Ibn 'AshurMaryam · 19:65–74

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:65–74

19:65Page 310

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"

﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ فاعْبُدْهُ إلى آخِرِهِ ذُيِّلَ بِهِ الكَلامُ الَّذِي لُقِّنَهُ جِبْرِيلُ المُتَضَمِّنُ: أنَّ المَلائِكَةَ لا يَتَصَرَّفُونَ إلّا عَنْ إذْنِ رَبِّهمْ وأنَّ أحْوالَهم كُلَّها في قَبْضَتِهِ بِما

صفحة ١٤٢

يُفِيدُ عُمُومَ تَصَرُّفِهِ تَعالى في سائِرِ الكائِناتِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعِبادَتِهِ، فَقَدِ انْتَقَلَ الخِطابُ إلَيْهِ.

وارْتَفَعَ رَبُّ السَّماواتِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مُلْتَزِمَ الحَذْفِ في المَقامِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ أحَدٌ بِأخْبارٍ وأوْصافٍ ثُمَّ يُرادُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرٍ آخَرَ. وهَذا الحَذْفُ سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ بِالحَذْفِ الَّذِي اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ كَقَوْلِ الصَّوْلِيِّ أوِ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِفَتْحِ الزّايِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ:

سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ

فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرِ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ

والسَّماواتُ: العَوالِمُ العُلْوِيَّةُ. والأرْضُ: العالَمُ السُّفْلِيُّ، وما بَيْنَهُما: الأجْواءُ والآفاقُ. وتِلْكَ الثَّلاثَةُ تَعُمُّ سائِرَ الكائِناتِ.

والخِطابُ في فاعْبُدْهُ، واصْطَبِرْ، وهَلْ تَعْلَمُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ عَلى ذَلِكَ ظاهِرُ المُناسِبَةِ ويَحْصُلُ مِنهُ التَّخَلُّصُ إلى التَّنْوِيهِ بِالتَّوْحِيدِ وتَفْظِيعِ الإشْراكِ.

والِاصْطِبارِ: شِدَّةُ الصَّبْرِ عَلى الأمْرِ الشّاقِّ، لِأنَّ صِيغَةَ الِافْتِعالِ تَرِدُ لِإفادَةِ قُوَّةِ الفِعْلِ. وكانَ الشَّأْنُ أنْ يُعَدّى الِاصْطِبارُ بِحَرْفِ عَلى كَما قالَ تَعالى (﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢]) لَكِنَّهُ عُدِّيَ هُنا بِاللّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الثَّباتِ، أيِ اثْبُتْ لِلْعِبادَةِ، لِأنَّ العِبادَةَ مَراتِبٌ كَثِيرَةٌ مِن مُجاهَدَةِ النَّفْسِ. وقَدْ يَغْلِبُ بَعْضُها بَعْضَ النُّفُوسِ فَتَسْتَطِيعَ الصَّبْرَ عَلى بَعْضِ العِباداتِ دُونَ بَعْضٍ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ في صَلاةِ العِشاءِ: «هِيَ أثْقَلُ صَلاةٍ عَلى المُنافِقِينَ» . فَلِذَلِكَ لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ عَلى العِبادَةِ كُلِّها وفِيها أصْنافٌ

صفحة ١٤٣

جَمَّةٌ تَحْتاجُ إلى ثَباتِ العَزِيمَةِ، نُزِّلَ القائِمُ بِالعِبادَةِ مَنزِلَةَ المُغالِبِ لِنَفْسِهِ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِاللّامِ كَما يُقالُ: اثْبُتْ لِعُداتِكَ.

وجُمْلَةُ (﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾) واقِعَةٌ مُوَقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ والِاصْطِبارِ عَلَيْها. والسَّمِيُّ هُنا الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُسامِي، أيِ المُماثِلِ في شُئُونِهِ كُلِّها. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالنَّظِيرِ، مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، لَكِنَّهُ أُخِذَ مِنَ المَزِيدِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ

أيِ المُسْمِعُ. وكَما سُمِّيَ تَعالى الحَكِيمَ، أيِ المُحْكِمُ لِلْأُمُورِ، فالسَّمِيُّ هُنا بِمَعْنى المُماثِلِ في الصِّفاتِ بِحَيْثُ تَكُونُ المُماثَلَةُ في الصِّفاتِ كالمُساماةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا مُسامِيَ لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَيْسَ مَن يُسامِيهِ، أيْ يُضاهِيهِ، مَوْجُودًا.

وقِيلَ السَّمِيُّ: المُماثِلُ في الِاسْمِ، كَقَوْلِهِ في ذِكْرِ يَحْيى (﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]) . والمَعْنى: لا تَعْلَمُ لَهُ مُماثِلًا في اسْمِهِ ”اللَّهُ“ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُسَمُّوا شَيْئًا مِن أصْنامِهِمُ ”اللَّهَ“ بِاللّامِ وإنَّما يَقُولُونَ لِلْواحِدِ مِنها إلَهٌ، فانْتِفاءُ تَسْمِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ المَوْجُوداتِ المُعَظَّمَةِ بِاسْمِهِ كِنايَةً عَنْ إعترافِ النّاسِ بِأنْ لا مُماثِلَ لَهُ في صِفَةِ الخالِقَيَّةِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَجْتَرِئُوا عَلى أنْ يَدَّعُو لِآلِهَتِهِمُ الخالِقِيَّةَ قالَ تَعالى (﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]) . وبِذَلِكَ يَتِمُّ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا.

صفحة ١٤٤

وكُنِّيَ بِانْتِفاءِ العِلْمِ بِسَمِيِّهِ عَنِ انْتِفاءِ وُجُودِ سَمِّيٍّ لَهُ، لِأنَّ العِلْمَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ المَعْلُومِ، وإذا انْتَفى مُماثِلُهُ انْتَفى مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ.

19:66–67Page 310

وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦

And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"

أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧

Does man not remember that We created him before, while he was nothing?

﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .

لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ (﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]) إبْطالَ عَقِيدَةِ الإشْراكِ بِهِ ناسَبَ الِانْتِقالَ إلى إبْطالِ أثَرٍ مِن آثارِ الشِّرْكِ، وهو نَفْيُ المُشْرِكِينَ وُقُوعَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ حَتّى يَتِمَّ انْتِقاضُ أصْلَيِ الكُفْرِ. فالواوُ عاطِفَةٌ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ، والإتْيانُ بِفِعْلِ يَقُولُ مُضارِعًا لِاسْتِحْضارِ حالَةِ هَذا القَوْلِ لِلتَّعْجِيبِ مِن قائِلِهِ تَعْجِيبَ إنْكارٍ.

والمُرادُ بِالإنْسانِ جَمْعٌ مِنَ النّاسِ، بِقَرِينَةِ قَوْلهِ بَعْدَهُ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]، فَيُرادُ مَن كانَتْ هاتِهِ مَقالَتُهُ وهم مُعْظَمُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ في أوَّلِ نُزُولِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفٌ حُذِفَ، أيِ الإنْسانُ الكافِرُ، كَما حُذِفَ الوَصْفُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩])، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ، فَتَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) . وكَذَلِكَ إطْلاقُ النّاسِ عَلى خُصُوصِ المُشْرِكِينَ مِنهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]) إلى قَوْلِهِ (﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]) إنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وقِيلَ تَعْرِيفُ الإنْسانِ لِلْعَهْدِ لِإنْسانٍ مُعَيَّنٍ. فَقِيلَ، قائِلُ هَذا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.

صفحة ١٤٥

والِاسْتِفْهامُ في (﴿أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾) إنْكارٌ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ البَعْثِ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِالجُمْلَةِ المُسَلَّطِ عَلَيْها الإنْكارُ مُقْتَرِنَةً بِلامِ الِابْتِداءِ الدّالَةِ عَلى تَوْكِيدِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ هي فِيها، أيْ يَقُولُ لا يَكُونُ ما حَقَّقْتُمُوهُ مِن إحْيائِي في المُسْتَقْبَلِ. ومُتَعَلِّقُ أُخْرَجُ مَحْذُوفٌ، أيْ أُخْرَجُ مِنَ القَبْرِ. وقَدْ دَخَلَتْ لامُ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ (﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾) إلى المُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ بِصَرِيحِ وُجُودِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ، وذَلِكَ حُجَّةٌ لِقَوْلِ ابْنِ مالِكٍ بِأنَّ لامَ الِابْتِداءِ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ المُرادِ بِهِ الِاسْتِقْبالُ ولا تُخَلِّصُهُ لِلْحالِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مَعَ القَرِينَةِ الصَّرِيحَةِ لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ في عَدَمِ تَخْلِيصِها المُضارِعَ لِلْحالِ، وإنْ صَمَّمَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى مَنعِهِ، وتَأوَّلَ ما هُنا بِأنَّ اللّامَ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ولَيْسَتْ لامَ الِابْتِداءِ، وتَأوَّلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]) بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى، فَلا تَكُونُ اللّامُ داخِلَةً عَلى المُضارِعِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ.

وجُمْلَةُ أوْلا يَذْكُرُ الإنْسانُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يَقُولُ الإنْسانُ، أيْ يَقُولُ ذَلِكَ، ومِنَ النَّكِيرِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلِ وُجُودِهِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن ذُهُولِ الإنْسانِ المُنْكِرِ البَعْثَ عَنْ خَلْقِهِ الأوَّلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ أوَلا يَذْكُرُ بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الذّالِ وتَشْدِيدِ الكافِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَتَذَكَّرُ فَقُلِبَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

والشَّيْءُ: هو المَوْجُودُ، أيْ أنّا خَلَقْناهُ ولَمْ يَكُ مَوْجُودًا.

صفحة ١٤٦

و(قَبْلُ) مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ. ولَمّا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ واعْتُبِرَ مُضافًا إلَيْهِ مُجْمَلًا ولَمْ يُراعَ لَهُ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بُنِيَتْ قَبْلُ عَلى الضَّمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]) . والتَّقْدِيرُ: أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ كُلِّ حالَةٍ هو عَلَيْها. والتَّقْدِيرُ في آيَةِ سُورَةِ الرُّومِ: لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلِ كُلِّ حَدَثٍ ومِن بَعْدِهِ. والمَعْنى: الإنْكارُ عَلى الكافِرِينَ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ولا يَتَذَكَّرُوا حالَ النَّشْأةِ الأُولى فَإنَّها أعْجَبُ عِنْدَ الَّذِينَ يَجْرُونَ في مَدارِكِهِمْ عَلى أحْكامِ العادَةِ، فَإنَّ الإيجادَ عَنْ عَدَمٍ مِن غَيْرِ سَبْقِ مَثّالٍ أعْجَبُ وأدْعى إلى الِاسْتِبْعادِ مِن إعادَةِ مَوْجُوداتٍ كانَتْ لَها أمْثِلَةٌ. ولَكِنَّها فَسَدَتْ هَياكِلُها وتَغَيَّرَتْ تَراكِيبُها. وهَذا قِياسٌ عَلى الشّاهِدِ وإنْ كانَ القادِرُ سَواءٌ عَلَيْهِ الأمْرانِ.

19:68–70Page 310

فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨

So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩

Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.

ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠

Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.

﴿فَوَرَبِّكَ لِنَحْشُرُنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينِ هم أوْلى بِها صُلِيًّا﴾ .

الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ [مريم: ٦٧])، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ. وواوُ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ. والقَسَمُ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ وهو النَّبِيءُ ﷺ إدْماجٌ لِتَشْرِيفِ قَدْرِهِ. وضَمِيرُ لَنَحْشُرَنَّهم عائِدٌ إلى الإنْسانِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ كَما تَقَدَّمَ، أيْ لَنَحْشُرَنَّ المُشْرِكِينَ.

صفحة ١٤٧

وعَطْفُ الشَّياطِينَ عَلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِقَصْدِ تَحْقِيرِهِمْ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ أحْقَرِ جِنْسٍ وأفْسَدِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الشَّياطِينَ هم سَبَبُ ضَلالِهِمُ المُوجِبُ لَهم هَذِهِ الحالَةَ، فَحَشَرَهم مَعَ الشَّياطِينَ إنْذارًا لَهم بِأنَّ مَصِيرَهم هو مَصِيرُ الشَّياطِينَ وهو مُحَقَّقٌ عِنْدَ النّاسِ كُلِّهِمْ. فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ (﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾)، والضَّمِيرُ لِلْجَمِيعِ. وهَذا إعْدادٌ آخَرُ لِلتَّقَرُّبِ مِنَ العَذابِ فَهو إنْذارٌ عَلى إنْذارٍ وتَدَرُّجٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. فَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لا لِلْمُهْلَةِ إذْ لَيْسَتِ المُهْلَةُ مَقْصُودَةٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهم يُنْقَلُونَ مِن حالَةِ عَذابٍ إلى أشَدَّ.

وجُثِيًّا حالٌ مِن ضَمِيرِ لَنُحْضِرَنَّهم، والجُثِيُّ: جَمْعُ جاثٍ. ووَزْنُهُ فُعُولٌ مِثْلُ: قاعِدٍ وقُعُودٍ وجالِسٍ وجُلُوسٍ، وهو وزْنٌ سَماعِيٌّ في جَمْعِ فاعِلٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ (﴿خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨])، فَأصْلُ جُثِيٍّ جُثُووٌ بِواوَيْنِ لِأنَّ فِعْلَهُ واوِيٌّ، يُقالُ: جَثا يَجْثُو إذا بَرَكَ عَلى رُكْبَتَيهِ وهي هَيْئَةُ الخاضِعِ الذَّلِيلِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ في جُثُووٍ واوانِ اسْتُثْقِلا بَعْدَ ضَمَّةِ الثّاءَ فَصِيرَ إلى تَخْفِيفِهِ بِإزالَةِ سَبَبِ الثِّقَلِ السّابِقِ وهو الضَّمَّةُ فَعُوِّضَتْ بِكَسْرِ الثّاءِ، فَلَمّا كُسِرْتِ الثّاءُ تَعَيَنَ قَلْبُ الواوِ المُوالِيَةِ لَها ياءً لِلْمُناسَبَةِ فاجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَ أحَدُهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَ الواوُ الأُخْرى ياءً وأُدْغِمَتا فَصارَ جُثِيٌّ. وهَذا الجُثُوُّ هو غَيْرُ جُثُوِّ النّاسِ في الحَشْرِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً. كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ [الجاثية: ٢٨]) إنَّ ذَلِكَ جُثُوُّ خُضُوعٍ لِلَّهِ، وهَذا الجُثُوُّ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثُوُّ مَذَلَّةٍ.

والقَوْلُ في عَطْفِ جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾) كالقَوْلِ في جُمْلَةِ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم وهَذِهِ حالَةٌ أُخْرى مِنَ الرُّعْبِ أشَدُّ مِنَ

صفحة ١٤٨

اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهي حالَةٌ تَمَيِّزُهم لِلْإلْقاءِ في دِرْكاتِ الجَحِيمِ عَلى حَسْبِ مَراتِبِ غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ.

والنَّزْعُ: إخْراجُ شَيْءٍ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ نَزْعُ الماءِ مِنَ البِئْرِ.

والشِّيعَةُ: الطّائِفَةُ الَّتِي شايَعَتْ أحَدًا، أيِ اتَّبَعَتْهُ، فَهي عَلى رَأْيٍ واحِدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والمُرادُ هُنا شِيَعُ أهْلِ الكُفْرِ، أيْ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مِنهم، أيْ مِمَّنْ أحْضَرْناهم حَوْلَ جَهَنَّمَ.

والعُتِيُّ: العِصْيانُ والتَّجَبُّرُ، فَهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فُعُولٍ مِثْلُ: خُرُوجٍ وجُلُوسٍ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ العَيْنِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.

والمَعْنى: لِنُمَيِّزَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ تَجْمَعُها مَحَلَّةٌ خاصَّةً مِن دِينِ الضَّلالِ مَن هو مِن تِلْكَ الشِّيعَةِ أشَدُّ عِصْيانًا لِلَّهِ وتَجَبُّرًا عَلَيْهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِعُظَماءِ المُشْرِكِينَ مِثْلِ أبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ونُظَرائِهِمْ.

وأيُّ اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى ما ومِن. والغالِبُ أنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِها فَتُبْنى عَلى الضَّمِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّهم هو أشَدُّ عُتِيًّا عَلى الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا لِتَفْظِيعِ عُتُوِّهِمْ، لِأنَّ شَدِيدَ الرَّحْمَةِ بِـ الخَلْقِ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ لَهُ والإحْسانِ لا بِالكُفْرِ بِهِ والطُّغْيانِ.

ولَمّا كانَ هَذا النَّزْعُ والتَّمْيِيزُ مُجْمَلًا، فَقَدْ يَزْعُمُ كُلُّ فَرِيقٍ أنَّ غَيْرَهُ أشَدُّ عِصْيانًا، أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ مَن هو أوْلى مِنهم بِمِقْدارِ صُلِيِّ النّارِ فَإنَّها دَرَكاتٌ مُتَفاوِتَةٌ. والصُّلِيُّ: مَصْدَرُ صَلِيَ النّارَ كَرَضِيَ، وهو مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ بِوَزْنِ فُعُولٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفُ بِكْسِرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ اللّامِ، كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.

صفحة ١٤٩

وحَرْفا الجَرِّ يَتَعَلَّقانِ بِأفْعَلَيِ التَّفْضِيلِ.

19:71–72Page 310

وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١

And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.

ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢

Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.

﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جُثِيًّا﴾ .

لَمّا ذَكَرَ انْتِزاعَ الَّذِينَ هم أوْلى بِالنّارِ مِن بَقِيَّةِ طَوائِفِ الكُفْرِ عَطَفَ عَلَيْهِ أنَّ جَمِيعَ طَوائِفِ الشِّرْكِ يَدْخُلُونَ النّارَ، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ انْتِزاعَ مَن هو أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا هو قُصارى ما يَنالُ تِلْكَ الطَّوائِفِ مِنَ العَذابِ، بِأنْ يَحْسَبُوا أنَّ كُبَراءَهم يَكُونُونَ فِداءً لَهم مِنَ النّارِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أيْ وذَلِكَ الِانْتِزاعُ لا يَصْرِفُ بَقِيَّةَ الشِّيَعِ عَنِ النّارِ فَإنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلى جَمِيعِهِمُ النّارَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) إلَخْ. . . وجُمْلَةِ (﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مريم: ٧٣]) إلَخْ. . .

فالخِطابُ في (﴿وإنْ مِنكُمْ﴾) إلْتِفاتٌ عَنِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ (﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) و(﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) عَدْلٌ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ارْتِقاءً في المُواجَهَةِ بِالتَّهْدِيدِ حَتّى لا يَبْقى مَجالٌ لِلِالتِباسِ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَإنَّ ضَمِيرَ الخِطابِ أعْرَفُ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإنْ مِنهم إلّا وارِدُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (وإنْ مِنهم) . وكَذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ. فالمَعْنى: وما مِنكم أحَدٌ مِمَّنْ نُزِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ وغَيْرِهِ إلّا وارِدٌ جَهَنَّمَ حَتْمًا قَضاهُ اللَّهُ فَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، أيْ فَلا تَحْسَبُوا أنْ تَنْفَعَكم شَفاعَتُهمْ أوْ تَمْنَعَكم عِزَّةُ شِيَعِكم، أوْ تُلْقُونَ التَّبِعَةَ عَلى سادَتِكم وعُظَماءِ أهْلِ ضَلالِكم، أوْ يَكُونُونَ فِداءً عَنْكم مِنَ النّارِ.

صفحة ١٥٠

وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣])، أيِ الغاوِينَ وغَيْرِهِمْ. وحَرْفُ (إنَّ) لِلنَّفْيِ.

والوُرُودُ: حَقِيقَتُهُ الوُصُولُ إلى الماءِ لِلِاسْتِقاءِ. ويُطْلَقُ عَلى الوُصُولِ مُطْلَقًا مَجازًا شائِعًا، وأمّا إطْلاقُ الوُرُودِ عَلى الدُّخُولِ فَلا يُعْرَفُ إلّا أنْ يَكُونَ مَجازًا غَيْرَ مَشْهُورٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن قَرِينَةٍ. وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾) زِيادَةٌ في الِارْتِقاءِ بِالوَعِيدِ بِأنَّهم خالِدُونَ في العَذابِ، فَلَيْسَ وُرُودُهُمُ النّارَ بِمُوَقَّتٍ بِأجْلٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، تَنْوِيهًا بِإنْجاءِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وتَشْوِيهًا بِحالِ الَّذِينَ يَبْقُونَ في جَهَنَّمَ جُثِيًّا. فالمَعْنى: وعِلاوَةٌ عَلى ذَلِكَ نُنْجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا مِن وُرُودِ جَهَنَّمَ. ولَيْسَ المَعْنى: ثُمَّ يُنْجِي المُتَّقِينَ مِن بَيْنِهِمْ بَلِ المَعْنى أنَّهم نَجَوْا مِنَ الوُرُودِ إلى النّارِ. وذِكْرُ إنْجاءِ المُتَّقِينَ، أيِ المُؤْمِنِينَ، إدْماجٌ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ في أثْناءِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) . والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. والتَّعْبِيرُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: ونَذَرُكم أيُّها الظّالِمُونَ. ونَذَرُ: نَتْرُكُ، وهو مُضارِعٌ لَيْسَ لَهُ ماضٍ مِن لَفْظِهِ، أماتَ العَرَبُ ماضِي نَذَرُ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِماضِي ”نَتْرُكُ“، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]) في سُورَةِ الأنْعامِ.

فَلَيْسَ الخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) لِجَمِيعِ النّاسِ مُؤْمِنِهمْ وكافِرهِمْ عَلى مَعْنى ابْتِداءِ كَلامٍ؛ بِحَيْثُ يَقْتَضِي أنَّ المُؤْمِنِينَ

صفحة ١٥١

يَرِدُونَ النّارَ مَعَ الكافِرِينَ ثُمَّ يَنْجُونَ مِن عَذابِها، لِأنَّ هَذا مَعنًى ثَقِيلٌ يَنْبُو عَنْهُ السِّياقُ، إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِياقِ الآياتِ السّابِقَةِ. ولِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ وتَشْرِيفَهم بِالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ يُنافِي أنْ يَسُوقَهم مَعَ المُشْرِكِينَ مساقًا واحِدًا، كَيْفَ وقَدْ صَدَّرَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ (﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ [مريم: ٦٨]) وقالَ تَعالى (﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦])، وهو صَرِيحٌ في اخْتِلافِ حَشْرِ الفَرِيقَيْنِ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] عَقِبَ قَوْلِهِ ( ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]) . فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ جَهَنَّمَ مَوْعِدُ عِبادِ اللَّهِ المُخْلِصِينَ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ لِأنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ مَقامُ الثَّناءِ.

وهَذِهِ الآيَةٌ مَثارُ إشْكالٍ ومَحَطُّ قِيلَ وقالَ، واتَّفَقَ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ لا تَنالُهم نارُ جَهَنَّمَ. واخْتَلَفُوا في مَحَلِّ الآيَةِ فَمِنهم مَن جَعَلَ ضَمِيرَ مِنكم لِجَمِيعِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، ورَوَوْهُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ؛ فَصَدَمَهم فَسادُ المَعْنى ومُنافاةُ حِكْمَةِ اللَّهِ والأدِلّةِ الدّالَةِ عَلى سَلامَةِ المُؤْمِنِينَ يَوْمئِذٍ مِن لِقاءِ أدْنى عَذابٍ، فَسَلَكُوا مَسالِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَمِنهم مَن تَأوَّلَ الوُرُودَ بِالمُرُورِ المُجَرَّدِ دُونَ أنْ يَمَسَّ المُؤْمِنِينَ أذىً، وهَذا بُعْدٌ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، فَإنَّ الوُرُودَ إنَّما يُرادُ بِهِ حُصُولُ ما هو مُودَعٌ في المَوْرِدِ لِأنَّ أصْلَهُ مِن وُرُودِ الحَوْضِ. وفي آيِ القُرْآنِ ما جاءَ إلّا لِمَعْنى المَصِيرِ إلى النّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ [الأنبياء: ٩٩]) وقَوْلُهُ (﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]) وقَوْلُهُ (﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]) . عَلى أنَّ إيرادَ المُؤْمِنِينَ إلى النّارِ لا جَدْوى لَهُ فَيَكُونُ عَبَثًا، ولا اعْتِدادَ بِما ذَكَرَهُ لَهُ الفَخْرُ مِمّا سَمّاهُ فَوائِدَ.

صفحة ١٥٢

ومِنهم مَن تَأوَّلَ وُرُودَ جَهَنَّمَ بِمُرُورِ الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ عَلى جَهَنَّمَ، فَساقُوا الأخْبارَ المَرْوِيَّةَ في مُرُورِ النّاسِ عَلى الصِّراطِ مُتَفاوِتِينَ في سُرْعَةِ الِاجْتِيازِ. وهَذا أقَلُ بُعْدًا مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

ورَوى الطَّبَرِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ في هَذَيْنِ المَحْمَلَيْنِ أحادِيثَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَرْتَبَةِ الضَّعْفِ مِمّا رَواهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ. وأصَحُّ ما في البابِ ما رَواهُ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ قالَ «يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ» الحَدِيثَ في مُرُورِ الصِّراطِ.

ومِنَ النّاسِ مَن لَفَّقَ تَعْضِيدًا لِذَلِكَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أنَّهُ لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجُ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» فَتَأوَّلَ تَحِلَّةَ القَسَمِ بِأنَّها ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) وهَذا مَحَمَلٌ باطِلٌ، إذْ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ قَسَمٌ يَتَحَلَّلُ، وإنَّما مَعْنى الحَدِيثِ: أنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ عَذابًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ مَعاصٍ فَإذا كانَ قَدْ ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ كانُوا كَفّارَةً لَهُ فَلا يَلِجُ النّارَ إلّا وُلُوجًا قَلِيلًا يُشْبِهُ ما يُفْعَلُ لِأجَلِ تَحِلَّةِ القَسْمِ، أيِ التَّحَلُّلِ مِنهُ. وذَلِكَ أنَّ المُقْسِمَ عَلى شَيْءٍ إذا صَعُبَ عَلَيْهِ بِرُّ قَسَمِهِ أخَذَ بِأقَلِّ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَحِلَّةَ القَسَمِ تَمْثِيلٌ.

ويُرْوى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رِواياتٌ، أنَّهم تَخَوَّفُوا مِن ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ. مِن ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وهو مِنَ الوُقُوفِ في مَوْقِفِ الَخَوْفِ مِن شَيْءٍ مُحْتَمَلٍ.

وذَكَرَ فِعْلَ نَذَرُ هُنا دُونَ غَيْرِهِ لِلْإشْعارِ بِالتَّحْقِيرِ، أيْ نَتْرُكُهم في النّارِ لا نَعْبَأُ بِهِمْ، لِأنَّ في فِعْلِ التَّرْكِ مَعْنى الإهْمالِ.

والحَتْمُ: أصْلُهُ مَصْدَرُ حَتَمَهُ إذْ جَعَلَهُ لازِمًا، وهو هُنا بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَحْتُومًا عَلى الكافِرِينَ، والمَقْضِيُّ: المَحْكُومُ بِهِ. وجُثِيُّ تَقَدَّمَ.

صفحة ١٥٣

وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ (نُنَجِّي) بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ.

19:73–74Page 310

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤

And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرَنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِيًّا﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجَ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) . وهَذا صِنْفٌ آخَرٌ مِن غُرُورِ المُشْرِكِينَ بِالدُّنْيا وإناطَتُهم دَلالَةٌ عَلى السَّعادَةِ بِأحْوالِ طِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا فَكانَ المُشْرِكُونَ يَتَشَفّفُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم أسْعَدَ مِنهم.

والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ (﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]) في أوَّلِ الأنْفالِ. كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ عَلى المُشْرِكِينَ القُرْآنَ فَيَسْمَعُونَ آياتِ النَّعْيِ عَلَيْهِمْ وإنْذارِهِمْ بِسُوءِ المَصِيرِ، وآياتِ البِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، فَكانَ المُشْرِكُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ لَعُجِّلَ لَهم، فَنَحْنُ في نِعْمَةٍ وأهْلُ سِيادَةٍ، وأتْباعُ مُحَمَّدٍ مِن عامَّةِ النّاسِ، وكَيْفَ يَفُوقُونَنا بَلْ كَيْفَ يَسْتَوُونَ مَعَنا، ولَوْ كُنّا عِنْدَ اللَّهِ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَمَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ فَإنَّهم في حالَةِ ضَنْكٍ ولا يُساوُونَنا، فَلَوْ أقْصاهم مُحَمَّدٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لاتَّبَعْناهُ.

قالَ تَعالى (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣])

صفحة ١٥٤

وقالَ تَعالى (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]) . فَلِأجْلِ كَوْنِ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقِيسُونَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ ويُغالِطُونَ بِهِ جُعِلَ قَوْلُهم بِهِ مُعَلَّقًا بِزَمانِ تِلاوَةِ آياتِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. فالمُرادُ بِالآياتِ البَيِّناتِ: آياتُ القُرْآنِ، ومَعْنى كَوْنِها بَيِّناتٍ: أنَّها واضِحاتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ومُفْعَمَةٌ بِالأدِلَّةِ المُقْنِعَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾) يَجُوزُ كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ، أيْ قالُوا لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ مِن أجْلِ شَأْنِهِمْ، فَيَكُونُ هَذا قَوْلُ المُشْرِكِينَ فِيما بَيْنَهم. ويَجُوزُ كَوْنُها مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ قالَ لِتَعْدِيَتِهِ إلى مُتَعَلِّقَهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهمْ خِطابًا مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾) تَقْرِيرِيٌّ.

وقَرَأ مَن عَدا ابْنِ كَثِيرٍ مَقامًا بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ مِن قامَ، أُطْلِقَ مَجازًا عَلى الحَظِّ والرِّفْعَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦])، فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ القِيامِ المُسْتَعْمَلِ مَجازًا في الظُّهُورِ والمَقْدِرَةِ.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ مِن أقامَ بِالمَكانِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في الكَوْنِ في الدُّنْيا. والمَعْنى: خَيْرٌ حَياةً. وجُمْلَةُ (﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ [مريم: ٩٨]) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ. وقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ قُرُونٍ كَثِيرَةٍ كانُوا أرْفَهَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ مَتاعًا وأجْمَلَ مِنهم مَنظَرًا. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ وبَيْنَ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ ما يُجِيبُهم بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ. ومَوْقِعُها التَّهْدِيدُ وما بَعْدَها هو الجَوابُ.

والأثاثُ: مَتاعُ البُيُوتِ الَّذِي يُتَزَيَّنُ بِهِ، ورِئْيًا قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الرّاءِ وبَعْدَ الهَمْزَةِ ياءٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَذِبْحٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ، أيْ أحْسَنُ مَرْئِيًّا، أيْ مَنظَرًا وهَيْئَةً.

صفحة ١٥٥

وقَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (رِيًّا) بِتَشْدِيدِ الياءِ بِلا هَمْزٍ إمّا عَلى أنَّهُ مِن قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ الأُخْرى، وإمّا عَلى أنَّهُ مِنَ الرَّيِّ الَّذِي هو النِّعْمَةُ والتَّرَفُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: رَيّانٌ مِنَ النَّعِيمِ، وأصْلُهُ مِنَ الرَّيِّ ضِدُّ العَطَشِ، لِأنَّ الرَّيَّ يُسْتَعارُ لِلتَّنَعُّمِ كَما يُسْتَعارُ التَّلَهُّفُ لِلتَّألُّمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском