Ibn 'AshurAl‑Kahf · 18:19–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:19–22

18:19–20Page 295

وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩

And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.

إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠

Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."

﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ عَطْفٌ لِجُزْءٍ مِنَ القِصَّةِ الَّذِي فِيهِ عِبْرَةٌ لِأهْلِ الكَهْفِ بِأنْفُسِهِمْ لِيَعْلَمُوا ما أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن حِفْظِهِمْ عَنْ أنْ تَنالَهم أيْدِي أعْدائِهِمْ بِإهانَةٍ، ومِن إعْلامِهِمْ عِلْمَ اليَقِينِ بِبَعْضِ كَيْفِيَّةِ البَعْثِ، فَإنَّ عِلْمَهُ عَظِيمٌ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] .

صفحة ٢٨٤

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ وكَذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِن إنامَتِهِمْ وكَيْفِيَّتِها، أيْ كَما أنَمْناهم قُرُونًا بَعَثْناهم، ووَجْهُ الشَّبَهِ: أنَّ في الإفاقَةِ آيَةً عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ آيَةِ الإنامَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَشْبِيهُ البَعْثِ المَذْكُورِ بِنَفْسِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَجُّبِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى البَعْثِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وفي حُسْنِ مَوْقِعِ لَفْظِ البَعْثِ في هَذِهِ القِصَّةِ، وفي التَّعْلِيلِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَتَساءَلُوا﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢]، والمَعْنى: بَعَثْناهم فَتَساءَلُوا بَيْنَهم.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ لِيَتَساءَلُوا، وسُمِّيَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ تَساؤُلًا؛ لِأنَّها تَحاوُرٌ عَنْ تَطَلُّبِ كُلٍّ رَأْيَ الآخَرِ لِلْوُصُولِ إلى تَحْقِيقِ المُدَّةِ، والَّذِينَ قالُوا ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ﴾ هم مَن عَدا الَّذِي قالَ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ .

وأسْنَدَ الجَوابَ إلى ضَمِيرِ جَماعَتِهِمْ: إمّا لِأنَّهم تَواطَئُوا عَلَيْهِ، وإمّا عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ، أيْ مِنهم مَن قالَ: لَبِثْنا يَوْمًا، ومِنهم مَن قالَ: لَبِثْنا بَعْضَ يَوْمٍ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ في القَوْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾، أيْ لَمّا اخْتَلَفُوا رَجَعُوا فَعَدَلُوا عَنِ القَوْلِ بِالظَّنِّ إلى تَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مِن كَمالِ إيمانِهِمْ، فالقائِلُونَ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعَهم، وهو الظّاهِرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَأوْهُ صَوابًا.

وتَفْرِيعُ قَوْلِهِمْ ﴿فابْعَثُوا أحَدَكُمْ﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: فَدَعُوا الخَوْضَ في مُدَّةِ اللُّبْثِ؛ فَلا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، وخُذُوا في شَيْءٍ آخَرَ مِمّا يَهُمُّكم، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ غَيْرَهُ أوْلى بِحالِهِ، ولَوْلا قَوْلُهم ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ لَكانَ قَوْلُهم ﴿فابْعَثُوا أحَدَكُمْ﴾ عَيْنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ.

صفحة ٢٨٥

والوَرِقُ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الرّاءِ: الفِضَّةُ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ، ويُقالُ ”ورْقٌ“ بِفَتْحِ الواوِ، وسُكُونِ الرّاءِ، وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ، والمُرادُ بِالوَرِقِ هُنا القِطْعَةُ المَسْكُوكَةُ مِنَ الفِضَّةِ، وهي الدَّراهِمُ، قِيلَ: كانَتْ مِن دَراهِمِ (دِقْيُوسْ) سُلْطانِ الرُّومِ.

والإشارَةُ بِـ ”هَذِهِ“ إلى دَراهِمَ مُعَيَّنَةٍ عِنْدَهم، والمَدِينَةُ هي (أبْسُسْ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَها في صَدْرِ القِصَّةِ.

و”أيُّها“ ماصَدَقَهُ أيُّ مَكانٍ مِنَ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ المَدِينَةَ كُلٌّ لَهُ أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ مِنها دَكاكِينُ الباعَةِ، أيْ فَلْيَنْظُرْ أيَّ مَكانٍ مِنها هو أزْكى طَعامًا، أيْ أزْكى طَعامُهُ مِن طَعامِ غَيْرِهِ.

والنَّصْبُ ”طَعامًا“ عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ (أزْكى) إلى (أيُّ) .

والأزْكى: الأطْيَبُ والأحْسَنُ؛ لِأنَّ الزَّكْوَ الزِّيادَةُ في الخَيْرِ والنَّفْعِ.

والرِّزْقُ: القُوتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ أمْرِهِمْ مَن يَبْعَثُونَهُ بِأنْ يَأْتِيَ بِطَعامٍ زَكِيٍّ، وبِأنْ يَتَلَطَّفَ.

وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ ”فَلْيَأْتِكم“ و”لِيَتَلَطَّفْ“ أمْرٌ لِأحَدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ سَيُوَكِّلُونَهُ، أيْ: إنْ تَبْعَثُوهُ يَأْتِكم بِرِزْقٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ مُعَيَّنًا بَيْنَهم، وإنَّما الإجْمالُ في حِمايَةِ كَلامِهِمْ لا في الكَلامِ المَحْكِيِّ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يُوصُوهُ بِذَلِكَ.

قِيلَ: التّاءُ مِن كَلِمَةٍ ”ولْيَتَلَطَّفْ“ هي نِصْفُ حُرُوفِ القُرْآنِ عَدًّا، وهُنالِكَ قَوْلٌ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ هو أنَّ النُّونَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] هي نِصْفُ حُرُوفِ القُرْآنِ.

صفحة ٢٨٦

والإشْعارُ: الإعْلامُ، وهو إفْعالٌ مِن شَعَرَ، مِن بابِ نَصَرَ وكَرُمَ، شُعُورًا، أيْ عَلِمَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، مِثْلُ هَمْزَةِ ”أعْلَمَ“ مِن ”عَلِمَ“ الَّذِي هو عَلِيمُ العِرْفانِ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ.

وقَوْلُهُ ”بِكم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُشْعِرَنَّ“، فَمَدْخُولُ الباءِ هو المَشْعُورُ، أيِ المَعْلُومُ، والمَعْلُومُ إنَّما يَكُونُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي مُتَعَلِّقَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِفِعْلِ ”يُشْعِرَنَّ“ مِن قَبِيلِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ، والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها، والتَّقْدِيرُ: ولا يُخْبِرَنَّ بِوُجُودِكم أحَدًا، فَهُنا مُضافٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ مِن عَدَدِهِمْ ومَكانِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ، والنُّونُ لِتَوْكِيدِ النَّهْيِ تَحْذِيرًا مِن عَواقِبِهِ المُضَمَّنَةِ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ الواقِعَةِ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ، وبَيانًا لِوَجْهِ تَوْكِيدِ النَّهْيِ بِالنُّونِ، فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ والبَيانِ، وكِلاهُما يَقْتَضِي فَصْلَها عَمّا قَبْلَها.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالتَّلَطُّفِ، والنَّهْيِ عَنْ إشْعارِ أحَدٍ بِهِمْ.

وضَمِيرُ ”إنَّهم“ عائِدٌ إلى ما أفادَهُ العُمُومُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾، فَصارَ ”أحَدًا“ في مَعْنى جَمِيعِ النّاسِ عَلى حُكْمِ النَّكِرَةِ في سِياقِ شِبْهِ النَّهْيِ.

والظُّهُورُ أصْلُهُ البُرُوزُ دُونَ ساتِرٍ، ويُطْلَقُ عَلى الظَّفَرِ بِالشَّيْءِ، وعَلى الغَلَبَةِ عَلى الغَيْرِ، وهو المُرادُ هُنا.

قالَ تَعالى ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] وقالَ ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] وقالَ ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [البقرة: ٨٥] .

والرَّجْمُ: القَتْلُ بِرَمْيِ الحِجارَةِ عَلى المَرْجُومِ حَتّى يَمُوتَ، وهو قَتْلُ إذْلالٍ وإهانَةٍ وتَعْذِيبٍ.

صفحة ٢٨٧

وجُمْلَةُ ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ جَوابُ شَرْطِ ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ ومَجْمُوعُ جُمْلَتَيِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ - دَلِيلٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) المَحْذُوفِ لِدَلالَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ.

ومَعْنى ﴿يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ يُرْجِعُوكم إلى المِلَّةِ الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِمْ، أيْ لا يَخْلُو أمْرُهم عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ إمّا إرْجاعِكم إلى دِينِهِمْ أوْ قَتْلِكم.

والمِلَّةُ الدِّينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧] .

وأكَّدَ التَّحْذِيرَ مِنَ الإرْجاعِ إلى مِلَّتِهِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ انْتِفاءُ فَلاحِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (إذا) مِنَ الجَزائِيَّةِ.

و”أبَدًا“ ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ النَّفْيُ بِـ (لَنْ) مِنَ التَّأْيِيدِ أوْ ما يُقارِبُهُ.

18:21Page 296

وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١

And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2

﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ انْتَقَلَ إلى جُزْءِ القِصَّةِ الَّذِي هو مَوْضِعُ عِبْرَةِ أهْلِ زَمانِهِمْ بِحالِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِاطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ لِوُقُوعِ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ بِطَرِيقَةِ التَّقْرِيبِ بِالمُشاهَدَةِ، وتَأْيِيدِ الدِّينِ بِما ظَهَرَ مِن كَرامَةِ أنْصارِهِ.

وقَدْ كانَ القَوْمُ الَّذِينَ عَثَرُوا عَلَيْهِمْ مُؤْمِنِينَ مِثْلَهم، فَكانَتْ آيَتُهم آيَةَ تَثْبِيتٍ، وتَقْوِيَةِ إيمانٍ.

فالكَلامُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ [الكهف: ١٩] الآيَةَ.

والقَوْلُ في التَّشْبِيهِ والإشارَةِ في وكَذَلِكَ نَظِيرُ القَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ آنِفًا.

صفحة ٢٨٨

والعُثُورُ عَلى الشَّيْءِ: الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ، والظَّفَرُ بِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ، وقَدْ كانَ الحَدِيثُ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ في تِلْكَ المَدِينَةِ يَتَناقَلُهُ أهْلُهُ، فَيَسَّرَ اللَّهُ لِأهْلِ المَدِينَةِ العُثُورَ عَلَيْهِمْ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ الآيَةَ.

ومَفْعُولُ أعْثَرْنا مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]، تَقْدِيرُهُ: أعْثَرْنا أهْلَ المَدِينَةِ عَلَيْهِمْ.

وضَمِيرُ ”لِيَعْلَمُوا“ عائِدٌ إلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ كالمَذْكُورِ.

ووَعْدُ اللَّهِ هو: إحْياءُ المَوْتى لِلْبَعْثِ، وأمّا عِلْمُهم بِأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها، أيْ ساعَةَ الحَشْرِ، فَهو إنْ صارَ عِلْمُهم بِذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةٍ تَزُولُ بِها خَواطِرُ الخَفاءِ الَّتِي تَعْتَرِي المُؤْمِنَ في اعْتِقادِهِ حِينَ لا يَتَصَوَّرُ كَيْفِيَّةَ العَقائِدِ السَّمْعِيَّةِ، وما هو بِرَيْبٍ في العِلْمِ ولَكِنَّهُ في الكَيْفِيَّةِ، وهو الوارِدُ فِيهِ أنَّهُ لا يَخْطُرُ إلّا لِصِدِّيقٍ، ولا يَدُومُ إلّا عِنْدَ زِنْدِيقٍ.

* * *

﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾

الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ أعْثَرْنا، أيْ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ حِينَ تَنازَعُوا أمْرَهم، وصِيغَ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى اتِّصالِ التَّنازُعِ في أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ بِالعُثُورِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ تَبادَرُوا إلى الخَوْضِ في كَرامَةٍ يَجْعَلُونَها لَهم، وهَذا إدْماجٌ لِذِكْرِ نِزاعٍ جَرى بَيْنَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ في أُمُورٍ شَتّى جَمَعَها قَوْلُهُ تَعالى ”أمْرَهم“، فَضَمِيرُ ”يَتَنازَعُونَ“ و”بَيْنَهم“ عائِدانِ إلى ما عادَ اللَّهُ ضَمِيرَ ”لِيَعْلَمُوا“ .

وضَمِيرُ ”أمْرَهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى أصْحابِ الكَهْفِ، والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّأْنِ.

صفحة ٢٨٩

والتَّنازُعُ: الجِدالُ القَوِيُّ، أيْ يَتَنازَعُ أهْلُ المَدِينَةِ بَيْنَهم شَأْنَ أهْلِ الكَهْفِ، مِثْلَ: أكانُوا نِيامًا أمْ أمْواتًا، وأيَبْقُونَ أحْياءً أمْ يَمُوتُونَ، وأيَبْقُونَ في ذَلِكَ الكَهْفِ أمْ يَرْجِعُونَ إلى سُكْنى المَدِينَةِ، وفي مُدَّةِ مُكْثِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”أمْرَهم“ عائِدًا إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَتَنازَعُونَ“، أيْ: شَأْنَهم فِيما يَفْعَلُونَهُ بِهِمْ.

والإتْيانُ بِالمُضارِعِ؛ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ التَّنازُعِ.

* * *

﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾

طُوِيَ هُنا وصْفُ العُثُورِ عَلَيْهِمْ، وذُكِرَ عَوْدُهم إلى الكَهْفِ؛ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِ، إذْ لَيْسَ مَوْضِعَ عِبْرَةٍ؛ لِأنَّ المَصِيرَ إلى مَرْقَدِهِمْ وطُرُوَّ المَوْتِ عَلَيْهِمْ شَأْنٌ مُعْتادٌ لِكُلِّ حَيٍّ.

وتَفْرِيعُ ”فَقالُوا“ عَلى ”يَتَنازَعُونَ“ .

وإنَّما ارْتَأوْا أنْ يَبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا؛ لِأنَّهم خَشَوْا عَلَيْهِمْ مِن تَرَدُّدِ الزّائِرِينَ غَيْرِ المُتَأدِّبِينَ، فَلَعَلَّهم أنْ يُؤْذُوا أجْسادَهم وثِيابَهم بِاللَّمْسِ والتَّقْلِيبِ، فَأرادُوا أنْ يَبْنُوا عَلَيْهِمْ بِناءً يُمْكِنُ غَلْقُ بابِهِ وحِراسَتُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن حِكايَةِ كَلامِ الَّذِينَ قالُوا: ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا، والمَعْنى: رَبُّهم أعْلَمُ بِشُئُونِهِمُ الَّتِي تَنازَعْنا فِيها، فَهَذا تَنْهِيَةٌ لِلتَّنازُعِ في أمْرِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى في أثْناءِ حِكايَةِ تَنازْعِ الَّذِينَ أُعْثِرُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: رَبُّ أهْلِ الكَهْفِ أوْ رَبُّ المُتَنازِعِينَ في أمْرِهِمْ أعْلَمُ مِنهم بِواقِعِ ما تَنازَعُوا فِيهِ.

صفحة ٢٩٠

والَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ وُلاةُ الأُمُورِ بِالمَدِينَةِ، فَضَمِيرُ ”أمْرِهِمْ“ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”فَقالُوا“، أيِ اللَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِ القائِلِينَ: ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا.

وإنَّما رَأوْا أنْ يَكُونَ البِناءُ مَسْجِدًا لِيَكُونَ إكْرامًا لَهم، ويَدُومَ تَعَهُّدُ النّاسِ كَهْفَهم، وقَدْ كانَ اتِّخاذُ المَساجِدِ عَلى قُبُورِ الصّالِحِينَ مِن سُنَّةِ النَّصارى، «ونَهى عَنْهُ النَّبِيءُ ﷺ كما في الحَدِيثِ يَوْمَ وفاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ولَوْلا ذَلِكَ لِأُبْرِزَ قَبْرُهُ»، أيْ لِأُبْرِزَ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ولَمْ يُجْعَلْ وراءَ جِدارِ الحُجْرَةِ.

واتِّخاذُ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ، والصَّلاةُ فِيها مَنهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلى عِبادَةِ صاحِبِ القَبْرِ أوْ شَبِيهٌ بِفِعْلِ مَن يَعْبُدُونَ صالِحِي مِلَّتِهِمْ، وإنَّما كانَتِ الذَّرِيعَةُ مَخْصُوصَةً بِالأمْواتِ؛ لِأنَّ ما يَعْرِضُ لِأصْحابِهِمْ مِنَ الأسَفِ عَلى فُقْدانِهِمْ يَبْعَثُهم عَلى الإفْراطِ فِيما يَحْسَبُونَ أنَّهُ إكْرامٌ لَهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ، ثُمَّ يُتَناسى الأمْرُ، ويَظُنُّ النّاسُ أنَّ ذَلِكَ لِخاصِّيَّةٍ في ذَلِكَ المَيِّتِ، وكانَ بِناءُ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ سُنَّةً لِأهْلِ النَّصْرانِيَّةِ، فَإنْ كانَ شَرْعًا لَهم فَقَدْ نَسَخَهُ الإسْلامُ، وإنْ كانَ بِدْعَةً مِنهم في دِينِهِمْ فَأجْدَرُ.

18:22Page 296

سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢

They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."

﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّيَ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾

لَمّا شاعَتْ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ حِينَ نَزَلَ بِها القُرْآنُ صارَتْ حَدِيثَ النَّوادِي، فَكانَتْ مَثارَ تَخَرُّصاتٍ في مَعْرِفَةِ عَدَدِهِمْ، وحَصْرِ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في كَهْفِهِمْ، ورُبَّما أمْلى عَلَيْهِمُ المُتَنَصِّرَةُ مِنَ العَرَبِ في ذَلِكَ قِصَصًا، وقَدْ نَبَّهَهُمُ القُرْآنُ إلى ذَلِكَ وأبْهَمَ

صفحة ٢٩١

عَلى عُمُومِ النّاسِ الإعْلامَ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ، وهي أنْ تَتَعَوَّدَ الأُمَّةُ بِتَرْكِ الِاشْتِغالِ فِيما لَيْسَتْ مِنهُ فائِدَةٌ لِلدِّينِ أوْ لِلنّاسِ، ودَلَّ عِلْمُ الِاسْتِقْبالِ عَلى أنَّ النّاسَ لا يَزالُونَ يَخُوضُونَ في ذَلِكَ.

وضَمِيرُ ”يَقُولُونَ“ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، أيْ يَقُولُ النّاسُ أوِ المُسْلِمُونَ، إذْ لَيْسَ في هَذا القَوْلِ حَرَجٌ، ولَكِنَّهم نُبِّهُوا إلى أنَّ جَمِيعَهُ لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ، ومَعْنى (سِينِ) الِاسْتِقْبالِ سارَ إلى الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى الفِعْلِ المُقْتَرِنِ بِالسِّينِ، ولَيْسَ في الِانْتِهاءِ إلى عَدَدِ الثَّمانِيَةِ إيماءٌ إلى أنَّهُ العِدَّةُ في نَفْسِ الأمْرِ.

وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ قَلِيلًا مِنَ الخَلْقِ يَعْلَمُونَ عِدَّتَهم، وهم مَن أطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وفي مُقَدِّمَتِهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ لِأنَّ قِصَّتَهم جاءَتْ عَلى لِسانِهِ، فَلا شَكَّ أنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى عِدَّتِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: أنا مِنَ القَلِيلِ.

وكَأنَّ أقْوالَ النّاسِ تَمالَأتْ عَلى أنَّ عِدَّتَهم فَرْدِيَّةٌ؛ تَيَمُّنًا بِعَدَدِ المُفْرَدِ، وإلّا فَلا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ قَوْلَهم ذَلِكَ ”رَجْمًا بِالغَيْبِ“ .

والرَّجْمُ حَقِيقَتُهُ: الرَّمْيُ بِحَجَرٍ ونَحْوِهِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِرَمْيِ الكَلامِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا تَثَبُّتٍ، قالَ زُهَيْرٌ:

وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ

والباءُ في بِالغَيْبِ لِلتَّعْدِيَةِ، كَأنَّهم لَمّا تَكَلَّمُوا عَنْ أمْرٍ غائِبٍ كانُوا يَرْجُمُونَ بِهِ.

وكُلُّ جُمْلَةِ ﴿رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وجُمْلَةِ ﴿سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِاسْمِ العَدَدِ الَّذِي قَبْلَها، أوْ مَوْضِعِ الخَبَرِ الثّانِي عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ.

وجُمْلَةُ ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ الواوُ فِيها واوُ الحالِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، أوْ مِنِ اسْمِ العَدَدِ الَّذِي هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو إنْ كانَ نَكِرَةً

صفحة ٢٩٢

فَإنَّ وُقُوعَهُ خَبَرٌ عَلى مَعْرِفَةٍ أكْسَبَهُ تَعْرِيفًا، عَلى أنَّ وُقُوعَ الحالِ جُمْلَةً مُقْتَرِنَةً بِالواوِ قَدْ عُدَّ مِن مُسَوِّغاتِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، ولا وجْهَ لِجَعْلِ الواوِ فِيهِ داخِلَةً عَلى جُمْلَةٍ هي صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ؛ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في فَصِيحِ الكَلامِ: وقَدْ رَدَّهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وغَيْرُ واحِدٍ.

ومِن غَرائِبِ فِتَنِ الِابْتِكارِ في مَعانِي القُرْآنِ قَوْلُ مَن زَعَمَ: إنَّ هَذِهِ الواوَ، واوُ الثَّمانِيَةِ، وهو مَنسُوبٌ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ إلى بَعْضِ ضَعْفَةِ النُّحاةِ، ولَمْ يُعَيَّنْ مُبْتَكِرُهُ، وقَدْ عَدَّ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ مِنَ القائِلِينَ بِذَلِكَ الحَرِيرِيَّ، وبَعْضَ ضَعْفَةِ النُّحاةِ؛ كابْنِ خالَوَيْهِ، والثَّعْلَبِيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قُلْتُ: أقْدَمُ هَؤُلاءِ هو ابْنُ خالَوَيْهِ النَّحْوِيُّ المُتَوَفّى سَنَةَ ٣٧٠ فَهو المَقْصُودُ بِبَعْضِ ضَعْفَةِ النُّحاةِ، وأحْسَبُ وصْفَهُ بِهَذا الوَصْفِ أخْذَهُ ابْنُ هِشامٍ مِن كَلامِ ابْنِ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ عَلى الكَشّافِ مِن سُورَةِ التَّحْرِيمِ، إذْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ: أنَّ القاضِيَ الفاضِلَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] في سُورَةِ التَّحْرِيمِ هي الواوُ الَّتِي سَمّاها بَعْضُ ضَعْفَةِ النُّحاةِ ”واوَ الثَّمانِيَةِ“، وكانَ القاضِي يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْراجِها زائِدَةً عَلى المَواضِعِ الثَّلاثَةِ المَشْهُورَةِ، أحَدُها: الَّتِي في الصِّفَةِ الثّامِنَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] في سُورَةِ ”بَراءَةَ“، والثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾، والثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] في الزُّمَرِ، قالَ ابْنُ الحاجِبِ: ولَمْ يَزَلِ الفاضِلُ يَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ إلى أنْ ذَكَرَهُ يَوْمًا بِحَضْرَةِ أبِي الجُودِ النَّحْوِيِّ المُقْرِي، فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ واهِمٌ في عَدِّها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وأحالَ البَيانَ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن دُعاءِ الضَّرُورَةِ إلى الإتْيانِ بِالواوِ هُنا؛ لِامْتِناعِ اجْتِماعِ الصِّفَتَيْنِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ إلى آخِرِهِ.

وقالَ في المُغْنِي: سَبَقَ الثَّعْلَبِيُّ الفاضِلَ إلى عَدِّها مِنَ المَواضِعِ في تَفْسِيرِهِ، وأقُولُ: لَعَلَّ الفاضِلَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وزادَ الثَّعْلَبِيُّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] في سُورَةِ الحاقَّةِ حَيْثُ قَرَنَ اسْمَ عَدَدِ ”ثَمانِيَةَ“ بِحِرَفِ الواوِ.

صفحة ٢٩٣

ومِن غَرِيبِ الِاتِّفاقِ أنْ كانَ لِحَقِيقَةِ الثَّمانِيَةِ اعْتِلاقٌ بِالمَواضِعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ القُرْآنِ؛ إمّا بِلَفْظِهِ كَما هُنا وآيَةِ ”الحاقَّةَ“، وإمّا بِالِانْتِهاءِ إلَيْهِ كَما في آيَةِ ”بَراءَةَ“ وآيَةِ التَّحْرِيمِ، وإمّا بِكَوْنِ مُسَمّاهُ مَعْدُودًا بِعَدَدِ الثَّمانِيَةِ كَما في آيَةِ الزُّمَرِ، ولَقَدْ يُعَدُ الِانْتِباهُ إلى ذَلِكَ مِنَ اللَّطائِفِ، ولا يَبْلُغُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَعارِفِ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ لَها ضابِطٌ مَضْبُوطٌ فَلَيْسَ مِنَ البَعِيدِ عَدُّ القاضِي الفاضِلِ مِنها آيَةَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّها صادَفَتِ الثّامِنَةَ في الذِّكْرِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ ثامِنَةً مِن صِفاتِ المَوْصُوفِينَ، وكَذَلِكَ لِعَدِّ آيَةِ سُورَةِ الحاقَّةِ، ومِثْلُ هَذِهِ اللَّطائِفِ كالزَّهْرَةِ تُشَمُّ ولا تُحَكُّ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ .

وجُمْلَةُ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما تُثِيرُهُ جُمْلَةُ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ إلى آخِرِها مِن تَرَقُّبِ تَعْيِينِ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ عِدَّتِهِمْ، فَأُجِيبَ بِأنْ يُحالَ العِلْمُ بِذَلِكَ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ، وإسْنادُ اسْمِ التَّفْضِيلِ إلى اللَّهِ تَعالى يُفِيدُ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِعِدَّتِهِمْ هو العِلْمُ الكامِلُ، وأنَّ عِلْمَ غَيْرِهِ مُجَرَّدُ ظَنٍّ وحَدَسٍ قَدْ يُصادِفُ الواقِعَ، وقَدْ لا يُصادِفُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ كَذَلِكَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ الأعْلَمُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَسْألُوا: هَلْ يَكُونُ بَعْضُ النّاسُ عالِمًا بِعِدَّتِهِمْ عِلْمًا غَيْرَ كامِلٍ، فَأُجِيبَ بِأنَّ قَلِيلًا مِنَ النّاسِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، ولا مَحالَةَ هم مَن أطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ بِوَحْيٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهم لا يُوصَفُونَ بِالأغْلَبِيَّةِ؛ لِأنَّ عِلْمَهم مُكْتَسَبٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ الأعْلَمِ بِذَلِكَ.

* * *

صفحة ٢٩٤

﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾

تَفْرِيعٌ عَلى الِاخْتِلافِ في عَدَدِ أهْلِ الكَهْفِ، أيْ إذا أرادَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ المُماراةَ في عِدَّةِ أهْلِ الكَهْفِ لِأخْبارٍ تَلَقَّوْها مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ لِأجْلِ طَلَبِ تَحْقِيقِ عِدَّتِهِمْ، فَلا تُمارِهِمْ؛ إذْ هو اشْتِغالٌ بِما لَيْسَ فِيهِ جَدْوى، وهَذا التَّفْرِيعُ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ في أثْناءِ القِصَّةِ.

والتَّمارِي: تَفاعُلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ المِرْيَةِ، وهي الشَّكُّ، واشْتِقاقُ المُفاعَلَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها إيقاعٌ مِنَ الجانِبَيْنِ في الشَّكِّ، فَيُئَوَّلُ إلى مَعْنى المُجادَلَةِ في المُعْتَقَدِ لِإبْطالِهِ، وهو يُفْضِي إلى الشَّكِّ فِيهِ، فَأطْلَقَ المِراءَ عَلى المُجادَلَةِ بِطَرِيقِ المَجازِ، ثُمَّ شاعَ فَصارَ حَقِيقَةً لَمّا ساوى الحَقِيقَةَ، والمُرادُ بِالمِراءِ فِيهِمُ: المِراءُ في عِدَّتِهِمْ كَما هو مُقْتَضى التَّفْرِيعِ.

والمِراءُ الظّاهِرُ: هو الَّذِي لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ، ولا يَطُولُ الخَوْضُ فِيهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾، فَإنَّ هَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ وإبايَتِهِ؛ لِوُضُوحِ حُجَّتِهِ، وما وراءَ ذَلِكَ مُحْتاجٌ إلى الحُجَّةِ، فَلا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِهِ؛ لِقِلَّةِ جَدْواهُ.

والِاسْتِفْتاءُ: طَلَبُ الفَتْوى، وهي الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ عِلْمِيٍّ مِمّا لا يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ، ومَعْنى ”فِيهِمْ“ أيْ: في أمْرِهِمْ، أيْ أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ، والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اسْتِفْتائِهِمِ الكِنايَةُ عَنْ جَهْلِهِمْ بِأمْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾، وهم أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ سَألُوا عَنْ أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ.

أوْ يَكُونُ كِنايَةً رَمْزِيَّةً عَنْ حُصُولِ عِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ بِحَقِيقَةِ أمْرِهِمْ بِحَيْثُ هو غَنِيٌّ عَنِ اسْتِفْتاءِ أحَدٍ، وأنَّهُ لا يُعْلِمُ المُشْرِكِينَ بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِن شَأْنِ أهْلِ الكَهْفِ، وتَكُونُ (مِن) تَعْلِيلِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدًا إلى السّائِلِينَ

صفحة ٢٩٥

المُتَعَنِّتِينَ، أيْ لا تَسْألْ عِلْمَ ذَلِكَ مِن أجْلِ حِرْصِ السّائِلِينَ عَلى أنْ تُعْلِمَهم بِيَقِينِ أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَإنَّكَ عَلِمْتَهُ، ولَمْ تُؤْمَرْ بِتَعْلِيمِهِمْ إيّاهُ، ولَوْ لَمْ يُحْمَلِ النَّهْيُ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ وجْهٌ، وفي التَّقْيِيدِ بِـ ”مِنهم“ مُحْتَرَزٌ، ولا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ ضَمِيرِ ”مِنهم“ عائِدًا إلى أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقِ الرُّواةِ والمُفَسِّرِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском