Ibn 'AshurMaryam · 19:88–98

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:88–98

19:88–95Page 311

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨

And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."

لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ٨٩

You have done an atrocious thing.

تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠

The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation

أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ٩١

That they attribute to the Most Merciful a son.

وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢

And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.

إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣

There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.

لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤

He has enumerated them and counted them a [full] counting.

وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥

And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.

﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.

صفحة ١٧٠

وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.

وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.

والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.

و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .

صفحة ١٧١

والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.

قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.

والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.

و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.

ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:

إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا

وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .

صفحة ١٧٢

ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.

نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.

فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.

والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.

صفحة ١٧٣

ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.

فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.

وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.

صفحة ١٧٤

وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.

ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .

وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.

19:96Page 312

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .

يَقْتَضِي اتِّصالَ الآياتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ في المَعانِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وصَفٌ لِحالِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بِضِدِّ حالِ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ حالُ إتْيانِهِمْ غَيْرَ حالِ انْفِرادٍ بَلْ حالُ تَأنُّسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.

ولَمّا خُتِمَتِ الآيَةُ قَبْلَها بِأنَّ المُشْرِكِينَ آتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدِينَ. وكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِأنَّهم آتُونَ إلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَمَنّى المُوَرَّطُ فِيهِ مَن يَدْفَعُ عَنْهُ ويَنْصُرُهُ، وإشْعارُ ذَلِكَ بِأنَّهم مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، وأنَّهم عَلى العَكْسِ مِن حالِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهم يَكُونُونَ يَوْمَئِذٍ بِمَقامِ المَوَدَّةِ والتَّبْجِيلِ. فالمَعْنى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ أوِدّاءَ مِنَ المَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى (﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في

صفحة ١٧٥

الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١])، ويَجْعَلُ بَيْنَ أنْفُسِهِمْ مَوَدَّةً كَما قالَ تَعالى (﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣]) . وإيثارُ المَصْدَرِ لِيَفِي بِعِدَّةِ مُتَعَلَّقاتٍ بِالوُدِّ. وفُسِّرَ أيْضًا جَعْلُ الوُدِّ بِأنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَهم مَحَبَّةً في قُلُوبِ أهْلِ الخَيْرِ. رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الدَّراوَرْدِيِّ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ عَنْ أحَدٍ مِمَّنْ رَوى الحَدِيثَ عَنْ غَيْرِ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ولا عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ في غَيْرِ رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ، فَهَذِهِ الزِّيادَةُ إدْراجٌ مِن قُتَيْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ خاصَّةً.

وفُسِّرَ أيْضًا بِأنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَهم مَحَبَّةً مِنهُ تَعالى. فالجَعْلُ هُنا كالإلْقاءِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]) . هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في تَفْسِيرِ الوُدِّ. وقَدْ ذَهَبَ فِيهِ جَماعاتُ المُفَسِّرِينَ إلى أقْوالٍ شَتّى مُتَفاوِتَةٍ في القَبُولِ.

19:97Page 312

فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧

So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.

﴿فَإنَّما يَسَّرْنَهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قُومًا لُدًّا﴾ .

إيذانٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ، فَإنَّ شَأْنَ الإتْيانِ بِكَلامٍ جامِعٍ بَعْدَ أفْنانِ الحَدِيثِ أنْ يُؤْذِنَ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ سَيَطْوِي بِساطَهُ. وذَلِكَ شَأْنُ التَّذْيِيلاتِ والخَواتِمِ وهي ما يُؤْذِنُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ. فَلَمّا احْتَوَتِ السُّورَةُ عَلى عِبَرٍ وقَصَصٍ وبِشاراتٍ ونُذُرٍ جاءَ هُنا في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وبَيانِ بَعْضِ ما في تَنْزِيلِهِ مِنَ الحِكَمِ.

فَيَجُوزُ جَعْلُ الفاءِ فَصِيحَةً مُؤْذِنَةً بِكَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلِّغْ ما أنْزَلْنا إلَيْكَ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ما فِيهِ مِن إبْطالِ دِينِهِمْ وإنْذارِهِمْ بِسُوءِ العاقِبَةِ فَما أنْزَلْناهُ إلَيْكَ إلّا لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ

صفحة ١٧٦

ولا تَعْبَأْ بِما حَصَلَ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الغَيْظِ أوِ الحِقْدِ. وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: لَوْ كَفَفْتَ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنا وآبائِنا وتَسْفِيهِ آرائِنا لاتَّبَعْناكَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى وعِيدِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]) . ووَعَدَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]) . والمُفَرَّعُ هو مَضْمُونُ (﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ﴾) إلَخْ (﴿وتُنْذِرَ بِهِ﴾) إلَخْ، أيْ ذَلِكَ أثَرُ الإعْراضِ عَمّا جِئْتَ بِهِ مِنَ النِّذارَةِ، وأثَرُ الإقْبالِ عَلى ما جِئْتَ بِهِ مِنَ البِشارَةِ مِمّا يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ فَإنّا ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ إلّا لِذَلِكَ.

وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ بِدَلالَةِ السِّياقِ مِثْلُ (﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]) . وبِذَلِكَ عُلِمَ أنَّ التَّيْسِيرَ تَسْهِيلُ قِراءَةِ القُرْآنِ. وهَذا إدْماجٌ لِلثَّناءِ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ مُيَسَّرٌ لِلْقِراءَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]) .

واللِّسانُ: اللُّغَةُ، أيْ بِلُغَتِكَ، وهي العَرَبِيَّةُ، كَقَوْلِهِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥])؛ فَإنَّ نُزُولَ القُرْآنِ بِأفْضَلِ اللُّغاتِ وأفْصَحِها هو مِن أسْبابِ فَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ وتَسْهِيلِ حِفْظِهِ ما لَمْ يُسَهَّلْ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوِ المُصاحَبَةِ.

وعَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِ ”قَوْمًا لُدًّا“ ذَمًّا لَهم بِأنَّهم أهْلُ إيغالٍ في المِراءِ والمُكابَرَةِ، أيْ أهْلُ تَصْمِيمٍ عَلى باطِلِهِمْ، فاللُّدُّ: جَمْعُ ألَدٍّ، وهو الأقْوى في اللَّدَدِ، وهو الإبايَةُ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. وفي الحَدِيثِ

صفحة ١٧٧

الصَّحِيحِ: «أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ الألَدُّ الَخَصِمُ» .

ومِمّا جَرَّهُ الإشْراكُ إلى العَرَبِ مِن مَذامِّ الأخْلاقِ الَّتِي خَلَطُوا بِها مَحاسِنَ أخْلاقِهِمْ أنَّهم رُبَّما تُمُدِّحُوا بِاللَّدَدِ، قالَ بَعْضُهم في رِثاءِ البَعْضِ:

إنَّ تَحْتَ الأحْجارِ حَزْمًا وعَزْمًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِغْلاقِ

وقَدْ حَسُنَ مُقابَلَةُ المُتَّقِينَ بِقَوْمٍ لُدٍّ. لِأنَّ التَّقْوى امْتِثالٌ وطاعَةٌ والشِّرْكَ عِصْيانٌ ولَدَدٌ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ كُفْرَهم عَنْ عِنادٍ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هو الحَقُّ، كَما قالَ تَعالى (﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]) .

وإيقاعُ لَفْظِ القَوْمِ عَلَيْهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللَّدَدَ شَأْنُهم، وهو الصِّفَةُ الَّتِي تَقَوَّمَتْ مِنها قَوْمِيَّتُهم، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى (﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]) في سُورَةِ يُونُسَ.

19:98Page 312

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨

And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?

﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ .

لَمّا ذُكِرُوا بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ أُتْبِعَ بِالتَّعْرِيضِ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ لِجَبَرُوتِها وتَعَنُّتِها لِتَكُونَ لَهم قِياسًا ومَثَلًا. فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧]) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ ونِذارَةِ المُعانِدِينَ، لِأنَّ في التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ لَهم نِذارَةٌ لَهم وبِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاقْتِرابِ إراحَتِهِمْ مِن ضُرِّهِمْ.

صفحة ١٧٨

وكَمْ خَبَرِيَّةُ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ.

والقَرْنُ: الأُمَّةُ والجِيلُ. ويُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ الَّذِي تَعِيشُ فِيهِ الأُمَّةُ. وشاعَ تَقْدِيرُهُ بِمِائَةِ سَنَةٍ. و(مِن) بَيانِيَّةٌ، وما بَعْدَها تَمْيِيزُ كَمْ.

والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾) إنْكارِيٌّ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَبَعًا لِقَوْلِهِ (﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧]) أيْ ما تُحِسُّ، أيْ ما تَشْعُرُ بِأحَدٍ مِنهم. والإحْساسُ: الإدْراكُ بِالحِسِّ، أيْ لا تَرى مِنهم أحَدًا.

والرِّكْزُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، ويُقالُ: الرِّزُّ، وقَدْ رُوِيَ بِهِما قَوْلُ لَبِيدٍ:

وتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأنِيسِ فَراعَها عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها

وهُوَ كِنايَةٌ عَنِ اضْمِحْلالِهِمْ؛ كُنِّيَ بِاضْمِحْلالِ لَوازِمِ الوُجُودِ عَنِ اضْمِحْلالِ وجُودِهِمْ.

* * *

صفحة ١٧٩

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ طَهَ

سُمِّيَتْ سُورَةُ (طاها) باسِمِ الحَرْفَيْنِ المَنطُوقِ بِهِما في أوَّلِها.

ورُسِمَ الحَرْفانِ بِصُورَتِهِما لا بِما يَنْطِقُ بِهِ النّاطِقُ مِنَ اسْمَيْهِما تَبَعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وكَذَلِكَ ورَدَتْ تَسْمِيَتُها في كُتُبِ السُّنَّةِ في حَدِيثِ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.

وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ مُسْنَدِ الدِّرامِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَرَأ (طاها) ”(بِاسْمَيْنِ)“ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ فَلَمّا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ القُرْآنَ قالُوا: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ هَذا عَلَيْها» الحَدِيثَ.

قالَ ابْنُ فُورَكَ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَ كَلامَهُ وأسْمَعَهُ مَن أرادَ أنْ يَسْمَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَتَكُونُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .

وذَكَرَ في الإتْقانِ عَنِ السَّخاوِيِّ أنَّها تُسَمّى أيْضًا ”سُورَةُ الكَلِيمِ“، وفِيهِ عَنِ الهُذَلِيِّ في كامِلِهِ أنَّها تُسَمّى ”سُورَةُ مُوسى“ .

صفحة ١٨٠

وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةِ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وفِي الإتْقانِ أنَّهُ اسْتُثْنِيَ مِنها آيَةُ (﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠]) الآيَةَ.

واسْتَظْهَرَ في الإتْقانِ أنْ يُسْتَثْنى مِنها قَوْلُهُ تَعالى (﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣١]) الآيَةَ. لِما أخْرَجَ أبُو يَعْلى والبَزّارُ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «أضافَ النَّبِيءُ ﷺ ضَيْفًا فَأرْسَلَنِي إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أنْ أسْلِفْنِي دَقِيقًا إلى هِلالِ رَجَبٍ فَقالَ: لا، إلّا بِرَهْنٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيءَ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: أمّا واللَّهِ إنِّي لِأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ. فَلَمْ أخْرُجْ مِن عِنْدِهِ حَتّى نَزَلَتْ (﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه»: ١٣١]) الآيَةَ اهـ.

وعِنْدِي أنَّهُ إنْ صَحَّ حَدِيثُ أبِي رافِعٍ فَهو مِنِ اشْتِباهِ التِّلاوَةِ بِالنُّزُولِ. فَلَعَلَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأها مُتَذَكِّرًا فَظَنَّها أبُو رافِعٍ نازِلَةً ساعَتَئِذٍ ولَمْ يَكُنْ سَمِعَها قَبْلُ، أوْ أطْلَقَ النُّزُولَ عَلى التِّلاوَةِ. ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في المَرْوِيّاتِ في أسْبابِ النُّزُولِ كَما عَلِمْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وهَذِهِ السُّورَةُ هي الخامِسَةُ والأرْبَعُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مَرْيَمَ وقَبْلَ سُورَةِ الواقِعَةِ. ونَزَلَتْ قَبْلَ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِما رَوى الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ عَنْهُ قالَ: خَرَجَ عُمَرُ مُتَقَلِّدًا بِسَيْفٍ. فَقِيلَ لَهُ: أنَّ خَتَنَكَ وأُخْتَكَ قَدْ صَبَوْا، فَأتاهُما عُمَرُ وعِنْدَهُما خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ يُقْرِئُهُما سُورَةُ ”طاها“، فَقالَ: أعْطَوْنِي الكِتابَ الَّذِي عِنْدَكم فَأقْرَأهُ، فَقالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إنَّكَ رِجْسٌ، ولا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ فَقُمْ فاغْتَسِلْ أوْ تَوَضَّأ. فَقامَ عُمَرُ وتَوَضَّأ وأخَذَ الكِتابَ فَقَرَأ طَهَ. فَلَمّا قَرَأ صَدْرًا مِنها قالَ: ما أحْسَنَ هَذا الكَلامِ وأكْرَمَهُ إلى آخِرِ القِصَّةِ.

وذَكَرَ الفَخْرُ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ.

صفحة ١٨١

وكانَ إسْلامُ عُمَرَ في سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ البِعْثَةِ قُبَيْلَ الهِجْرَةِ الأُولى إلى الحَبَشَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ في سَنَةِ خَمْسٍ أوْ أواخِرِ سَنَةِ أرْبَعٍ مِنَ البَعْثَةِ.

وعُدَّتْ آيُها في عَدَدِ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ مِائَةً وأرْبَعًا وثَلاثِينَ وفي عَدَدِ أهْلِ الشّامِ مِائَةً وأرْبَعِينَ، وفي عَدَدِ أهْلِ البَصْرَةِ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ. وفي عَدَدِ أهْلِ الكُوفَةِ مِائَةً وخَمْسًا وثَلاثِينَ.

* * *

احْتَوَتْ مِنَ الأغْراضِ عَلى:

التَّحَدِّي بِالقُرْآنِ بِذِكْرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في مُفْتَتَحِها والتَّنْوِيهِ بِأنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِهَدْيِ القابِلَيْنَ لِلْهِدايَةِ؛ فَأكْثَرُها في هَذا الشَّأْنِ.

والتَّنْوِيهُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى. وإثْباتُ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّها تُماثِلُ رِسالَةَ أعْظَمِ رَسُولٍ قَبْلَهُ شاعَ ذِكْرُهُ في النّاسِ. فَضَرَبَ المَثَلَ لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِكَلامِ اللَّهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وبَسَطَ نَشْأةَ مُوسى وتَأْيِيدَ اللَّهِ إيّاهُ ونَصْرَهُ عَلى فِرْعَوْنَ بِالحُجَّةِ والمُعْجِزاتِ وبِصَرْفِ كَيْدِ فِرْعَوْنَ عَنْهُ وعَنْ أتْباعِهِ.

وإنْجاءَ اللَّهِ مُوسى وقَوْمَهُ، وغَرَقَ فِرْعَوْنَ، وما أكْرَمَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ في خُرُوجِهِمْ مِن بَلَدِ القِبْطِ.

وقِصَّةَ السّامِرِيِّ وصُنْعَهُ العَجَلَ الَّذِي عَبَدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ في مَغِيبِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

صفحة ١٨٢

وكُلُّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَآلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صائِرٌ إلى ما صارَتْ إلَيْهِ بَعْثَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النَّصْرِ عَلى مُعانَدِيهِ. فَلِذَلِكَ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى وعِيدِ مَن أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ ولَمْ تَنْفَعْهم أمْثالُهُ ومَواعِظُهُ.

ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ سُوءَ الجَزاءِ في الآخِرَةِ لِمَن جَعَلُوا مَقادَتَهم بِيَدِ الشَّيْطانِ وإنْذارَهم بِسُوءِ العِقابِ في الدُّنْيا.

وتَسْلِيَةَ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يَقُولُونَهُ وتَثْبِيتَهُ عَلى الدِّينِ.

وتَخَلَّلَ ذَلِكَ إثْباتُ البَعْثِ. وتَهْوِيلُ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَتَقَدَّمُهُ مِنَ الحَوادِثِ والأهْوالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском