Ibn 'AshurAl‑Kahf · 18:32–41

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:32–41

18:32–36Page 297

۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢

And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.

كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣

Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.

وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤

And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."

وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥

And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.

وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦

And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."

صفحة ٣١٥

﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكْلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثُمُرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهْوَ يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهْوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنهُما مُنْقَلَبًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] الآياتِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما أعَدَّ لِأهْلِ الشِّرْكِ وذَكَرَ ما يُقابِلُهُ مِمّا أعَدَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا ضَرَبَ مَثَلًا لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِمِثْلِ قِصَّةٍ أظْهَرَ اللَّهُ فِيها تَأْيِيدَهُ لِلْمُؤْمِنِ، وإهانَتَهُ لِلْكافِرِ، فَكانَ لِذَلِكَ المَثَلِ شَبَهٌ بِمَثَلِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ مِن عَصْرٍ أقْرَبَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ مِن عَصْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِمَثَلِ رَجُلَيْنِ كانَ حالُ أحَدِهِما مُعْجَبًا مُؤْنِقًا، وحالُ الآخَرِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَكانَتْ عاقِبَةُ صاحِبِ الحالِ المُؤْنِقَةِ تَبابًا وخَسارَةً، وكانَتْ عاقِبَةُ الآخَرِ نَجاحًا، لِيُظْهِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ ما يَجُرُّهُ الغُرُورُ والإعْجابُ والجَبَرُوتُ إلى صاحِبِهِ مِنَ الأرْزاءِ، وما يَلْقاهُ المُؤْمِنُ المُتَواضِعُ العارِفُ بِسُنَنِ اللَّهِ في العالَمِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّدَبُّرِ في العَواقِبِ فَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِلصَّلاحِ والنَّجاحِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ واضْرِبْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا تَعَلُّقَ الحالِ

صفحة ٣١٦

بِصاحِبِها، أيْ شَبَهًا لَهم، أيْ لِلْفَرِيقَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (ضَرَبَ، ومَثَلًا) .

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهم يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، ويَعُودُ إلى جَماعَةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي.

ثُمَّ إنْ كانَ حالُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ المُمَثَّلُ بِهِ حالًا مَعْرُوفًا فالكَلامُ تَمْثِيلُ حالٍ مَحْسُوسٍ بِحالٍ مَحْسُوسٍ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنِيُّ بِالرَّجُلَيْنِ رَجُلانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أخَوانِ أحَدُهُما كافِرٌ وهو (الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ) - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنِ عَبْدِ يالِيلَ، والآخَرُ مُسْلِمٌ وهو أخُوهُ: (أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ)، ووَقَعَ في الإصابَةِ: ابْنُ هِلالٍ، وكانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ أيْنَ كانَتِ الجَنَّتانِ، ولَعَلَّهُما كانَتا بِالطّائِفِ فَإنَّ فِيهِ جَنّاتِ أهْلِ مَكَّةَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ماتَ أبُوهُما وتَرَكَ لَهُما مالًا؛ فاشْتَرى أحَدَهُما أرْضًا وجَعَلَ فِيها جَنَّتَيْنِ، وتَصَدَّقَ الآخَرُ بِمالِهِ فَكانَ مِن أمْرِهِما في الدُّنْيا ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى مَصِيرَهُما في الآخِرَةِ بِما حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٠] الآياتِ فَتَكُونُ قِصَّتُهُما مَعْلُومَةً بِما نَزَلَ فِيها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الصّافّاتِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ.

وإنْ كانَ حالُ الرَّجُلَيْنِ حالًا مَفْرُوضًا كَما جَوَّزَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالكَلامُ عَلى كُلِّ حالٍ تَمْثِيلُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مُتَصَوَّرَةٌ مُتَخَيَّلَةٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذِهِ الهَيْئَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لا يَكادُ المَرْءُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ النّاسِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ هَذا التَّمْثِيلُ كالَّذِي

صفحة ٣١٧

فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآياتِ.

والأظْهَرُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وصَنْعِ التَّراكِيبِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٧] إلَخْ فَقَدْ جاءَ (قالَ) غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِفاءٍ وذَلِكَ مِن شَأْنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الواقِعَةِ، ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣] أنْ يَكُونَ هَذا المَثَلُ قِصَّةً مَعْلُومَةً، ولِأنَّ ذَلِكَ أوْقَعُ في العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ؛ مِثْلُ المَواعِظِ بِمَصِيرِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.

ومَعْنى ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما﴾ قَدَّرْنا لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ.

وذِكْرُ الجَنَّةِ والأعْنابِ والنَّخْلِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَعْنى حَفَفْناهُما أحَطْناهُما، يُقالُ: حَفَّهُ بِكَذا، إذا جَعَلَهُ حافًّا بِهِ، أيْ مُحِيطًا، قالَ تَعالى ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ لِأنَّ (حَفَّ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَإذا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلى ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ، مِثْلُ: غَشِيَهُ وغَشّاهُ بِكَذا، ومِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ أنْ تَكُونَ مُحاطَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ.

ومَعْنى ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ألْهَمْناهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُما، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ هَذا الزَّرْعَ كانَ فاصِلًا بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ: كانَتِ الجَنَّتانِ تَكْتَنِفانِ حَقْلَ الزَّرْعِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ضَيْعَةً واحِدَةً، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الزَّرْعِ في سُورَةِ الرَّعْدِ.

و﴿كِلْتا﴾ اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ بِالمُثَنّى يُفَسِّرُهُ المُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى شَيْئَيْنِ، نَظِيرُ زَوْجٍ، ومُذَكَّرُهُ (كِلا)، قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُ كِلا: كِلَوْ، وأصْلُ كِلْتا: كِلْوا؛ فَحَذَفَتْ لامُ الفِعْلِ مِن كِلْتا، وعُوِّضَتِ التّاءُ عَنِ اللّامِ المَحْذُوفَةِ؛ لِتَدُلَّ التّاءُ عَلى التَّأْنِيثِ، ويَجُوزُ في خَبَرِ كِلا وكِلْتا الإفْرادُ اعْتِبارًا لِلَفْظِهِ، وهو أفْصَحُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ تَثْنِيَتُهُ اعْتِبارًا لِمَعْناهُ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

صفحة ٣١٨

كِلاهُما حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُما قَدْ أقْلَعا وكِلا أنْفَيْهِما

رابِي وأُكُلَها قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ وهو الثَّمَرُ، وتَقَدَّمَ.

وجُمْلَةُ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والمَعْنى: أثْمَرَتِ الجَنَّتانِ إثْمارًا كَثِيرًا حَتّى أشْبَهَتِ المُعْطِيَ مِن عِنْدِهِ.

ومَعْنى ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ لَمْ تَنْقُصْ مِنهُ، أيْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، أيْ لَمْ تَنْقُصْهُ عَنْ مِقْدارِ ما تُعْطِيهِ الأشْجارُ في حالِ الخِصْبِ، فَفي الكَلامِ إيجازٌ بِحَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ تَظْلِمْ مِن مِقْدارِ أمْثالِهِ، واسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِلنَّقْصِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ هَيْئَةِ صاحِبِ الجَنَّتَيْنِ في إتْقانِ خَبَرِهِما وتَرَقُّبِ إثْمارِهِما بِهَيْئَةِ مَن صارَ لَهُ حَقٌّ في وفْرَةِ غَلَّتِها، بِحَيْثُ إذا لَمْ تَأْتِ الجَنَّتانِ بِما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُما أشْبَهَتا مَن حَرَمَ ذا حَقٍّ حَقَّهُ فَظَلَمَهُ، فاسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِإقْلالِ الإغْلالِ، واسْتُعِيرَ نَفْيُهُ لِلْوَفاءِ بِحَقِّ الإثْمارِ.

والتَّفْجِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.

والنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الهاءِ لُغَةٌ في النَّهْرِ بِسُكُونِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿لِأحَدِهِما﴾، والثُّمُرُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ: المالُ الكَثِيرُ المُخْتَلِفُ مِنَ النَّقْدَيْنِ والأنْعامِ والجَنّاتِ والمَزارِعِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن ثُمِّرَ مالُهُ؛ بِتَشْدِيدِ المِيمِ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، يُقالُ: ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ إذا كَثُرَ، قالَ النّابِغَةُ:

فَلَمّا رَأى أنْ ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ ∗∗∗ وأثَّلَ مَوْجُودًا وسَدَّ مَفاقِرَهْ

صفحة ٣١٩

مُشْتَقًّا مِنِ اسْمِ الثَّمَرَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الأرْباحَ، وعَفْوَ المالِ يُشْبِهانِ ثَمَرَ الشَّجَرِ، وشاعَ هَذا المَجازُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، قالَ النّابِغَةُ:

مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ وما أُثَمِّرُ مِن مالٍ ومِن ولَدِ

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُمُرٌ) بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وضَمِّ المِيمِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ وفَتْحِ المِيمِ.

فَقالُوا: إنَّهُ جَمْعُ ثِمارٍ الَّذِي هو جَمْعُ ثُمُرٍ، مِثْلُ كُتُبٍ جَمْعُ كِتابٍ فَيَكُونُ دالًّا عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تُنْتِجُهُ المَكاسِبُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في جَمْعِ أساوِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]، وعَنِ النَّحّاسِ بِسَنَدِهِ إلى ثَعْلَبٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ: لَوْ سَمِعْتُ أحَدًا يَقْرَأُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) أيْ بِضَمِّ الثّاءِ لَقَطَعْتُ لِسانَهُ، قالَ ثَعْلَبٌ: فَقُلْتُ لِلْأعْمَشِ: أنَأْخُذُ بِذَلِكَ، قالَ: لا، ولا نِعْمَةَ عَيْنٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ثُمُرٌ، أيْ بِضَمَّتَيْنِ.

والمَعْنى: وكانَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ مالٌ، أيْ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ جُمْلَةِ قالَ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْشَأ عَنْهُ غُرُورٌ بِالنَّفْسِ يَنْطِقُ رَبُّهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ.

والصّاحِبُ هُنا بِمَعْنى المُقارِنِ في الذِّكْرِ حَيْثُ انْتَظَمَهُما خَبَرُ المَثَلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ المُلابِسُ المُخاصِمُ، كَما في قَوْلِ الحَجّاجِ يُخاطِبُ الخَوارِجَ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ.

والمُرادُ بِالصّاحِبِ هُنا الرَّجُلُ الآخَرُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، أيْ فَقالَ مَن لَيْسَ لَهُ جَنّاتٌ؛ في حِوارٍ بَيْنَهُما، ولَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ بِذِكْرِ مَكانِ هَذا القَوْلِ، ولا سَبَبِهِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ في المَوْعِظَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالَ، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ الكَلامِ بَيْنَ مُتَكَلِّمِينَ.

صفحة ٣٢٠

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ المُنْفَصِلُ عائِدٌ عَلى ذِي الجَنَّتَيْنِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يُحاوِرُهُ عائِدٌ عَلى صاحِبِ ذِي الجَنَّتَيْنِ، ورَبُّ الجَنَّتَيْنِ يُحاوِرُ صاحِبَهُ، ودَلَّ فِعْلُ المُحاوَرَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ قَدْ وعَظَهُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَراجَعَهُ الكَلامَ بِالفَخْرِ عَلَيْهِ والتَّطاوُلِ شَأْنَ أهْلِ الغَطْرَسَةِ والنَّقائِضِ أنْ يَعْدِلُوا عَنِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلى إظْهارِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ.

و﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] أشَدُّ عِزَّةً، والعِزَّةُ: ضِدُّ الذُّلِّ، وهي كَثْرَةُ عَدَدِ عَشِيرَةِ الرَّجُلِ وشَجاعَتِهِ.

والنَّفَرُ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ، وأرادَ بِهِمْ هُنا ولَدُهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ في جَوابِ صاحِبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]، وانْتَصَبَ نَفَرًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ ﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ.

وجُمْلَةُ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالَ، أيْ قالَ ذَلِكَ وقَدْ دَخَلَ جَنَّتَهُ مُرافِقًا لِصاحِبِهِ، أيْ دَخَلَ جَنَّتَهُ بِصاحِبِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾؛ لِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا خِطابًا لِآخَرَ، أيْ قالَ لَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، ووُقُوعُ جَوابِ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ في خِلالِ الحِوارِ الجارِي بَيْنَهُما في تِلْكَ الجَنَّةِ.

ومَعْنى ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مُشْرِكٌ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ بَطِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وإنَّما أفْرَدَ الجَنَّةَ هُنا، وهُما جَنَّتانِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ إنَّما يَكُونُ لِإحْداها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَدْخُلُ إنَّما يَدْخُلُ إحْداهُما قَبْلَ أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى الأُخْرى، فَما دَخَلَ إلّا إحْدى الجَنَّتَيْنِ.

والظَّنُّ بِمَعْنى: الِاعْتِقادِ، وإذا انْتَفى الظَّنُّ بِذَلِكَ ثَبَتَ الظَّنُّ بِضِدِّهِ، وتَبِيدُ: تَهْلِكُ، وتَفْنى.

والإشارَةُ بِهَذا إلى الجَنَّةِ الَّتِي هُما فِيها، أيْ لا أعْتَقِدُ أنَّها تَنْتَفِضُ وتَضْمَحِلُّ.

صفحة ٣٢١

والأبَدُ: مُرادٌ مِنهُ طُولُ المُدَّةِ، أيْ هي باقِيَةٌ بَقاءَ أمْثالِها لا يَعْتَرِيها ما يُبِيدُها، وهَذا اغْتِرارٌ مِنهُ بِغِناهُ، واغْتِرارٌ بِما لِتِلْكَ الجَنَّةِ مِن وُثُوقِ الشَّجَرِ، وقُوَّتِهِ وثُبُوتِهِ، واجْتِماعِ أسْبابِ نَمائِهِ ودَوامِهِ حَوْلَهُ، مِن مِياهٍ وظِلالٍ.

وانْتَقَلَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ دَوامَ تِلْكَ الجَنَّةِ إلى الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ بِنَفْيِ قِيامِ السّاعَةِ.

ولا تَلازُمَ بَيْنَ المُعْتَقَدَيْنَ، ولَكِنَّهُ أرادَ التَّوَرُّكَ عَلى صاحِبِهِ المُؤْمِنِ تَخْطِئَةً إيّاهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ تَهَكُّمًا بِصاحِبِهِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهُ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾، وهَذا كَقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ لَيَكُونَنَّ لِي مالٌ هُنالِكَ فَأقْضِيَكَ دَيْنَكَ مِنهُ.

وأكَدَّ كَلامَهُ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في التَّهَكُّمِ.

وانْتَصَبَ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ الخَبَرِ، والمُنْقَلَبُ: المَكانُ الَّذِي يُنْقَلَبُ إلَيْهِ؛ أيْ يُرْجَعُ.

وضَمِيرُ ”مِنهُما“ لِلْجَنَّتَيْنِ عَوْدًا إلى أوَّلِ الكَلامِ؛ تَفَنُّنًا في حِكايَةِ كَلامِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ”مِنهُما“ بِالتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ مِنها بِالإفْرادِ جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿أنْ تَبِيدَ هَذِهِ﴾ .

18:37–38Page 298

قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧

His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?

لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨

But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.

﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهْوَ يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّيَ أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]

حُكِيَ كَلامُ صاحِبِهِ بِفِعْلِ القَوْلِ بِدُونِ عَطْفٍ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ والمُجاوَبَةِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

صفحة ٣٢٢

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ، ولَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الصّاحِبَ كانَ يَعْلَمُ أنَّ صاحِبَهُ مُشْرِكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَهُ ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾، فالمُرادُ بِالكُفْرِ هُنا الإشْراكُ الَّذِي مِن جُمْلَةِ مُعْتَقَداتِهِ إنْكارُ البَعْثِ، ولِذَلِكَ عُرِفَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْرِفَ مَن يُدْرِكُهُ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، فَإنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَ النّاسَ فَما كانَ غَيْرُ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ.

ثُمَّ إنَّ العِلْمَ بِالخَلْقِ الأوَّلِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْرِفَ الإنْسانَ عَنْ إنْكارِ الخَلْقِ الثّانِي، كَما قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، وقالَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، فَكانَ مَضْمُونُ الصِّلَةِ تَعْرِيضًا بِجَهْلِ المُخاطَبِ.

وقَوْلُهُ مِن تُرابٍ إشارَةٌ إلى الأجْزاءِ الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنها النُّطْفَةُ، وهي أجْزاءُ الأغْذِيَةِ المُسْتَخْلَصَةِ مِن تُرابِ الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ [يس: ٣٦] .

والنُّطْفَةُ: ماءُ الرَّجُلِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّطْفِ، وهو السَّيَلانُ، و﴿سَوّاكَ﴾ عَدَلَ خَلْقَكَ، أيْ جَعَلَهُ مُتَناسِبًا في الشَّكْلِ والعَمَلِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، وقَوْلُهُ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كُتِبَ في المُصْحَفِ بِألْفٍ بَعْدِ النُّونِ، واتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى إثْباتِ الألْفِ في النُّطْقِ في حالِ الوَقْفِ، وأمّا في حالِ الوَصْلِ فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ نُطْقٍ بِالألْفِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِإثْباتِ النُّطْقِ بِالألْفِ في حالِ الوَصْلِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ يَسْمَحُ بِكِلْتا الرِّوايَتَيْنِ.

ولَفْظُ لَكْنا مُرَكَّبٌ مِن (لَكِنْ) بِسُكُونِ النُّونِ الَّذِي هو حَرْفُ اسْتِدْراكٍ، ومِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ (أنا)، وأصْلُهُ: لَكِنْ أنا، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا كَما قالَ الزَّجّاجُ، أيْ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لا لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْهَمْزَةِ حُكْمُ

صفحة ٣٢٣

الثّابِتِ فَلَمْ تَمْنَعْ مِنَ الإدْغامِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنهُ ما هو مَحْذُوفٌ لِعِلَّةِ بِناءٍ عَلى أنَّ المَحْذُوفَ لِعِلَّةٍ بِمَنزِلَةِ الثّابِتِ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى نُونِ (لَكِنِ) السّاكِنَةِ دَلِيلًا عَلى المَحْذُوفِ؛ فالتَقى نُونانِ مُتَحَرِّكَتانِ فَلَزِمَ إدْغامُهُما فَصارَ لَكْنا، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَكِنَّ المُشَدَّدَةَ النُّونِ المَفُتُوحَتَها أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها؛ لِأنَّ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةَ مِن أخَواتِ (إنَّ) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاسْمُ بَعْدَها مَنصُوبًا ولَيْسَ هُنا ما هو ضَمِيرُ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ اعْتِبارُ ضَمِيرِ (أنا) ضَمِيرَ نَصْبِ اسْمِ (لَكِنَّ)؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المَنصُوبِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا اعْتِبارُهُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ لِمُنافاتِهِ لِإفْرادِ ضَمائِرِهِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ .

(فَأنا) مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ شَأْنٍ وخَبَرُهُ، وهي خَبَرُ (أنا)، أيْ شَأْنِي هو اللَّهُ رَبِّي، والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإقْرارِ، أيْ أعْتَرِفُ بِأنَّهُ رَبِّي خِلافًا لَكَ.

ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ مُضادَّةُ ما بَعْدَ (لَكِنْ) لِما قَبْلَها، ولاسِيَّما إذا كانَ الرَّجُلانِ أخَوَيْنِ، أوْ خَلِيلَيْنِ كَما قِيلَ فَإنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ اعْتِقادَهُما سَواءٌ.

وأكَّدَ إثْباتَ اعْتِرافِهِ بِالخالِقِ الواحِدِ بِمُؤَكِّداتٍ أرْبَعَةٍ، وهي: الجُمْلَتانِ الِاسْمِيَّتانِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ في قَوْلِهِ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في قَوْلِ اللَّهَ رَبِّي المُفِيدِ قَصْرَ صِفَةِ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِمُخاطِبِهِ، أيْ دُونَكَ إذْ تَعْبُدُ آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ، وما القَصْرُ إلّا تَوْكِيدٌ مُضاعَفٌ، ثُمَّ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ .

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ [الكهف: ٣٩] عَلى جُمْلَةِ ﴿أكَفَرْتَ﴾ عَطْفُ إنْكارٍ عَلى إنْكارٍ، و(لَوْلا) لِلتَّوْبِيخِ، كَشَأْنِها إذا دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ الماضِي، نَحْوَ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ١٣]، أيْ كانَ الشَّأْنُ أنْ تَقُولَ ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] عِوَضَ قَوْلِكَ ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٥]، والمَعْنى: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ، وكَفَرْتَ نِعْمَتَهُ.

صفحة ٣٢٤

و(ما) مِن قَوْلِهِ ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٣٩] أحْسَنُ ما قالُوا فِيها إنَّها مَوْصُولَةٌ، وهي خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُلابَسَةُ حالِ دُخُولِ الجَنَّةِ، أيْ هَذِهِ الجَنَّةُ ما شاءَ اللَّهُ، أيِ الأمْرُ الَّذِي شاءَ اللَّهُ إعْطاءَهُ إيّايَ.

وأحْسَنُ مِنهُ عِنْدِي: أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ شَيْءٌ شاءَ اللَّهُ، أيْ لِي.

وجُمْلَةُ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ مِن مَشِيئَةِ اللَّهِ، أيْ لا قُوَّةَ لِي عَلى إنْشائِها، أوْ لا قُوَّةَ لِمَن أنْشَأها إلّا بِاللَّهِ، فَإنَّ القُوى كُلَّها مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا تُؤَثِّرُ إلّا بِإعانَتِهِ بِسَلامَةِ الأسْبابِ والآلاتِ المُفَكِّرَةِ والصّانِعَةِ، فَما في جُمْلَةِ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] مِنَ العُمُومِ جَعَلَها كالعِلَّةِ والدَّلِيلِ لِكَوْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ جُزْئِيًّا مِن جُزْئِيّاتِ مُنْشَآتِ القُوى البَشَرِيَّةِ المَوْهُوبَةِ لِلنّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ.

18:39–41Page 298

وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩

And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,

فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠

It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,

أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١

Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."

﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّيَ أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ .

جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ رَجَعَ بِها إلى مُجاوَبَةِ صاحِبِهِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤]، وعَظَهُ فِيها بِأنَّهُ لا يَدْرِي أنْ تَصِيرَ كَثْرَةُ مالِهِ إلى قِلَّةٍ، أوْ إلى اضْمِحْلالٍ، وأنْ يَصِيرَ القَلِيلُ مالُهُ ذا مالٍ كَثِيرٍ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ؛ تَخْفِيفًا، وهو كَثِيرٌ.

و(أنا) ضَمِيرُ فَصْلٍ، فَلِذَلِكَ كانَ ”أقَلَّ“ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ تَرُنَّ ولا اعْتِدادَ بِالضَّمِيرِ، و(عَسى) لِلرَّجاءِ، وهو طَلَبُ الأمْرِ القَرِيبِ الحُصُولِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ الدُّعاءَ لِنَفْسِهِ، وعَلى صاحِبِهِ.

صفحة ٣٢٥

والحُسْبانُ: مَصْدَرُ حَسَبَ كالغُفْرانِ، وهو هُنا صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَلاكًا حُسْبانًا، أيْ مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦]، وقِيلَ: الحُسْبانُ اسْمُ جَمْعٍ لِسِهامٍ قِصارٍ يُرْمى بِها في طَلْقٍ واحِدٍ، ولَيْسَ لَهُ مُفْرَدٌ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعِ حُسْبانَةٍ وهي الصّاعِقَةُ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْجَرادِ، والمَعانِي الأرْبَعَةُ صالِحَةٌ هُنا، والسَّماءُ: الجَوُّ المُرْتَفِعُ فَوْقَ الأرْضِ.

والصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وفَسَّرُوهُ هُنا بِذَلِكَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ هُنا تَوْطِئَةً لِإجْراءِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ وهي زَلَقًا.

وفِي اللِّسانِ عَنِ اللَّيْثِ يُقالُ لِلْحَدِيقَةِ، إذا خَرِبَتْ وذَهَبَ شَجْراؤُها: قَدْ صارَتْ صَعِيدًا، أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً لا شَجَرَ فِيها ا هـ.

وهَذا إذا صَحَّ أحْسَنُ هُنا، ويَكُونُ وصْفُهُ بِـ زَلَقًا مُبالَغَةً في انْعِدامِ النَّفْعِ بِهِ بِالمَرَّةِ، لَكِنِّي أظُنُّ أنَّ اللَّيْثَ ابْتَكَرَ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وهو تَفْسِيرُ مَعْنى الكَلامِ، ولَيْسَ تَبْيِينًا لِمَدْلُولِ لَفْظِ صَعِيدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

والزَّلَقُ: مَصْدَرُ زَلَقَتِ الرِّجْلُ، إذا اضْطَرَبَتْ وزَلَّتْ عَلى الأرْضِ فَلَمْ تَسْتَقِرَّ، ووَصْفُ الأرْضِ بِذَلِكَ مُبالَغَةٌ، أيْ ذاتَ زَلَقٍ، أيْ هي مُزْلَقَةٌ.

والغَوْرُ: مَصْدَرُ غارَ الماءُ، إذا ساخَ الماءُ في الأرْضِ، ووَصْفُهُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، وجاءَ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ النَّفْيِ زِيادَةً في التَّحْقِيقِ لِهَذا الرَّجاءِ الصّادِرِ مَصْدَرَ الدُّعاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском