Ibn 'AshurMaryam · 19:54–64

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:54–64

19:54–55Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤

And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.

وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥

And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيئًا﴾ ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ .

خَصَّ إسْماعِيلَ بِالذِّكْرِ هُنا تَنْبِيهًا عَلى جَدارَتِهِ بِالِاسْتِقْلالِ بِالذِّكْرِ عَقِبَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْحاقَ، لِأنَّ إسْماعِيلَ هو الِابْنُ البِكْرُ لِإبْراهِيمَ وشَرِيكُهُ في بِناءِ الكَعْبَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إسْماعِيلَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وخَصَّهُ بِوَصْفِ صِدْقِ الوَعْدِ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ بِهِ وتَرَكَهُ خُلُقًا في ذُرِّيَتِهِ.

وأعْظَمُ وعْدٍ صَدَقَهُ وعْدُهُ إيّاهُ إبْراهِيمَ بِأنْ يَجِدَهُ صابِرًا عَلىِ الذَّبْحِ فَقالَ (﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]) .

وجَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيئًا ورَسُولًا إلى قَوْمِهِ. وهم يَوْمَئِذٍ لا يَعُدُّونَ أهْلَهُ أُمَّهُ وبَنِيهِ وأصْهارَهُ مِن جُرْهُمَ. فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى

صفحة ١٣٠

(﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾) ثُمَّ إنَّ أُمَّةَ العَرَبِ نَشَأتْ مِن ذُرِّيَتِهِ فَهم أهْلُهُ أيْضًا، وقَدْ كانَ مِن شَرِيعَتِهِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ وشُئُونُ الحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أبِيهِ إبْراهِيمَ.

ورِضى اللَّهُ عَنْهُ: إنْعامُهُ عَلَيْهِ نِعَمًا كَثِيرَةً، إذْ بارَكَهُ وأنْمى نَسْلَهُ وجَعَلَ أشْرَفَ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَتِهِ، وجَعَلَ الشَّرِيعَةَ العُظْمى عَلى لِسانِ رَسُولٍ مِن ذُرِّيَتِهِ.

وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَةِ (نَبِيئًا) بِالهَمْزِ أوْ بِالياءِ المُشَدَّدَةِ.

وتَقَدَمَ تَوْجِيهُ الجَمْعِ بَيْنَ وصْفِ رَسُولٍ ونَبِيءٍ عِنْدَ ذِكْرِ مُوسى [ آنِفًا.

19:56–57Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦

And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧

And We raised him to a high station.

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾

إدْرِيسُ: اسْمٌ جُعِلَ عَلَمًا عَلى جَدِّ أبِي نُوحٍ، وهو المُسَمّى في التَّوْراةِ أخْنُوخَ. فَنُوحٌ هو ابْنُ لامِكَ بْنِ مَتُّوشالِحَ بْنِ أخْنُوخَ، فَلَعَلَّ اسْمَهُ عِنْدَ نَسّابِيِ العَرَبِ إدْرِيسَ، أوْ أنَّ القُرْآنَ سَمّاهُ بِذَلِكَ اسْمًا مُشْتَقًّا مِنَ الدَّرْسِ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا. واسْمُهُ هَرْمَسُ عِنْدَ اليُونانِ، ويُزْعَمُ أنَّهُ كَذَلِكَ يُسَمّى عِنْدَ المِصْرِيِّينَ القُدَماءِ، والصَّحِيحُ أنَّ اسْمَهُ عِنْدَ المِصْرِيِّينَ تُوتٌ أوْ تُحُوتِي أوْ تُهُوتِي لَهَجاتٌ في النُّطْقِ بِاسْمِهِ.

وذَكَرَ ابْنُ العِبْرِيِّ في تارِيخِهِ أنَّ إدْرِيسَ كانَ يُلَقَّبُ عِنْدَ قُدَماءِ اليُونانِ طُرَيْسَمَجِيسَطِيسَ. ومَعْناهُ بِلِسانِهِمُ ثُلاثِيُّ التَّعْلِيمِ، لِأنَّهُ كانَ يَصِفُ اللَّهَ بِثَلاثِ صِفاتٍ ذاتِيَّةٍ وهي الوُجُودُ والحِكْمَةُ والحَياةُ اهـ.

صفحة ١٣١

ولا يَخْفى قُرْبُ الحُرُوفِ الأُولى في هَذا الِاسْمِ مِن حُرُوفِ إدْرِيسَ، لَعَلَّ العَرَبَ اخْتَصَرُوا الِاسْمَ لِطُولِهِ فاقْتَصَرُوا عَلى أوَّلِهِ مَعَ تَغْيِيرٍ.

وكانَ إدْرِيسُ نَبِيئًا، فَفي الإصْحاحِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وسارَ أخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ.

قِيلَ: هو أوَّلُ مَن وضَعَ لِلْبَشَرِ عِمارَةَ المُدُنِ، وقَواعِدَ العِلْمِ، وقَواعِدَ التَّرْبِيَةِ، وأوَّلُ مَن وضَعَ الخَطَّ، وعِلْمَ الحِسابِ بِالنُّجُومِ وقَواعِدَ سَيْرِ الكَواكِبِ، وتَرْكِيبَ البَسائِطِ بِالنّارِ فَلِذَلِكَ كانَ عِلْمُ الكِيِمْياءِ يُنْسَبُ إلَيْهِ، وأوَّلُ مَن عَلَّمَ النّاسَ الخِياطَةَ. فَكانَ هو مَبْدَأ مَن وضَعَ العُلُومَ، والحَضارَةَ، والنُّظُمَ العَقْلِيَّةَ. فَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ في القُرْآنِ بِإدْرِيسَ أنَّهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمٌ مِنَ الفَرَسِ وزْنٌ مُناسِبٌ لِلْأعْلامِ العَجَمِيَّةِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ مَعَ كَوْنِ حُرُوفِهِ مِن مادَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، كَما مُنِعَ إبْلِيسُ مِنَ الصَّرْفِ، وكَما مُنِعَ طالُوتُ مِنَ الصَّرْفِ.

وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ (نَبِيئًا) عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ.

وقَوْلُهُ (﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾) الجَماعَةُ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو رَفْعٌ مَجازِيٌّ. والمُرادُ: رَفَعُ المَنزِلَةِ، لِما أُوتِيَهُ مِنَ العِلْمِ الَّذِي فاقَ بِهِ عَلى مَن سَلَفَهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقالَ بِهِ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ. وقالَ جَماعَةٌ: هو رَفْعٌ حَقِيقِيٌّ إلىِ السَّماءِ. وفي الإصْحاحِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وسارَ أخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ ولَمْ يُوجَدْ لِأنَّ اللَّهَ أخَذَهُ وعَلى هَذا فَرَفْعُهُ مِثْلُ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ نَزْعِ رُوحِهِ ورَوْحَنَةِ جُثَّتِهِ.

ومِمّا يُذْكَرُ عَنْهُ أنَّهُ بَقِيَ ثَلاثَ عَشَرَةَ سَنَةً لا يَنامُ ولا يَأْكُلُ حَتّى تَرَوْحَنَ، فَرُفِعَ، وأمّا حَدِيثُ الإسْراءِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذا القَوْلِ لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أنْبِياءَ غَيْرَهُ وُجِدُوا في السَّماواتِ. ووَقَعَ في حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ الإسْراءِ بِالنَّبِيءِ

صفحة ١٣٢

- صَلّىِ اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى السَّماواتِ «أنَّهُ وجَدَ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السَّماءِ وأنَّهُ لَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قالَ: مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ والنَّبِيءِ الصّالِحِ»؛ فَأُخِذَ مِنهُ أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلادَةٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ والِابْنِ الصّالِحِ، ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ قالَ ذَلِكَ اعْتِبارًا بِأُخُوَّةِ التَّوْحِيدِ فَرَجَّحَها عَلى صِلَةِ النَّسَبِ فَكانَ ذَلِكَ مِن حِكْمَتِهِ؛ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَهْوًا مِنَ الرّاوِي فَإنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ لَمْ تَثْبُتْ في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقَدْ جَزَمَ البُخارِيُّ في أحادِيثِ الأنْبِياءِ بِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ أوْ جَدُّ أبِيهِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ في قَوْلِهِ مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ ما يُنافِي أنْ يَكُونَ أبًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .

19:58Page 309

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨

Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ مِنَ النَّبِيئِينَ مِن ذُرِّيَةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمُ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيّا﴾ .

الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيُّ، واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلىِ المَذْكُورِينَ مِن قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) إلى هُنا. والإتْيانُ بِهِ دُونَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ جَدِيرُونَ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ مَعَ المُشارِ إلَيْهِمُ مِنَ الأوْصافِ، أيْ كانُوا أحْرِياءَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ وكَوْنُهُمُ في عِدادِ المَهْدِيِّينَ المُجْتَبَيْنَ وخَلِيقِينَ بِمَحَبَّتِهِمُ لِلَّهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِمْ إيّاهُ.

صفحة ١٣٣

والمَذْكُورُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ (أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ) وقَوْلِهِ (﴿ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾)، فَإنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ جَزاءٍ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِنَ الأعْمالِ، ومَن أُعْطَوْهُ مِن مَزايا النُّبُوءَةِ والصِّدِيقِيَّةِ ونَحْوِهِما. وتِلْكَ وإنْ كانَتْ نِعَمًا وهِدايَةً واجْتِباءً فَقَدْ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِإسْنادِ تِلْكَ العَطايا إلىِ اللَّهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَها، فَكانَ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ هو الجَزاءُ عَلَيْها إذْ لا أزْيَدُ مِنَ المُجازى عَلَيْهِ إلّا تَشْرِيفُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ النَّبِيِينَ بِياءَيْنِ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ.

وجُمْلَةُ (﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ دالَّةٌ عَلى شُكْرِهِمُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ وتَقْرِيبِهِ إيّاهُمُ بِالخُضُوعِ لَهُ بِالسُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِهِ وبِالبُكاءِ. والمُرادُ بِهِ البُكاءُ النّاشِئُ عَنِ انْفِعالِ النَّفْسِ انْفِعالًا مُخْتَلِطًا مِنَ التَّعْظِيمِ والَخَوْفِ.

وسُجَّدًا جَمْعُ ساجِدٍ، وبُكِيًّا جَمْعُ باكٍ. والأوَّلُ بِوَزْنِ فُعَّلَ مِثْلُ عُذَّلٍ، والثّانِي وزَنُهُ فُعُولٌ جَمْعُ فاعِلٍ؛ مِثْلُ قَوْمٍ قُعُودٍ، وهو يَأْتِي لِأنَّ فِعْلَهُ بَكى يَبْكِي، فَأصْلُهُ: بُكُويٌّ، فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَ إحْداهُما بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ وحُرِّكَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ بِحَرَكَةٍ مُناسِبَةٍ لِلْياءِ. وهَذا الوَزْنُ سَماعِيُّ في جَمْعِ فاعِلٍ ومِثْلِهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِن مَواضِعِ سُجُودِ القُرْآنِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ - صَلّىِ اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - اقْتِداءً بِأُولَئِكَ الأنْبِياءِ في السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، فَهم سَجَدُوا كَثِيرًا عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ، ونَحْنُ نَسْجُدُ

صفحة ١٣٤

اقْتِداءً بِهِمْ عِنْدَ تِلاوَةِ الآياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْنا. وأثْنَتْ عَلى سُجُودِهِمْ قَصْدًا لِلتَّشَبُّهِ بِهِمْ بِقَدْرِ الطّاقَةِ حِينَ نَحْنُ مُتَلَبِّسُونَ بِذِكْرِ صَنِيعِهِمْ. وقَدْ سَجَدَ النَّبِيءُ - صَلّىِ اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ وسَنَّ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ.

19:59–63Page 309

۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩

But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠

Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.

جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١

[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢

They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.

تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣

That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوُا الصَّلاةَ واتَّبَعُوُا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ . ﴿جَناَتِ عَدَنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾

فرَّعَ عَلىِ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ اعْتِبارٌ وتَنْدِيدٌ بِطائِفَةٍ مِن ذُرِّياتِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا بِصالِحِ أسْلافِهِمْ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِـ الخَلْفِ.

والخَلْفُ بِسِكُونِ اللّامِ عَقِبُ السُّوءِ، وبِفَتْحِ اللّامِ عَقِبُ الخَيْرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو هُنا يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ لِأنَّها راجِعَةٌ في النَّسَبِ إلى إدْرِيسَ جَدِّ نُوحٍ إذْ هم مِن ذُرِّيَةِ نُوحٍ ومَن يَرْجِعُ أيْضًا إلى إبْراهِيمَ فَمِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ وهُمُ العَرَبُ. ومِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ يَعْقُوبَ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.

صفحة ١٣٥

ولَفْظُ مِن بَعْدِهِمْ يَشْمَلُ طَبَقاتٍ وقُرُونًا كَثِيرَةً، لَيْسَ قَيْدًا لِأنَّ الخَلَفَ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ أصْلِهِ وإنَّما ذُكِرَ لِاسْتِحْضارِ ذَهابِ الصّالِحِينَ.

والإضاعَةُ: مَجازٌ في التَّفْرِيطِ بِتَشْبِيهِهِ بِإهْمالِ العَرَضِ النَّفِيسِ، فَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُخالِفُوا ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِمّا هو فَسادٌ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]) في الكَهْفِ.

والصَّلاةُ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ.

وهَذانِ وصْفانِ جامِعانِ لِأصْنافِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، فالشِّرْكُ إضاعَةٌ لِلصَّلاةِ لِأنَّهُ انْصِرافٌ عَنِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى، فالمُشْرِكُونَ أضاعُوُا الصَّلاةَ تَمامًا، قالَ تَعالى (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣])، والشِّرْكُ: اتِّباعٌ لِلشَّهَواتِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا عِبادَةَ الأصْنامِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وغَيْرُ المُشْرِكِينَ كاليَهُودِ والنَّصارى فَرَّطُوا في صَلَواتٍ واتَّبَعُوا شَهَواتٍ ابْتَدَعُوها، ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْمُ الغَيِّ.

والغَيُّ: الضَّلالُ، ويُطْلَقُ عَلىِ الشَّرِّ، كَما أُطْلِقَ ضِدُّهُ وهو الرُّشْدُ عَلىِ الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]) وقَوْلِهِ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]) . فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ جَزاءَ غَيِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) في جَزاءِ الآثامِ. وتَقَدَّمَ الغَيُّ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢])، وقَوْلِهِ (﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]) كِلاهُما في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ في ضِدِّهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) .

صفحة ١٣٦

وحَرْفُ (سَوْفَ) دالُّ عَلى أنَّ لِقاءَهُمُ الغَيَّ مُتَكَرِّرٌ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ مُبالَغَةً في وعِيدِهِمْ وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الإصْرارِ عَلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) جِيءَ في جانِبِهِمْ بِاسْمِ الإشارَةِ إشادَةً بِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم لِلتَّرْغِيبِ في تَوْبَتِهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلىِ الحالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يُمْطَلُونَ في الجَزاءِ. والجَنَّةُ: عَلَمٌ لِدارِ الثَّوابِ والنَّعِيمِ. وفِيها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي إنَّها لَجِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والظُّلْمُ: هُنا بِمَعْنىِ النَّقْصِ والإجْحافِ والمَطْلِ، كَقَوْلِهِ (﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]) في سُورَةِ الكَهْفِ.

وشَيْءٌ: اسْمٌ بِمَعْنى ذاتٍ أوْ مَوْجُودٍ ولَيْسَ المُرادُ مَصْدَرُ الظُّلْمِ. وذِكْرُ (شَيْئًا) في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ النَّقْصِ والإجْحافِ والإبْطاءِ، فَيُعَلَمُ انْتِفاءُ النَّقْصِ القَوِيِّ بِالفَحْوى دَفَعًا لِما عَسى أنْ يُخالِجَ نُفُوسَهم مِنَ الِانْكِسارِ بَعْدَ الإيمانِ بِظَنِّ أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ يَحُطُّ مِن حُسْنِ مَصِيرِهِمْ.

وجَنّاتِ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ. جِيءَ بِصِيغَةِ جَمْعِ جَنّاتٍ مَعَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ مُفْرَدٌ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو بَدَلٌ مُطابِقٌ ولَيْسَ بَدَلَ اشْتِمالٍ.

وعَدْنٌ: الخُلْدُ والإقامَةُ، أيْ جَنّاتِ خُلْدٍ ووَصْفُها بِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾) زِيادَةُ تَشْرِيفِها وتَحْسِينِها، وفي ذَلِكَ إدْماجٌ لِتَبْشِيرِ المُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنَ في أثْناءِ وعْدِ المَدْعُوِّينَ إلىِ الإيمانِ.

والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، فَكُلُّ ما غابَ عَنِ المُشاهَدَةِ فَهو غَيْبٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]) في أوَّلِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٣٧

والباءُ في بِالغَيْبِ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ وعَدَها إيّاهم في الأزْمِنَةِ الغائِبَةِ عَنْهم، أيْ في الأزَلِ إذْ خَلَقَها لَهم، قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وإنْ كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهم في الدُّنْيا فَإنَّها مُهَيِّئَةٌ لَهم.

وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾) في يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وعَدًا مِنَ اللَّهِ واقِعًا. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْبِشارَةِ.

والوَعْدُ: هُنا مَصْدَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المَفْعُولِ. وهو مِن بابِ كَسا، فاللَّهُ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ جَنّاتِ عَدْنٍ، فالجَنّاتُ لَهم مَوْعُودَةٌ مِن رَبِّهِمْ.

والمَأْتِيُّ: الَّذِي يَأْتِيهِ غَيْرُهُ، وقَدِ اسْتُعِيرُ الإتْيانُ لِحُصُولِ المَطْلُوبِ المُتَرَقَّبِ، تَشْبِيهًا لِمَن يُحَصِّلُ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ سَعى لِتَحْصِيلِهِ بِمَن مَشى إلى مَكانٍ حَتّى أتاهُ، وتَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُحَصَّلِ بِالمَكانِ المَقْصُودِ. فَفي قَوْلِهِ (مَأْتِيًّا) تَمْثِيلِيَّةٌ اقْتُصِرَ مِن أجْزائِها عَلى إحْدى الهَيْئَتَيْنِ، وهي تَسْتَلْزِمُ الهَيْئَةَ الأُخْرى لِأنَّ المَأْتِيَّ لا بُدَّ لَهُ مَن آتٍ.

وجُمْلَةُ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾) حالٌ مِن عِبادِهِ. واللَّغْوُ: فُضُولُ الكَلامِ وما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وإنْفاؤُهُ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أقَلِّ المُكَدِّراتِ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى (﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١])، وكِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ مُجازاةِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ بِضِدِّ ما كانُوا يُلاقُونَهُ في الدُّنْيا مِن أذى المُشْرِكِينَ ولَغْوِهِمْ.

وقَوْلُهُ: إلّا سَلامًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وهو مَجازٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

صفحة ١٣٨

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

أيْ لَكِنْ تَسْمَعُونَ سَلامًا، قالَ تَعالى (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) وقالَ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦]) .

والرِّزْقُ: الطَّعامُ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ ذَلِكَ ودَوامِهِ، فَيُفِيدُ التَّكَرُّرَ المُسْتَمِرَ وهو أخَصُّ مِنَ التَّكَرُّرِ المُفادِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ وأكْثَرَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، وإضافَةُ رِزْقُ إلى ضَمِيرِ هم لِزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ.

والبُكْرَةُ: النِّصْفُ الأوَّلُ مِنَ النّارِ، والعَشِيُّ: النِّصْفُ الأخِيرُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِغْراقِ الزَّمَنِ، أيْ لَهم رِزْقُهم غَيْرُ مَحْصُورٍ ولا مُقَدَّرٍ بَلْ كُلَّما شاءُوا فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّيْلَ.

وجُمْلَةُ تِلْكَ الجَنَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها وأُجْرِيتَ عَلَيْها الصِّفَةُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ تَنْوِيهًا بِالمُتَّقِينَ وأنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .

ونُورِثُ نَجْعَلُ وارِثًا، أيْ نُعْطِي الإرْثَ. وحَقِيقَةُ الإرْثِ: انْتِقالُ مالِ القَرِيبِ إلى قَرِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِمالِهِ فَهو انْتِقالٌ مُقَيَّدٌ بِحالَةٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْعَطِيَّةِ المُدَّخَرَةِ لِمُعْطاها، تَشْبِيهًا بِمالِ الِمَوْرُوثِ الَّذِي يَصِيرُ إلى وارِثِهِ آخِرَ الأمْرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ نُورِثُ بِسُكُونِ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: نُوَرِّثُ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن ورَّثَهُ المُضاعَفِ.

19:64Page 309

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤

[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -

صفحة ١٣٩

﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا غَرِيبٌ. فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها ) «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبْطَأ أيّامًا عَنِ النُّزُولِ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأنَّ النَّبِيءَ ودَّ أنْ تَكُونَ زِيارَةُ جِبْرِيلَ لَهُ أكْثَرَ مِمّا هو يَزُورُهُ فَقالَ لِجِبْرِيلَ: ألا تَزُورُنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا، فَنَزَلَتْ (﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾) إلى آخَرِ الآيَةِ، أيْ إلى قَوْلِهِ نَسِيًّا»، رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وظاهِرُهُ أنَّهُ رِوايَةٌ وهو أصَحُّ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها وألْيَقُهُ بِمَوْقِعِها هُنا. ولا يُلْتَفَتُ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ في سَبَبِ نُزُولِها.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَقُولَ هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْهُ، فالنَّظْمُ نَظْمُ القُرْآنِ بِتَقْدِيرِ: وقُلْ ما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ، أيْ قُلْ يا جِبْرِيلُ، فَكانَ هَذا خِطابًا لِجِبْرِيلَ لِيُبَلِّغُهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ قُرْآنًا. فالواوُ عاطِفَةُ فِعْلِ القَوْلِ المَحْذُوفِ عَلى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ مَعَ اخْتِلافِ المُخاطَبِ، وأمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقْرَأها هُنا، ولِأنَّها نَزَلَتْ لِتَكُونَ مِنَ القُرْآنِ.

ولا شَكَّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ ذَلِكَ لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ انْتِهاءِ قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَأُثْبِتَتِ الآيَةُ في المَوْضِعِ الَّذِي بَلَغَ إلَيْهِ نُزُولُ القُرْآنِ. والضَّمِيرُ لِجِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ، أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيئَهُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ أنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَقَعُ إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ لَهُمُ اخْتِيارٌ

صفحة ١٤٠

فِي النُّزُولِ ولِقاءِ الرُّسُلِ، قالَ تَعالى (﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]) . ونَتَنَزَّلُ مُرادِفُ نَنْزِلُ، وأصْلُ التَّنَزُّلِ: تُكَلُّفُ النُّزُولِ. فَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلى نُزُولِ المَلائِكَةِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِأنَّهُ نُزُولٌ نادِرٌ وخُرُوجٌ عَنْ عالَمِهِمْ فَكَأنَّهُ مُتَكَلَّفٌ، قالَ تَعالى (﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]) .

واللّامُ في لَهُ لِلْمُلْكِ، وهو مُلْكُ التَّصَرُّفِ.

والمُرادُ بِ ما بَيْنَ أيْدِينا: ما هو أمامَنا، وبِ ما خَلْفَنا: ما هو وراءَنا، وبِ ما بَيْنَ ذَلِكَ: ما كانَ عَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ، لِأنَّ ما كانَ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ هو بَيْنَ الأمامِ والخَلْفِ. والمَقْصُودُ اسْتِيعابُ الجِهاتِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُخْبَرًا عَنْهُ بِأنَّهُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَيَّنَ أنْ يُرادَ بِهِ الكائِناتُ الَّتِي في تِلْكَ الجِهاتِ، فالكَلامُ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الحُلُولِ، مِثْلُ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فَيَعُمُّ جَمِيعَ الكائِناتِ، ويَسْتَتْبِعُ عُمُومَ أحْوالِها وتَصَرُّفاتِها مِثْلَ التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ. ويَسْتَتْبِعُ عُمُومَ الأزْمانِ المُسْتَقْبَلِ والماضِي والحالِ، وقَدْ فُسِّرَ بِها قَوْلُهُ (﴿ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾) . وجُمْلَةُ (﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾) إلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الكَلامِ المُلَقَّنِ بِهِ جِبْرِيلُ جَوابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ . ونَسِيًّا صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِن نَسِيَ، أيْ كَثِيرُ النِّسْيانِ أوْ شَدِيدُهُ.

والنِّسْيانُ: الغَفْلَةُ عَنْ تَوْقِيتِ الأشْياءِ بِأوْقاتِها. وقَدْ فَسَّرُوهُ هُنا بِتارِكٍ، أيْ ما كانَ رَبُّكَ تارِكُكَ.

وعَلَيْهِ فالمُبالَغَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى

صفحة ١٤١

طُولِ مُدَّةِ النِّسْيانِ. وفُسِّرَ بِمَعْنى شَدِيدِ النِّسْيانِ، فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُ المُبالَغَةِ إلى جانِبِ نِسْبَةِ نَفْيِ النِّسْيانِ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ تَحْقِيقُ نَفْيِ النِّسْيانِ مِثْلَ المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ (﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]) هو هُنا كِنايَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ، أيْ أنَّ تَنَزُّلَنا بِأمْرِ اللَّهِ لِما هو عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ في ذَلِكَ، فَنَحْنُ لا نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِهِ، وهو لا يَأْمُرُنا بِالتَّنَزُّلِ إلّا عِنْدَ اقْتِضاءِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَأْمُرَنا بِهِ.

وجَوَّزَ أبُو مُسْلِمٍ وصاحِبُ الكَشّافِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ حِكايَةِ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ يَقُولُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: مَن كانَ تَقِيًّا، أيْ وما نَتَنَزَّلُ في هَذِهِ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ إلَخْ. وهو تَأْوِيلٌ حَسَنٌ. وعَلَيْهِ فَكافُ الخِطابِ في قَوْلِهِ بِأمْرِ رَبِّكَ خِطابُ كُلِّ قائِلٍ لِمُخاطِبِهِ. وهَذا التَّجْوِيزُ بِناءً عَلى أنَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَأْيٌ لَهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ لا تَتَعَيَّنُ مُتابَعَتُهُ.

وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ (﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾) مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَهُ، أوْ هي مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، أيْ وما كانَ رَبُّنا غافِلًا عَنْ إعْطاءِ ما وعَدَنا بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском