Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:29–31
18:29Page 297
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
صفحة ٣٠٧
﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ بَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ بِما فِيهِ نَقْضُ ما يَفْتِلُونَهُ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِتَأْيِيسِهِمْ مِن ذَلِكَ أمَرَهُ أنْ يُصارِحَهم بِأنَّهُ لا يَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ الَّذِي جاءَهُ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ مُبَلِّغُهُ بِدُونِ هَوادَةٍ، وأنَّهُ لا يَرْغَبُ في إيمانِهِمْ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، ولا يَتَنازَلُ إلى مُشاطَرَتِهِمْ في رَغَباتِهِمْ بِشَطْرِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، وأنَّ إيمانَهم وكُفْرَهم مَوْكُولٌ إلى أنْفُسِهِمْ، لا يَحْسَبُونَ أنَّهم بِوَعْدِ الإيمانِ يَسْتَنْزِلُونَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ بَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ.
والحَقُّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ هَذا الحَقُّ، والتَّعْبِيرُ بِـ رَبَّكُمُ لِلتَّذْكِيرِ بِوُجُوبِ تَوْحِيدِهِ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيُؤْمِن﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ لِلتَّسْوِيَةِ المُكَنّى بِها عَنِ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
وقَدَّمَ الإيمانَ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ إيمانَهم مَرْغُوبٌ فِيهِ.
وفاعِلُ المَشِيئَةِ في المَوْضِعَيْنِ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”مَنِ“ المَوْصُولَةِ في المَوْضِعَيْنِ.
وفِعْلُ (يُؤْمِن، ويَكْفُرْ) مُسْتَعْمَلانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيْ مَن شاءَ أنْ يُوقِعَ أحَدَ الأمْرَيْنِ ولَوْ بِوَجْهِ الِاسْتِمْرارِ عَلى أحَدِهِما المُتَلَبِّسِ بِهِ الآنَ فَإنَّ العَزْمَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ تَجْدِيدٌ لِإيقاعِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن إيكالِ الإيمانِ والكُفْرِ إلى أنْفُسِهِمْ وما يُفِيدُهُ مِنَ الوَعِيدِ، كِلاهُما
صفحة ٣٠٨
يُثِيرُ في النُّفُوسِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: فَماذا يُلاقِي مَن شاءَ فاسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ، فَيُجابُ بِأنَّ الكُفْرَ وخِيمُ العاقِبَةِ عَلَيْهِمْ.
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: المُشْرِكُونَ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
وتَنْوِينُ نارًا لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ.
والسُّرادِقُ بِضَمِّ السِّينِ قِيلَ: هو الفُسْطاطُ، أيِ الخَيْمَةُ، وقِيلَ: السُّرادِقُ: الحُجْزَةُ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، أيِ الحاجِزُ الَّذِي يَكُونُ مُحِيطًا بِالخَيْمَةِ يَمْنَعُ الوُصُولَ إلَيْها، فَقَدْ يَكُونُ مِن جِنْسِ الفُسْطاطِ أدِيمًا أوْ ثَوْبًا، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ كالخَنْدَقِ، وهو كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ، أصْلُها (سُراطاقْ) قالُوا: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ مُفْرَدٌ ثالِثُهُ ألِفٌ، وبَعْدَهُ حَرْفانِ، والسُّرادِقُ: هُنا تَخْيِيلٌ لِاسْتِعارَةٍ مَكْنِيَّةٍ بِتَشْبِيهِ النّارِ بِالدّارِ، وأُثْبِتَ لَها سُرادِقُ مُبالَغَةً في إحاطَةِ دارِ العَذابِ بِهِمْ، وشَأْنُ السُّرادِقِ يَكُونُ في بُيُوتِ أهْلِ التَّرَفِ، فَإثْباتُهُ لِدارِ العَذابِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ.
والِاسْتِغاثَةُ: طَلَبُ الغَوْثِ، وهو الإنْقاذُ مِن شَدَّةٍ، وبِتَخْفِيفِ الألَمِ، وشَمِلَ ﴿يَسْتَغِيثُوا﴾ الِاسْتِغاثَةَ مِن حَرِّ النّارِ يَطْلُبُونَ شَيْئًا يُبْرِدُ عَلَيْهِمْ، بِأنْ يَصُبُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ ماءً مَثَلًا، كَما في آيَةِ الأعْرافِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، والِاسْتِغاثَةُ مِن شِدَّةِ العَطَشِ النّاشِئِ عَنِ الحَرِّ فَيَسْألُونَ الشَّرابَ، وقَدْ أوْمَأ إلى شُمُولِ الأمْرَيْنِ ذِكْرُ وصْفَيْنِ لِهَذا الماءِ بِقَوْلِهِ ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ .
والإغاثَةُ: مُسْتَعارَةٌ لِلزِّيادَةِ مِمّا اسْتُغِيثَ مِن أجْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
والمُهْلُ: - بِضَمِّ المِيمِ - لَهُ مَعانٍ كَثِيرَةٌ أشْبَهُها هُنا أنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ فَإنَّهُ يَزِيدُها التِهابًا قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] .
والتَّشْبِيهُ في سَوادِ اللَّوْنِ وشِدَّةِ الحَرارَةِ فَلا يَزِيدُهم إلّا حَرارَةً، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ وهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
صفحة ٣٠٩
والوَجْهُ أشَدُّ الأعْضاءِ تَألُّمًا مِن حَرِّ النّارِ قالَ تَعالى ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] .
وجُمْلَةُ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا لِتَشْنِيعِ ذَلِكَ الماءِ مَشْرُوبًا كَما شُنِّعَ مُغْتَسَلًا، وفي عَكْسِهِ الماءُ المَمْدُوحُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ [ص: ٤٢] .
والمَخْصُوصُ بِذَمِّ بِئْسَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّرابُ ذَلِكَ الماءُ.
وجُمْلَةُ ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا؛ لِإنْشاءِ ذَمِّ تِلْكَ النّارِ بِما فِيها.
والمُرْتَفَقُ: مَحَلُّ الِاتِّفاقِ، وهو اسْمُ مَكانٍ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ إذِ اشْتُقَّ مِنَ المِرْفَقِ، وهو مَجْمَعُ العَضُدِ والذِّراعِ، سُمِّيَ مِرْفَقًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يُحَصِّلُ بِهِ الرِّفْقَ إذا أصابَهُ إعْياءٌ فَيَتَّكِئُ عَلَيْهِ، فَلَمّا سُمِّيَ بِهِ العُضْوُ تُنُوسِيَ اشْتِقاقُهُ وصارَ كالجامِدِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ المُرْتَفَقُ، فالمُرْتَفَقُ هو المُتَّكَأُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ.
وشَأْنُ المُرْتَفَقِ أنْ يَكُونَ مَكانَ اسْتِراحَةٍ، فَإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى النّارِ تَهَكُّمٌ، كَما أُطْلِقَ عَلى ما يُزادُ بِهِ عَذابُهم لَفْظُ الإغاثَةِ، وكَما أُطْلِقَ عَلى مَكانِهِمُ السُّرادِقُ.
وفِعْلُ (ساءَ) يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ (بِئْسَ) فَيَعْمَلُ عَمَلَ (بِئْسَ)، فَقَوْلُهُ مُرْتَفَقًا تَمْيِيزٌ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ .
18:30Page 297
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا مُراعًى فِيهِ حالُ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم حِينَ يَسْمَعُونَ ما أُعِدَّ لِلْمُشْرِكِينَ تَتَشَوَّفُ نُفُوسُهم إلى مَعْرِفَةِ ما أُعِدَّ لِلَّذِينَ
صفحة ٣١٠
آمَنُوا ونَبَذُوا الشِّرْكَ فَأُعْلِمُوا أنَّ عَمَلَهم مَرْعِيٌّ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وجَرْيًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ، والتَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ (إنَّ)؛ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، وإعادَةُ حَرْفِ (إنَّ) في الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ في الجُمْلَةِ الأُولى؛ لِمَزِيدِ العِنايَةِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] ومِثْلُهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
ومَوْقِعُ (إنَّ) الثّانِيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أبْلَغُ مِنهُ في بَيْتِ جَرِيرٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي وقَعَتْ فِيها في هَذِهِ الآيَةِ لَها اسْتِقْلالٌ بِمَضْمُونِها مِن حَيْثُ هي مُفِيدَةٌ حُكْمًا يَعُمُّ ما وقَعَتْ خَبَرًا عَنْهُ وغَيْرَهُ مِن كُلِّ مَن يُماثِلُ الخَبَرَ عَنْهم في عَمَلِهِمْ، فَذَلِكَ العُمُومُ في ذاتِهِ حُكْمٌ جَدِيرٌ بِالتَّأْكِيدِ؛ لِتَحْقِيقِ حُصُولِهِ لِأرْبابِهِ بِحَرْفِ بَيْتِ جَرِيرٍ.
وأمّا آيَةُ سُورَةِ الحَجِّ فَقَدِ اقْتَضى طُولُ الفَصْلِ حَرْفَ التَّأْكِيدِ؛ حِرْصًا عَلى إفادَةِ التَّأْكِيدِ.
والإضاعَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ضائِعًا، وحَقِيقَةُ الضَّيْعَةِ: تَلَفُ الشَّيْءِ مِن مَظِنَّةِ وجُودِهِ، وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى انْعِدامِ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ مَوْجُودٍ، فَكَأنَّهُ قَدْ ضاعَ وتَلِفَ، قالَ تَعالى ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقالَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ، ويُطْلَقُ عَلى مَنعِ التَّمْكِينِ مِن شَيْءٍ، والِانْتِفاعِ بِهِ تَشْبِيهًا لِلْمَمْنُوعِ بِالضّائِعِ في اليَأْسِ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنهُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ إنّا لا نَحْرِمُ مَن أحْسَنَ عَمَلًا أجْرَ عَمَلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] .
18:31Page 297
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.
صفحة ٣١١
﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما أجْمَلَ مِن عَدَمِ إضاعَةِ أجْرِهِمْ يَسْتَشْرِفُ بِالسّامِعِ إلى تَرَقُّبِ ما يُبِينُ هَذا الأجْرَ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ لِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ؛ لِأجْلِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، وهي كَوْنُهم آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
واللّامُ في ﴿لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ لامُ المُلْكِ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ، جُعِلَتْ جِهَةَ ”تَحْتَهم“ مَنشَأً لِجَرْيِ الأنْهارِ، وتَقَدَّمَ شَبِيهُ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [التوبة: ٧٢] في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ .
وعُدَنَّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ .
و﴿مِن تَحْتِهِمُ﴾ بِمَنزِلَةِ ﴿مِن تَحْتِها﴾ [التوبة: ٧٢]؛ لِأنَّ تَحْتَ جَنّاتِهِمْ هو تَحْتٌ لَهم.
ووَجْهُ إيثارِ إضافَةِ (تَحْتَ) إلى ضَمِيرِهِمْ دُونَ ضَمِيرِ الجَنّاتِ زِيادَةُ تَقْرِيرِ المَعْنى الَّذِي أفادَتْهُ لامُ المِلْكِ، فاجْتَمَعَ في هَذا الخَبَرِ عِدَّةُ مُقَرِّراتٍ لِمَضْمُونِهِ، وهي: التَّأْكِيدُ مَرَّتَيْنِ، وذِكْرُ اسْمِ الإشارَةِ، ولامِ المِلْكِ، وجَرُّ اسْمِ الجِهَةِ بِـ (مِن)، وإضافَةُ اسْمِ الجِهَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ: التَّعْرِيضُ بِإغاظَةِ المُشْرِكِينَ لِتَتَقَرَّرَ بِشارَةُ المُؤْمِنِينَ أتَمَّ تَقَرُّرٍ
صفحة ٣١٢
وجُمْلَةُ يُحَلَّوْنَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”جَنّاتِ عَدْنٍ“ .
والتَّحْلِيَةُ: التَّزْيِينُ، والحِلْيَةُ: الزِّينَةُ.
وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَجْهُولِ،؛ لِأنَّهم يَجِدُونَ أنْفُسَهم مُحِلِّينَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى.
والأساوِرُ: جَمْعُ سِوارٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسْوِرَةٍ الَّذِي هو جَمْعُ سِوارٍ، فَصِيغَةُ جَمْعِ الجَمْعِ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ أشْكالِ ما يُحَلَّوْنَ بِهِ مِنها، فَإنَّ الحِلْيَةَ تَكُونُ مُرَصَّعَةً بِأصْنافِ اليَواقِيتِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن أساوِرَ﴾ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وسَيَأْتِي وجْهُهُ في سُورَةِ الحَجِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِابْتِداءِ، وهو مُتَعَيَّنٌ عِنْدَ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ زِيادَتَها في الإثْباتِ.
والسِّوارُ: حُلِيٌّ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ يُحِيطُ بِمَوْضِعِ الذِّراعِ، وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وهو في الفارِسِيَّةِ (دُسْتُوراهْ) بَهاءٍ في آخِرِهِ كَما في كِتابِ الرّاغِبِ، وكُتِبَ بِدُونِ هاءٍ في تاجِ العَرُوسِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ فَإنَّ (مِن) فِيهِ لِلْبَيانِ، وفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، أيْ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، كَما اكْتَفى في آيَةِ سُورَةِ الإنْسانِ بِذِكْرِ الفِضَّةِ عَنْ ذِكْرِ الذَّهَبِ بِقَوْلِهِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]، ولِكُلٍّ مِنَ المَعْدِنَيْنِ جَمالُهُ الخاصُّ.
واللِّباسُ: سَتْرُ البَدَنِ بِثَوْبٍ مِن قَمِيصٍ أوْ إزارٍ أوْ رِداءٍ، وجَمِيعُ ذَلِكَ لِلْوِقايَةِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ ولِلتَّجَمُّلِ.
والثِّيابُ: جَمْعُ ثَوْبٍ، وهو الشُّقَّةُ مِنَ النَّسِيجِ.
واللَّوْنُ الأخْضَرُ أعْدَلُ الألْوانِ، وأنْفَعُها عِنْدَ البَصَرِ، وكانَ مِن شِعارِ المُلُوكِ، قالَ النّابِغَةُ:
يَصُونُونَ أجْسادًا قَدِيمًا نَعِيمُها بِخالِصَةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَناكِبِ
صفحة ٣١٣
والسُّنْدُسُ: صِنْفٌ مِنَ الثِّيابِ، وهو الدِّيباجُ الرَّقِيقُ يُلْبَسُ مُباشِرًا لِلْجِلْدِ لِيَقِيَهُ غِلَظَ الإسْتَبْرَقِ.
والإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ الغَلِيظُ المَنسُوجُ بِخُيُوطِ الذَّهَبِ، يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيابِ المُباشِرَةِ لِلْجِلْدِ.
وكِلا اللَّفْظَيْنِ مُعَرَّبٌ، فَأمّا لَفْظُ سُنْدُسٍ فَلا خِلافَ في أنَّهُ مُعَرَّبٌ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أصْلِهِ، فَقالَ جَماعَةٌ: أصْلُهُ فارِسِيٌّ، وقالَ المُحَقِّقُونَ: أصْلُهُ هِنْدِيٌّ، وهو في اللُّغَةِ الهِنْدِيَّةِ ”سَنْدُونْ“ بِنُونٍ في آخِرِهِ، كانَ قَوْمٌ مِن وُجُوهِ الهِنْدِ وفَدُوا عَلى الإسْكَنْدَرِ يَحْمِلُونَ هَدِيَّةً مِن هَذا الدِّيباجِ، وأنَّ الرُّومَ غَيَّرُوا اسْمَهُ إلى سُنْدُوسْ، والعَرَبُ نَقَلُوهُ عَنْهم فَقالُوا سُنْدُسْ؛ فَيَكُونُ مُعَرَّبًا عَنِ الرُّومِيَّةِ، وأصْلُهُ الأصِيلُ هِنْدِيٌّ.
وأمّا الإسْتَبْرَقُ فَهو مُعْرَبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ، وأصْلُهُ في الفارِسِيَّةِ (إسْتَبْرَهْ) أوْ (إسْتَبرْ) بِدُونِ هاءٍ أوْ (إسْتَقْرَهْ) أوْ (إسْتَفْرَهْ)، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هو سُرْيانِيٌّ عُرِّبَ، وأصْلُهُ (إسْتُرْوَهْ) وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو رُومِيٌّ عُرِّبَ، ولِذَلِكَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ عِنْدَ الجَمِيعِ، وذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَماءِ اللُّغَةِ في بابِ الهَمْزَةِ، وهو الأصْوَبُ، ويُجْمَعُ عَلى أبارِقَ قِياسًا، عَلى أنَّهم صَغَّرُوهُ عَلى أُبَيْرِقَ؛ فَعامَلُوا السِّينَ والتّاءَ مُعامَلَةَ الزَّوائِدِ.
وفِي الإتْقانِ لِلسُّيُوطِيِّ عَنِ ابْنِ النَّقِيبِ: لَوِ اجْتَمَعَ فُصَحاءُ العالَمِ وأرادُوا أنْ يَتْرُكُوا هَذا اللَّفْظَ ويَأْتُوا بِلَفْظٍ يَقُومُ مَقامَهُ في الفَصاحَةِ لَعَجَزُوا.
وذَلِكَ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا حَثَّ عِبادَهُ عَلى الطّاعَةِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والوَعْدُ بِما يَرْغَبُ فِيهِ العُقَلاءُ، وذَلِكَ مُنْحَصِرٌ في: الأماكِنِ، والمَآكِلِ، والمَشارِبِ، والمَلابِسِ، ونَحْوِها مِمّا تَتَّحِدُ فِيهِ الطِّباعُ أوْ تَخْتَلِفُ فِيهِ، وأرْفَعُ المَلابِسِ في الدُّنْيا الحَرِيرُ، والحَرِيرُ كُلَّما كانَ ثَوْبُهُ أثْقَلَ كانَ أرْفَعَ، فَإذا أُرِيدَ ذِكْرُ هَذا فالأحْسَنُ أنْ يُذْكَرَ بِلَفْظٍ واحِدٍ مَوْضُوعٍ لَهُ صَرِيحٌ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا الإسْتَبْرَقُ
صفحة ٣١٤
ولا يُوجَدُ في العَرَبِيَّةِ لَفْظٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ إسْتَبْرَقٍ، هَذِهِ خُلاصَةُ كَلامِهِ عَلى تَطْوِيلٍ فِيهِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن سُنْدُسٍ﴾ لِلْبَيانِ.
وقَدَّمَ ذِكْرَ الحُلِيِّ عَلى اللِّباسِ هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ صِفَةً لِلْجَنّاتِ ابْتِداءً، وكانَتْ مَظاهِرُ الحُلِيِّ أبْهَجَ لِلْجَنّاتِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الحُلِيِّ، وأخَّرَ اللِّباسَ؛ لِأنَّ اللِّباسَ أشَدُّ اتِّصالًا بِأصْحابِ الجَنَّةِ لا بِمَظاهِرِ الجَنَّةِ، وعَكْسُ ذَلِكَ في سُورَةِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١]؛ لِأنَّ الكَلامَ هُنالِكَ جَرى عَلى صِفاتِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَلْبِسُونَ.
والِاتِّكاءُ: جِلْسَةُ الرّاحَةِ والتَّرَفِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهي اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ وحَجَلَةٍ، والحَجَلَةُ: قُبَّةٌ مِن ثِيابٍ تَكُونُ في البَيْتِ تَجْلِسُ فِيها المَرْأةُ أوْ تَنامُ فِيها، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلنِّساءِ: رَبّاتُ الحِجالِ، فَإذا وُضِعَ فِيها سَرِيرٌ لِلِاتِّكاءِ أوِ الِاضْطِجاعِ فَهي أرِيكَةٌ، ويَجْلِسُ فِيها الرَّجُلُ ويَنامُ مَعَ المَرْأةِ، وذَلِكَ مِن شِعارِ أهْلِ التَّرَفِ.
وجُمْلَةُ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ اسْتِئْنافُ مَدْحٍ، ومَخْصُوصُ فِعْلِ المَدْحِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: نِعْمَ الثَّوابُ الجَنّاتُ المَوْصُوفَةُ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ فِعْلُ إنْشاءٍ ثانٍ وهو ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾؛ لِأنَّ (حَسُنَ) و(ساءَ) مُسْتَعْمَلانِ اسْتِعْمالَ (نِعْمَ) و(بِئْسَ) فَعَمِلا عَمَلَهُما، ولِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: وحَسُنَتِ الجَنّاتُ مُرْتَفَقًا، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في حِكايَةِ حالِ أهْلِ النّارِ ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] .
والمُرْتَفَقُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ بِخِلافِ مُقابِلِهِ المُتَقَدِّمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences