Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:60–65
17:60Page 288
وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠
And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.
﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى حُزْنِهِ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ، ومِن إمْهالِ عُتاةِ أعْداءِ الدِّينِ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ، فَذَكَّرَهُ اللَّهُ بِوَعْدِهِ نَصْرَهُ.
وقَدْ أوْمَأ جَعْلُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لَفْظَ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ أنَّ هَذا القَوْلَ مَسُوقٌ مَساقَ التَّكْرِمَةِ لِلنَّبِيءِ وتَصْبِيرِهِ، وأنَّهُ بِمَحَلِّ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ إذْ هو رَبُّهُ، وهو ناصِرُهُ، قالَ تَعالى ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] .
فَجُمْلَةُ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً.
و(إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ إذْ قُلْنا لَكَ كَلامًا هو وعْدٌ بِالصَّبْرِ، أيِ اذْكُرْ لَهم ذَلِكَ، وأعِدْهُ عَلى أسْماعِهِمْ، أوْ هو فِعْلُ اذْكُرْ
صفحة ١٤٦
عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ، وهو إعادَةُ الخَبَرِ إلى القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ الذّاكِرَةِ.
والإحاطَةُ لَمّا عُدِّيَ فِعْلُها هُنا إلى ذاتِ النّاسِ لا إلى حالٍ مِن أحْوالِهِمْ تَعَيَّنَ أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الغَلَبَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ إحاطَةِ اللَّهِ بِالنّاسِ في المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ، ولَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] .
والمَعْنى: فَلا تَحْزَنْ لِافْتِرائِهِمْ وتَطاوُلِهِمْ فَسَنَنْتَقِمُ مِنهم.
* * *
﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] وما بَيْنَهُما مُعْتَرِضاتٌ.
والرُّؤْيا أشْهَرُ اسْتِعْمالِها في رُؤْيا النَّوْمِ، وتُسْتَعْمَلُ في رُؤْيَةِ العَيْنِ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: هي رُؤْيا عَيْنٍ أُرِيَها النَّبِيءُ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: إنَّهُ قَوْلُ عائِشَةَ، ومُعاوِيَةَ وسَبْعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ، سَمّاهُمُ التِّرْمِذِيُّ، وتَأوَّلَها جَماعَةٌ أنَّها ما رَآهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إذْ رَأى بَيْتَ المَقْدِسِ، وجَعَلَ يَصِفُهُ لِلْمُشْرِكِينَ، ورَأى عِيرَهم وارِدَةً في مَكانٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الطَّرِيقِ، ووَصَفَ لَهم حالَ رِجالٍ فِيها فَكانَ كَما وصَفَ، ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ ﴿الَّتِي أرَيْناكَ﴾ فَإنَّهُ وصْفٌ لِلرُّؤْيا؛ لِيُعْلَمَ أنَّها رُؤْيَةُ عَيْنٍ، وقِيلَ: رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ في سَنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، فَرَدَّهُ المُشْرِكُونَ فَلَمْ يَدْخُلْها فافْتَتَنَ بَعْضُ مَن أسْلَمُوا فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ دَخَلَها.
وقِيلَ: هي رُؤْيا مَصارِعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ في بَدْرٍ أُرِيَها النَّبِيءُ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أيْ بِمَكَّةَ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَهي رُؤْيا نَوْمٍ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ.
صفحة ١٤٧
والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ الرَّأْيِ واخْتِلالُ نِظامِ العَيْشِ، وتُطْلَقُ عَلى العَذابِ المُكَرَّرِ الَّذِي لا يُطاقُ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، وقالَ ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أوَّلِ القَوْلَيْنِ في الرُّؤْيا أنَّها المَرْئِيُّ وهو عَذابُهم بِالسَّيْفِ فِتْنَةً لَهم.
* * *
﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾
والشَّجَرَةَ عَطْفٌ عَلى الرُّؤْيا، أيْ ما جَعَلْنا ذِكْرَ الشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ، وهَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] الآيَةَ في سُورَةِ الدُّخانِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زَعَمَ صاحِبُكم أنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ، ثُمَّ يَقُولُ بِأنَّ في النّارِ شَجَرَةً لا تَحْرِقُها النّارُ، وجَهِلُوا أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ في النّارِ شَجَرَةً لا تَأْكُلُها النّارُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ، وتَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى قالَ: الزَّقُّومُ: التَّمْرُ بِالزُّبْدِ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وأنَّ أبا جَهْلٍ أمَرَ جارِيَةً فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا، وقالَ لِأصْحابِهِ: تَزَقَّمُوا، فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فالمَعْنى: أنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ سَبَبُ فِتْنَةِ كُفْرِهِمْ وانْصِرافِهِمْ عَنِ الإيمانِ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى جَعْلِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِتْنَةً عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ ذِكْرَها كانَ سَبَبَ فِتْنَةٍ بِحَذْفِ مُضافٍ وهو ذِكْرٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾؛ لِأنَّ ما وُصِفَتْ بِهِ في آياتِ القُرْآنِ لَعْنٌ لَها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ إيجادَها فِتْنَةٌ، أيْ عَذابٌ مُكَرَّرٌ، كَما قالَ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] .
صفحة ١٤٨
والمَلْعُونَةُ: أيِ المَذْمُومَةُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] وقَوْلِهِ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وقَوْلِهِ (﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٦])، وقِيلَ مَعْنى المَلْعُونَةِ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ في مَكانِ اللَّعْنَةِ، وهي الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ في مَوْضِعِ العَذابِ، وفي الكَشّافِ: قِيلَ تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ طَعامٍ ضارٍّ: مَلْعُونٌ.
* * *
﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] الدّالُّ عَلى أنَّهم مُتَصَلِّبُونَ في كُفْرِهِمْ مُكابِرُونَ مُعانِدُونَ، وهَذِهِ زِيادَةٌ في تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ حَتّى لا يَأْسَفَ مِن أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِهِمْ آياتٍ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَرِيصٌ عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] .
ويُوجَدُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ ابْنَ العَبّاسِ قالَ في الشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ: بَنُو أُمَيَّةَ، وهَذا مِنَ الأخْبارِ المُخْتَلَقَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا أخالُها إلّا مِمّا وضَعَهُ الوَضّاعُونَ في زَمَنِ الدَّعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ؛ لِإكْثارِ المُنَفِّراتِ مِن بَنِي أُمَيَّةَ، وأنَّ وصْفَ الشَّجَرَةِ بِأنَّها المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ صَرِيحٌ في وُجُودِ آياتٍ في القُرْآنِ ذُكِرَتْ فِيها شَجَرَةٌ مَلْعُونَةٌ، وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ كَما عَلِمْتَ، ومِثْلُ هَذا الِاخْتِلاقِ خُرُوجٌ عَنْ وصايا القُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١] .
وجِئَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في نُخَوِّفُهم لِلْإشارَةِ إلى تَخْوِيفٍ حاضِرٍ، فَإنَّ اللَّهَ خَوَّفَهم بِالقَحْطِ والجُوعِ حَتّى رَأوُا الدُّخانَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وسَألُوا اللَّهَ كَشْفَهُ فَقالَ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فَذَلِكَ وغَيْرُهُ مِنَ التَّخْوِيفِ الَّذِي سُبِقَ فَلَمْ يَزِدْهم إلّا طُغْيانًا، فالظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُدَّةِ حُصُولِ بَعْضِ المُخَوِّفاتِ.
صفحة ١٤٩
وقَدِ اخْتِيرَ الفِعْلُ المُضارِعُ في نُخَوِّفُهم ويَزِيدُهم؛ لِاقْتِضائِهِ تَكَرُّرَ التَّخْوِيفِ وتَجَدُّدَهُ، وأنَّهُ كُلَّما تَجَدَّدَ التَّخْوِيفُ تَجَدَّدَ طُغْيانُهم وعَظُمَ.
والكَبِيرُ: مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الشَّدِيدِ القَوِيِّ في نَوْعِ الطُّغْيانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
17:61–62Page 288
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"
قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢
[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجَدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أراَيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أيْ واذْكُرْ إذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا تَذْكِيرُ النَّبِيءِ ﷺ بِما لَقِيَ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ مِن مُعانَدَةِ الأعْداءِ والحَسَدَةِ مِن عَهْدِ آدَمَ حِينَ حَسَدَهُ إبْلِيسُ عَلى فَضْلِهِ، وأنَّهم لا يَعْدَمُونَ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِمْ، وهم خِيرَةُ زَمانِهِمْ كَما كانَتِ المَلائِكَةُ نَحْوَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ في كُلِّ عَصْرٍ يَمُتُّ إلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ الَّذِي في عَهْدِ آدَمَ، فَلِفَرِيقِ المَلائِكَةِ المُؤْمِنُونَ ولِفَرِيقِ الشَّيْطانِ الكافِرُونَ، كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٣] الآيَةَ، فَفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَذْكِيرَهُ إيّاهُ بِهِ، وذَكَرَ النَّبِيءُ ذَلِكَ مَوْعِظَةً لِلنّاسِ بِحالِ الفَرِيقَيْنِ؛ لِيَنْظُرَ العاقِلُ أيْنَ يَضَعُ نَفْسَهُ ؟
وتَفْسِيرُ قِصَّةِ آدَمَ وبَيانُ كَلِماتِها مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ وما بَعْدَها.
والِاسْتِفْهامُ في أأسْجُدُ إنْكارٌ، أيْ لا يَكُونُ.
صفحة ١٥٠
وجُمْلَةُ ﴿قالَ أأسْجُدُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ اسْتِثْناءَ إبْلِيسَ مِن حُكْمِ السُّجُودِ لَمْ يُفِدْ أكْثَرَ مِن عَدَمِ السُّجُودِ، وهَذا يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ عَنْ سَبَبِ التَّخَلُّفِ عَنْ هَذا الحُكْمِ مِنهُ، فَيُجابُ بِما صَدَرَ مِنهُ حِينَ الِاتِّصافِ بِعَدَمِ السُّجُودِ أنَّهُ عِصْيانٌ لِأمْرِ اللَّهِ ناشِئٌ عَنْ جَهْلِهِ وغُرُورِهِ.
وقَوْلُهُ طِينًا حالٌ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ، أيِ الَّذِي خَلَقْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ طِينًا، فَيُفِيدُ مَعْنى أنَّكَ خَلَقْتَهُ مِنَ الطِّينِ، وإنَّما جَعَلَ جِنْسَ الطِّينِ حالًا مِنهُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ العُنْصُرِ التُّرابِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ في تَحْقِيرِهِ في نَظَرِ إبْلِيسَ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ بِاعْتِبارِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنِ احْتِقارِ آدَمَ وتَغْلِيطِ الإرادَةِ مِن تَفْضِيلِهِ، فَقَدْ أُعِيدَ إنْكارُ التَّفْضِيلِ بِقَوْلِهِ أرَأيْتَكَ المُفِيدِ الإنْكارَ، وعَلَّلَ الإنْكارَ بِإضْمارِ المَكْرِ لِذُرِّيَّتِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ﴾ عَنْ جُمْلَةِ ﴿قالَ أأسْجُدُ﴾ كَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] .
وأرَأيْتَكَ تَرْكِيبٌ يُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ الَّذِي يُرادُ تَحْقِيقُهُ والِاهْتِمامُ بِهِ، ومَعْناهُ: أخْبِرْنِي عَمّا رَأيْتُ، وهو مُرَكَّبٌ مِن هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، و(رَأى) الَّتِي بِمَعْنى عَلِمَ، (وتاءِ المُخاطَبِ) المُفْرَدِ المَرْفُوعِ، ثُمَّ يُزادُ عَلى ضَمِيرِ الخِطابِ كافُ خِطابٍ تُشْبِهُ ضَمِيرَ الخِطابِ المَنصُوبِ بِحَسَبِ المُخاطَبِ واحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا، يُقالُ: أرَأيْتَكَ وأرَأيْتَكم كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ الكافُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الَّذِي تُفِيدُهُ تاءُ الخِطابِ الَّتِي في مَحَلِّ رَفْعٍ، وهو يُشْبِهُ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ، وقالَ الفَرّاءُ: الكافُ ضَمِيرُ نَصْبٍ، والتَّرْكِيبُ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ، وهَذا أقْرَبُ لِلِاسْتِعْمالِ، ويُسَوِّغُهُ أنَّ أفْعالَ الظَّنِّ والعِلْمِ قَدْ تَنْصِبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ما هو ضَمِيرُ فاعِلِها نَحْوَ قَوْلِ طَرَفَةَ:
صفحة ١٥١
فَما لِيَ أرانِي وابْنَ عَمِّي مالِكًا مَتى أدْنُ مِنهُ يَنْأ عَنِّي ويَبْعُدُ
أيْ: أرى نَفْسِي.
واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ نِيَّتِكَ أهَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِلا وجْهٍ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وهي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ مَعَ الشَّرْطِ، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] .
وهَذا الكَلامُ صَدَرَ مِن إبْلِيسَ إعْرابًا عَمّا في ضَمِيرِهِ، وإنَّما شَرَطَ التَّأْخِيرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِيَعُمَّ بِإغْوائِهِ جَمِيعَ أجْيالِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ فَلا يَكُونُ جِيلٌ آمِنًا مِن إغْوائِهِ.
وصَدَرَ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ عَنْ وِجْدانٍ أُلْقِيَ في نَفْسِهِ صادَفَ مُرادَ اللَّهِ مِنهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَهُ قَدَّرَ لَهُ أنْ يَكُونَ عُنْصُرَ إغْواءٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّهُ يُغْوِي كَثِيرًا مِنَ البَشَرِ، ويَسْلَمُ مِنهُ قَلِيلٌ مِنهم.
وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى إغْواءِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ولَمْ يَذْكُرْ إغْواءَ آدَمَ وهو أوْلى بِالذِّكْرِ إذْ آدَمُ هو أصْلُ عَداوَةِ الشَّيْطانِ النّاشِئَةِ عَنِ الحَسَدِ مِن تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ، إمّا لِأنَّ هَذا الكَلامَ قالَهُ بَعْدَ أنْ أغْوى آدَمَ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ فَقَدْ شَفى غَلِيلَهُ مِنهُ، وبَقِيَتِ العَداوَةُ مُسْتَرْسِلَةً في ذُرِّيَّةِ آدَمَ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦] .
والِاحْتِناكُ: وضْعُ الرّاكِبِ اللِّجامَ في حَنَكِ الفَرَسِ لِيَرْكَبَهُ ويُسَيِّرَهُ، فَهو هُنا تَمْثِيلٌ لِجَلْبِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ إلى مُرادِهِ مِنَ الإفْسادِ والإغْواءِ بِتَسْيِيرِ الفَرَسِ عَلى حُبِّ ما يُرِيدُ راكِبُهُ.
17:63–64Page 288
قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣
[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.
وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤
And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.
صفحة ١٥٢
﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجْلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾
جَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ سُؤالِ إبْلِيسَ التَّأْخِيرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ (قالَ) عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ الَّتِي ذَكَرْناها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] .
والذَّهابُ لَيْسَ مُرادًا بِهِ الِانْصِرافُ، بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِمْرارِ عَلى العَمَلِ، أيِ امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي نَوَيْتَهُ، وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ، وهو كَقَوْلِ النَّبْهانِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنا سُدْتَنا وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
وقَوْلُهُ ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى التَّسْوِيَةِ والزَّجْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] .
والجَزاءُ: مَصْدَرُ جَزاهُ عَلى عَمَلٍ، أيْ أعْطاهُ عَنْ عَمَلِهِ عِوَضًا، وهو هُنا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.
والمَوْفُورُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن وفَرَهُ إذا كَثَّرَهُ.
وأُعِيدَ (جَزاءً) لِلتَّأْكِيدِ؛ اهْتِمامًا وفَصاحَةً، كَقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، ولِأنَّهُ أحْسَنُ في جَرَيانِ وصْفِ المَوْفُورِ عَلى مَوْصُوفٍ مُتَّصِلٍ بِهِ دُونَ فَصْلٍ، وأصْلُ الكَلامِ: فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم مَوْفُورًا، فانْتِصابُ (جَزاءً) عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ، و(مَوْفُورًا) صِفَةٌ لَهُ، وهو الحالُ في المَعْنى، أيْ جَزاءً غَيْرَ مَنقُوصٍ.
صفحة ١٥٣
والِاسْتِفْزازُ: طَلَبُ الفَزِّ، وهو الخِفَّةُ والِانْزِعاجُ، وتَرْكُ التَّثاقُلِ.
والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْجَعْلِ النّاشِئِ عَنْ شِدَّةِ الطَّلَبِ، والحَثِّ الَّذِي هو أصْلُ مَعْنى السِّينِ والتّاءِ، أيِ اسْتَخِفَّهم وأزْعِجْهم.
والصَّوْتُ: يُطْلَقُ عَلى الكَلامِ كَثِيرًا؛ لِأنَّ الكَلامَ صَوْتٌ مِنَ الفَمِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِإلْقاءِ الوَسْوَسَةِ في نُفُوسِ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا هُنا تَمْثِيلًا لِحالَةِ إبْلِيسَ بِحالِ قائِدِ الجَيْشِ؛ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ كَما سَيَأْتِي.
والإجْلابُ: جَمْعُ الجَيْشِ وسَوْقُهُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الجَلَبَةِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهي الصِّياحُ؛ لِأنَّ قائِدَ الجَيْشِ إذا أرادَ جَمْعَ الجَيْشِ نادى فِيهِمْ لِلنَّفِيرِ أوْ لِلْغارَةِ والهُجُومِ.
والخَيْلُ: اسْمُ جَمْعِ الفَرَسِ، والمُرادُ بِهِ عِنْدَ ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى الجَيْشِ الفُرْسانُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي»، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ صَرْفِ قُوَّتِهِ ومَقْدِرَتِهِ عَلى الإضْلالِ بِحالِ قائِدِ الجَيْشِ يَجْمَعُ فُرْسانَهُ ورِجالَتَهُ.
ولَمّا كانَ قائِدُ الجَيْشِ يُنادِي في الجَيْشِ عِنْدَ الأمْرِ بِالغارَةِ جازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ مِن جُمْلَةِ هَذا التَّمْثِيلِ.
والرَّجْلُ: اسْمُ جَمْعِ الرِّجالِ كَصَحْبٍ. وقَدْ كانَتْ جُيُوشُ العَرَبِ مُؤَلَّفَةً مِن رِجالَةٍ يُقاتِلُونَ بِالسُّيُوفِ، ومِن كَتائِبِ فُرْسانٍ يُقاتِلُونَ بِنَضْحِ النِّبالِ، فَإذا التَحَمُوا اجْتَلَدُوا بِالسُّيُوفِ جَمِيعًا، قالَ أُنَيْفُ بْنُ زَبّانَ النَّبْهانِيُّ:
وتَحْتَ نُحُورِ الخَيْلِ حَرْشَفُ ∗∗∗ رِجْلَةٍ تُتاحُ لِحَبّاتِ القُلُوبِ نِبالُها
ثُمَّ قالَ:
فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَّيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٍّ سُؤالُها
صفحة ١٥٤
والمَعْنى: أجْمِعْ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وسائِلَ الفِتْنَةِ والوَسْوَسَةِ لِإضْلالِهِمْ، فَجُعِلَتْ وسائِلُ الوَسْوَسَةِ بِتَزْيِينِ المَفاسِدِ وتَفْظِيعِ المَصالِحِ كاخْتِلافِ أصْنافِ الجَيْشِ، فَهَذا تَمْثِيلُ حالِ الشَّيْطانِ وحالِ مُتَّبِعِيهِ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِحالِ مَن يَغْزُو قَوْمًا بِجَيْشٍ عَظِيمٍ مِن فُرْسانٍ ورَجّالَةٍ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورَجِلِكَ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو لُغَةٌ في رَجُلٍ مَضْمُومِ الجِيمِ، وهو الواحِدُ مِنَ الرِّجالِ، والمُرادُ الجِنْسُ، والمَعْنى: بِخَيْلِكَ ورِجالِكَ، أيِ الفُرْسانِ والمُشاةِ.
والباءُ في بَخَيْلِكَ إمّا لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الفِعْلِ لِمَفْعُولِهِ فَهي لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، ومَجْرُورُها مَفْعُولٌ في المَعْنى لِفِعْلِ أجْلِبْ مِثْلَ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ وإمّا لِتَضْمِينِ فِعْلِ أجْلِبْ مَعْنى اغْزُهم فَيَكُونُ الفِعْلُ مُضَمَّنًا مَعْنى الفِعْلِ اللّازِمِ، وتَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ.
والمُشارَكَةُ في الأمْوالِ: أنْ يَكُونَ لِلشَّيْطانِ نَصِيبٌ في أمْوالِهِمْ وهي أنْعامُهم وزُرُوعُهم إذْ سَوَّلَ لَهم أنْ يَجْعَلُوا نَصِيبًا في النِّتاجِ والحَرْثِ لِلْأصْنامِ، وهي مِن مَصارِفِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ هو المُسَوِّلُ لِلنّاسِ بِاتِّخاذِها، قالَ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦] .
وأمّا مُشارَكَةُ الأوْلادِ فَهي أنْ يَكُونَ لِلشَّيْطانِ نَصِيبٌ في أحْوالِ أوْلادِهِمْ مِثْلَ تَسْوِيلِهِ لَهم أنْ يَئِدُوا أوْلادَهم، وأنْ يَسْتَوْلِدُوهم مِنَ الزِّنى، وأنْ يُسَمُّوهم بِعَبَدَةِ الأصْنامِ، كَقَوْلِهِمْ: عَبْدُ العُزّى، وعَبْدُ اللّاتِ، وزَيْدُ مَناةَ، ويَكُونُ انْتِسابُهُ إلى ذَلِكَ الصَّنَمِ.
ومَعْنى عِدْهم أعْطِهِمُ المَواعِيدَ بِحُصُولِ ما يَرْغَبُونَهُ كَما يُسَوِّلُ لَهم بِأنَّهم إنْ جَعَلُوا أوْلادَهم لِلْأصْنامِ سَلِمَ الآباءُ مِنَ الثُّكْلِ، والأوْلادُ مِنَ الأمْراضِ، ويُسَوِّلُ لَهم أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ في الدُّنْيا، وتَضْمَنُ لَهُمُ
صفحة ١٥٥
النَّصْرَ عَلى الأعْداءِ، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ اعْلُ هُبَلُ، ومِنهُ وعْدُهم بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ عَذابًا بَعْدَ المَوْتِ؛ لِإنْكارِ البَعْثِ، ووَعْدِ العُصاةِ بِحُصُولِ اللَّذّاتِ المَطْلُوبَةِ مِنَ المَعاصِي مِثْلَ الزِّنى والسَّرِقَةِ والخَمْرِ والمُقامَرَةِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ وعَدَهم لِلتَّعْمِيمِ في المَوْعُودِ بِهِ، والمَقامُ دالٌّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ أنْ يَعِدَهم بِما يَرْغَبُونَ؛ لِأنَّ العِدَةَ هي التِزامُ إعْطاءِ المَرْغُوبِ، وسَمّاهُ وعْدًا؛ لِأنَّهُ يُوهِمُهم حُصُولَهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، فَلا يَزالُونَ يَنْتَظِرُونَهُ كَشَأْنِ الكَذّابِ أنْ يَحْتَزِرَ عَنِ الإخْبارِ بِالعاجِلِ؛ لَقُرْبِ افْتِضاحِهِ فَيَجْعَلُ مَواعِيدَهُ كُلَّها لِلْمُسْتَقْبَلِ.
ولِذَلِكَ اعْتَرَضَ بِجُمْلَةِ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾، والغُرُورُ: إظْهارُ الشَّيْءِ المَكْرُوهِ في صُورَةِ المَحْبُوبِ الحَسَنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في الأنْعامِ، والمَعْنى: أنَّ ما سَوَّلَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ في حُصُولِ المَرْغُوبِ إمّا باطِلٌ لا يَقَعُ، مِثْلَ ما يُسَوِّلُهُ لِلنّاسِ مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، وكَوْنِهِ غُرُورًا؛ لِأنَّهُ إظْهارٌ لِما يَقَعُ في صُورَةِ الواقِعِ فَهو تَلْبِيسٌ، وإمّا حاصِلٌ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مَحْمُودٍ بِالعاقِبَةِ، مِثْلَ ما يُسَوِّلُهُ لِلنّاسِ مِن قَضاءِ دَواعِي الغَضَبِ والشَّهْوَةِ ومَحَبَّةِ العاجِلِ دُونَ تَفْكِيرٍ في الآجِلِ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ مُقارَنَةِ الأمْرِ المَكْرُوهِ أوْ كَوْنِهِ آيِلًا إلَيْهِ بِالإضْرارِ، وقَدْ بَسَطَ هَذا الغَزالِيُّ في كِتابِ الغُرُورِ مِن كِتابِ (إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ) .
وإظْهارُ اسْمِ الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ﴾ دُونَ أنْ يَأْتِيَ بِضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ؛ لِأنَّ هَذا الِاعْتِراضَ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلَوْ كانَ فِيها ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما في جُمْلَةٍ أُخْرى لَكانَ في النَّثْرِ شِبْهُ عَيْبِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ، ولِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جارِيَةٌ مَجْرى المَثَلِ فَلا يَحْسُنُ اشْتِمالُها عَلى ضَمِيرٍ لَيْسَ مِن أجْزائِها.
17:65Page 288
إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥
Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1
صفحة ١٥٦
﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ مِن تَمامِ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِ ﴿قالَ اذْهَبْ﴾ [الإسراء: ٦٣]، وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٣] وقَوْلُهُ ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فَإنَّ مَفْهُومَ مَن تَبِعَكَ و﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ [الإسراء: ٦٤] مِن قَبِيلِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ فَيُفِيدُ أنَّ فَرِيقًا مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ لا يَتَّبِعُ إبْلِيسَ فَلا يَحْتَنِكُهُ، وهَذا المَفْهُومُ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَ أوْ حَفِظَ هَذا الفَرِيقَ مِنَ الشَّيْطانِ، وذَلِكَ يُثِيرُ سُؤالًا في خاطِرِ إبْلِيسَ لِيَعْلَمَ الحائِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ الفَرِيقِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ في نَفْسِهِ عِلْمًا إجْمالِيًّا أنَّ فَرِيقًا لا يَحْتَنِكُهُ لِقَوْلِهِ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلى تَعْيِينِ هَذا الفَرِيقِ بِالوَصْفِ وبِالسَّبَبِ.
فَأمّا الوَصْفُ فَفي قَوْلِهِ (عِبادِي) المُفِيدِ أنَّهم تَمَحَّضُوا لِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ، فَعَلِمَ أنَّ مَن عَبَدُوا الأصْنامَ والجِنَّ وأعْرَضُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، لَيْسُوا مِن أُولَئِكَ.
وأمّا السَّبَبُ فَفي قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ المُفِيدِ أنَّهم تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ، واسْتَعاذُوا بِهِ مِنَ الشَّيْطانِ، فَكانَ خَيْرَ وكِيلٍ لَهم إذْ حاطَهم مِنَ الشَّيْطانِ، وحَفِظَهم مِنهُ.
وفِي هَذا التَّوَكُّلِ مَراتِبُ مِنَ الِانْقِلابِ عَنِ احْتِناكِ الشَّيْطانِ، وهي مَراتِبُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأخْذِ بِطاعَةِ اللَّهِ كَما هو الحَقُّ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ.
فالسُّلْطانُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ هو الحُكْمُ المُسْتَمِرُّ بِحَيْثُ يَكُونُونَ رَعِيَّتَهُ ومِن جُنْدِهِ، وأمّا غَيْرُهم فَقَدْ يَسْتَهْوِيهِمُ الشَّيْطانُ، ولَكِنَّهم لا يَلْبَثُونَ أنْ يَثُوبُوا إلى الصّالِحاتِ، وكَفاكَ مِن ذَلِكَ دَوامُ تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ، وتَصْدِيقُهم
صفحة ١٥٧
رَسُولَهُ، واعْتِبارُهم أنْفُسَهم عِبادًا لِلَّهِ مُتَطَلِّبِينَ شُكْرَ نِعْمَتِهِ، فَشَتّانَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الشِّرْكِ، وإنْ سَخُفَتْ في شَأْنِهِمْ عَقِيدَةُ أهْلِ الِاعْتِزالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩] في سُورَةِ النَّحْلِ.
فالمُؤْمِنُ لا يَتَوَلّى الشَّيْطانَ أبَدًا، ولَكِنَّهُ قَدْ يَنْخَدِعُ لِوَسْواسِهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْعَنُهُ فِيما أوْقَعَهُ فِيهِ مِنَ الكَبائِرِ، وبِمِقْدارِ ذَلِكَ الِانْخِداعِ يَقْتَرِبُ مِن سُلْطانِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا، ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِما دُونَ ذَلِكَ مِمّا تُحَقِّرُونَ مِن أعْمالِكم» .
فَجُمْلَةُ ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَكْمِلَةً لِتَوْبِيخِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ (كافُ الخِطابِ) ضَمِيرَ الشَّيْطانِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً في آخِرِ الكَلامِ فَتَكُونُ كافُ الخِطابِ ضَمِيرَ النَّبِيءِ ﷺ تَقْرِيبًا لِلنَّبِيءِ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ، ومَآلُ المَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ الِاعْتِبارُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences