Ibn 'AshurAl‑Kahf · 18:49–54

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:49–54

18:49Page 299

وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩

And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.

﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ جُمْلَةُ ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٤٨]، فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وقَدْ وُضِعَ الكِتابُ.

والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، أيْ وُضِعَتْ كُتُبُ أعْمالِ البَشَرِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدِ كِتابًا، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخْرى مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسراء: ١٣] الآيَةَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ”مِمّا فِيهِ“ لِمُراعاةِ إفْرادِ لِفَظِ (الكِتابِ)، وعَنِ الغَزالِيِّ: أنَّهُ قالَ: يَكُونُ كِتابٌ جامِعٌ لِجَمِيعِ ما هو مُتَفَرِّقٌ في الكُتُبِ الخاصَّةِ بِكُلِّ أحَدٍ، ولَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وتَفَرَّعَ عَلى وضْعِ الكِتابِ بَيانُ حالِ المُجْرِمِينَ عِنْدَ وضْعِهِ.

صفحة ٣٣٨

والخِطابُ بِقَوْلِهِ فْتَرى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، ولَيْسَ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَوْمَئِذٍ في مَقاماتٍ عالِيَةٍ عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ.

والإشْفاقُ: الخَوْفُ مِن أمْرٍ يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ”يَقُولُونَ“ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الفَظِيعَةِ، أوْ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وإعادَتُهُ شَأْنُ الفَزِعِينَ الخائِفِينَ.

ونِداءُ الوَيْلِ: نُدْبَةٌ لِلتَّوَجُّعِ مِنَ الوَيْلِ، وأصْلُهُ نِداءٌ اسْتُعْمِلَ مَجازًا بِتَنْزِيلِ ما لا يُنادى مَنزِلَةَ ما يُنادى؛ لِقَصْدِ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا وقَتُكِ فاحْضُرِي، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ لِمُجَرَّدِ الغَرَضِ مِنَ النِّداءِ وهو التَّوَجُّعُ ونَحْوُهُ.

والوَيْلَةُ: تَأْنِيثُ الوَيْلِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو سُوءُ الحالِ والهَلاكُ، كَما أُنِّثَتِ الدّارُ عَلى دارَةَ، لِلدَّلالَةِ عَلى سَعَةِ المَكانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾ [المائدة: ٣١] في سُورَةِ العُقُودِ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ ”ما لِهَذا الكِتابِ“ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ، فَـ (ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ، ومَعْناها: أيُّ شَيْءٍ، و”لِهَذا الكِتابِ“ صِفَةٌ لِـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِما فِيها مِنَ التَّنْكِيرِ، أيْ ما ثَبَتَ لِهَذا الكِتابِ.

واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] .

وجُمْلَةُ ”لا يُغادِرُ“ في مَوْضِعِ الحالِ، هي مَثارُ التَّعَجُّبِ، وقَدْ جَرى الِاسْتِعْمالُ بِمُلازَمَةِ الحالِ لِنَحْوِ ”ما لَكَ“، فَيَقُولُونَ: ما لَكَ لا تَفْعَلُ، وما لَكَ فاعِلًا.

والمُغادَرَةُ: التَّرْكُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] .

والصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ: وصْفانِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ فِعْلَةً أوْ هَنَةً، والمُرادُ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ هُنا الأفْعالُ العَظِيمَةُ والأفْعالُ الحَقِيرَةُ، والعِظَمُ والحَقارَةُ يَكُونانِ بِحَسَبِ الوُضُوحِ والخَفاءِ، ويَكُونانِ بِحَسَبِ القُوَّةِ والضَّعْفِ.

صفحة ٣٣٩

وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأنَّها أهَمُّ مِن حَيْثُ يَتَعَلَّقُ التَّعَجُّبُ مِن إحْصائِها، وعُطِفَتْ عَلَيْها الكَبِيرَةُ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ في الإحْصاءِ؛ لِأنَّ التَّعْمِيمَ أيْضًا مِمّا يُثِيرُ التَّعَجُّبَ، فَقَدْ عَجِبُوا مِن إحاطَةِ كاتِبِ الكِتابِ بِجَمِيعِ الأعْمالِ.

والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ أحْوالِ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، أيْ لا يُبْقِي صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً في جَمِيعِ أحْوالِهِما إلّا في حالِ إحْصائِهِ إيّاها، أيْ لا يُغادِرُهُ غَيْرَ مُحْصًى، فالِاسْتِثْناءُ هُنا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّهُ إذا أحْصاهُ فَهو لَمْ يُغادِرْهُ، فَآلَ إلى مَعْنى أنَّهُ لا يُغادِرُ شَيْئًا، وانْتَفَتْ حَقِيقَةُ الِاسْتِثْناءِ.

فَجُمْلَةُ أحْصاها في مَوْضِعِ الحالِ، والرّابِطُ بَيْنَها وبَيْنَ ذِي الحالِ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، والإحْصاءُ: العَدُّ، أيْ كانَتْ أفْعالُهم مَعْدُودَةً مُفَصَّلَةً.

وجُمْلَةُ ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَقُولُونَ“، أيْ إنَّما قالُوا ذَلِكَ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ أعْمالُهم كُلُّها عِنْدَ وضْعِ ذَلِكَ الكِتابِ عَرْضًا سَرِيعًا حَصَلَ بِهِ عِلْمُ كُلٍّ بِما في كِتابِهِ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ لِما أفْهَمَتْهُ الصِّلَةُ مِن أنَّهم لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ ما عَمِلُوا، أيْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ لَمْ يَعْمَلُوهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أحَدًا فَيُؤاخِذُهُ بِما لَمْ يَقْتَرِفْهُ، وقَدْ حَدَّدَ لَهم مِن قَبْلِ ذَلِكَ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَفْعَلُوهُ، وما أُمِرُوا بِفِعْلِهِ، وتَوَعَّدَهم ووَعَدَهم، فَلَمْ يَكُنْ في مُؤاخَذَتِهِمْ بِما عَمِلُوهُ مِنَ المَنهِيّاتِ بَعْدَ ذَلِكَ ظُلْمٌ لَهم، والمَقْصُودُ: إفادَةُ هَذا الشَّأْنِ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ لِتَكُونَ مَقْصُودَةً أصالَةً، وهي مَعَ ذَلِكَ مُفِيدَةٌ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِما فِيها مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها، ومِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها وغَيْرِهِ، فَكانَتْ مِن هَذا الوَجْهِ صالِحَةً لِلْفَصْلِ بِدُونِ عَطْفٍ لِتَكُونَ تَذْيِيلًا.

18:50Page 299

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.

صفحة ٣٤٠

﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧] بِتَقْدِيرِ: واذْكُرْ إذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ، تَفَنُّنًا لِغَرَضِ المَوْعِظَةِ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ هَذِهِ الجُمَلُ، وهو التَّذْكِيرُ بِعَواقِبِ اتِّباعِ الهَوى والإعْراضِ عَنِ الصّالِحاتِ، وبِمَداحِضِ الكِبْرِياءِ والعُجْبِ واحْتِقارِ الفَضِيلَةِ والِابْتِهاجِ بِالأعْراضِ الَّتِي لا تُكْسِبُ أصْحابَها كَمالًا نَفْسِيًّا، وكَما وُعِظُوا بِآخِرِ أيّامِ الدُّنْيا ذُكِّرُوا هُنا بِالمَوْعِظَةِ بِأوَّلِ أيّامِها وهو يَوْمُ خَلْقِ آدَمَ، وهَذا أيْضًا تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: ٥٢] الآيَةَ، فَإنَّ الإشْراكَ كانَ مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ بِبَنِي آدَمَ.

ولَها أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ الَّتِي أنْحَتْ عَلى الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِجاهِهِمْ وأمْوالِهِمْ واحْتَقَرُوا فُقَراءَ أهْلِ الإسْلامِ، ولَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الكَمالِ الحَقِّ والغُرُورِ الباطِلِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨]، فَكانَ في قِصَّةِ إبْلِيسَ نَحْوَ آدَمَ مَثَلٌ لَهم، ولِأنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ الشَّيْطانَ هو أصْلُ الضَّلالِ، وأنَّ خُسْرانَ الخاسِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ آيِلٌ إلى اتِّباعِهِمْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ وأوْلِيائِهِ، ولِهَذا فَرَّعَ عَلى الأمْرَيْنِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ .

وهَذِهِ القِصَّةُ تَكَرَّرَتْ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وهي في كُلِّ مَوْضِعٍ تَشْتَمِلُ عَلى شَيْءٍ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَيْهِ في الآخَرِ، ولَها في كُلِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فِيهِ عِبْرَةٌ تُخالِفُ عِبْرَةَ غَيْرِهِ، فَذِكْرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ مَثَلًا إعْلامٌ بِمَبادِئِ الأُمُورِ، وذِكْرُها هُنا تَنْظِيرٌ لِلْحالِ وتَوْطِئَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وقِسْ عَلى ذَلِكَ.

صفحة ٣٤١

وفَسَقَ: تَجاوَزَ عَنْ طاعَتِهِ، وأصْلُهُ قَوْلُهم: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها فاسْتُعْمِلَ مَجازًا في التَّجاوُزِ، قالَأبُو عُبَيْدَةَ، والفِسْقُ بِمَعْنى التَّجاوُزِ عَنِ الطّاعَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن أشْعارِ الجاهِلِيَّةِ، ولا أحادِيثِها، وإنَّما تَكَلَّمَ بِهِ العَرَبُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، أيْ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، ووافَقَهُ المُبَرِّدُ وابْنُ الأعْرابِيِّ، وأُطْلِقَ الفِسْقُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ عَلى العِصْيانِ العَظِيمِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] .

والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ بِمَعْنى المَأْمُورِ، أيْ تَرَكَ وابْتَعَدَ عَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.

والعُدُولُ في قَوْلِهِ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ إلى التَّعْرِيفِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ الضَّمِيرِ؛ لِتَفْظِيعِ فِسْقِ الشَّيْطانِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، بِأنَّهُ فِسْقُ عَبْدٍ عَنْ أمْرِ مَن تَجِبُ عَلَيْهِ طاعَتُهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهُ.

وفَرَّعَ عَلى التَّذْكِيرِ بِفِسْقِ الشَّيْطانِ وعَلى تَعاظُمِهِ عَلى أصْلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ إنْكارَ اتِّخاذِهِ واتِّخاذِ جُنْدِهِ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ تَكَبُّرَهُ عَلى آدَمَ يَقْتَضِي عَداوَتَهُ لِلنَّوْعِ، ولِأنَّ عِصْيانَهُ أمْرَ مالِكِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُرْجى مِنهُ خَيْرٌ، ولَيْسَ أهْلًا لِأنْ يُتَّبَعَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ، إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ، قالَ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، ولِذَلِكَ عَلَّلَ النَّهْيَ بِجُمْلَةِ الحالِ، وهي جُمْلَةُ ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ .

والذُّرِّيَّةُ: النَّسْلُ، وذُرِّيَّةُ الشَّيْطانِ الشَّياطِينُ والجِنُّ.

والعَدُوُّ: اسْمٌ يَصْدُقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] وقالَ ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] .

عُومِلَ هَذا الِاسْمُ مُعامَلَةَ المَصادِرِ؛ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ مِثْلَ القَبُولِ والوَلُوعِ، وهُما مَصْدَرانِ،، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ٣٤٢

والوَلِيُّ: مَن يَتَوَلّى، أيْ يَتَّخِذُ ذا ولايَةٍ - بِفَتْحِ الواوِ - وهي القُرْبُ، والمُرادُ بِهِ القُرْبُ المَعْنَوِيُّ، وهو الصَّداقَةُ والنَّسَبُ والحِلْفُ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ تَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ مُباعِدِينَ لِي، وذَلِكَ هو إشْراكُهم في العِبادَةِ، فَإنَّ كُلَّ حالَةٍ يَعْبُدُونَ فِيها الآلِهَةَ هي اتِّخاذٌ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ.

والخِطابُ في ”أتَتَّخِذُونَهُ“ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ ولِيًّا، وتَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ ذَمِّ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ بِاعْتِبارِ اتِّخاذِ المُشْرِكِينَ إيّاهم أوْلِياءَ، أيْ بِئْسَ البَدَلُ لِلْمُشْرِكِينَ الشَّيْطانُ وذُرِّيَّتُهُ، فَقَوْلُهُ بَدَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لِاسْمِ بِئْسَ المَحْذُوفِ لِقَصْدِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالتَّمْيِيزِ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ.

والظّالِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، وإظْهارُ الظّالِمِينَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّشْهِيرِ بِهِمْ، ولِما في الِاسْمِ الظّاهِرِ مِن مَعْنى الظُّلْمِ الَّذِي هو ذَمٌّ لَهم.

18:51Page 299

۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١

I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.

﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها، وهُما ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠] إلى قَوْلِهِ بَدَلًا، فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ في الخَلْقِ بِطَرِيقِ الأوْلى فَلَمْ يَكُونُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُعْبَدُوا، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ، فَإنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وخَلْقِ المَوْجُوداتِ.

والإشْهادُ: جَعْلُ الغَيْرِ شاهِدًا، أيْ حاضِرًا، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ إحْضارٍ خاصٍّ، وهو إحْضارُ المُشارَكَةِ في العَمَلِ أوِ الإعانَةِ عَلَيْهِ، ونَفْيُ هَذا الشُّهُودِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ

صفحة ٣٤٣

المُشارَكَةِ في الخَلْقِ والإلَهِيَّةِ بِالفَحْوى، أيْ: بِالأوْلى، فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ كانَ قَبْلَ وُجُودِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، فَهو اسْتِدْلالٌ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ بِسَبْقِ العَدَمِ عَلى وُجُودِهِمْ، وكُلُّ ما جازَ عَلَيْهِ العَدَمُ اسْتَحالَ عَلَيْهِ القِدَمُ، والقِدَمُ مِن لَوازِمَ الإلَهِيَّةِ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ”أشْهَدْتُهم“ وقَوْلِهِ ”أنْفُسِهِمْ“ عائِدَةٌ إلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، أيْ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، كَما عادَ إلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] .

ومَعْنى ”أنْفُسِهِمْ“: أنْفُسُ بَعْضِهِمْ بِقَرِينَةِ اسْتِحالَةِ مُشاهَدَةِ المَخْلُوقِ خَلْقَ نَفْسِهِ، فَإطْلاقُ الأنْفُسِ هَنا نَظِيرُ إطْلاقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وفي قَوْلِهِ ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، أيْ أنْفُسَ بَعْضِكم، فَعَلى هَذا الوَجْهِ تَتَناسَقُ الضَّمائِرُ، ويَتَقَوَّمُ المَعْنى المَقْصُودُ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ لَهُما سُكّانَهُما كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فصلت: ١٢]، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ في الأرْضِ جِنًّا مُتَصَرِّفِينَ فَكانُوا إذا نَزَلُوا وادِيًا مَخُوفًا قالُوا: أعُوذُ بِعَزِيزِ هَذا الوادِي، لِيَكُونُوا في أمْنٍ مِن ضُرِّهِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (ما أشْهَدْناهم) بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ (وما كُنْتَ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى الخِطابِ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ.

والمُرادُ بِالمُضِلِّينَ الشَّياطِينُ؛ لِأنَّهم أضَلُّوا النّاسَ بِإلْقاءِ خَواطِرِ الضَّلالَةِ والفَسادِ في النُّفُوسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .

وجُمْلَةُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

صفحة ٣٤٤

والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ: وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم إلى المُضِلِّينَ لِإفادَةِ الذَّمِّ، ولِأنَّ التَّذْيِيلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا.

والعَضُدُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ في الأفْصَحِ، وبِالفَتْحِ وسُكُونِ الضّادِ في لُغَةِ تَمِيمٍ، وفِيهِ لُغاتٌ أُخْرى أضْعَفُ، ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأهُ بِضَمِّ العَيْنِ وضَمِّ الضّادِ عَلى أنَّها لُغَةٌ في عَضُدٍ، وهي رِوايَةُ هارُونَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ولَيْسَتْ مَشْهُورَةً، وهو: العَظْمُ الَّذِي بَيْنَ المِرْفَقِ والكَتِفِ، وهو يُطْلَقُ مَجازًا عَلى المُعِينِ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: فُلانٌ عَضُدِي، واعْتَضَدْتُ بِهِ.

والمَعْنى: لا يَلِيقُ بِالكَمالِ الإلَهِيِّ أنْ أتَّخِذَ أهْلَ الإضْلالِ أعْوانًا فَأُشْرِكَهم في تَصَرُّفِي في الإنْشاءِ، فَإنَّ اللَّهَ مُفِيضٌ الهِدايَةَ وواهِبٌ الدِّرايَةَ، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْوانُهُ مَصادِرَ الضَّلالَةِ ؟ أيْ لا يُعِينُ المُعِينَ إلّا عَلى عَمَلِ أمْثالِهِ، ولا يَكُونُ إلّا قَرِينًا لِأشْكالِهِ.

18:52Page 299

وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢

And [warn of] the Day when He will say, "Call My 'partners' whom you claimed," and they will invoke them, but they will not respond to them. And We will put between them [a valley of] destruction.

﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ عُطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الكهف: ٥٠] فَيُقَدَّرُ: واذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٥١]، فالتَّقْدِيرُ: ولا أشْهَدْتُ شُرَكاءَهم جَمِيعًا ولا تَنْفَعُهم شُرَكاؤُهم يَوْمَ الحَشْرِ، فَهو انْتِقالٌ مِن إبْطالِ مَعْبُودِيَّةِ الشَّيْطانِ والجِنِّ إلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ جَمِيعِ الآلِهَةِ الَّتِي عَبَدَها دَهْماءُ المُشْرِكِينَ مَعَ بَيانِ ما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ الخَيْبَةِ واليَأْسِ يَوْمَئِذٍ، وقَدْ سَلَكَ في إبْطالِ إلَهِيَّتِها طَرِيقَ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وهو الِاسْتِدْلالُ عَلى انْتِفاءِ الماهِيَّةِ بِانْتِفاءِ لَوازِمِها، فَإنَّهُ إذا انْتَفى نَفْعُها لِلَّذِينَ يَعْبُدُونَها اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ انْتِفاءَ إلَهِيَّتِها، وحَصَلَ بِذَلِكَ تَشْخِيصُ خَيْبَتِهِمْ ويَأْسِهِمْ مِنَ النَّجاةِ.

صفحة ٣٤٥

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ”يَقُولُ“ بِياءِ الغَيْبَةِ، وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ (نَقُولُ) بِنُونِ العَظَمَةِ.

واليَوْمُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ يَوْمُ الحَشْرِ، والمَعْنى: يَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾، أيْ: زَعَمْتُمُوهم شُرَكائِي، وقَدَّمَ وصْفَهم بِوَصْفِ الشُّرَكاءِ قَبْلَ فِعْلِ الزَّعْمِ؛ تَهَكُّمًا بِالمُخاطَبِينَ، وتَوْبِيخًا لَهم، ثُمَّ أرْدَفَ بِما يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِمْ فِيما ادَّعَوْا بِفِعْلِ الزَّعْمِ الدّالِّ عَلى اعْتِقادٍ باطِلٍ.

والنِّداءُ: طَلَبُ الإقْبالِ لِلنُّصْرَةِ والشَّفاعَةِ.

والِاسْتِجابَةُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى سَماعِ النِّداءِ، والأخْذِ في الإقْبالِ عَلى المُنادِي بِنَحْوِ قَوْلِ: لَبَّيْكم.

وأمْرُهُ إيّاهم بِمُناداةِ شُرَكائِهِمْ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ مَعَ إرادَةٍ لازِمِهِ وهو إظْهارُ باطِلِهِمْ بِقَرِينَةِ الزَّعْمِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسَعْهم إلّا أنْ يُنادُوهم حَيْثُ قالَ فَدَعَوْهم لِطَمَعِهِمْ، فَإذا نادَوْهم تَبَيَّنَ لَهم خَيْبَةُ طَمَعِهِمْ، ولِذَلِكَ عَطَفَ فِعْلَ الدُّعاءِ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ، وأتى بِهِ في صِيغَةِ المُضِيِّ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْجِيلِ وُقُوعِهِ حِينَئِذٍ حَتّى كَأنَّهُ قَدِ انْقَضى.

والمَوْبِقُ: مَكانُ الوُبُوقِ، أيِ الهَلاكِ، يُقالُ: وبَقَ، مِثْلُ وعَدَ ووَجِلَ ووَرِثَ، والمَوْبِقُ هُنا أُرِيدَ بِهِ جَهَنَّمُ، أيْ حِينَ دَعَوْا أصْنامَهم بِأسْمائِهِمْ كَوَّنَ اللَّهُ فِيما بَيْنَ مَكانِهِمْ ومَكانِ أصْنامِهِمْ فُوَّهاتِ جَهَنَّمَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ جُمْلَةَ حالٍ، أيْ وقَدْ جَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ [الكهف: ٥٣] .

18:53Page 299

وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣

And the criminals will see the Fire and will be certain that they are to fall therein. And they will not find from it a way elsewhere.

﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، أيْ جَعَلْنا المَوْبِقَ ورَآهُ المُجْرِمُونَ، فَذِكْرُ المُجْرِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُفِيدُهُ المُجْرِمُونَ مِن تَلَبُّسِهِمْ

صفحة ٣٤٦

بِما اسْتَحَقُّوا بِهِ عَذابَ النّارِ، وكَذَلِكَ بِـ (النّارِ) في مَقامِ الإضْمارِ لِلْمَوْبِقِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْبِقَ هو النّارُ فَهو شَبِيهٌ بِعَطْفِ البَيانِ.

والظَّنُّ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في مَعْنى التَّحَقُّقِ، وهو مِنِ اسْتِعْمالاتِهِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ هُنا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، بِأنَّهم رَجَّحُوا أنَّ تِلْكَ النّارَ أُعِدَّتْ لِأجْلِهِمْ في حِينِ أنَّهم مُوقِنُونَ بِذَلِكَ.

والمُواقَعَةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الوُقُوعِ، وهو الحُصُولُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، أيْ واقِعُونَ فِيها وُقُوعَ الشَّيْءِ الحاصِلِ في مَوْقِعٍ يَتَطَلَّبُهُ، فَكَأنَّهُ يَقَعُ هو فِيهِ.

والمَصْرِفُ: مَكانُ الصَّرْفِ، أيِ التَّخَلُّصِ والمُجاوَزَةِ، وفي الكَلامِ إيجازٌ، تَقْدِيرُهُ: وحاوَلُوا الِانْقِلابَ أوِ الِانْصِرافَ، فَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا، أيْ مَخْلَصًا.

18:54Page 300

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤

And We have certainly diversified in this Qur’ān for the people from every [kind of] example; but man has ever been, most of anything, [prone to] dispute.

﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ عُطِفَ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ الَّتِي ضُرِبَتْ فِيها أمْثالٌ مِن قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥]، ولَمّا كانَ في ذَلِكَ لَهم مَقْنَعٌ، وما لَهم مِنهُ مَدْفَعٌ عادَ إلى التَّنْوِيهِ بِهَدْيِ القُرْآنِ عَوْدًا ناظِرًا إلى قَوْلِهِ ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، فَأشارَ لَهم أنَّ هَذِهِ الأمْثالَ الَّتِي قَرَعَتْ أسْماعَهم هي مِن جُمْلَةِ هَدْيِ القُرْآنِ الَّذِي تَبَرَّمُوا مِنهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] في سُورَةِ الإسْراءِ، سِوى أنَّهُ يُتَّجَهُ هُنا أنْ يُسْألَ: لِمَ قَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ أحَدَ مُتَعَلِّقِي فِعْلِ التَّصْرِيفِ عَلى الآخَرِ ؟ إذْ قَدَّمَ هُنا قَوْلَهُ ”في هَذا القُرْآنِ“ عَلى قَوْلِهِ ”لِلنّاسِ“ عَكْسَ آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ عِنْدَ الآيَةِ السّابِقَةِ مِن أنَّ ذِكْرَ القُرْآنِ أهَمُّ

صفحة ٣٤٧

مِن ذِكْرِ النّاسِ بِالأصالَةِ، ولا مُقْتَضى لِلْعُدُولِ عَنْهُ هُنا بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ؛ لِأنَّ الكَلامَ جارٍ في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ، وأنَّهُ يَنْزِلُ بِالحَقِّ لا بِهَوى الأنْفُسِ.

والنّاسُ: اسْمٌ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَبْلُغُهُ القُرْآنُ في سائِرِ العُصُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، والمَقْصُودُ عَلى الخُصُوصِ المُشْرِكُونَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، فَوِزانُهُ وِزانُ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، وسَيَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]، وهَذا يُشْبِهُ العامَّ الوارِدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ وقَرائِنَ خاصَّةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ تَذْيِيلٌ، وهو مُؤْذِنٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ عَلى وجْهِ الإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: فَجادَلُوا فِيهِ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ جَدَلًا، فَإنَّ الإنْسانَ اسْمٌ لِنَوْعِ بَنِي آدَمَ، وحَرْفُ (ألْ) فِيهِ لِتَعْرِيفِ الحَقِيقَةِ فَهو أوْسَعُ عُمُومًا مِن لَفْظِ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم جادَلُوا، والجِدالُ: خُلُقٌ؛ مِنهُ ذَمِيمٌ يَصُدُّ عَنْهُ تَأْدِيبُ الإسْلامِ، ويَبْقى في خُلُقِ المُشْرِكِينَ، ومِنهُ مَحْمُودٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٤]، فَأشارَ بِالثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ إلى أنَّ جِدالَهُ مَحْمُودٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالإنْسانِ الإنْسانَ الكافِرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] ولا المُرادُ بِالجَدَلِ الجَدَلَ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ هَذا سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] الآيَةَ، فَقَوْلُهُ هُنا ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] .

و(شَيْءٌ) اسْمٌ مُفْرَدٌ مُتَوَغِّلٌ في العُمُومِ، ولِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَةُ اسْمِ التَّفْضِيلِ إلَيْهِ، أيْ أكْثَرُ الأشْياءِ، واسْمُ التَّفْضِيلِ هُنا مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، وإنَّما أُتِيَ بِصِيغَتِهِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في شِدَّةِ جَدَلِ الإنْسانِ وجُنُوحِهِ إلى المُماراةِ والنِّزاعِ حَتّى فِيما تَرْكُ الجِدالِ في شَأْنِهِ أحْسَنُ، بِحَيْثُ إنَّ شِدَّةَ الوَصْفِ فِيهِ تُشْبِهُ تَفَوُّقَهُ في الوَصْفِ عَلى كُلِّ مَن يَعْرِضُ أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِهِ.

صفحة ٣٤٨

وإنَّما أُلْجِئْنا إلى هَذا التَّأْوِيلِ في اسْمِ التَّفْضِيلِ لِظُهُورِ أنَّ غَيْرَ الإنْسانِ مِن أنْواعِ ما عَلى الأرْضِ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ الجَدَلُ، فالجَدَلُ خاصٌّ بِالإنْسانِ؛ لِأنَّهُ مِن شُعَبِ النُّطْقُ الَّذِي هو فَصْلُ حَقِيقَةِ الإنْسانِيَّةِ، أمّا المَلائِكَةُ فَجَدَلُهم مَحْمُودٌ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وأمّا الشَّياطِينُ فَهم أكْثَرُ جَدَلًا مِنَ الإنْسانِ، ولَكِنْ لَمّا نَبا المَقامُ عَنْ إرادَتِهِمْ كانُوا غَيْرَ مُرادِينَ بِالتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمْ في الجَدَلِ.

و”جَدَلًا“ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الأكْثَرِيَّةِ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى: وكانَ الإنْسانُ كَثِيرًا مِن جِهَةِ الجَدَلِ، أيْ كَثِيرًا جَدَلُهُ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا، قالَ: فانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخِذَهُ ويَقُولُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا»﴾، يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ الأوْلى بِعَلِيٍّ أنْ يَحْمَدَ إيقاظَ رَسُولِ اللَّهِ إيّاهُ لِيَقُومَ مِنَ اللَّيْلِ، وأنْ يَحْرِصَ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ، وأنْ يُسَرَّ بِما في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ مِن مَلامٍ، ولا يَسْتَدِلُّ بِما يُحَبِّذُ اسْتِمْرارَ نَوْمِهِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ تَعَجُّبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَوابِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ولا يَحْسُنُ أنْ يُحْمَلَ التَّفْضِيلُ في الآيَةِ عَلى بابِهِ بِأنْ يُرادَ أنَّ الإنْسانَ أكْثَرُ جَدَلًا مِنَ الشَّياطِينِ والجِنِّ مِمّا يَجُوزُ عَلى حَقِيقَتِهِ الجَدَلُ؛ لِأنَّهُ مَحْمَلٌ لا يُرادُ مِثْلُهُ في مِثْلِ هَذا، ومَن أنْبَأنا أنَّ لِلشَّياطِينِ والجِنِّ مَقْدِرَةً عَلى الجَدَلِ ؟

والجَدَلُ: المُنازَعَةُ بِمُعاوَضَةِ القَوْلِ، أيْ هو الكَلامُ الَّذِي يُحاوِلُ بِهِ إبْطالَ ما في كَلامِ المُخاطَبِ مِن رَأْيٍ أوْ عَزْمٍ عَلَيْهِ: بِالحُجَّةِ أوْ بِالإقْناعِ أوْ بِالباطِلِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقالَ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]، وقالَ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، وقالَ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧]، وقالَ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] .

صفحة ٣٤٩

والمُرادُ هَنا مُطْلَقُ الجَدَلِ، وبِخاصَّةٍ ما كانَ مِنهُ بِباطِلٍ، أيْ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ في طَبْعِهِ الحِرْصُ عَلى إقْناعِ المُخالِفِ بِأحَقِّيَّةِ مُعْتَقَدِهِ أوْ عَمَلِهِ، وسِياقُ الكَلامِ يَقْتَضِي إرادَةَ الجَدَلِ الباطِلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском