Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:1–6, continued
عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى صِيغَةِ قَصْرٍ بِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِاللّامِ وبِضَمِيرِ الفَصْلِ قَصْرًا مُوَكَّدًا، وهو قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ قَصْرًا إضافِيًّا لِلْقَلْبِ، أيْ هو المُدْرِكُ لِما سَمِعَهُ وأبْصَرَهُ، لا الكاذِبُ، ولا المُتَوَهِّمُ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ، وهَذا القَصْرُ يُؤَيِّدُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلرَّدِّ، ولا يُنازِعُ المُشْرِكُونَ في أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ وبَصِيرٌ. إلّا عَلى تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِأنَّهُ المُسْمِعُ والمُبْصِرُ لِرَسُولِهِ الَّذِي كَذَّبْتُمُوهُ، فَيُؤَوَّلُ إلى تَنْزِيهِ الرَّسُولِ عَنِ الكَذِبِ والتَّوَهُّمِ.
صفحة ٢٣
ثُمَّ إنَّ الصِّفَتَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما لِلنَّبِيِّ ﷺ هُما عَلى أصْلِ اشْتِقاقِهِما؛ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ سَمْعِهِ وبَصَرِهِ، وقَبُولِهِما لِتَلَقِّي تِلْكَ المُشاهَداتِ المُدْهِشَةِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧]، وقَوْلُهُ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] .
وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعالى فالمُناسِبُ أنْ تُؤَوَّلا بِمَعْنى المُسْمِعِ المُبْصِرِ، أيِ القادِرِ عَلى إسْماعِ عَبْدِهِ وإبْصارِهِ، كَما في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ أيْ: المُسْمِعُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في الإسْراءِ؛ أكانَ بِجَسَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، أمْ كانَ بِرُوحِهِ في رُؤْيا هي مُشاهَدَةٌ رُوحانِيَّةٌ كامِلَةٌ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ. والجُمْهُورُ قالُوا: هو إسْراءٌ بِالجَسَدِ في اليَقَظَةِ، وقالَتْ عائِشَةُ ومُعاوِيَةُ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهُ إسْراءٌ بِرُوحِهِ في المَنامِ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ.
واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ بِأنَّ الِامْتِنانَ في الآيَةِ، وتَكْذِيبَ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى أنَّهُ ما كانَ الإخْبارُ بِهِ إلّا عَلى أنَّهُ بِالجَسَدِ، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ قُرَيْشًا اسْتَوْصَفُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ عَلاماتٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وفي طَرِيقِهِ؛ فَوَصَفَها لَهم كَما هي، ووَصَفَ لَهم عِيرًا لِقُرَيْشٍ قافِلَةً في طَرِيقٍ مُعَيَّنٍ، ويَوْمٍ مُعَيَّنٍ فَوَجَدُوهُ كَما وصَفَ لَهم.
فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: بَيْنَما أنا في المَسْجِدِ الحَرامِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذْ أتانِي جِبْرِيلُ» . . . إلى آخَرِ الحَدِيثِ، وهَذا أصَحُّ، وأوْضَحُ مِمّا رُوِيَ في حَدِيثٍ آخَرَ أنَّ الإسْراءَ كانَ مَن بَيْتِهِ أوْ كانَ مَن بَيْتِ أُمِّ هانِيءٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ أوْ مِن شِعْبِ أبِي طالِبٍ.
والتَّحْقِيقُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إسْراءٌ آخَرُ، وهو الوارِدُ في حَدِيثِ المِعْراجِ إلى السَّماواتِ وهو غَيْرُ المُرادِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلِلنَّبِيءِ ﷺ
صفحة ٢٤
كَرامَتانِ: أُولاهُما الإسْراءُ، وهو المَذْكُورُ هُنا، والأُخْرى المِعْراجُ وهو المَذْكُورُ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مُطَوَّلًا، وأحادِيثَ غَيْرِهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ هو المُشارُ إلَيْهِ في سُورَةِ النَّجْمِ.
17:2Page 282
وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢
And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1
﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١] إلَخْ فَهي ابْتِدائِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: اللَّهُ أسْرى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ وآتى مُوسى الكِتابَ، فَهُما مِنَّتانِ عَظِيمَتانِ عَلى جُزْءٍ عَظِيمٍ مِنَ البَشَرِ، وهو انْتِقالٌ إلى غَرَضٍ آخَرَ؛ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المَسْجِدِ الأقْصى، فَإنَّ أطْوارَ المَسْجِدِ الأقْصى تُمَثِّلُ ما تَطَوَّرَ بِهِ حالُ بَنِي إسْرائِيلَ في جامِعَتِهِمْ مِن أطْوارِ الصَّلاحِ والفَسادِ، والنُّهُوضِ والرُّكُودِ؛ لِيَعْتَبِرَ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ؛ فَيَقْتَدُوا، أوْ يَحْذَرُوا.
ولِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ [الإسراء: ١] فَإنَّ مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي أُوتِيَها إلى النَّبِيءِ ﷺ آيَةَ القُرْآنِ، فَكانَ ذَلِكَ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: وآتَيْناهُ القُرْآنَ، ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ، كَما يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أيْ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن طَرِيقَةِ التَّوْراةِ، وإنْ كانَ كِلاهُما هُدًى، عَلى ما في حالَةِ الإسْراءِ بِالنَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلًا؛ لِيَرى مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُناسَبَةِ لِحالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، فَقَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ لَيْلًا، وهو سارٍّ بِأهْلِهِ مِن أرْضِ مَدْيَنَ، إذْ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا، ولِحالِهِ أيْضًا حِينَ أسْرى إلى مُناجاةِ رَبِّهِ بِآياتِ الكِتابِ.
والكِتابُ: هو المَعْهُودُ إيتاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو التَّوْراةُ، وضَمِيرُ الغائِبِ في جَعَلْناهُ لِلْكِتابِ، والإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ هُدًى مُبالَغَةٌ؛ لِأنَّ الهُدى بِسَبَبِ العَمَلِ بِما فِيهِ فَجُعِلَ كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى، كَقَوْلِهِ تَعالى في القُرْآنِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .
صفحة ٢٥
وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُمُ المُخاطَبُونَ بِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فالجَعْلُ الَّذِي في قَوْلِهِ وجَعَلْناهُ هو جَعْلُ التَّكْلِيفِ، وهُمُ المُرادُ بِـ (النّاسِ) في قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ لِأنَّ النّاسَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى بَعْضِهِمْ، عَلى أنَّ ما هو هُدًى لِفَرِيقٍ مِنَ النّاسِ صالِحٌ لِأنْ يَنْتَفِعَ بِهَدْيِهِ مَن لَمْ يَكُنْ مُخاطَبًا بِكِتابٍ آخَرَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألّا تَتَّخِذُوا﴾ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الأصْلِ في حِكايَةِ ما يُحْكى مِنَ الأقْوالِ المُتَضَمِّنَةِ نَهْيًا، فَتَكُونُ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةً لِما تَضَمَّنَهُ لَفْظُ الكِتابِ مِن مَعْنى الأقْوالِ، ويَكُونُ التَّفْسِيرُ لِبَعْضِ ما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ اقْتِصارًا عَلى الأهَمِّ مِنهُ وهو التَّوْحِيدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - وحْدَهُ - بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى اعْتِبارِ حِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى، أوْ تَكُونُ (أنْ) مَصْدَرِيَّةً مَجْرُورَةً بِلامٍ مَحْذُوفَةٍ حَذْفًا مُطَّرِدًا، والتَّقْدِيرُ: آتَيْناهُمُ الكِتابَ لِئَلّا يَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا.
والوَكِيلُ: الَّذِي تُفَوَّضُ إلَيْهِ الأُمُورُ، والمُرادُ بِهِ الرَّبُّ؛ لِأنَّهُ يَتَّكِلُ عَلَيْهِ العِبادُ في شُئُونِهِمْ، أيْ أنْ لا تَتَّخِذُوا شَرِيكًا تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، وقَدْ عُرِفَ إطْلاقُ الوَكِيلِ عَلى اللَّهِ في لُغَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ يَعْقُوبَ وأبْنائِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] .
17:3Page 282
ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣
O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.
﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا في آخِرِ الحِكايَةِ، لَيْسَ داخِلًا في الجُمْلَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ، فانْتِصابُ (ذُرِّيَّةَ) عَلى الِاخْتِصاصِ؛ لِزِيادَةِ بَيانِ بَنِي إسْرائِيلَ بَيانًا مَقْصُودًا بِهِ التَّعْرِيضُ بِهِمْ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ الجُمْلَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ، أيْ حالَ كَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ،
صفحة ٢٦
أوْ يَنْتَصِبُ عَلى النِّداءِ بِتَقْدِيرِ النِّداءِ، أيْ يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ؛ مَقْصُودًا بِهِ تَحْرِيضُهم عَلى شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ، واجْتِنابِ الكُفْرِ بِهِ بِاتِّخاذِ شُرَكاءَ دُونَهُ.
والحَمْلُ: وضْعُ شَيْءٍ عَلى آخَرَ لِنَقْلِهِ، والمُرادُ الحَمْلُ في السَّفِينَةِ كَما قالَ ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، أيْ ذُرِّيَّةَ مَن أنْجَيْناهم مِنَ الطُّوفانِ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ النَّهْيِ عَنْ أنْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وكِيلًا؛ لِأنَّ أجْدادَهم حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، وكانَ نُوحٌ عَبْدًا شَكُورًا، والَّذِينَ حُمِلُوا مَعَهُ كانُوا شاكِرِينَ مِثْلَهُ، أيْ فاقْتَدُوا بِهِمْ، ولا تَكْفُرُوا نِعَمَ اللَّهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ الجُمْلَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ؛ فَتَكُونُ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّها مُذَيِّلَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢] فَيَكُونُ خِطابًا لِأهْلِ القُرْآنِ، واعْلَمْ أنَّ في اخْتِيارِ وصْفِهِمْ بِأنَّهم ذُرِّيَّةُ مَن حَمَلَ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعانٍ عَظِيمَةً؛ مِنَ التَّذْكِيرِ، والتَّحْرِيضِ والتَّعْرِيضِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذُرِّيَّةِ (سامِ) بْنِ نُوحٍ، وكانَ سامُ مِمَّنْ رَكِبَ السَّفِينَةَ.
وإنَّما لَمْ يَقُلْ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ مَعَ أنَّهم كَذَلِكَ؛ قَصْدًا لِإدْماجِ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ إنْجاءِ أُصُولِهِمْ مِنَ الغَرَقِ.
وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِأنَّ اللَّهَ أنْجى نُوحًا، ومَن مَعَهُ مِنَ الهَلاكِ بِسَبَبِ شُكْرِهِ وشُكْرِهِمْ؛ تَحْرِيضًا عَلى الِائْتِساءِ بِأُولَئِكَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم إنْ أشْرَكُوا لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذابٌ واسْتِئْصالٌ، كَما في قَوْلِهِ ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] .
صفحة ٢٧
وفِيهِ أنَّ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ كانُوا شِقَّيْنِ: شِقٌّ بارٌّ مُطِيعٌ، وهُمُ الَّذِينَ حَمَلَهم مَعَهُ في السَّفِينَةِ، وشِقٌّ مُتَكَبِّرٌ كافِرٌ وهو ولَدُهُ الَّذِي غَرِقَ، فَكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا لِأبِي فَرِيقَيْنِ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن ذُرِّيَّةِ الفَرِيقِ البارِّ، فَإنِ اقْتَدَوْا بِهِ نَجَوْا، وإنْ حادُوا فَقَدْ نَزَعُوا إلى الفَرِيقِ الآخَرِ فَيُوشِكُ أنْ يَهْلَكُوا، وهَذا التَّماثُلُ هو نُكْتَةُ اخْتِيارِ ذِكْرِ نُوحٍ مِن بَيْنِ أجْدادِهِمُ الآخَرِينَ مِثْلِ إبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِفَواتِ هَذا المَعْنى في أُولَئِكَ، وقَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ اسْتِئْصالُ بَنِي إسْرائِيلَ مَرَّتَيْنِ بِسَبَبِ إفْسادِهِمْ في الأرْضِ، وعُلُوِّهِمْ مَرَّتَيْنِ، وأنَّ ذَلِكَ جَزاءُ إهْمالِهِمْ وعْدَ اللَّهِ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَما نَجّاهُ.
وتَأْكِيدُ كَوْنِ نُوحٍ ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) تَنْزِيلٌ لَهم مَنزِلَةَ مَن يَجْهَلُ ذَلِكَ، إمّا لِتَوْثِيقِ حَمْلِهِمْ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ إنْ كانَتِ الجُمْلَةُ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن تَمامِ الجُمْلَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ، وإمّا لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن جَهِلَ ذَلِكَ حَتّى تَوَرَّطُوا في الفَسادِ فاسْتَأْهَلُوا الِاسْتِئْصالَ، وذَهابَ مُلْكِهِمْ؛ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِأنَّهم غَيْرُ مُقْتَدِينَ بِنُوحٍ؛ لِأنَّ مَثَلَهم ومَثَلَ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذا السِّياقِ واحِدٌ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ التَّأْكِيدُ مَنظُورًا فِيهِ إلى المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ.
ومَعْنى كَوْنِ نُوحٍ عَبْدًا أنَّهُ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ غَيْرُ مُتَكَبِّرٍ بِالإشْراكِ، وكَوْنُهُ شَكُورًا، أيْ شَدِيدًا لِشُكْرِ اللَّهِ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ حَمْدَ اللَّهِ.
والِاقْتِداءُ بِصالِحِ الآباءِ مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ النُّفُوسُ، ومَحَلُّ تَنافُسٍ عِنْدَ الأُمَمِ بِحَيْثُ يُعَدُّ خِلافُ ذَلِكَ كَمُثِيرٍ لِلشَّكِّ في صِحَّةِ الِانْتِسابِ.
وكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا في كَمالِ النَّفْسِ، وكانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ، وتَنْبَعِثُ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، قالَ النّابِغَةُ:
فَألْفَيْتَ الأمانَةَ لَمْ تَخُنْهَـا كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
17:4–5Page 282
وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤
And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."
فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥
So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.
صفحة ٢٨
﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]، أيْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ هُدًى، وبَيَّنّا لِبَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن جَرّاءِ مُخالَفَةِ هَدْيِ التَّوْراةِ؛ إعْلامًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَّخِرْ أُولَئِكَ إرْشادًا ونُصْحًا، فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ.
والقَضاءُ بِمَعْنى الحُكْمِ وهو التَّقْدِيرُ، ومَعْنى كَوْنِهِ في الكِتابِ: أنَّ القَضاءَ ذُكِرَ في الكِتابِ، وتَعْدِيَةُ قَضَيْنا بِحَرْفِ (إلى) لِتَضْمِينِ قَضَيْنا مَعْنى (أبْلَغْنا)، أيْ قَضَيْنا وأنْهَيْنا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] في سُورَةِ الحِجْرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (الكِتابِ) كِتابَ التَّوْراةِ، والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الكِتابَ آنِفًا، ويُوجَدُ في مَواضِعَ، مِنها ما هو قَرِيبٌ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ لَكِنْ بِإجْمالٍ (انْظُرِ الإصْحاحَ ٢٦ والإصْحاحَ ٢٨ والإصْحاحَ ٣٠)، فَيَكُونُ العُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى إظْهارِ لَفْظِ (الكِتابِ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الكِتابُ) بَعْضَ كُتُبِهِمُ الدِّينِيَّةِ، فَتَعْرِيفُ (الكِتابِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ولَيْسَ تَعْرِيفَ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ، إذْ لَيْسَ هو الكِتابُ المَذْكُورُ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]؛ لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ اسْمَ الكِتابِ أشْعَرَ بِأنَّهُ كِتابٌ آخَرُ مِن كُتُبِهِمْ، وهو الأسْفارُ المُسَمّاةُ بِكُتُبِ الأنْبِياءِ: أشْعِياءَ، وأرْمِيا، وحِزْقِيالَ، ودانْيالَ، وهي في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ مِنَ التَّوْراةِ، وكَذَلِكَ كِتابُ النَّبِيِّ مَلاخِي، والإفْسادُ مَرَّتَيْنِ ذُكِرَ في كِتابِ أشْعِياءَ، وكِتابِ أرْمِياءَ.
صفحة ٢٩
فَفِي كِتابِ أشْعِياءَ نِذاراتٌ في الإصْحاحِ الخامِسِ والعاشِرِ، وأُولى المَرَّتَيْنِ مَذْكُورَةٌ في كِتابِ أرْمِياءَ في الإصْحاحِ الثّانِي والإصْحاحِ الحادِي والعِشْرِينَ وغَيْرِهِما، ولَيْسَ المُرادُ بِلَفْظِ الكِتابِ كِتابًا واحِدًا فَإنَّ المُفْرَدَ المُعَرَّفَ بِلامِ الجِنْسِ يُرادُ بِهِ المُتَعَدِّدُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ وكُتُبُ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ أيْضًا وقَعَ بِالإظْهارِ دُونَ الإضْمارِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾، وأيًّا ما كانَ فَضَمائِرُ الخِطابِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مانِعَةٌ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ أوْ كِتابَ اللَّهِ، أيْ عِلْمَهُ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى حَوادِثَ عَظِيمَةٍ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وأعْدائِهِمْ مِن أُمَّتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: حَوادِثُ بَيْنَهم وبَيْنَ البابِلِيِّينَ، وحَوادِثُ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّومانِيِّينَ، فانْقَسَمَتْ بِهَذا الِاعْتِبارِ إلى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ مِنهُما تَنْدَرِجُ فِيهِ حَوادِثُهم مَعَ البابِلِيِّينَ، والنَّوْعُ الآخَرُ حَوادِثُهم مَعَ الرُّومانِيِّينَ، فَعَبَّرَ عَنِ النَّوْعَيْنِ بِمَرَّتَيْنِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَرَّةٍ مِنهُما تَحْتَوِي عَلى عِدَّةِ مَلاحِمَ.
فالمَرَّةُ الأُولى: هي مَجْمُوعُ حَوادِثَ مُتَسَلْسِلَةٍ تُسَمّى في التّارِيخِ بِالأسْرِ البابِلِيِّ، وهي غَزَواتُ (بُخْتُنَصَّرَ) مَلِكِ بابِلَ وآشُورَ بِلادَ أُورْشَلِيمَ، والغَزْوُ الأوَّلُ كانَ سَنَةَ ٦٠٦ قَبْلَ المَسِيحِ، أسَرَ جَماعاتٍ كَثِيرَةً مِنَ اليَهُودِ، ويُسَمّى الأسْرَ الأوَّلَ، ثُمَّ غَزاهم أيْضًا غَزْوًا يُسَمّى الأسْرَ الثّانِيَ، وهو أعْظَمُ مِنَ الأوَّلِ، كانَ سَنَةَ ٥٩٨ قَبْلَ المَسِيحِ، وأسَرَ مَلِكَ يَهُوذا، وجَمْعًا غَفِيرًا مِنَ الإسْرائِيلِيِّينَ، وأخَذَ الذَّهَبَ الَّذِي في هَيْكَلِ سُلَيْمانَ، وما فِيهِ مِنَ الآنِيَةِ النَّفِيسَةِ.
والأسْرُ الثّالِثُ المُبِيرُ سَنَةَ ٥٨٨ قَبْلَ المَسِيحِ غَزاهم بُخْتُنَصَّرَ وسَبى كُلَّ شَعْبِ يَهُوذا، وأحْرَقَ هَيْكَلَ سُلَيْمانَ، وبَقِيَتْ أُورْشَلِيمُ خَرابًا يَبابًا، ثُمَّ أعادُوا تَعْمِيرَها كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦] .
صفحة ٣٠
وأمّا المَرَّةُ الثّانِيَةُ فَهي سِلْسِلَةُ غَزَواتِ الرُّومانِيِّينَ بِلادَ أُورْشَلِيمَ، وسَيَأْتِي بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] الآيَةَ.
وإسْنادُ الإفْسادِ إلى ضَمِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ مُفِيدٌ أنَّهُ إفْسادٌ مِن جُمْهُورِهِمْ، بِحَيْثُ تُعَدُّ الأُمَّةُ كُلُّها مُفْسِدَةً، وإنْ كانَتْ لا تَخْلُو مِن صالِحِينَ.
والعُلُوُّ في قَوْلِهِ ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ مَجازٌ في الطُّغْيانِ والعِصْيانِ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] وقَوْلِهِ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] تَشْبِيهًا لِلتَّكَبُّرِ والطُّغْيانِ بِالعُلُوِّ عَلى الشَّيْءِ؛ لِامْتِلاكِهِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.
وأصْلُ (لَتَعْلُنَّ) لَتَعْلُوُونَنَّ، وأصْلُ (لَتُفْسِدُنَّ) لَتُفْسِدُونَنَّ.
والوَعْدُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَوْعُودُ أُولى المَرَّتَيْنِ، أيِ الزَّمانُ المُقَدَّرُ لِحُصُولِ المَرَّةِ الأُولى مِنَ الإفْسادِ والعُلُوِّ، كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الكهف: ٩٨] .
ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ أيْ مَعْمُولًا ومُنَفَّذًا.
وإضافَةُ وعْدٍ إلى أُولاهُما بَيانِيَّةٌ، أيِ المَوْعُودُ الَّذِي هو أُولى المَرَّتَيْنِ مِنَ الإفْسادِ والعُلُوِّ.
والبَعْثُ مُسْتَعْمَلٌ في تَكْوِينِ السَّيْرِ إلى أرْضِ إسْرائِيلَ وتَهْيِئَةِ أسْبابِهِ حَتّى كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ بِالمَسِيرِ إلَيْهِمْ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] في سُورَةِ الأعْرافِ، وهو بَعْثُ تَكْوِينٍ، وتَسْخِيرٍ، لا بَعْثٌ بِوَحْيٍ وأمْرٍ.
وتَعْدِيَةُ بَعَثْنا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّسْلِيطِ كَقَوْلِهِ ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] .
والعِبادُ: المَمْلُوكُونَ، وهَؤُلاءِ عِبادُ مَخْلُوقِيَّةٍ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: عِبادُ اللَّهِ، ويُقالُ: عَبِيدٌ، بِدُونِ إضافَةٍ، نَحْوُ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، فَإذا قُصِدَ
صفحة ٣١
المَمْلُوكُونَ بِالرِّقِّ قِيلَ: عَبِيدٌ، لا غَيْرُ. والمَقْصُودُ بِعِبادِ اللَّهِ هُنا الأشُورِيُّونَ أهْلُ بابِلَ، وهم جُنُودُ بُخْتُنَصَّرَ.
والبَأْسُ: الشَّوْكَةُ والشِّدَّةُ في الحَرْبِ، ووَصَفَهُ بِاليَدِ؛ لِقُوَّتِهِ في نَوْعِهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ سُلَيْمانَ ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] .
وجُمْلَةُ فَجاسُوا عَطْفٌ عَلى بَعَثْنا فَهو مِنَ المُقْضى في الكِتابِ، والجَوْسُ: التَّخَلُّلُ في البِلادِ وطَرْقُها ذِهابًا وإيابًا؛ لِتَتَبُّعِ ما فِيها، وأُرِيدَ بِهِ هُنا تَتَبُّعُ المُقاتَلَةِ فَهو جَوْسُ مَضَرَّةٍ وإساءَةٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.
و(خِلالَ) اسْمٌ جاءَ عَلى وزْنِ الجُمُوعِ، ولا مُفْرَدَ لَهُ، وهو وسَطُ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَخَلَّلُ مِنهُ، قالَ تَعالى ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] .
والتَّعْرِيفُ في الدِّيارِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ دِيارِكم، وذَلِكَ أصْلُ جَعْلِ (اَلْ) عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهي دِيارُ بَلَدِ أُورْشَلِيمَ فَقَدْ دَخَلَها جَيْشُ بُخْتُنَصَّرَ، وقَتَلَ الرِّجالَ، وسَبى وهَدَمَ الدِّيارَ، وأحْرَقَ المَدِينَةَ، وهَيْكَلَ سُلَيْمانَ بِالنّارِ، ولَفْظُ الدِّيارِ يَشْمَلُ هَيْكَلَ سُلَيْمانَ؛ لِأنَّهُ بَيْتُ عِبادَتِهِمْ، وأُسِرَ كُلُّ بَنِي إسْرائِيلَ، وبِذَلِكَ خَلَتْ بِلادُ اليَهُودِ مِنهم، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ في الآيَةِ الآتِيَةِ ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٧] .
17:6Page 282
ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦
Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] عَطَفَ جُمْلَةَ (فَجاسُوا) فَهو مِن تَمامِ جَوابِ (إذا) مِن قَوْلِهِ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما، ومِن بَقِيَّةِ المَقْضِيِّ في الكِتابِ، وهو ماضٍ لَفْظًا مُسْتَقْبَلٌ
صفحة ٣٢
مَعْنًى، لِأنَّ (إذا) ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ، وجِيءَ بِهِ في صِيغَةِ الماضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، والمَعْنى: نَبْعَثُ عَلَيْكم عِبادًا لَنا فَيَجُوسُونَ، ونَرُدُّ لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، ونُمْدِدُكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ونَجْعَلُكم أكْثَرَ نَفِيرًا.
و(ثُمَّ) تُفِيدُ التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ، والتَّراخِيَ الزَّمَنِيَّ مَعًا.
والرَّدُّ: الإرْجاعُ، وجِيءَ بِفِعْلِ رَدَدْنا ماضِيًا جارِيًا عَلى الغالِبِ في جَوابِ (إذا) كَما جاءَ شَرْطُها فِعْلًا ماضِيًا في قَوْلِهِ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا أيْ إذا يَجِيءُ يَبْعَثُ. والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ إلى المَكانِ الَّذِي ذَهَبَ مِنهُ.
فَقَوْلُهُ عَلَيْهِمْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِنَ الكَرَّةِ؛ لِأنَّ رُجُوعَ بَنِي إسْرائِيلَ إلى أُورْشَلِيمَ كانَ بِتَغَلُّبِ مَلِكِ فارِسَ عَلى مَلِكِ بابِلَ.
وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ أنْ قَضَوْا نَيِّفًا وأرْبَعِينَ سَنَةً في أسْرِ البابِلِيِّينَ، وتابُوا إلى اللَّهِ، ونَدِمُوا عَلى ما فَرَطَ مِنهم سَلَّطَ اللَّهُ مُلُوكَ فارِسَ عَلى مُلُوكِ بابِلَ الأشُورِيِّينَ، فَإنَّ المَلِكَ (كُورَشَ) مَلِكَ فارِسَ حارَبَ البابِلِيِّينَ، وهَزَمَهم فَضَعُفَ سُلْطانُهم، ثُمَّ نَزَلَ بِهِمْ (دارِيُوسُ) مَلِكُ فارِسَ، وفَتَحَ بابِلَ سَنَةَ ٥٣٨ قَبْلَ المَسِيحِ، وأذِنَ لِلْيَهُودِ في سَنَةِ ٥٣٠ قَبْلَ المَسِيحِ أنْ يَرْجِعُوا إلى أُورْشَلِيمَ ويُجَدِّدُوا دَوْلَتَهم، وذَلِكَ نَصْرٌ انْتَصَرُوهُ عَلى البابِلِيِّينَ إذْ كانُوا أعْوانًا لِلْفُرْسِ عَلَيْهِمْ.
والوَعْدُ بِهَذا النَّصْرِ ورَدَ أيْضًا في كِتابِ أشْعِيا في الإصْحاحاتِ: العاشِرِ، والحادِي عَشَرَ، والثّانِي عَشَرَ، وغَيْرِها، وفي كِتابِ أرْمِيا في الإصْحاحِ الثّامِنِ والعِشْرِينَ والإصْحاحِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ هو مِن جُمْلَةِ المَقْضِيِّ المَوْعُودِ بِهِ، ووَقَعَ في الإصْحاحِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ مِن كِتابِ
صفحة ٣٣
أرْمِيا (هَكَذا قالَ الرَّبُّ إلَهُ إسْرائِيلَ لِكُلِّ الَّذِي سَبَيْتُهُ مِن أُورْشَلِيمَ إلى بابِلَ: ابْنُوا بُيُوتًا واسْكُنُوا، واغْرِسُوا جَنّاتٍ، وكُلُوا ثَمَرَها، خُذُوا نِساءً ولِدُوا بَنِينَ وبَناتٍ، واكْثُرُوا هُناكَ ولا تَقِلُّوا) .
و(نَفِيرًا) تَمْيِيزٌ لِـ (أكْثَرَ) فَهو تَبْيِينٌ لِجِهَةِ الأكْثَرِيَّةِ، والنَّفِيرُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْجَماعَةِ الَّتِي تَنْفِرُ مَعَ المَرْءِ مِن قَوْمِهِ وعَشِيرَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جَهْلٍ: لا في العِيرِ، ولا في النَّفِيرِ.
والتَّفْضِيلُ في (أكْثَرَ) تَفْضِيلٌ عَلى أنْفُسِهِمْ، أيْ جَعَلْناكم أكْثَرَ مِمّا كُنْتُمْ قَبْلَ الجَلاءِ، وهو المُناسِبُ لِمَقامِ الِامْتِنانِ، وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أكْثَرَ نَفِيرًا مِن أعْدائِكُمُ الَّذِينَ أخْرَجُوكم مِن دِيارِكم، أيْ أفْنى مُعْظَمَ البابِلِيِّينَ في الحُرُوبِ مَعَ الفُرْسِ حَتّى صارَ عَدَدُ بَنِي إسْرائِيلَ في بِلادِ الأسْرِ أكْثَرَ مِن عَدَدِ البابِلِيِّينَ.
وقَوْلُهُ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنَتْكم لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها مِن جُمْلَةِ المَقْضِيِّ في الكِتابِ مِمّا خُوطِبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، وهو حِكايَةٌ لِما في الإصْحاحِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ مِن كِتابِ أرْمِيا (وصَلُّوا لِأجْلِها إلى الرَّبِّ؛ لِأنَّهُ بِسَلامِها يَكُونُ لَكم سَلامٌ)، وفي الإصْحاحِ الحادِي والثَلاثِينَ (يَقُولُ الرَّبُّ أزْرَعُ بَيْتَ إسْرائِيلَ وبَيْتَ يَهُوذا ويَكُونُ كَما سَهِرْتُ عَلَيْهِمْ لِلِاقْتِلاعِ والهَدْمِ والقَرْضِ والإهْلاكِ، كَذَلِكَ أسْهَرُ عَلَيْهِمْ لِلْبِناءِ والغَرْسِ في تِلْكَ الأيّامِ لا يَقُولُونَ: الآباءُ أكَلُوا حِصْرِمًا وأسْنانُ الأبْناءِ ضَرَسَتْ بَلْ كُلُّ واحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ كُلُّ إنْسانٍ يَأْكُلُ الحِصْرِمَ تَضْرَسُ أسْنانُهُ) .
ومَعْنى (﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]) أنَّنا نَرُدُّ لَكُمُ الكَرَّةَ لِأجْلِ التَّوْبَةِ، وتَجَدُّدِ الجِيلِ، وقَدْ أصْبَحْتُمْ في حالَةِ نِعْمَةٍ، فَإنْ أحْسَنْتُمْ كانَ جَزاؤُكم حَسَنًا، وإنْ أسَأْتُمْ لِأنْفُسِكم، فَكَما أهْلَكْنا مَن قَبْلَكم بِذُنُوبِهِمْ فَقَدْ أحْسَنّا إلَيْكم بِتَوْبَتِكم، فاحْذَرُوا الإساءَةَ؛ كَيْلا تَصِيرُوا إلى مَصِيرِ مَن قَبْلَكم.
صفحة ٣٤
وإعادَةُ فِعْلِ أحْسَنْتُمْ تَنْوِيهٌ فَلَمْ يَقُلْ: إنْ أحْسَنْتُمْ فَلِأنْفُسِكم، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
قالَ أبُو الفَتْحِ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ بَيْتِ الأحْوَصِ في الحَماسَةِ: إنَّما جازَ أنْ يَقُولَ فَإذا تَزُولُ تَزُولُ لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادَةِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: (﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣])، ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا كَقَوْلِكَ: الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ، وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ (في الأصْلِ أجَزْناهُ) غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ.
والظّاهِرُ أنَّ امْتِناعَ أبِي عَلِيٍّ مِن ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَرى جَوازَ أنْ تَكُونَ أغْوَيْناهم تَأْكِيدًا لِـ (أغْوَيْنا) . وقَوْلُهُ ﴿كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ اسْمَ المَوْصُولِ مُسْنَدٌ إلى مُبْتَدَأٍ، وهو اسْمُ الإشارَةِ فَتَمَّ الكَلامُ بِذَلِكَ، بِخِلافِ بَيْتِ الأحْوَصِ ومِثالُ ابْنِ جِنِّيٍّ: الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ، فَيَرْجِعُ امْتِناعُ أبِي عَلِيٍّ إلى أنَّ ما أخَذَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ في الآيَةِ تَعَيُّنَهُ في بَيْتِ الأحْوَصِ.
وأُسْلُوبُ إعادَةِ الفِعْلِ عِنْدَ إرادَةِ تَعَلُّقِ شَيْءٍ بِهِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ يُقْصَدُ بِهِ الِاهْتِمامُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: (﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]) وقالَ: (﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]) .
وقَوْلُهُ: (﴿أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]) جاءَ عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ بِأنْ جُعِلَتْ نَفْسُ المُحْسِنِ كَذاتٍ يُحْسَنُ لَها، فاللّامُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (أحْسَنْتُمْ)، يُقالُ: أحْسَنْتُ لِفُلانٍ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها، فَقَوْلُهُ فَلَها مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ فاءِ الجَوابِ، تَقْدِيرُهُ: أسَأْتُمْ لَها، ولَيْسَ المَجْرُورُ بِظَرْفٍ مُسْتَقِرٍّ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ أسَأْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ: فَعَلَيْها، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ: (﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]) .
صفحة ٣٥
ووَجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ أُسْلُوبِ الآيَتَيْنِ أنَّ آيَةَ فُصِّلَتْ لَيْسَ فِيها تَجْرِيدٌ؛ إذِ التَّقْدِيرُ فِيها: فَعَمَلُهُ لِنَفْسِهِ، وإساءَتُهُ عَلَيْها، فَلَمّا كانَ المُقَدَّرُ اسْمًا كانَ المَجْرُورُ بَعْدَهُ مُسْتَقِرًّا غَيْرَ حَرْفِ تَعْدِيَةٍ، فَجَرى عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإخْبارُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ المُخْبَرِ عَنْهُ نافِعًا فَيُخْبَرُ عَنْهُ بِمَجْرُورٍ بِاللّامِ، أوْ ضارًّا يُخْبَرُ عَنْهُ بِمَجْرُورٍ بِـ (إلى)، وأمّا آيَةُ الإسْراءِ فَفِعْلُ أحْسَنْتُمْ وأسَأْتُمُ الواقِعانِ في الجَوابَيْنِ مُقْتَضِيانِ التَّجْرِيدَ فَجاءا عَلى أصْلِ تَعْدِيَتِهِما بِاللّامِ لا لِقَصْدِ نَفْعٍ، ولا ضُرٍّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences