Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:76–82

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:76–82

17:76–77Page 290

وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦

And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1

سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧

[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.

صفحة ١٧٨

﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] تِعْدادًا لِسَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ، والضَّمائِرُ مُتَّحِدَةٌ.

والِاسْتِفْزازُ: الحَمْلُ عَلى التَّرَحُّلِ، وهو اسْتِفْعالٌ مِن (فَزَّ) بِمَعْنى بارَحَ المَكانَ، أيْ كادُوا أنْ يَسْعَوْا أنْ تَكُونَ فازًّا، أيْ خارِجًا مِن مَكَّةَ، وتَقَدَّمَ مَعْنى هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: كادُوا أنْ يُخْرِجُوكَ مِن بَلَدِكَ، وذَلِكَ بِأنْ هَمُّوا بِأنْ يُخْرِجُوهُ كُرْهًا ثُمَّ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ خُرُوجُهُ بِغَيْرِ إكْراهٍ حِينَ خَرَجَ مُهاجِرًا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ ارْتَأوْا بَعْدَ زَمانٍ أنْ يُبْقُوهُ بَيْنَهم حَتّى يَقْتُلُوهُ.

والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ مِن أرْضِكَ وهي مَكَّةُ.

وقَوْلُهُ لِيُخْرِجُوكَ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِفْزازِ، أيِ اسْتِفْزازًا لِقَصْدِ الإخْراجِ.

والمُرادُ بِالإخْراجِ: مُفارَقَةُ المَكانِ دُونَ رُجُوعٍ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ عِلَّةً لِلِاسْتِفْزازِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْزازَ أعَمُّ مِنَ الإخْراجِ.

وجُمْلَةُ (﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وإنْ كادُوا، أوْ هي اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، فَتَكُونُ الواوُ لِلِاعْتِراضِ و(إذًا) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ لا يَلْبَثُونَ وهي (إذْ) المُلازِمَةُ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذا) حَرْفَ جَوابٍ، وجَزاءٍ لِكَلامٍ سابِقٍ، وهي الَّتِي نُونُها حَرْفٌ مِنَ الكَلِمَةِ، ولَكِنْ كَثُرَتْ كِتابَتُها بِألِفٍ في صُورَةِ الِاسْمِ

صفحة ١٧٩

المُنَوَّنِ، والأصْلُ فِيها أنْ يَكُونَ الفِعْلُ بَعْدَها مَنصُوبًا بِ (أنْ) مُضْمَرَةٍ، فَإذا وقَعَتْ بَعْدَ عاطِفٍ جازَ رَفْعُ المُضارِعِ بَعْدَها ونَصْبُهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إذًا) ظَرْفًا لِلزَّمانِ، وتَنْوِّنِيُها عِوَضًا عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ مِن نُحاةِ الكُوفَةِ، وهو غَيْرُ بَعِيدٍ، ألا تَرى أنَّها إذا وقَعَتْ بَعْدَ عاطِفٍ لَمْ يَنْتَصِبْ بَعْدَها المُضارِعُ إلّا نادِرًا؛ لِانْتِفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، ولِأنَّها حِينَئِذٍ لا يَظْهَرُ فِيها مَعْنى الجَوابِ والجَزاءِ.

والتَّقْدِيرُ: وإذًا أخْرَجُوكَ، أوْ وإذًا خَرَجْتَ لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلّا قَلِيلًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلْفَكَ)، و(خَلْفَكَ) أُرِيدَ بِهِ بَعْدَكَ، وأصْلُ الخَلْفِ الوَراءُ، فاسْتُعْمِلَ مَجازًا في البَعْدِيَّةِ، أيْ لا يَلْبَثُونَ بَعْدَكَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ خِلافَكَ وهو لُغَةٌ في خَلْفٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ.

واللُّبْثُ: الِاسْتِقْرارُ في المَكانِ، أيْ لا يَسْتَقِرُّونَ في مَكَّةَ بَلْ يَخْرُجُونَ مِنها فَلا يَرْجِعُونَ، وقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ مُهاجِرًا وكانُوا السَّبَبَ في خُرُوجِهِ فَكَأنَّهم أخْرَجُوهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثِ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا في إخْراجِهِ وألَّبُوا عَلَيْهِ قَوْمَهم بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا ثُمَّ خَرَجُوا إلى وقْعَةٍ بَدْرٍ، فَلَقُوا حَتْفَهم هُنالِكَ فَلَمْ يَرْجِعُوا، وحَقَّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ، وأبْقى اللَّهُ عامَّتَهم ودَهْماءَهم لِضَعْفِ كَيْدِهِمْ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ الرَّسُولَ سَيَخْرُجُ مِن مَكَّةَ وأنَّ مُخْرِجِيهِ، أيِ المُتَسَبِّبِينَ في خُرُوجِهِ، لا يَلْبَثُونَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ إلّا قَلِيلًا.

والسُّنَّةُ: العادَةُ والسِّيرَةُ الَّتِي يَلْتَزِمُها صاحِبُها، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في أنَّها اسْمٌ جامِدٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، أيْ عادَةُ اللَّهِ في كُلِّ

صفحة ١٨٠

رَسُولٍ أخْرَجَهُ قَوْمُهُ أنْ لا يَبْقَوْا بَعْدَهُ، خَرَجَ هُودٌ مِن دِيارِ عادٍ إلى مَكَّةَ، وخَرَجَ صالِحٌ مِن دِيارِ ثَمُودَ، وخَرَجَ إبْراهِيمُ ولُوطٌ وهَلَكَتْ أقْوامُهم، فَإضافَةُ (سُنَّةَ) إلى مَن قَدْ أرْسَلْنا لِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيْ سُنَّتُنا فِيهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هي الإضافَةُ الحَقِيقِيَّةُ.

وانْتَصَبَ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، فَإنْ كانَتْ (سُنَّةَ) اسْمَ مَصْدَرٍ فَهو بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: سَنَنّا ذَلِكَ لِمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا، أيْ لِأجْلِهِمْ، فَلَمّا عَدَلَ عَنِ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ أُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المُتَعَلِّقِ بِالفِعْلِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ عَلى التَّوَسُّعِ، وإنْ كانَتْ (سُنَّةَ) اسْمًا جامِدًا فانْتِصابُهُ عَلى الحالِ؛ لِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنًى اشْتِقاقِيٍّ.

وجُمْلَةُ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ سَبَبِ كَوْنِ لُبْثِهِمْ بَعْدَهُ قَلِيلًا، وإنَّما سَنَّ اللَّهُ هَذِهِ السُّنَّةَ لِرُسُلِهِ؛ لِأنَّ تَآمُرَ الأقْوامِ عَلى إخْراجِهِمْ يَسْتَدْعِي حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنْ تَتَعَلَّقَ إرادَتُهُ بِأمْرِهِ إيّاهم بِالهِجْرَةِ؛ لِئَلّا يَبْقَوْا مَرْمُوقِينَ بِعَيْنِ الغَضاضَةِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ وأجْوارِهِمْ بِشِبْهِ ما كانَ يُسَمّى بِالخَلْعِ عِنْدَ العَرَبِ.

وجُمْلَةُ ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا اعْتِراضٌ لِتَكْمِلَةِ البَيانِ.

والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّنا أجْرَيْناهُ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ، ولِأنَّ عادَتَنا لا تَتَحَوَّلُ.

والتَّعْبِيرُ ب لا تَجِدُ مُبالَغَةٌ في الِانْتِفاءِ كَما في قَوْلِهِ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والتَّحْوِيلُ: تَغْيِيرُ الحالِ وهو التَّبْدِيلُ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيءِ: الحَقْ بِأرْضِ الشّامِ فَإنَّها أرْضُ الأنْبِياءِ فَصَدَّقَ النَّبِيءُ قَوْلَهم فَغَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ

صفحة ١٨١

الآيَةَ، وهي رِوايَةٌ باطِلَةٌ، وسَبَبُ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ، ومِن أجْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ قالَ فَرِيقٌ: إنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ.

17:78Page 290

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨

Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night1 and [also] the Qur’ān [i.e., recitation] of dawn.2 Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.

﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدَلْوِكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾

كانَ شَرْعُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ لِلْأُمَّةِ لَيْلَةَ الإسْراءِ، كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، ولَكِنَّهُ كانَ غَيْرَ مُثْبَتٍ في التَّشْرِيعِ المُتَواتِرِ، إنَّما أبْلَغَهُ النَّبِيءُ أصْحابَهُ فَيُوشِكُ أنْ لا يَعْلَمَهُ غَيْرُهم مِمَّنْ يَأْتِي مِنَ المُسْلِمِينَ، وأيْضًا فَقَدْ عَيَّنَتِ الآيَةُ أوْقاتًا لِلصَّلَواتِ بَعْدَ تَقَرُّرِ فَرْضِها، فَلِذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي نَزَلَتْ عَقِبَ حادِثِ الإسْراءِ؛ جَمْعًا لِلتَّشْرِيعِ الَّذِي شُرِعَ لِلْأُمَّةِ أيّامَئِذٍ المُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضى رَبُّكَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآياتِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها عَقِبَ ما قَبْلَها أنَّ اللَّهَ لَمّا امْتَنَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِالعِصْمَةِ وبِالنُّصْرِ ذَكَّرَهُ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ بِأنْ أمَرَهُ بِأعْظَمِ عِبادَةٍ يَعْبُدُهُ بِها، وبِالزِّيادَةِ مِنها طَلَبًا لِازْدِيادِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .

فالخِطابُ بِالأمْرِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، ولَكِنْ قَدْ تَقَرَّرَ مِنِ اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنَّ خِطابَ النَّبِيءِ بِتَشْرِيعٍ تَدْخُلُ فِيهِ أُمَّتُهُ إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ الحُكْمِ، وقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ، وشاعَ بَيْنَهم بِحَيْثُ ما كانُوا يَسْألُونَ عِنْدَ اخْتِصاصِ حُكْمٍ إلّا في مَقامِ الِاحْتِمالِ القَوِيِّ، كَمَن سَألَهُ: ألَنا هَذِهِ أمْ لِلْأبَدِ ؟ فَقالَ: بَلْ لِلْأبَدِ.

صفحة ١٨٢

والإقامَةُ: مَجازٌ في المُواظَبَةِ والإدامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لامُ التَّوْقِيتِ، وهي بِمَعْنى (عِنْدَ) .

والدُّلُوكُ: مِن أحْوالِ الشَّمْسِ، فَوَرَدَ بِمَعْنى زَوالِ الشَّمْسِ عَنْ وسَطِ قَوْسٍ فَرْضِيٍّ في طَرِيقِ مَسِيرِها اليَوْمِيِّ، ووَرَدَ بِمَعْنى: مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ مِقْدارِ ثَلاثَةِ أرْباعِ القَوْسِ، وهو وقْتُ العَصْرِ، ووَرَدَ بِمَعْنى غُرُوبِها؛ فَصارَ لَفْظُ الدُّلُوكِ مُشْتَرَكًا في المَعانِي الثَّلاثَةِ.

والغَسَقُ: الظُّلْمَةُ، وهي انْقِطاعُ بَقايا شُعاعِ الشَّمْسِ حِينَ يُماثِلُ سَوادُ أُفُقِ الغُرُوبِ سَوادَ بَقِيَّةِ الأُفُقِ وهو وقْتُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وذَلِكَ وقْتَ العَشاءِ، ويُسَمّى العَتَمَةَ، أيِ الظُّلْمَةَ.

وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ أوْقاتًا أرْبَعَةً، فالدُّلُوكُ يَجْمَعُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ بِاسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعانِيهِ، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ، وفُهِمَ مِن حَرْفِ (إلى) الَّذِي لِلِانْتِهاءِ أنَّ في تِلْكَ الأوْقاتِ صَلَواتٍ؛ لِأنَّ الغايَةَ كانَتْ لِفِعْلِ أقِمِ الصَّلاةَ فالغايَةُ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ إقامَةِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ المُرادُ غايَةَ لِصَلاةٍ واحِدَةٍ جَعَلَ وقْتَها مُتَّسِعًا؛ لِأنَّ هَذا فَهْمٌ يَنْبُو عَنْهُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ مِن وُجُوبِ إقامَةِ الصَّلاةِ عِنْدَ الوَقْتِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّهُ الواجِبُ أوِ الأكْمَلُ، وقَدْ زادَ عَمَلُ النَّبِيءِ ﷺ بَيانًا لِلْآيَةِ.

وأمّا مِقْدارُ الِاتِّساعِ فَيُعْرَفُ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى، وفِيهِ خِلافٌ بَيْنِ الفُقَهاءِ، فَكَلِمَةُ دُلُوكٍ لا تُعادِلُها كَلِمَةٌ أُخْرى.

وقَدْ ثَبَتَ في حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ في المُوَطَّأِ: أنَّ أوَّلَ الوَقْتِ هو المَقْصُودُ، وثَبَتَ في حَدِيثِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ مُرْسَلًا في المُوَطَّأِ ومَوْصُولًا عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرِهِ: «أنَّ لِلصُّبْحِ وقْتًا لَهُ ابْتِداءٌ ونِهايَةٌ»، وهو أيْضًا ثابِتٌ لِكُلِّ صَلاةٍ بِآثارٍ كَثِيرَةٍ عَدا المَغْرِبِ فَقَدْ سَكَتَ عَنْها الأثَرُ؛ فَتَرَدَّدَتْ

صفحة ١٨٣

أنْظارُ الفُقَهاءِ فِيها بَيْنَ وُقُوفٍ عِنْدَ المَرْوِيِّ، وبَيْنَ قِياسِ وقْتِها عَلى أوْقاتِ غَيْرِها، وهَذا الثّانِي أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْتِدادَ وقْتِ الصَّلاةِ تَوْسِعَةٌ عَلى المُصَلِّي، وهي تُناسِبُ تَيْسِيرَ الدِّينِ.

وجُعِلَ الغَسَقُ نِهايَةً لِلْأوْقاتِ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ أوَّلُ الغَسَقِ كَما هو الشَّأْنُ المُتَعارَفُ في الغايَةِ بِحَرْفِ (إلى) فَعُلِمَ أنَّ ابْتِداءَ الغَسَقِ وقْتُ صَلاةٍ، وهَذا جَمْعٌ بَدِيعٌ.

ثُمَّ عَطَفَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَلى الصَّلاةِ، والتَّقْدِيرُ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، أيِ الصَّلاةَ بِهِ، كَذا قَدَّرَ القُرّاءُ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ لِكُلِّ صَلاةٍ مِن تِلْكَ الصَّلَواتِ قُرْآنًا كَقَوْلِهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، أيْ صَلُّوا بِهِ نافِلَةَ اللَّيْلِ.

وخُصَّ ذِكْرُ ذَلِكَ بِصَلاةِ الفَجْرِ دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها يُجْهَرُ بِالقُرْآنِ في جَمِيعِ رُكُوعِها، ولِأنَّ سُنَّتَها أنْ يُقْرَأ بِسُوَرٍ مِن طُوالِ المُفَصَّلِ فاسْتِماعُ القُرْآنِ لِلْمَأْمُومِينَ أكْثَرُ فِيها وقِراءَتُهُ لِلْإمامِ والفَذُّ أكْثَرُ أيْضًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفُ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفَ جُمْلَةٍ والكَلامُ عَلى الإغْراءِ، والتَّقْدِيرُ: والزَمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، فَيُعْلَمُ أنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ في كُلِّ صَلاةٍ حَتْمٌ.

وهَذا مُجْمَلٌ في كَيْفِيَّةِ الصَّلَواتِ، ومَقادِيرِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ والعُرْفُ في مَعْرِفَةِ أوْقاتِ النَّهارِ واللَّيْلِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِوَجْهِ تَخْصِيصِ صَلاةِ الصُّبْحِ بِاسْمِ القُرْآنِ بِأنَّ صَلاةَ الفَجْرِ مَشْهُودَةٌ، أيْ مَحْضُورَةٌ، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِأنَّها تَحْضُرُها مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: وتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ الصُّبْحِ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في

صفحة ١٨٤

فَضْلِها وبَرَكَتِها، وأيْضًا فَهي يَحْضُرُها أكْثَرُ المُصَلِّينَ؛ لِأنَّ وقْتَها وقْتُ النَّشاطِ، وبَعْدَها يَنْتَظِرُ النّاسُ طُلُوعَ الشَّمْسِ لِيَخْرُجُوا إلى أعْمالِهِمْ فَيَكْثُرَ سَماعُ القُرْآنِ حِينَئِذٍ.

17:79Page 290

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩

And from [part of] the night, pray1 with it [i.e., recitation of the Qur’ān] as additional [worship] for you; it is expected that2 your Lord will resurrect you to a praised station.3

﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فَإنَّهُ في تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ لِكَوْنِهِ مَعْمُولًا لِفِعْلِ أقِمْ.

وقُدِّمَ المَجْرُورُ المُتَعَلِّقُ بِ تَهَجَّدْ عَلى مُتَعَلِّقِهِ اهْتِمامًا بِهِ وتَحْرِيضًا عَلَيْهِ، وبِتَقْدِيمِهِ اكْتَسَبَ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ فَجُعِلَ مُتَعَلِّقُهُ بِمَنزِلَةِ الجَزاءِ؛ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فاءُ الجَزاءِ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الظُّرُوفِ والمَجْرُوراتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مُتَعَلِّقاتِها، وهو اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «فَفِيهِما فَجاهِدْ»، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] في سُورَةِ بَراءَةَ.

وجَعَلَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ في مَعْنى الإغْراءِ بِناءً عَلى أنَّ نَصْبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] عَلى الإغْراءِ فَيَكُونُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ تَفْرِيعًا عَلى الإغْراءِ تَفْرِيعَ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، وتَكُونُ (مِن) اسْمًا بِمَعْنى (بَعْضٍ) كالَّتِي في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦] وهو أيْضًا حَسَنٌ.

وضَمِيرُ بِهِ لِلْقُرْآنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وإنْ كانَ المَعادُ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ في الفَجْرِ، والمَذْكُورُ هُنا مُرادًا مُطْلَقُهُ، كَقَوْلِكَ، عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ لا نِصْفُ الدِّرْهَمِ الَّذِي عِنْدَكَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.

صفحة ١٨٥

والتَّهَجُّدُ: الصَّلاةُ في أثْناءِ اللَّيْلِ، وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الهُجُودِ، وهو النَّوْمُ فَمادَّةُ التَّفَعُّلِ فِيهِ لِلْإزالَةِ مِثْلَ التَّحَرُّجِ والأتَمِّ، والنّافِلَةُ: الزِّيادَةُ مِنَ الأمْرِ المَحْبُوبِ.

واللّامُ في لَكَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ نافِلَةً وهي لامُ العِلَّةِ، أيْ نافِلَةً لِأجْلِكَ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالتَّهَجُّدِ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ في عِدادِ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، فَبَعْضُها واجِبٌ عَلَيْهِ، وعَلى الأُمَّةِ، وبَعْضُها واجِبٌ عَلَيْهِ خاصَّةً ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ كَما صَرَّحَتْ بِهِ آيَةُ سُورَةِ المُزَّمِّلِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وفي هَذا الإيجابِ عَلَيْهِ زِيادَةُ تَشْرِيفٍ لَهُ، ولِهَذا أُعْقِبَ بِوَعْدِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ مَقامًا مَحْمُودًا، فَجُمْلَةُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْصِيصِهِ بِإيجابِ التَّهَجُّدِ عَلَيْهِ، والرَّجاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وعْدٌ، فالمَعْنى: لِيَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا.

والمَقامُ: مَحَلُّ القِيامِ، والمُرادُ بِهِ المَكانُ المَعْدُودُ لِأمْرٍ عَظِيمٍ؛ لِأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُومَ النّاسُ فِيهِ ولا يَجْلِسُوا، وإلّا فَهو المَجْلِسُ.

وانْتَصَبَ مَقامًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِ يَبْعَثَكَ.

ووَصْفُ المَقامِ بِالمَحْمُودِ وصْفٌ مَجازِيٌّ، والمَحْمُودُ مَن يَقُومُ فِيهِ، أيْ يُحْمَدُ أثَرُهُ فِيهِ، وذَلِكَ لِغَنائِهِ عَنْ أصْحابِ ذَلِكَ المَقامِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ المَقامُ المَحْمُودُ بِالشَّفاعَةِ العُظْمى.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ جُثًا بِضَمِّ الجِيمِ وتَخْفِيفِ المُثَلَّثَةِ أيْ جَماعاتٍ، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّها، يَقُولُونَ: يا فُلانُ اشْفَعْ حَتّى تَنْتَهِيَ الشَّفاعَةُ إلى النَّبِيءِ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ المَقامَ المَحْمُودَ» . وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ

صفحة ١٨٦

ﷺ في قَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾، قالَ: هي الشَّفاعَةُ»، قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وقَدْ ورَدَ وصْفُ الشَّفاعَةِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مُفَصَّلًا، وذَلِكَ مَقامٌ يَحْمَدُهُ فِيهِ كُلُّ أهْلِ المَحْشَرِ.

17:80Page 290

وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠

And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."

﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالشُّكْرِ الفِعْلِيِّ عَطَفَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالشُّكْرِ اللِّسانِيِّ بِأنْ يَبْتَهِلَ إلى اللَّهِ بِسُؤالِ التَّوْفِيقِ في الخُرُوجِ مِن مَكانٍ، والدُّخُولِ إلى مَكانٍ؛ كَيْلا يَضُرَّهُ أنْ يَسْتَفِزَّهُ أعْداؤُهُ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوهُ مِنها، مَعَ ما فِيهِ مِن المُناسَبَةِ لِقَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، فَلَمّا وعَدَهُ بِأنْ يُقِيمَهُ مَقامًا مَحْمُودًا ناسَبَ أنْ يَسْألَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حالَهُ في كُلِّ مَقامٍ يَقُومُهُ، وفي هَذا التَّلْقِينِ إشارَةٌ إلَهِيَّةٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُخْرِجُهُ مِن مَكَّةَ إلى مُهاجَرٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قُبَيْلَ العَقَبَةِ الأُولى الَّتِي كانَتْ مُقَدِّمَةً لِلْهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ.

والمُدْخَلُ والمُخْرَجُ بِضَمِّ المِيمِ وبِفَتْحِ الحَرْفِ الثّالِثِ أصْلُهُ اسْمُ مَكانِ الإدْخالِ والإخْراجِ، اخْتِيرَ هُنا الِاسْمُ المُشْتَقُّ مِنَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَطْلُوبَ دُخُولٌ وخُرُوجٌ مُيَسَّرانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وواقِعانِ بِإذْنِهِ، وذَلِكَ دُعاءٌ بِكُلِّ دُخُولٍ وخُرُوجٍ مُبارَكَيْنِ؛ لِتَتِمَّ بَيْنَ المَسْئُولِ وبَيْنَ المَوْعُودِ بِهِ وهو المَقامُ المَحْمُودُ، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ كُلَّ مَكانٍ يَدْخُلُ إلَيْهِ، ومَكانٍ يَخْرُجُ مِنهُ.

والصِّدْقُ: هُنا المَكانُ وما يُحْمَدُ في نَوْعِهِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِمَحْمُودٍ فَهو كالكاذِبِ؛ لِأنَّهُ يُخْلِفُ ظَنَّ المُتَلَبِّسِ بِهِ.

وقَدْ عَمَّتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ جَمِيعَ المَداخِلِ إلى ما يُقَدَّرُ لَهُ الدُّخُولُ إلَيْهِ وجَمِيعَ المَخارِجِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنها حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، وعَطَفَ عَلَيْهِ سُؤالَ التَّأْيِيدِ

صفحة ١٨٧

والنَّصْرِ في تِلْكَ المَداخِلِ والمَخارِجِ وغَيْرِها مِن الأقْطارِ النّائِيَةِ والأعْمالِ القائِمِ بِها غَيْرُهُ مِن أتْباعِهِ وأعْدائِهِ بِنَصْرِ أتْباعِهِ وخَذْلِ أعْدائِهِ.

فالسُّلْطانُ: اسْمُ مَصْدَرٍ يُطْلَقُ عَلى السُّلْطَةِ، وعَلى الحُجَّةِ، وعَلى المُلْكِ، وهو في هَذا المَقامِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعانِيهِ أوْ هو مِن عُمُومِ المُشْتَرَكِ، تَشْمَلُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ اللَّهُ تَأْيِيدًا وحُجَّةً وغَلَبَةً ومُلْكًا عَظِيمًا، وقَدْ آتاهُ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَنَصَرَهُ عَلى أعْدائِهِ، وسَخَّرَ لَهُ مَن لَمْ يُنَوِّهْ بِنُهُوضِ الحُجَّةِ وظُهُورِ دَلائِلِ الصِّدْقِ، ونَصْرِهِ بِالرُّعْبِ.

ومِنهم مَن فَسَّرَ المُدْخَلَ بِأنَّ المُخْرَجَ الإخْراجُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ والمُدْخَلَ الإدْخالُ إلى بَلَدِ مَكَّةَ فاتِحًا، وجَعَلَ الآيَةَ نازِلَةً قُبَيْلَ الفَتْحِ، فَبَنى عَلَيْهِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو مَدْخُولٌ مِن جِهاتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ.

والنَّصِيرُ: مُبالَغَةٌ في النّاصِرِ، أيْ سُلْطانًا يَنْصُرُنِي، وإذا قَدْ كانَ العَمَلُ القائِمُ بِهِ النَّبِيءُ هو الدَّعْوَةَ إلى الإسْلامِ كانَ نَصْرُهُ تَأْيِيدًا لَهُ فِيما هو قائِمٌ بِهِ، فَصارَ هَذا الوَصْفُ تَقْيِيدًا لِلسُّلْطانِ بِأنَّهُ لَمْ يَسْألْ سُلْطانًا لِلِاسْتِعْلاءِ عَلى النّاسِ، وإنَّما سَألَ سُلْطانًا لِنَصْرِهِ فِيما يَطْلُبُ النُّصْرَةَ، وهو التَّبْلِيغُ وبَثُّ الإسْلامِ في النّاسِ.

17:81Page 290

وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١

And say, "Truth has come, and falsehood has departed. Indeed is falsehood, [by nature], ever bound to depart."

﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ أعْقَبَ تَلْقِينَهُ الدُّعاءَ بِسَدادِ أعْمالِهِ، وتَأْيِيدِهِ فِيها بِأنْ لَقَّنَهُ هَذا الإعْلانَ المُنْبِئَ بِحُصُولِ إجابَةِ الدَّعْوَةِ المُلْهَمَةِ، بِإبْرازِ وعْدِهِ بِظُهُورِ أمْرِهِ في صُورَةِ الخَبَرِ عَنْ شَيْءٍ مَضى.

ولَمّا كانَتْ دَعْوَةُ الرَّسُولِ هي لِإقامَةِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ كانَ الوَعْدُ بِظُهُورِ الحَقِّ وعْدًا بِظُهُورِ أمْرِ الرَّسُولِ، وفَوْزِهِ عَلى أعْدائِهِ، واسْتَحْفَظَهُ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الجَلِيلَةَ إلى أنْ ألْقاها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى مَسامِعِ مَن كانُوا أعْداءَهُ

صفحة ١٨٨

فَإنَّهُ لَمّا دَخَلَ الكَعْبَةَ ووَجَدَ فِيها وحَوْلَها الأصْنامَ جَعَلَ يُشِيرُ إلَيْها بِقَضِيبٍ ويَقُولُ ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ فَتَسْقُطُ تِلْكَ الأنْصابُ عَلى وُجُوهِها.

ومَجِيءُ الحَقِّ مُسْتَعْمَلٌ في إدْراكِ النّاسِ إيّاهُ، وعَمَلِهِمْ بِهِ وانْتِصارِ القائِمِ بِهِ عَلى مُعاضِدِيهِ؛ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ الظّاهِرِ بِالشَّيْءِ الَّذِي كانَ غايِبا فَوَرَدَ جائِيًا.

و(زَهَقَ) اضْمَحَلَّ بَعْدَ وُجُودٍ، ومَصْدَرُهُ الزُّهُوقُ والزَّهَقُ، وزُهُوقُ الباطِلِ مَجازٌ في تَرْكِهِ أصْحابَهُ، فَكَأنَّهُ كانَ مُقِيمًا بَيْنَهم فَفارَقَهم، والمَعْنى: اسْتَقَرَّ وشاعَ الحَقُّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ النَّبِيءُ، وانْقَضى الباطِلُ الَّذِي كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَنْهى عَنْهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ لِما فِيهِ مِن عُمُومٍ يَشْمَلُ كُلَّ باطِلٍ في كُلِّ زَمانٍ، وإذا كانَ هَذا شَأْنَ الباطِلِ كانَ الثَّباتُ والِانْتِصارُ شَأْنَ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الباطِلِ فَإذا انْتَفى الباطِلُ ثَبَتَ الحَقُّ.

وبِهَذا كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها، والمَعْنى: ظَهَرَ الحَقُّ في هَذِهِ الأُمَّةِ وانْقَضى الباطِلُ فِيها، وذَلِكَ شَأْنُ الباطِلِ فِيما مَضى مِنَ الشَّرائِعِ أنَّهُ لا ثَباتَ لَهُ.

ودَلَّ فِعْلُ كانَ عَلى أنَّ الزُّهُوقَ شِنْشِنَةُ الباطِلِ، وشَأْنُهُ في كُلِّ زَمانٍ أنَّهُ يَظْهَرُ ثُمَّ يَضْمَحِلُّ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢] في صَدْرِ سُورَةِ يُونُسَ.

17:82Page 290

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢

And We send down of the Qur’ān that which is healing and mercy for the believers, but it does not increase the wrongdoers except in loss.

﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] عَلى ما في تِلْكَ الجُمْلَةِ والجُمَلِ الَّتِي سَبَقَتْها مِن مَعْنى التَّأْيِيدِ لِلنَّبِيءِ ﷺ ومِنَ

صفحة ١٨٩

الإغاظَةِ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، فَإنَّهُ بَعْدَ أنِ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِأنْ أيَّدَهُ بِالعِصْمَةِ مِنَ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ وتَبْشِيرِهِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ وبِالخَلاصِ مِن كَيْدِهِمْ، وبَعْدَ أنْ هَدَّدَهم بِأنَّهم صائِرُونَ قَرِيبًا إلى هَلاكٍ، وأنَّ دِينَهم صائِرٌ إلى الِاضْمِحْلالِ، أعْلَنَ لَهُ ولَهم في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ ما مِنهُ غَيْظُهم وحَنَقُهم، وهو القُرْآنُ الَّذِي طَمِعُوا أنْ يَسْألُوا النَّبِيءَ أنْ يُبَدِّلَهُ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أصْنامِهِمْ بِسُوءٍ، أنَّهُ لا يَزالُ مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا، فِيهِ شِفاءٌ لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، وخَسارَةٌ لِلظّالِمِينَ، ولِأنَّ القُرْآنَ مَصْدَرُ الحَقِّ ومُدْحِضُ الباطِلِ أعْقَبَ قَوْلَهُ ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] بِقَوْلِهِ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ الآيَةَ، ولِهَذا اخْتِيرَ لِلْإخْبارِ عَنِ التَّنْزِيلِ الفِعْلُ المُضارِعُ المُشْتَقُّ مِن فِعْلِ المُضاعَفِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ والتَّكْثِيرِ، وهو وعْدٌ بِأنَّهُ يَسْتَمِرُّ هَذا التَّنْزِيلُ زَمَنًا طَوِيلًا.

و﴿ما هو شِفاءٌ﴾ مَفْعُولُ نُنَزِّلُ، ومِنَ القُرْآنِ بَيانٌ لِما في (ما) مِنَ الإبْهامِ كالَّتِي في قَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، أيِ الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، وتَقْدِيمُ البَيانِ لِتَحْصِيلِ غَرَضِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ القُرْآنِ مَعَ غَرَضِ الثَّناءِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ إلَخْ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ ذَلِكَ الوَصْفِ مِنهُ بِحَيْثُ يُعْرَفُ بِهِ، والمَعْنى: نُنَزِّلُ الشِّفاءَ والرَّحْمَةَ وهو القُرْآنُ، ولَيْسَتْ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ولا لِلِابْتِداءِ.

والشِّفاءُ حَقِيقَتُهُ زَوالُ الدّاءِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في زَوالِ ما هو نَقْصٌ وضَلالٌ وعائِقٌ عَنِ النَّفْعِ مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِبُرْءِ السَّقَمِ، كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:

ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها قِيلُ الفَوارِسِ: ويْكَ عَنْتَرُ قَدِّمِ

والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَزِيدُ خَسارَةً لِلْكافِرِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ آيَةٍ مِن القُرْآنِ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ وقَصَصِهِ وأمْثالِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، كُلُّ آيَةٍ مِن ذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَدْيِ وصَلاحِ حالٍ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّبِعِينَهُ.

صفحة ١٩٠

ومُشْتَمِلَةٌ بِضِدِّ ذَلِكَ عَلى ما يَزِيدُ غَيْظَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الظُّلْمِ. أيِ الشِّرْكِ، فَيَزْدادُونَ بِالغَيْظِ كَراهِيَةً لِلْقُرْآنِ فَيَزْدادُونَ بِذَلِكَ خَسارًا بِزِيادَةِ آثامِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى فاسِدِ أخْلاقِهِمْ، وبُعْدِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] .

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ في القُرْآنِ آياتٍ يُشْتَفى بِها مِنَ الأدْواءِ والآلامِ ورَدَ تَعْيِينُها في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ فَشَمِلَتْها الآيَةُ بِطَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، وهَذا مِمّا بَيَّنّا تَأْصِيلَهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في قِراءَةِ آياتٍ مُعَيَّنَةٍ لِلِاسْتِشْفاءِ مِن أدْواءٍ مَوْصُوفَةٍ، بَلْهُ الِاسْتِعاذَةِ بِآياتٍ مِنهُ مِنَ الضَّلالِ كَثِيرَةٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِما، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ في سِرِّيَّةٍ ثَلاثِينَ راكِبًا فَنَزَلْنا عَلى قَوْمٍ مِن العَرَبِ فَسَألْناهم أنْ يُضَيِّفُونا فَأبَوْا، فَلُدِغَ سَيِّدُ الحَيِّ فَأتَوْنا، فَقالُوا: أفِيكم أحَدٌ يَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ ؟ قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، ولَكِنْ لا أفْعَلُ حَتّى يُعْطُونا، فَقالُوا: فَإنّا نُعْطِيكم ثَلاثِينَ شاةً، قالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فاتِحَةَ الكِتابِ سَبْعَ مَرّاتٍ فَبَرَأ، الحَدِيثَ، وفِيهِ: حَتّى أتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: وما يُدْرِيكَ أنَّها رُقْيَةٌ ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، شَيْءٌ أُلْقِيَ في رُوعِي أيْ: إلْهامٌ ألْهَمَهُ اللَّهُ، قالَ: كُلُوا وأطْعِمُونا مِنَ الغَنَمِ»، فَهَذا تَقْرِيرٌ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ بِصِحَّةِ إلْهامِ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском