Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:23–28
18:23Page 296
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] عَطْفٌ عَلى الِاعْتِراضِ، ومُناسَبَةُ مَوْقِعِهِ هُنا ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرِيُّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ والواحِدِيُّ في سُورَةِ مَرْيَمَ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ، وعَدَهم بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ مِنَ الغَدِ ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَأْتِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَوابِ إلّا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقِيلَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ كَما تَقَدَّمَ، أيْ فَكانَ تَأْخِيرُ الوَحْيِ إلَيْهِ بِالجَوابِ عِتابًا رَمْزِيًّا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ، كَما عاتَبَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ: «أنَّ سُلَيْمانَ قالَ: لَأُطَوِّفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى مِائَةِ امْرَأةٍ تَلِدُ كُلُّ واحِدَةٍ ولَدًا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَمْ تَحْمِلْ مِنهُنَّ إلّا واحِدَةٌ ولَدَتْ شِقَّ غُلامٍ»، ثُمَّ كانَ هَذا عِتابًا صَرِيحًا فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِما سُئِلَ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَدَ بِالإجابَةِ ونَسِيَ أنْ يَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ كَما نَسِيَ سُلَيْمانُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِقِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ، ثُمَّ نَهاهُ عَنْ أنْ يَعِدَ بِفِعْلِ شَيْءٍ دُونَ التَّقْيِيدِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ مِنَ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، وفي كَيْفِيَّةِ نَظْمِهِ اخْتِلافٌ لِلْمُفَسِّرِينَ، فَمُقْتَضى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ جُمْلَةِ النَّهْيِ، أيْ هو اسْتِثْناءٌ مَن حُكْمِ النَّهْيِ، أيْ لا تَقُولَنَّ: إنِّي فاعِلٌ إلَخْ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَهُ، ومَشِيئَةُ اللَّهِ تُعْلَمُ مِن إذْنِهِ بِذَلِكَ، فَصارَ المَعْنى: إلّا أنْ
صفحة ٢٩٦
يَأْذَنَ اللَّهُ لَكَ بِأنْ تَقُولَهُ، وعَلَيْهِ فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ يَشاءَ اللَّهُ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ المَنهِيّاتِ، وهو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ومَفْعُولُ يَشاءَ اللَّهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَما هو شَأْنُ فِعْلِ المَشِيئَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا قَوْلًا شاءَهُ اللَّهُ، فَأنْتَ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْ أنْ تَقُولَهُ.
ومُقْتَضى كَلامِ الكِسائِيِّ، والأخْفَشِ، والفَرّاءِ أنَّهُ مُسْتَثْنًى مِن جُمْلَةِ ﴿إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِن كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ إلّا قَوْلًا مُقْتَرِنًا بِـ إنْ شاءَ اللَّهُ فَيَكُونُ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ المُلابَسَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا بِـ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] أيْ بِما يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مُلابَسَةَ القَوْلِ حَقِيقَةَ المَشِيئَةِ - مُحالٌ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ تَلَبُّسُهُ بِذِكْرِ المَشِيئَةِ بِلَفْظِ إنْ شاءَ اللَّهُ ونَحْوِهِ، فالمُرادُ بِالمَشِيئَةِ إذْنُ اللَّهِ لَهُ.
وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَرامَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الأُولى: أنَّهُ أجابَ سُؤْلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم ما سَألُوهُ إيّاهُ عَلى خِلافِ عادَةِ اللَّهِ مَعَ المُكابِرِينَ.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ عَلَّمَهُ عِلْمًا عَظِيمًا مِن أدَبِ النُّبُوَّةِ.
الثّالِثَةُ: أنَّهُ ما عَلَّمَهُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ أجابَ سُؤْلَهُ اسْتِئْناسًا لِنَفْسِهِ أنْ لا يُبادِرَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُجِيبَهُ، كَيْلا يَتَوَهَّمَ أنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنْ إجابَةِ سُؤالِهِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ تَأْدِيبِ الحَبِيبِ المُكَرَّمِ، ومِثالُهُ ما في الصَّحِيحِ: «أنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزامٍ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأعْطانِي ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطانِي ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطانِي، ثُمَّ قالَ: يا حَكِيمُ إنَّ هَذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَن أخَذَهُ بِسَخاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ومَن أخَذَهُ بِإشْرافِ نَفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لَهُ فِيهِ، وكانَ كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، قالَ
صفحة ٢٩٧
حَكِيمٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أرْزَأُ أحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتّى أُفارِقَ الدُّنْيا»، فَعَلِمَ حَكِيمٌ أنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ ذَلِكَ لَيْسَ القَصْدُ مِنهُ مَنعَهُ مِن سُؤْلِهِ، وإنَّما قَصَدَ مِنهُ تَخْلِيقَهُ بِخُلُقٍ جَمِيلٍ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ حَكِيمٌ: أنْ لا يَأْخُذَ عَنْ أحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ: لا أسْألُكَ بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ شَيْئًا.
فَنَظْمُ الآيَةِ أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ لَشَيْءٌ لَيْسَتِ اللّامَ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ القَوْلِ إلى المُخاطَبِ بَلْ هي لامُ العِلَّةِ، أيْ: لا تَقُولَنَّ إنِّي فاعِلٌ كَذا لِأجْلِ شَيْءٍ تَعِدُ بِهِ، فاللّامُ بِمَنزِلَةِ (في) .
و”شَيْءٍ“ اسْمٌ مُتَوَغِّلٌ في التَّنْكِيرِ يُفَسِّرُهُ المَقامُ، أيِ الشَّيْءِ تُرِيدُ أنْ تَفْعَلَهُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ عائِدَةٌ إلى ”شَيْءٍ“، أيْ: إنِّي فاعِلٌ الإخْبارَ بِأمْرٍ يَسْألُونَهُ.
و”غَدًا“ مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ مَجازًا، ولَيْسَتْ كَلِمَةُ ”غَدًا“ مُرادًا بِها اليَوْمَ الَّذِي يَلِي يَوْمَهُ، ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، كَما يُسْتَعْمَلُ اليَوْمُ بِمَعْنى زَمانِ الحالِ، والأمْسُ بِمَعْنى زَمَنِ الماضِي، وقَدْ جَمَعَها قَوْلُ زُهَيْرٍ:
وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ
وظاهِرُ الآيَةِ اقْتِصارُ إعْمالِها عَلى الإخْبارِ بِالعَزْمِ عَلى فِعْلٍ في المُسْتَقْبَلِ دُونَ ما كانَ مِنَ الكَلامِ إنْشاءً مِثْلَ الأيْمانِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في شُمُولِ هَذِهِ الآيَةِ لِإنْشاءِ الأيْمانِ ونَحْوِها، فَقالَ جُمْهُورُهم: يَكُونُ ذِكْرُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ حَلًّا لِعَقْدِ اليَمِينِ يُسْقِطُ وُجُوبَ الكَفّارَةِ، ولَعَلَّهم أخَذُوهُ مِن مَعْنى (شَيْءٍ) في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ﴾ إلَخْ: بِحَيْثُ إذا أعْقَبْتَ اليَمِينَ بِقَوْلِ (إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ) ونَحْوِهِ لَمْ يَلْزَمُ البِرُّ في اليَمِينِ، ورَوى ابْنُ القاسِمِ، وأشْهَبُ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ مالِكٍ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ﴾ إلَخْ إنَّما قُصِدَ بِذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ السَّهْوِ، ولَيْسَ بِاسْتِثْناءٍ، يَعْنِي أنَّ حُكْمَ الثُّنْيا
صفحة ٢٩٨
فِي الأيْمانِ لا يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو مِمّا ثَبَتَ بِالسَّنَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُخالِفْ مالِكٌ في إعْمالِ الثُّنْيا في اليَمِينِ، وهي قَوْلُ (إنْ شاءَ اللَّهُ)، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
18:24Page 296
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤
Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾
عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ، أيْ لا تَعِدْ بِوَعْدٍ فَإنْ نَسِيتَ فَقُلْتَ: إنِّي فاعِلٌ، فاذْكُرْ رَبَّكَ، أيِ اذْكُرْ ما نَهاكَ عَنْهُ، والمُرادُ بِالتَّذْكِيرِ التَّدارُكُ، وهو هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ (الذُّكْرِ) بِضَمِّ الذّالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ لازِمِ التَّذَكُّرِ، وهو الِامْتِثالُ، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وفي تَعْرِيفِ الجَلالَةِ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ، مِن كَمالِ المُلاطَفَةِ - ما لا يَخْفى.
وحَذْفُ مَفْعُولِ ”نَسِيتَ“؛ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ إذا نَسِيتَ النَّهْيَ فَقُلْتَ: إنِّي فاعِلٌ، وبَعْضُ الَّذِينَ أعْمَلُوا بِهِ آيَةَ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ في حَلِّ الأيْمانِ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ تَرْخِيصًا في تَدارُكِ الثُّنْيا عِنْدَ تَذَكُّرِ ذَلِكَ، فَمِنهم مَن لَمْ يَحِدَّ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا تَحْدِيدَ بِمُدَّةٍ بَلْ ولَوْ طالَ ما بَيْنَ اليَمِينِ والثُّنْيا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الثُّنْيا، واسْتَدَلُّوا بِأنَّ السُّنَّةَ ورَدَتْ بِخِلافِهِ.
* * *
﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾
لَمّا أبَرَّ اللَّهُ وعْدَ نَبِيِّهِ ﷺ الَّذِي وعَدَهُ المُشْرِكِينَ أنْ يُبَيِّنَ لَهم أمْرَ أهْلِ الكَهْفِ فَأوْحاهُ إلَيْهِ، وأوْقَفَهم عَلَيْهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِعِتابِهِ عَلى
صفحة ٢٩٩
التَّصَدِّي لِمُجاراتِهِمْ في السُّؤالِ عَمّا هو خارِجٌ عَنْ غَرَضِ الرِّسالَةِ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وأمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ نَهْيَ رَبِّهِ، ويَعْزِمَ عَلى تَدْرِيبِ نَفْسِهِ عَلى إمْساكِ الوَعْدِ بِبَيانِ ما يُسْألُ مِنهُ بَيانُهُ دُونَ أنْ يَأْذَنَهُ اللَّهُ بِهِ، أمَرَهُ هُنا أنْ يُخْبِرَ سائِلِيهِ بِأنَّهُ ما بُعِثَ لِلِاشْتِغالِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وأنَّهُ يَرْجُو أنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِ إلى ما هو أقْرَبُ إلى الرُّشْدِ مِن بَيانِ أمْثالِ هَذِهِ القِصَّةِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ تَشْتَمِلُ عَلى مَوْعِظَةٍ وهُدًى، ولَكِنَّ الهُدى الَّذِي في بَيانُ الشَّرِيعَةِ أعْظَمُ وأهَمُّ، والمَعْنى: وقُلْ لَهم عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا.
وجُمْلَةُ ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي﴾ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾، أيِ اذْكُرْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ وقُلْ في نَفْسِكَ: عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا، أيِ ادْعُ اللَّهَ بِهَذا.
وانْتَصَبَ ”رَشَدًا“ عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ التَّفْضِيلِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأقْرَبَ مِن هَذا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ فِعْلِ ”أنْ يَهْدِيَنِي“؛ لِأنَّ الرُّشْدَ نَوْعٌ مِنَ الهِدايَةِ.
فَـ ”عَسى“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الرَّجاءِ تَأدُّبًا، واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ مِن قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذا الكَلامِ مُعْتَرِضًا في أثْنائِها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وارْجُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَهْدِيَكَ فَيُذَكِّرَكَ أنْ لا تَعِدَ وعْدًا بِبَيانِ شَيْءٍ دُونَ إذْنِ اللَّهِ.
والرَّشَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: الهُدى والخَيْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] .
18:25Page 296
وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥
And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1
صفحة ٣٠٠
﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ رُجُوعٌ إلى بَقِيَّةِ القِصَّةِ بَعْدَ أنْ تَخَلَّلَ الِاعْتِراضُ بَيْنَها بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ”رَشَدًا“ .
فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”ولَبِثُوا“ عَطْفًا عَلى مَقُولِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، أيْ ويَقُولُونَ: لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ، لِيَكُونَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وعَلَيْهِ فَلا يَكُونُ هَذا إخْبارًا عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ (وقالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ) إلى آخِرِهِ، فَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِهَذا العَطْفِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى القِصَّةِ كُلِّها، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ إلى آخِرِهِ، وهم لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ.
وعَلى اخْتِلافِ الوَجْهَيْنِ يَخْتَلِفُ المَعْنى في قَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] كَما سَيَأْتِي، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ بِمُدَّةِ لُبْثِ أهْلِ الكَهْفِ في كَهْفِهِمْ، وأنَّ المُرادَ لُبْثُهُمُ الأوَّلُ قَبْلَ الإفاقَةِ، وهو المُناسِبُ لِسَبْقِ الكَلامِ عَلى اللُّبْثِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] إلَخْ أنَّ مُؤَرِّخِي النَّصارى يَزْعُمُونَ أنَّ مُدَّةَ نَوْمَةِ أهْلِ الكَهْفِ مِائَتانِ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: المُرادُ لُبْثُهم مِن وقْتِ مَوْتِهِمُ الأخِيرِ إلى زَمَنِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
والمَعْنى: أنْ يُقَدَّرَ لُبْثُهم بِثَلاثِمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا العَدَدِ بِأنَّهُ ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ وزِيادَةُ تِسْعٍ، لِيُعْلَمَ أنَّ التَّقْدِيرَ بِالسِّنِينَ القَمَرِيَّةِ المُناسِبَةِ لِتارِيخِ العَرَبِ والإسْلامِ مَعَ الإشارَةِ إلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المِقْدارِ بِالسِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ الَّتِي بِها تارِيخُ القَوْمِ الَّذِينَ مِنهم أهْلُ الكَهْفِ، وهم أهْلُ بِلادِ الرُّومِ، قالَ السُّهَيْلِيُّ
صفحة ٣٠١
فِي الرَّوْضِ الأُنُفِ: النَّصارى يَعْرِفُونَ حَدِيثَ أهْلِ الكَهْفِ ويُؤَرِّخُونَ بِهِ، وأقُولُ: واليَهُودُ الَّذِينَ لَقَّنُوا قُرَيْشًا السُّؤالَ عَنْهم يُؤَرِّخُونَ الأشْهُرَ بِحِسابِ القَمَرِ، ويُؤَرِّخُونَ السِّنِينَ بِحِسابِ الدَّوْرَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَ أيّامِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ وأيّامِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ يَحْصُلُ مِنهُ سَنَةٌ قَمَرِيَّةٌ كامِلَةٌ في كُلِّ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً شَمْسِيَّةً، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ في مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِثَلاثِ سِنِينَ زائِدَةٍ قَمَرِيَّةٍ، كَذا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ النِّقاشِ المُفَسِّرِ، وبِهَذا تَظْهَرُ نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ عَنِ التِّسْعِ السِّنِينِ بِالِازْدِيادِ، وهَذا مِن عِلْمِ القُرْآنِ وإعْجازِهِ العِلْمِيِّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِعُمُومِ العَرَبِ عِلْمٌ بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ثَلاثَمِائَةٍ“ بِالتَّنْوِينِ، وانْتَصَبَ سِنِينَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنِ اسْمِ العَدَدِ عَلى رَأْيِ مَن يَمْنَعُ مَجِيءَ تَمْيِيزِ المِائَةِ مَنصُوبًا، أوْ هو تَمْيِيزٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإضافَةِ مِائَةٍ إلى سِنِينَ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِلْمِائَةِ، وقَدْ جاءَ تَمْيِيزُ المِائَةِ جَمْعًا، وهو نادِرٌ لَكِنَّهُ فَصِيحٌ.
18:26Page 296
قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦
Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."
﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ إنْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٥] إخْبارًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ قَطْعًا لِلْمُماراةِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمُ المُخْتَلَفِ فِيها بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ مِنكم بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ.
وإنْ كانَ قَوْلُهُ ولَبِثُوا حِكايَةً عَنْ قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كانَ قَوْلُهُ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ تَفْوِيضًا إلى اللَّهِ في عِلْمِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] .
صفحة ٣٠٢
وغَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ما غابَ عِلْمُهُ عَنِ النّاسِ مِن مَوْجُوداتِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِهِمْ، واللّامُ في للَّهِ لِلْمِلْكِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ المَجْرُورِ؛ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، رَدًّا عَلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عِلْمَ خَبَرِ أهْلِ الكَهْفِ ونَحْوِهِمْ.
و﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ صِيغَتا تَعْجِيبٍ مِن عُمُومِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُغَيَّباتِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ، وهو العِلْمُ الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ الحَدِيثُ مَعَهم، وهو إبْطالٌ لِوَلايَةِ آلِهَتِهِمْ بِطَرِيقَةِ التَّنْصِيصِ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ بِدُخُولِ (مِنِ) الزّائِدَةِ عَلى النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ هو رَدٌّ عَلى زَعْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لَهُ في مِلْكِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يُشْرِكُ﴾ بِرَفْعِ يُشْرَكَ وبِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ﴾، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِتاءِ الخِطابِ وجَزْمِ و(يُشْرِكْ) عَلى أنَّ (لا) ناهِيَةٌ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرادٌ بِهِ أُمَّتُهُ، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَلَقّاهُ.
وهُنا انْتَهَتْ قِصَّةُ أصْحابِ الكَهْفِ بِما تَخَلَّلَها، وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ مِن رِوايَةِ الأخْبارِ المَوْضُوعَةِ فِيها.
18:27Page 296
وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧
And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.
﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] بِما فِيها مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] .
صفحة ٣٠٣
والمَقْصُودُ مِن هَذا الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ كانُوا أيّامَئِذٍ لا يَبِينُ لَهم شَيْءٌ إلّا وانْتَقَلُوا إلى طَلَبِ شَيْءٍ آخَرَ، فَسَألُوا عَنْ أهْلِ الكَهْفِ، وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وطَلَبُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ القُرْآنِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والمَعْنى: لا تَعْبَأْ بِهِمْ - إنْ كَرِهُوا تِلاوَةَ بَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ - واتْلُ جَمِيعَ ما أُوحِي إلَيْكَ، فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ، فَلَمّا وعَدَهُمُ الجَوابَ عَنِ الرُّوحِ وعَنْ أهْلِ الكَهْفِ، وأبَرَّ اللَّهُ وعْدَهُ إيّاهم قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ بِبَيانِ إحْدى المَسْألَتَيْنِ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، ولِكَيْ لا يُطْمِعَهُمُ الإجابَةُ عَنْ بَعْضِ ما سَألُوهُ بِالطَّمَعِ في أنْ يُجِيبَهم عَنْ كُلِّ ما طَلَبُوهُ.
وأصْلُ النَّفْيِ بِـ (لا) النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ أنَّهُ نَفْيُ وُجُودِ اسْمِهِ، والمُرادُ هُنا نَفْيُ الإذْنِ في أنْ يُبَدِّلَ أحَدٌ كَلِماتِ اللَّهِ.
والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ بِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ، أيْ بِإخْفاءِ بَعْضِهِ، بِتَرْكِ تِلاوَةِ ما لا يَرْضَوْنَ بِسَماعِهِ مِن إبْطالِ شِرْكِهِمْ وضَلالِهِمْ، وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّهم طَعَنُوا في بَعْضِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِمُ القِصَّةُ في القُرْآنِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] وقَوْلُهُ ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: ٢٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
فالأمْرُ في قَوْلِهِ واتْلُ كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، و﴿ما أُوحِيَ﴾ مُفِيدٌ لِلْعُمُومِ، أيْ كُلَّ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، ومَفْهُومُ المَوْصُولِ أنَّ ما لَمْ يُوحَ إلَيْهِ لا يَتْلُوهُ، وهو ما اقْتَرَحُوا أنْ يَقُولَهُ في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وإعْطائِهِمْ شَطْرًا مِنَ التَّصْوِيبِ.
صفحة ٣٠٤
والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] في الأنْفالِ.
والمُلْتَحَدُ: اسْمُ مَكانٍ مِيمِيٌّ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن فِعْلِهِ، والمُلْتَحَدُ: مَكانُ الِالتِحادِ، والِالتِحادُ: المَيْلُ إلى جانِبٍ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ تَكَلُّفُ المَيْلِ، ويُفْهَمُ مِن صِيغَةِ التَّكَلُّفِ أنَّهُ مَفَرٌّ مِن مَكْرُوهٍ يَتَكَلَّفُ الخائِفُ أنْ يَأْوِيَ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كانَ المُلْتَحَدُ بِمَعْنى المَلْجَأِ، والمَعْنى: لَنْ تَجِدَ شَيْئًا يُنْجِيكَ مِن عِقابِهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا تَأْيِيسُهم مِمّا طَمِعُوا فِيهِ.
18:28Page 297
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1
﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هَذا مِن ذُيُولِ الجَوابِ عَنْ مَسْألَتِهِمْ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ، فَهو مُشارِكٌ لِقَوْلِهِ ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧] الآيَةَ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] أنَّ سادَةَ المُشْرِكِينَ كانُوا زَعَمُوا أنَّهُ لَوْلا أنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ناسًا أهْلُ خَصاصَةٍ في الدُّنْيا، وأرِقّاءُ لا يُدانُوهم، ولا يَسْتَأْهِلُونَ الجُلُوسَ مَعَهم لَأتَوْا إلى مُجالَسَةِ النَّبِيءِ ﷺ، واسْتَمَعُوا القُرْآنَ، فاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ أنْ يَطْرُدَهم مِن حَوْلِهِ إذا غَشِيَهُ سادَةُ قُرَيْشٍ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما في سُورَةِ الأنْعامِ وما في هَذِهِ السُّورَةِ وما هُنا آكَدُ إذْ أمَرَهُ بِمُلازَمَتِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾، أيِ احْبِسْها مَعَهم حَبْسَ مُلازِمَةٍ، والصَّبْرُ: الشَّدُّ بِالمَكانِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ
صفحة ٣٠٥
المَصْبُورَةُ: وهي الدّابَّةُ تُشَدُّ لِتُجْعَلَ غَرَضًا لِلرَّمْيِ، ولِتَضْمِينِ فِعْلِ اصْبِرْ مَعْنى المُلازِمَةِ عُلِّقَ بِهِ ظَرْفُ (مَعَ) .
والغَداةِ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِألْفٍ بَعْدَ الدّالِّ: اسْمُ الوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، والعَشِيُّ: المَساءُ، والمَقْصُودُ أنَّهم يَدْعُونَ اللَّهَ دُعاءً مُتَخَلِّلًا سائِرَ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والدُّعاءُ: المُناجاةُ والطَّلَبُ، والمُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُ الصَّلَواتِ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ؛ لِلْإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الأمْرِ بِمُلازَمَتِهِمْ، أيْ: لِأنَّهم أحْرِياءُ بِذَلِكَ؛ لِأجْلِ إقْبالِهِمْ عَلى اللَّهِ فَهُمُ الأجْدَرُ بِالمُقارَنَةِ والمُصاحَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”بِالغَدْوَةِ“ بِسُكُونِ الدّالِ وواوٍ بَعْدَ الدّالِّ مَفْتُوحَةٍ، وهو مُرادِفُ الغَداةِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ووَجْهُ اللَّهِ: مُجازٌ في إقْبالِهِ عَلى العَبْدِ.
ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ بِمُواصَلَتِهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْ أقَلِّ إعْراضٍ عَنْهم.
وظاهِرُ ﴿لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ نَهْيُ العَيْنَيْنِ عَنْ أنْ تَعْدُوا عَنِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم، أيْ أنْ تُجاوِزاهم، أيْ تَبْعُدا عَنْهم، والمَقْصُودُ: الإعْراضُ، ولِذَلِكَ ضُمِّنَ فِعْلُ العَدْوِ مَعْنى الإعْراضِ، فَعُدِّيَ إلى المَفْعُولِ بِـ (عَنْ) وكانَ حَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ يُقالُ: عَداهُ، إذا جاوَزَهُ، ومَعْنى نَهْيِ العَيْنَيْنِ نَهْيُ صاحِبِهِما، فَيُئَوَّلُ إلى مَعْنى: ولا تَعْدِي عَيْنَيْكَ عَنْهم، وهو إيجازٌ بَدِيعٌ.
وجُمْلَةُ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ حالٌ مِن كافِ الخِطابِ؛ لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ لا تَكُنْ إرادَةُ الزِّينَةِ سَبَبَ الإعْراضِ عَنْهم؛ لِأنَّهم لا زِينَةَ لَهم مِن بَزَّةٍ وسَمْتٍ.
وهَذا الكَلامُ تَعْرِيضٌ بِحَماقَةِ سادَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا هَمَّهم وعِنايَتَهم بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ، وأهْمَلُوا الِاعْتِبارَ بِالحَقائِقِ والمَكارِمِ النَّفْسِيَّةِ؛ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ مُجالَسَةِ أهْلِ الفَضْلِ، والعُقُولِ الرّاجِحَةِ والقُلُوبِ النَّيِّرَةِ، وجَعَلُوا هَمَّهُمُ الصُّوَرَ الظّاهِرَةَ.
* * *
صفحة ٣٠٦
﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ .
هَذا نَهْيٌ جامِعٌ عَنْ مُلابَسَةِ شَيْءٍ مِمّا يَأْمُرُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ، والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَأْسِيسُ قاعِدَةٍ لِأعْمالِ الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ تُجاهَ رَغائِبِ المُشْرِكِينَ، وتَأْيِيسُ المُشْرِكِينَ مِن نَوالِ شَيْءٍ مِمّا رَغِبُوهُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ .
وماصَدَقَ (مِن) كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّلَةِ، وقِيلَ نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ، دَعا النَّبِيءَ ﷺ إلى طَرْدِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ عَنْ مَجْلِسِهِ حِينَ يَجْلِسُ إلَيْهِ هو وأضْرابُهُ مِن سادَةِ قُرَيْشٍ.
والمُرادُ بِإغْفالِ القَلْبِ: جَعْلُهُ غافِلًا عَنِ التَّفَكُّرِ في الوَحْدانِيَّةِ حَتّى راجَ فِيهِ الإشْراكُ، فَإنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ خِلْقَةِ عُقُولٍ ضَيِّقَةِ التَّبَصُّرِ مَسُوقَةٍ بِالهَوى والإلْفِ.
وأصْلُ الإغْفالِ: إيجادُ الغَفْلَةِ، وهي الذُّهُولُ عَنْ تَذَكُّرِ الشَّيْءِ، وأُرِيدَ بِها هُنا غَفْلَةٌ خاصَّةٌ، وهي الغَفْلَةُ المُسْتَمِرَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن جَعْلِ الإغْفالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ في خِلْقَةِ تِلْكَ القُلُوبِ، وما بِالطَّبْعِ لا يَتَخَلَّفُ.
وقَدِ اعْتَضَدَ هَذا المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾، فَإنَّ اتِّباعَ الهَوى يَكُونُ عَنْ بَصِيرَةٍ لا عَنْ ذُهُولٍ، فالغَفْلَةُ خِلْقَةٌ في قُلُوبِهِمْ، واتِّباعُ الهَوى كَسْبٌ مِن قُدْرَتِهِمْ.
والفُرُطُ بِضَمَّتَيْنِ: الظُّلْمُ والِاعْتِداءُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الفُرُوطِ وهو السَّبْقُ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ سَبَقَ في الشَّرِّ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ.
وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الخَبَرِ مِنَ الِاسْمِ، أيْ حالَةَ تَمَكُّنِ الإفْراطِ والِاعْتِداءِ عَلى الحَقِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences