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُبَيِّنًا لِفِعْلِ ﴿تَمْشِ﴾؛ لِأنَّ لِلْمَشْيِ أنْواعًا، مِنها: ما يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَهُ ذُو مَرَحٍ، فَإسْنادُ المَرَحِ إلى المَشْيِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمَشْيُ مَرَحًا أنْ يَكُونَ في المَشْيِ شِدَّةُ وطْءٍ عَلى الأرْضِ وتَطاوُلٌ في بَدَنِ الماشِي.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنِ النَّهْيِ بِتَوْجِيهِ خِطابٍ ثانٍ في هَذا المَعْنى عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أيْ أنَّكَ أيُّها الماشِي مَرَحًا
صفحة ١٠٤
لا تَخْرِقُ بِمَشْيِكَ أدِيمَ الأرْضِ، ولا تَبْلُغُ بِتَطاوُلِكَ في مَشْيِكَ طُولَ الجِبالِ، فَماذا يُغْرِيكَ بِهَذِهِ المِشْيَةِ.
والخَرْقُ: قَطْعُ الشَّيْءِ والفَصْلُ بَيْنَ الأدِيمِ، فَخَرْقُ الأرْضِ تَمْزِيقُ قِشْرِ التُّرابِ، والكَرَمُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّغْلِيظِ بِتَنْزِيلِ الماشِي الواطِئِ الأرْضَ بِشِدَّةِ مَنزِلَةِ مَن يَبْتَغِي خَرْقَ وجْهِ الأرْضِ، وتَنْزِيلِهِ في تَطاوُلِهِ في مَشْيِهِ إلى أعْلى مَنزِلَةِ مَن يُرِيدُ أنْ يَبْلُغَ طُولَ الجِبالِ.
والمَقْصُودُ مِنَ التَّهَكُّمِ التَّشْنِيعُ بِهَذا الفِعْلِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ فَسادٌ في خُلُقِ صاحِبِهِ، وسُوءٌ في نِيَّتِهِ وإهانَةٍ لِلنّاسِ بِالإظْهارِ الشَّفُوقِ عَلَيْهِمْ وإرْهابِهِمْ بِقُوَّتِهِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ (إنَّ البَخْتَرَةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ) يَعْنِي؛ لِأنَّها يُرْهِبُ بِها العَدُوَّ إظْهارًا لِلْقُوَّةِ عَلى أعْداءِ الدِّينِ في الجِهادِ.
وإظْهارُ اسْمِ الأرْضِ في قَوْلِهِ ﴿لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ دُونَ إضْمارٍ؛ لِيَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَقِلًّا عَنْ غَيْرِهِ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ.
17:38Page 285
كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨
All that [i.e., the aforementioned] - its evil is ever, in the sight of your Lord, detested.
﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾
تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بِاعْتِبارِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْذِيراتِ والنَّواهِي، فَكُلُّ جُمْلَةٍ فِيها أمْرٌّ هي مُقْتَضِيَةٌ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وكُلُّ جُمْلَةٍ فِيها نَهْيٌ هي مُقْتَضِيَةٌ شَيْئًا مَنهِيًّا عَنْهُ، فَقَوْلُهُ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] يَقْتَضِي عِبادَةً مَذْمُومَةً مَنهِيًّا عَنْها، وقَوْلُهُ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] يَقْتَضِي إساءَةً مَنهِيًّا عَنْها، وعَلى هَذا القِياسِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَيِّئَةً بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بَعْدَ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبَهاءِ تَأْنِيثٍ في آخِرِهِ، وهي ضِدُّ الحَسَنَةِ.
صفحة ١٠٥
فالَّذِي وُصِفَ بِالسَّيِّئَةِ وبِأنَّهُ مَكْرُوهٌ لا يَكُونُ إلّا مَنهِيًّا عَنْهُ أوْ مَأْمُورًا بِضِدِّهِ؛ إذْ لا يَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ مَكْرُوهًا لِلْآمِرِ بِهِ، وبِهَذا يَظْهَرُ لِلسّامِعِ مُعادُ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ .
وإنَّما اعْتُبِرَ ما في المَذْكُوراتِ مِن مَعانِي النَّهْيِ؛ لِأنَّ الأهَمَّ هو الإقْلاعُ عَمّا يَقْتَضِيهِ جَمِيعُها مِنَ المَفاسِدِ بِالصَّراحَةِ أوْ بِالِالتِزامِ؛ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ في الِاعْتِبارِ، وإنْ كانا مُتَلازِمَيْنِ في مِثْلِ هَذا.
وقَوْلُهُ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿مَكْرُوهًا﴾ أيْ هو مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وتَقْدِيمُ هَذا الظَّرْفِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِالظَّرْفِ إذْ هو مُضافٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ، فَزِيادَةُ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ لِتَشْنِيعِ الحالَةِ، أيْ مَكْرُوهًا فِعْلُهُ مِن فاعِلِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ فاعِلَهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللَّهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وبَهاءِ ضَمِيرٍ في آخِرِهِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾، و﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ هو نَفْسُ السَّيِّئِ فَإضافَةُ (سَيِّئٍ) إلى ضَمِيرِهِ إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ تُفِيدُ قُوَّةَ صِفَةِ السَّيِّئِ حَتّى كَأنَّهُ شَيْئانِ يُضافُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، وهَذِهِ نُكْتَةُ الإضافَةِ البَيانِيَّةِ كُلَّما وقَعَتْ، أيْ كانَ ما نَهى عَنْهُ مِن ذَلِكَ مَكْرُوهًا عِنْدَ اللَّهِ.
ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ﴿مَكْرُوهًا﴾ خَبَرًا ثانِيًا لِ (كانَ) لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْقِراءَتَيْنِ.
17:39Page 286
ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩
That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.
﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَةِ الأُمَّةِ بِضَمائِرِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ، وضَمائِرِ المُخاطَبِ غَيْرِ المُعَيَّنِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ رَدًّا إلى ما سَبَقَ في أوَّلِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلَخْ، وهو تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمَلِ النَّهْيِ، والإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي صَراحَةٌ مِن قَوْلِهِ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
صفحة ١٠٦
وفِي هَذا التَّذْيِيلِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآياتُ السَبْعَ عَشْرَةَ هو مِنَ الحِكْمَةِ؛ تَحْرِيضًا عَلى اتِّباعِ ما فِيها، وأنَّهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وفِيهِ امْتِنانٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ، فَذَلِكَ وجْهُ قَوْلِهِ ﴿مِمّا أوْحى إلَيْكَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَصِلُ إلَيْهِ الأُمِّيُّونَ لَوْلا الوَحْيُ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وأمَرَهُ أنْ يُعَلِّمَهُ النّاسَ.
والحِكْمَةُ: مَعْرِفَةُ الحَقائِقِ عَلى ما هي عَلَيْهِ دُونَ غَلَطٍ ولا اشْتِباهٍ، وتُطْلَقُ عَلى الكَلامِ الدّالِّ عَلَيْها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُوتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]) .
* * *
﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾
عَطْفٌ عَلى جُمَلِ النَّهْيِ المُتَقَدِّمَةِ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أُعِيدَ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ التَّوْحِيدِ بِتَكْرِيرِ مَضْمُونِهِ، وبِما رُتِّبَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعِيدِ بِأنْ يُجازى بِالخُلُودِ في النّارِ مُهانًا.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ عَلى طَرِيقَةِ المَنهِيّاتِ قَبْلَهُ، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] الآيَةَ.
والإلْقاءُ: رَمْيُ الجِسْمِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وهو يُؤْذِنُ بِالإهانَةِ، والمَلُومُ: الَّذِي يُنْكَرُ عَلَيْهِ ما فَعَلَهُ.
والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ، أيِ المَطْرُودُ مِن جانِبِ اللَّهِ، أيْ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، ومُبْعَدٌ مَن رَحْمَتِهِ في الآخِرَةِ.
وتُلْقى مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيِ بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ والتَّسَبُّبِ عَلى المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَلى جَعْلِكَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إلْقاؤُكُ في جَهَنَّمَ.
17:40Page 286
أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا ٤٠
Then, has your Lord chosen you for [having] sons and taken [i.e., adopted] from among the angels daughters? Indeed, you say a grave saying.
صفحة ١٠٧
﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِهِ المُفَرَّعِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أفَضَّلَكُمُ اللَّهُ فَأعْطاكُمُ البَنِينَ، وجَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ نِسْبَةَ البَناتِ إلى اللَّهِ ادِّعاءُ آلِهَةٍ تَنْتَسِبُ إلى اللَّهِ بِالبُنُوَّةِ، إذْ عَبَدَ فَرِيقٌ مِنَ العَرَبِ المَلائِكَةَ كَما عَبَدُوا الأصْنامَ، واعْتَلُّوا لِعِبادَتِهِمْ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى كَما حَكى عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عند الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، فَلَمّا نُهُوا عَنْ أنْ يَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ خَصَّصَ بِالتَّحْذِيرِ عِبادَةَ المَلائِكَةِ؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا أنَّ عِبادَةَ المَلائِكَةِ لَيْسَتْ كَعِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ لِيَتَوَهَّمُوا أنَّ اللَّهَ يَرْضى بِأنْ يَعْبُدُوا أبْناءَهُ.
وقَدْ جاءَ إبْطالُ عِبادَةِ المَلائِكَةِ بِإبْطالِ أصْلِها في مُعْتَقَدِهِمْ، وهو أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، فَإذا تَبَيَّنَّ بُطْلانُ ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ جَعْلَهُمُ المَلائِكَةَ آلِهَةً يُساوِي جَعْلَهُمُ الأصْنامَ آلِهَةً.
فَجُمْلَةُ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ إلى آخِرِها مُتَفَرِّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] تَفْرِيعًا عَلى النَّهْيِ كَما بَيَّنّاهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ مُشْتَمِلٌ عُمُومُهُ عَلى هَذا النَّوْعِ الخاصِّ الجَدِيرِ بِتَخْصِيصِهِ بِالإنْكارِ، وهو شَبِيهٌ بِبَدَلِ البَعْضِ، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وحَقُّها أنْ تَقَعَ في أوَّلِ جُمْلَتِها، ولَكِنْ أخَّرَها أنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدْرَ في أُسْلُوبِ الكَلامِ العَرَبِيِّ، وهَذا هو الوَجْهُ الحَسَنُ في مَوْقِعِ حُرُوفِ العَطْفِ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وبَعْضُ الأيِمَّةِ يَجْعَلُ الِاسْتِفْهامَ في مِثْلِ هَذا اسْتِفْهامًا عَلى المَعْطُوفِ والعاطِفِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَهَكُّمٌ.
صفحة ١٠٨
والإصْفاءُ: جَعْلُ الشَّيْءِ صَفْوًا، أيْ خالِصًا. وتَعْدِيَةُ أصْفى إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، وأصْلُهُ: أفَأصْفى لَكم، وقَوْلُهُ بِالبَنِينَ الباءُ فِيهِ إمّا مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ لُصُوقِ فِعْلِ أصْفى بِمَفْعُولِهِ، وأصْلُهُ: أفَأصْفى لَكم رَبُّكُمُ البَنِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ أوْ ضَمَّنَ أصْفى مَعْنى آثَرَ فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ دالَّةً عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ بِمَجْرُورِها، فَصارَ أصْفى مَعَ مُتَعَلِّقِهِ بِمَنزِلَةِ فِعْلَيْنِ، أيْ قَصَرَ البَنِينَ عَلَيْكم دُونَهُ، أيْ جَعَلَ لَكُمُ البَنِينَ خالِصَةً لا يُساوِيكم هو بِأمْثالِهِمْ، وجَعَلَ لِنَفْسِهِ الإناثَ الَّتِي تَكْرَهُونَها، وفَسادُ ذَلِكَ ظاهِرٌ بِأدْنى نَظَرٍ، فَإذا تَبَيَّنَ فَسادُهُ عَلى هَذا الوَضْعِ فَقَدْ تَبَيَّنَ انْتِفاءُ وُقُوعِهِ؛ إذْ هو غَيْرُ لائِقٍ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] في سُورَةِ النَّحْلِ، وقَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى الإنْكارِ وبَيانٌ لَهُ، أيْ تَقُولُونَ: اتَّخَذَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بَناتٍ، وأكَّدَ فِعْلَ تَقُولُونَ بِمَصْدَرِهِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الإنْكارِ، وجَعَلَهُ مُجَرَّدَ قَوْلٍ؛ لِأنَّهُ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ كَلامًا صَدَرَ عَنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأمَّلَهُ قائِلُهُ أدْنى تَأمُّلٍ لَوَجَدَهُ غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ قَضايا المَقْبُولِ عَقْلًا.
والعَظِيمُ: القَوِيُّ، والمُرادُ هُنا أنَّهُ عَظِيمٌ في الفَسادِ والبُطْلانِ بِقَرِينَةِ سِياقِ الإنْكارِ، ولا أبْلَغُ في تَقْبِيحِ قَوْلِهِمْ مِن وصْفِهِ بِالعَظِيمِ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ مَدْخُولٌ مِن جَوانِبِهِ؛ لِاقْتِضائِهِ إيثارَ اللَّهِ بِأدْوَنِ صِنْفَيِ البُنُوَّةِ مَعَ تَخْوِيلِهِمُ الصِّنْفَ الأشْرَفَ، ثُمَّ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِن نِسْبَتِهِ خَصائِصَ الأجْسامِ لِلَّهِ تَعالى مِن تَرْكِيبٍ وتَوَلُّدٍ واحْتِياجٍ إلى الأبْناءِ لِلْإعانَةِ ولِيُخَلِّفُوا الأصْلَ بَعْدَ زَوالِهِ، فَأيُّ فَسادٍ أعْظَمُ مِن هَذا.
وفِي قَوْلِهِ اتَّخَذَ إيماءٌ إلى فَسادٍ آخَرَ، وهو أنَّهم يَقُولُونَ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، والِاتِّخاذُ يَقْتَضِي أنَّهُ خَلَقَهُ لِيَتَّخِذَهُ، وذَلِكَ يُنافِي التَّوَلُّدَ فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ
صفحة ١٠٩
ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، وكَيْفَ يَخْلُقُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَكُونُ ابْنًا لَهُ فَذَلِكَ في البُطْلانِ ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ.
17:41Page 286
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا ٤١
And We have certainly diversified [the contents] in this Qur’ān that they [i.e., mankind] may be reminded, but it does not increase them [i.e., the disbelievers] except in aversion.
﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ لَمّا ذَكَرَ فَظاعَةَ قَوْلِهِمْ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ في القُرْآنِ هَدْيًا كافِيًا، ولَكِنَّهم يَزْدادُونَ نُفُورًا مِن تَدَبُّرِهِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقْتَرِنَةٌ بِواوِ الِاعْتِراضِ.
والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ، وزَعَمُوهم بَناتِ اللَّهِ.
والتَّصْرِيفُ: أصْلُهُ تَعَدُّدُ الصَّرْفِ، وهو النَّقْلُ مِن جِهَةٍ إلى أُخْرى، ومِنهُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّبْيِينِ بِمُخْتَلِفِ البَيانِ ومُتَنَوِّعِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ صَرَّفْنا؛ لِأنَّ الفِعْلَ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَفْعُولٌ، أيْ، بَيَّنّا البَيانَ، أيْ لِيَذَّكَّرُوا بِبَيانِهِ، ويَذَّكَّرُوا: أصْلُهُ يَتَذَكَّرُوا، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الذّالِ لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ، وهو مِنَ الذُّكْرِ المَضْمُومِ الذّالِ الَّذِي هو ضِدُّ النِّسْيانِ.
وضَمِيرُ لِيَذَّكَّرُوا عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] أيْ لِيَذَّكَّرَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكُمْ﴾ [الإسراء: ٤٠]، فَهو التِفاتٌ مِنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، أوْ مِن خِطابِ المُشْرِكِينَ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ تَعَجُّبٌ مِن حالِهِمْ.
صفحة ١١٠
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ لِيَذْكُرُوا بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ مُخَفَّفَةً مُضارِعُ (ذَكَرَ) الَّذِي مَصْدَرُهُ الذُّكْرُ بِضَمِّ الذّالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو حالٌ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْجِيبُ مِن حالِ ضَلالَتِهِمْ، إذْ كانُوا يَزْدادُونَ نُفُورًا مِن كَلامٍ فَصْلٍ وبَيِّنٍ لِتَذْكِيرِهِمْ، وشَأْنُ التَّفْصِيلِ أنْ يُفِيدَ الطُّمَأْنِينَةَ لِلْمَقْصُودِ، والنُّفُورُ: هُرُوبُ الوَحْشِيِّ والدّابَّةِ بِجَزَعٍ وخَشْيَةٍ مِنَ الأذى، واسْتُعِيرَ هُنا لِإعْراضِهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الدَّوابِّ والأنْعامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences