Ibn 'AshurMaryam · 19:75–87

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:75–87

19:75–76Page 310

قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥

Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."

وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦

And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.

﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ .

هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) . لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ كَشْفَ مُغالَطَتِهِمْ أوْ شُبْهَتِهِمْ؛ فَأعْلَمَهم بِأنَّ ما هم فِيهِ مِن نِعْمَةِ الدُّنْيا إنَّما هو إمْهالٌ مِنَ اللَّهِ إيّاهم، لِأنَّ مَلاذَ الكافِرِ اسْتِدْراجٌ. فَمِعْيارُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ النِّعْمَةِ النّاشِئَةِ عَنْ رِضى اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ وبَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي هي اسْتِدْراجٌ لِمَن كَفَرَ بِهِ هو النَّظَرُ إلى حالِ مَن هو في نِعْمَةٍ بَيْنَ حالِ هُدىً وحالِ ضَلالٍ، قالَ تَعالى في شَأْنِ الأوَّلِينَ (﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]) . وقالَ في شَأْنِ الآخَرِينَ (﴿أيَحْسَبُونَ أنَّ ما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٤]) .

صفحة ١٥٦

والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ مُنْغَمِسًا في الضَّلالَةِ اغْتَرَّ بِإمْهالِ اللَّهِ لَهُ فَرَكِبَهُ الغُرُورُ كَما رَكِبَهم إذْ قالُوا (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) . واللّامُ في قَوْلِهِ (﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾) لامُ الأمْرِ أوِ الدُّعاءِ، اسْتُعْمِلَتْ مَجازًا في لازِمِ مَعْنى الأمْرِ، أيِ التَّحْقِيقِ، أيْ فَسَيُمِدُّ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا، أيْ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ في إمْهالِ الضُّلّالِ، إعْذارًا لَهم، كَما قالَ تَعالى (﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]) تَنْبِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِإنْعامِ اللَّهِ عَلى الضُّلّالِ حَتّى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ بِهِ لِعَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِطُولِ مُدَّةِ نَعَيْمِ الكُفّارِ. فَإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن قُلْ أنْ يَقُولَ النَّبِيءُ ذَلِكَ لِلْكُفّارِ فَلامُ الأمْرِ مُجَرَّدُ مَجازٍ في التَّحْقِيقِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ أنْ يُبَلِّغَ النَّبِيءُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ فَلامُ الأمْرِ مَجازٌ أيْضًا وتَجْرِيدٌ، بِحَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ نَفْسَهُ بِأنْ يُمِدَّ لَهم.

والمَدُّ: حَقِيقَتُهُ إرْخاءُ الحَبْلِ وإطالَتُهُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الإمْهالِ كَما هُنا، وفي الإطالَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: مَدَّ اللَّهُ في عُمْرِكَ.

ومَدًّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ، أيْ فَلْيُمْدِدْ لَهُ المَدَّ الشَّدِيدَ، فَسَيَنْتَهِي ذَلِكَ، وحَتّى لِغايَةِ المَدِّ، وهي ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ يَمُدُّ لَهُ الرَّحْمَنُ إلى أنْ يَرَوْا ما يُوعَدُونَ؛ أيْ لا مَحِيصَ لَهم عَنْ رُؤْيَةِ ما أوْعِدُوا مِنَ العَذابِ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهُ طُولُ مُدَّتِهِمْ في النِّعْمَةِ.

فَتَكُونُ الغايَةُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها حَتّى لا لَفْظًا مُفْرَدًا. والتَّقْدِيرُ: يَمُدُّ لَهُمُ الرَّحْمَنُ حَتّى يَرَوُا العَذابَ فَيَعْلَمُوا مَن هو أسْعَدُ ومَن هو أشْقى.

صفحة ١٥٧

وحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ لِتَوْكِيدِ حُصُولِ العِلْمِ لَهم حِينَئِذٍ ولَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ الِاسْتِقْبالَ اسْتُفِيدَ مِنَ الغايَةِ.

وإمّا حَرْفُ تَفْصِيلٍ لِـ (﴿ما يُوعَدُونَ﴾)، أيْ ما أُوعِدُوا مِنَ العَذابِ إمّا عَذابُ الدُّنْيا وإمّا عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لا يَعْدُو أنْ يَرى أحَدَ العَذابَيْنِ أوْ كِلَيْهِما.

وانْتَصَبَ لَفْظُ العَذابِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ يَرَوْا. وحَرْفُ إمّا غَيْرُ عاطِفٍ، وهو مُعْتَرِضٌ بَيْنَ العامِلِ ومَعْمُولِهِ، كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:

هُما خُطَّتا إمّا إسارٍ ومِنَةٍ وإمّا دَمٍ والمَوْتُ بِالحُرِّ أجْدَرُ

بِجَرِّ ”إسارٍ، ومِنَّةٍ، ودَمٍ“ . وقَوْلُهُ (﴿شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِمْ (﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) فالمَكانُ يُرادِفُ المَقامَ، والجُنْدُ الأعْوانُ، لِأنَّ النّدِيَّ أُرِيدَ بِهِ أهْلُهُ كَما تَقَدَّمَ، فَقُوبِلَ (خَيْرٌ نَدِيًّا) بِ (أضْعَفُ جُنْدًا) .

وجُمْلَةُ (﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾) لِما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ مِنَ الإمْهالِ المُفْضِي إلى الِاسْتِمْرارِ في الضَّلالِ، والِاسْتِمْرارُ: الزِّيادَةُ؛ فالمَعْنى عَلى الِاحْتِباكِ، أيْ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا فَيَزْدَدْ ضَلالًا، ويَمُدُّ لِلَّذِينِ اهْتَدَوْا فَيَزْدادُوا هُدًى.

وجُمْلَةُ (﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾)، وهو ارْتِقاءٌ مِن بِشارَتِهِمْ بِالنَّجاةِ إلى بِشارَتِهِمْ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، أيْ الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ مِنَ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ الَّتِي اقْتَضاها قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾)، أيْ فَسَيَظْهَرُ أنَّ ما كانَ فِيهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزَّةِ هو أقَلُّ مِمّا كانَ

صفحة ١٥٨

عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنَ الشَّظَفِ والضَّعْفِ بِاعْتِبارِ المَآلَيْنِ. إذْ كانَ مَآلُ الكَفَرَةِ العَذابُ ومَآلُ المُؤْمِنِينَ السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ وبَعْدُ فَلِلْمُؤْمِنِينَ الثَّوابُ.

والباقِياتُ الصّالِحاتُ: صِفَتانِ لِمَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ الأعْمالُ الباقِي نَعِيمُها وخَيْرُها، والصّالِحاتُ لِأصْحابِها هي خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِن نِعْمَةِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَقْدِيمِ الباقِياتِ عَلى الصّالِحاتِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في أثْناءِ سُورَةِ الكَهْفِ.

والمَرَدُّ: المَرْجِعُ. والمُرادُ بِهِ عاقِبَةُ الأمْرِ.

19:77–80Page 311

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧

Then, have you seen he who disbelieved in Our verses and said, "I will surely be given wealth and children [in the next life]"?

أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٧٨

Has he looked into the unseen, or has he taken from the Most Merciful a promise?

كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا ٧٩

No! We will record what he says and extend [i.e., increase] for him from the punishment extensively.

وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا ٨٠

And We will inherit him [in] what he mentions,1 and he will come to Us alone.

﴿أفَراَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) وما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الِاعْتِراضِ والتَّفْرِيعاتِ، والمُناسَبَةِ: أنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ كانَ في غُرُورٍ مِثْلِ الغُرُورِ الَّذِي كانَ فِيهِ أصْحابُهُ. وهو غُرُورُ إحالَةِ البَعْثِ.

والآيَةُ تُشِيرُ إلى قِصَّةِ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ. فَفي الصَّحِيحِ: أنَّ خَبّابًا كانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ في مَكَّةَ. فَعَمِلَ لِلْعاصِي بْنِ وائِلَ سَيْفًا وكانَ ثَمَنُهُ دَيْنًا عَلى العاصِي، وكانَ خَبّابٌ قَدْ أسْلَمَ، فَجاءَ خَبّابٌ يَتَقاضى دَيْنَهُ مِنَ العاصِي فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ

صفحة ١٥٩

وائِلٍ: لا أقْضِيكَهُ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ وقَدْ غَضِبَ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُكَ. قالَ العاصِي: أوَمَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ العاصِي مُتَهَكِّمًا: إذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. فالعاصِي بْنُ وائِلٍ هو المُرادُ بِالَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا.

والِاسْتِفْهامُ في (أفَرَأيْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن كُفْرِ هَذا الكافِرِ، والرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ بِقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ.

نَزَلَتِ القِصَّةُ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُشاهَدِ بِالبَصَرِ لِأنَّهُ مِن أقْوى طُرُقِ العِلْمِ. وعُبِّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِن مَنشَأِ العَجَبِ ولاسِيَّما قَوْلُهُ (﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾) .

والمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ لَفْتُ الذِّهْنِ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ القِصَّةِ أوْ إلى تَذَكُّرِها إنْ كانَ عالِمًا بِها.

والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ فَلَمْ يُرَدْ بِهِ مُعَيَّنٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .

والآياتُ: القُرْآنُ، أيْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ وكَذَّبَ بِها. ومِن جُمْلَتِها آياتُ البَعْثِ.

والوَلَدُ: اسْمُ جَمْعٍ لِوَلَدٍ المُفْرَدِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ السُّورَةِ في الألْفاظِ الأرْبَعَةِ - (ووُلْدٌ) - بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ - فَهو جَمْعُ ولَدٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ.

وجُمْلَةُ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) جَوابٌ لِكَلامِهِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى ظاهِرِ عِبارَتِهِ مِنَ الوَعْدِ بِقَضاءِ الدَّيْنِ مِنَ المالِ الَّذِي سَيَجِدُهُ حِينَ يُبْعَثُ، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) إنْكارِيُّ وتَعْجِيبِيُّ.

صفحة ١٦٠

و(اطّلَعَ) افْتَعَلَ مَن طَلَعَ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ فِعْلِ الطُّلُوعِ وهو الِارْتِقاءُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِمَكانِ الطُّلُوعِ مَطْلَعٌ بِالتَّخْفِيفِ ومُطَّلَعٌ بِالتَّشْدِيدِ. ومِن أجْلِ هَذا أُطْلِقَ الِاطِّلاعُ عَلى الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ، لِأنَّ الَّذِي يَرُومُ الإشْرافَ عَلى مَكانٍ مَحْجُوبٍ عَنْهُ يَرْتَقِي إلَيْهِ مِن عُلُوٍّ، فالأصْلُ أنَّ فِعْلَ اطَّلَعَ قاصِرٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّعْدِيَةِ، قالَ تَعالى (﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥])، فَإذا ضُمِّنَ اطَّلَعَ مَعْنى أشَرَفَ عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ كَقَوْلَهِ تَعالى (﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ [الكهف: ١٨]) . وتَقَدَّمَ إجْمالًا في سُورَةِ الكَهْفِ.

فانْتَصَبَ الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قالَ في الكَشّافِ: ولِاخْتِيارِ هَذِهِ الكَلِمَةِ شَأنٌ، يَقُولُ: أوَقَدْ بَلَغَ مِن عَظَمَةِ شَأْنِهِ أنِ ارْتَقى إلى عِلَمِ الغَيْبِ اهـ. فالغَيْبُ: هو ما غابَ عَنِ الأبْصارِ. والمَعْنى: أأشْرَفَ عَلى عالَمِ الغَيْبِ فَرَأى مالًا ووَلَدًا مُعَدَّيْنِ لَهُ حِينَ يَأْتِي يَوْمُ القِيامَةِ أوْ فَرَأى مالَهُ ووَلَدَهُ صائِرِينَ مَعَهُ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ”فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ“ عَنى أنَّ مالَهُ ووَلَدَهُ راجِعانِ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ أمْ عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنَّهُ مُعْطِيهِ ذَلِكَ فَأيْقَنَ بِحُصُولِهِ، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ما أُعِدَّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ إمّا مُكاشَفَةُ ذَلِكَ ومُشاهَدَتُهُ. وإمّا إخْبارُ اللَّهِ بِأنَّهُ يُعْطِيهِ إيّاهُ.

ومُتَعَلِّقُ العَهْدِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. تَقْدِيرُهُ: بِأنْ يُعْطِيَهُ مالًا ووَلَدًا.

وعِنْدَ ظَرْفُ مَكانٍ، وهو اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ بِتَشْبِيهِ الوَعْدِ بِصَحِيفَةٍ مَكْتُوبٍ بِها تَعاهُدٌ وتَعاقُدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ

صفحة ١٦١

لِأنَّ النّاسَ كانُوا إذا أرادُوا تَوْثِيقَ ما يَتَعاهَدُونَ عَلَيْهِ كَتَبُوهُ في صَحِيفَةٍ ووَضَعُوها في مَكانٍ حَصِينٍ مَشْهُورٍ كَما كَتَبَ المُشْرِكُونَ صَحِيفَةَ القَطِيعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي هاشِمٍ ووَضَعُوها في الكَعْبَةِ. وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ

ولَعَلَّ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾) إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى بِطَرِيقِ مُراعاةِ النَّظِيرِ. واخْتِيرَ هُنا مِن أسْمائِهِ (الرَّحْمانُ) . لِأنَّ اسْتِحْضارَ مَدْلُولِهِ أجْدَرُ في وفائِهِ بِما عَهِدَ بِهِ مِن النِّعْمَةِ المَزْعُومَةِ لِهَذا الكافِرِ، ولِأنَّ في ذِكْرِ هَذا الِاسْمِ تَوَرُّكًا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا (( ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) ) .

و(كَلّا) حَرْفُ رَدْعٍ وزَجْرٍ عَنْ مَضْمُونِ كَلامٍ سابِقٍ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، أوْ مِن كَلامٍ يُحْكى عَنْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ أوْ مَسْمُوعٍ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]) . والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ عَقِبَ آخِرِ الكَلامِ المُبْطَلِ بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ عَلى الكَلامِ المُبْطَلِ لِلِاهْتِمامِ بِالإبْطالِ وتَعْجِيلِهِ والتَّشْوِيقِ إلى سَماعِ الكَلامِ الَّذِي سَيَرِدُ بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢] ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]) إلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ. ولِما فِيها مِن مَعْنى الإبْطالِ كانَتْ في مَعْنى النَّفْيِ، فَهي نَقِيضُ ”إي“ و”أجَلْ“ ونَحْوِهِما مِن أحْرُفِ الجَوابِ بِتَقْدِيرِ الكَلامِ السّابِقِ.

والمَعْنى: لا يَقَعُ ما حَكى عَنْهُ مِن زَعْمِهِ ولا مِن غُرُورِهِ. والغالِبُ أنْ تَكُونَ مُتْبَعَةً بِكَلامٍ بَعْدَها، فَلا يُعْهَدُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ في رَدِّ كَلامٍ: كَلّا، ويَسْكُتُ.

صفحة ١٦٢

ولِكَوْنِها حَرْفَ رَدْعٍ أفادَتْ مَعْنًى تامًا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. فَلِذَلِكَ جازَ الوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الجُمْهُورِ. ومَنَعَ المُبَرِّدُ الوَقْفَ عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لابُدَّ أنْ تُتْبَعَ بِكَلامٍ، وقالَ الفَرّاءُ: مَواقِعُها أرْبَعَةٌ: مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها والِابْتِداءُ بِها كَما في هَذِهِ الآيَةِ.

مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها ولا يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِها كَقَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ قالَ كَلّا فاذْهَبا﴾ [الشعراء: ١٤]) .

ومُوقِعٌ يَحْسُنُ فِيهِ الِابْتِداءُ بِها ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١]) .

مَوقِعٌ لا يَحْسُنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]) .

وكَلامُ الفَرّاءِ يُبَيِّنُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الجُمْهُورِ وبَيْنَ المُبَرِّدِ لَفْظِيُّ لِأنَّ الوَقْفَ أعَمُّ مِنَ السُّكُوتِ التّامِّ.

وحَرْفُ التَّنْفِيسِ في قَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ﴾) لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ سَوْفَ اسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .

والمَدُّ في العَذابِ: الزِّيادَةُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ (﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]) .

و(ما يَقُولُ) في المَوْضِعَيْنِ إيجازٌ، لِأنَّهُ لَوْ حَكَيَ كَلامَهُ لَطالَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]) . أيْ وبِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. أيْ ما قالَهُ مِنَ الإلْحادِ والتَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ. وما قالَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ سَنَكْتُبُ جَزاءَهُ ونُهْلِكُهُ فَنَرِثُهُ ما سَمّاهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ نَرِثُ أعْيانَ ما ذَكَرَ أسْماءَهُ، إذْ لا يُعْقَلُ أنْ يُورَثَ عَنْهُ قَوْلُهُ وكَلامُهُ. فَ (ما يَقُولُ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في نَرِثُهُ، إذِ التَّقْدِيرُ: ونَرِثُ ولَدَهُ ومالَهُ.

صفحة ١٦٣

والإرْثُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في السَّلْبِ والأخْذِ، أوْ كِنايَةً عَنْ لازَمِهِ وهو الهَلاكُ. والمَقْصُودُ: تَذْكِيرُهُ بِالمَوْتِ، أوْ تَهْدِيدُهُ بِقُرْبِ هَلاكِهِ.

ومَعْنى إرْثِ أوْلادِهِ أنَّهم يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُونَ في حِزْبِ اللَّهِ، فَإنَّ العاصِي ولَدَ عَمْرًا الصَّحابِيَّ الجَلِيلَ وهِشامًا الصَّحابِيَّ الشَّهِيدَ يَوْمَ أجْنادِينَ، فَهُنا بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ونِكايَةً وكَمَدًا لِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ.

والفَرْدُ: الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ ما يَصِيرُ بِهِ عَدَدًا، إشارَةً إلى أنَّهُ يُحْشَرُ كافِرًا وحْدَهُ دُونَ ولَدِهِ، ولا مالَ لَهُ. وفَرْدًا حالٌ.

19:81–82Page 311

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١

And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.

كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢

No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].

﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) فَضَمِيرُ اتَّخَذُوا عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا لِأنَّ الكَلامَ جَرى عَلى بَعْضٍ مِنهم. والِاتِّخاذُ: جَعْلُ الشَّخْصِ الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ، فَجُعِلَ الِاتِّخاذُ هُنا الِاعْتِقادُ والعِبادَةُ. وفي فِعْلِ الِاتِّخاذِ إيماءٌ إلى أنَّ عَقِيدَتَهم في تِلْكَ الآلِهَةِ شَيْءٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ مُخْتَلَقٌ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ كَما قالَ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ (﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]) . وفي قَوْلِهِ (﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾) إيماءٌ إلى أنَّ الحَقَّ يَقْتَضِي أنْ يَتَّخِذُوا اللَّهَ إلَهًا، إذْ بِذَلِكَ تَقَرَّرَ الِاعْتِقادُ الحَقُّ مِن مَبْدَإ الخَلِيقَةِ، وعَلَيْهِ دَلَّتِ العُقُولُ الرّاجِحَةُ.

ومَعْنى (﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾) لِيَكُونُوا مُعِزِّينَ لَهم، أيْ ناصِرِينَ، فَأخْبَرَ عَنِ الآلِهَةِ بِالمَصْدَرِ لِتَصْوِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ في آلِهَتِهِمْ أنَّهم نَفْسُ العِزِّ، أيْ أنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِماءِ لَها يُكْسِبُهم عِزًّا.

صفحة ١٦٤

وأجْرى عَلى الآلِهَةِ ضَمِيرَ العاقِلِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم تَوَهَّمُوهم عُقَلاءَ مُدَبِّرِينَ. والضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ (سَيَكْفُرُونَ ويَكُونُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونا عائِدَيْنِ إلى آلِهَةً، أيْ سَيُنْكِرُ الآلِهَةُ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ إيّاهم، فَعَبَّرَ عَنِ الجُحُودِ والإنْكارِ بِالكُفْرِ، وسَتَكُونُ الآلِهَةُ ذُلًّا ضِدَّ العِزِّ. والأظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ (﴿سَيَكْفُرُونَ﴾) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ سَيَكْفُرُ المُشْرِكُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ فَيَكُونُ مُقابِلَ قَوْلِهِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾) . وفِيهِ تَمامُ المُقابَلَةِ، أيْ بَعْدَ أنْ تَكَلَّفُوا جَعْلَهم آلِهَةً لَهم سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، فالتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ (﴿سَيَكْفُرُونَ﴾) يُرَجِّحُ هَذا الحَمْلَ لِأنَّ الكُفْرَ شائِعٌ في الإنْكارِ الِاعْتِقادِيِّ لا في مُطْلَقِ الجُحُودِ، وأنَّ ضَمِيرَ يَكُونُونَ لِلْآلِهَةِ وفِيهِ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ. ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذْ كانَ السِّياقُ يُرْجِعُ كُلًّا إلى ما يُناسِبُهُ، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا

أيْ وأحْرَزَ جَمْعُ المُشْرِكِينَ ما جَمَعَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ الغَنائِمِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا (سَيَكْفُرُونَ ويَكُونُونَ) راجِعَيْنِ إلى المُشْرِكِينَ، و”أنَّ“ حَرْفُ الِاسْتِقْبالِ لِلْحُصُولِ قَرِيبًا؛ أيْ سَيَكْفُرُ المُشْرِكُونَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويَدْخُلُونَ في الإسْلامِ ويَكُونُونَ ضِدًّا عَلى الأصْنامِ يَهْدِمُونَ هَياكِلَها ويَلْعَنُونَها، فَهو بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلى دِينِ الكُفْرِ. وفي هَذِهِ المُقابَلَةِ طِباقٌ مَرَّتَيْنِ.

والضِّدُّ: اسْمُ مَصْدَرٍ، وهو خِلافُ الشَّيْءِ في الماهِيَّةِ أوِ المُعامَلَةِ. ومِنَ الثّانِي تَسْمِيَةُ العَدُوِّ ضِدًّا. ولِكَوْنِهِ في مَعْنى المَصْدَرِ لَزِمَ في حالِ الوَصْفِ بِهِ حالَةً واحِدَةً بِحَيْثُ لا يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ.

19:83–84Page 311

أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣

Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?

فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤

So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1

صفحة ١٦٥

﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيُّ لِجَوابِ سُؤالٍ يَجِيشُ في نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ مِن إيغالِ الكافِرِينَ في الضَّلالِ جَماعَتَهم. وآحادَهم، وما جَرَّهُ إلَيْهِمْ مِن سُوءِ المَصِيرِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦])، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم في الدُّنْيا، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) وجُمْلَةِ (﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٨٥]) . وأيْضًا هي كالتَّذْيِيلِ لِتِلْكَ الآياتِ والتَّقْرِيرِ لِمَضْمُونِها لِأنَّها تَسْتَخْلِصُ أحْوالَهم، وتَتَضَمَّنُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ إمْهالِهِمْ وعَدَمِ تَعْجِيلِ عِقابِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ في (ألَمْ تَرَ) تَعْجِيبِيُّ. ومَثَلُهُ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ يَجْعَلُونَ الِاسْتِفْهامَ عَلى نَفْيِ فِعْلٍ.

والمُرادُ حُصُولُ ضِدِّهِ بِحَثِّ المُخاطَبِ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِهِ، أيْ كَيْفَ لَمْ تَرَ ذَلِكَ. ونُزِّلَ إرْسالُ الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ لِاتِّضاحِ آثارِهِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المَرْئِيِّ المُشاهَدِ، فَوَقَعَ التَّعْجِيبُ مِن مَرْآهُ بِقَوْلِهِ: ألَمْ تَرَ ذَلِكَ.

والأزُّ: الهَزُّ والِاسْتِفْزازُ الباطِنِيُّ، مَأْخُوذٌ مِن أزِيزِ القِدْرِ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها. شَبَّهَ اضْطِرابَ اعْتِقادِهِمْ وتَناقُضَ أقْوالِهِمْ واخْتِلاقَ أكاذِيبِهِمْ بِالغَلَيانِ في صُعُودٍ وانْخِفاضٍ وفَرْقَعَةٍ وسُكُونٍ، فَهو اسْتِعارَةٌ فَتَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ تَرْشِيحٌ. وإرْسالُ الشَّياطِينَ عَلَيْهِمْ تَسْخِيرُهم لَها وعَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِالإرْشادِ النَّبَوِيِّ المُنْقِذِ مِن حَبائِلِها، وذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ

صفحة ١٦٦

مَواعِظِ الوَحْيِ. ولِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ (﴿عَلى الكافِرِينَ﴾) . وجَعَلَ تَؤُزُّهم حالًا مُقَيَّدًا لِلْإرْسالِ؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ مُرْسَلَةٌ عَلى جَمِيعِ النّاسِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ المُؤْمِنِينَ مِن كَيْدِ الشَّياطِينَ عَلى حَسْبِ قُوَّةِ الإيمانِ وصَلاحِ العَمَلِ، قالَ تَعالى (﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]) .

وفُرِّعَ عَلى هَذا الِاسْتِئْنافِ وهَذِهِ التَّسْلِيَةِ قَوْلُهُ (﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾)، أيْ فَلا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ لَهم إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا. وعُبِّرَ بِ (﴿تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾) مُعَدًّى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إكْرامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الَّذِي هَلاكُهم بِيَدِهِ. فَنَهى عَنْ تَعْجِيلِهِ بِهَلاكِهِمْ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَبُولِ دُعائِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَلَوْ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ لِأهْلَكَهُمُ اللَّهُ كَيْلا يَرُدَّ دَعْوَةَ نَبِيئِهِ ﷺ، لِأنَّهُ يُقالُ: عَجِلَ عَلى فُلانٍ بِكَذا، أيْ أسْرَعَ بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: عَجِلَ إلَيْهِ إذا أسْرَعَ بِالذَّهابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ (﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤])، فاخْتِلافُ حُرُوفِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ عَجَّلَ يُنْبِئُ عَنِ اخْتِلافِ المَعْنى المَقْصُودِ بِالتَّعْجِيلِ. ولَعَلَّ سَبَبَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]) في سُورَةِ الأحْقافِ أنَّ المُرادَ هُنا اسْتِعْجالُ الِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ وهو مُقَدَّرٌ كَوْنُهُ عَلى يَدِ النَّبِيءِ ﷺ، فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا (﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾)، أيِ انْتَظِرْ يَوْمَهُمُ المَوْعُودَ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾)، أيْ نُنْظِرُهم ونُؤَجِّلُهم، وأنَّ العَذابَ المَقْصُودَ في سُورَةِ الأحْقافِ هو عَذابُ الآخِرَةِ لِوُقُوعِهِ في خِلالِ الوَعِيدِ لَهم بِعَذابِ النّارِ لِقَوْلِهِ هُنالِكَ (﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]) .

صفحة ١٦٧

والعَدُّ: الحِسابُ.

وإنَّما لِلْقَصْرِ، أيْ ما نَحْنُ إلّا نَعُدُّ لَهم، وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ نَعُدُّ لَهم ولَسْنا بِناسِينَ لَهم كَما يَظُنُّونَ، أوْ لَسْنا بِتارِكِينَهم مِنَ العَذابِ بَلْ نُؤَخِّرُهم إلى يَوْمٍ مَوْعُودٍ. وأفادَتْ جُمْلَةُ (﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾) تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنِ التَّعْجِيلِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن إنَّ وما وإنَّ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ العَدُّ مَجازًا في قَصْرِ المُدَّةِ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يُعَدُّ ويُحْسَبُ. وفي هَذا إنْذارٌ بِاقْتِرابِ اسْتِئْصالِهِمْ.

19:85–87Page 311

يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥

On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation

وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦

And will drive the criminals to Hell in thirst

لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧

None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1

﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .

إتْمامٌ لِإثْباتِ قِلَّةِ غِناءِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم تَبَعًا لِقَوْلِهِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) . فَجُمْلَةُ (﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾) هو مَبْدَأُ الكَلامِ، وهو بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) . والظَّرْفُ وما أُضِيفَ الظَّرْفُ إلَيْهِ إدْماجٌ بُيِّنَتْ بِهِ كَرامَةُ المُؤْمِنِينَ وإهانَةُ الكافِرِينَ. وفي ضِمْنِهِ زِيادَةُ بَيانِ الجُمْلَةِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) بِأنَّهم كانُوا سَبَبَ سَوْقِهِمْ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ومُخالَفَتِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ. فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَمْلِكُونَ.

صفحة ١٦٨

وضَمِيرُ (﴿لا يَمْلِكُونَ﴾) عائِدٌ لِلْآلِهَةِ. والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْفَعُوا مَنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا.

والحَشْرُ: الجَمْعُ مُطْلَقًا، يَكُونُ في الخَيْرِ كَما هُنا. وفي الشَّرِ كَقَوْلِهِ (﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣])، ولِذَلِكَ أتْبَعَ فِعْلَ نَحْشُرُ بِقَيْدِ (وفْدًا)، أيْ حَشْرَ الوُفُودِ إلى المُلُوكِ، فَإنَّ الوُفُودَ يَكُونُونَ مُكْرَمِينَ، وكانَتْ لِمُلُوكِ العَرَبِ وكُرَمائِهِمْ وُفُودٌ في أوْقاتٍ، ولِأعْيانِ العَرَبِ وِفاداتٌ سَنَوِيَّةٌ عَلى مُلُوكِهِمْ وسادَتِهِمْ. ولِكُلِّ قَبِيلَةٍ وِفادَةٌ، وفي المَثَلِ إنَّ الشَّقِيَّ وافِدُ البَراجِمِ. وقَدِ اتَّبَعَ العَرَبُ هَذِهِ السُّنَّةَ فَوَفَدُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ أشْرَفُ السّادَةِ. وسَنَةُ الوُفُودِ هي سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ تَلَتْ فَتْحَ مَكَّةَ بِعُمُومِ الإسْلامِ بِلادَ العَرَبِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا واضِحَةُ المُناسِبَةِ لِلْوَفْدِ.

والسَّوْقُ: تَسْيِيرُ الأنْعامِ قُدّامَ رُعاتِها، يَجْعَلُونَها أمامَهم لِتَرْهَبَ زَجْرَهم وسِياطَهم فَلا تَتَفَلَّتُ عَلَيْهِمْ، فالسَّوْقُ: سَيْرُ خَوْفٍ وحَذَرٍ. وقَوْلُهُ وِرْدًا حالٌ قُصِدَ مِنها التَّشْبِيهُ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ جامِدَةً لِأنَّ مَعْنى التَّشْبِيهِ يَجْعَلُها كالمُشْتَقِّ. والوِرْدُ بِكَسْرِ الواوِ: أصْلُهُ السَّيْرُ إلى الماءِ، وتُسَمّى الأنْعامُ الوارِدَةُ وِرْدًا تَسْمِيَةً عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ ذاتَ وِرْدٍ، كَما يُسَمّى الماءُ الَّذِي يَرِدُهُ القَوْمُ وِرْدًا. قالَ تَعالى (﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]) . والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ يَوْمئِذٍ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، أيْ مَن وعَدَهُ اللَّهُ بِأنْ يَشْفَعَ وهُمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ.

صفحة ١٦٩

ومَعْنى (﴿لا يَمْلِكُونَ﴾) لا يَسْتَطِيعُونَ، فَإنَّ المِلْكَ يُطْلَقُ عَلى المَقْدِرَةِ والِاسْتِطاعَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦]) في سُورَةِ العُقُودِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском