Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:11–13

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:11–13

2:11Page 3

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يَظْهَرُ لِي أنَّ جُمْلَةَ وإذا قِيلَ لَهم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ إخْبارٌ عَنْ بَعْضِ عَجِيبِ أحْوالِهِمْ، ومِن تِلْكَ الأحْوالِ أنَّهم قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في حِينِ أنَّهم مُفْسِدُونَ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى أقْرَبِ الجُمَلِ المُلِظَّةِ لِأحْوالِهِمْ وإنْ كانَ ذَلِكَ آيِلًا في المَعْنى إلى كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] و”إذا“ هُنا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَتْ مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ كَما أنَّها هُنا لِلْماضِي ولَيْسَتْ لِلْمُسْتَقْبَلِ وذَلِكَ كَثِيرٌ فِيها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآيَةَ.

ومِن نُكَتِ القُرْآنِ المَغْفُولِ عَنْها تَقْيِيدُ هَذا الفِعْلِ بِالظَّرْفِ فَإنَّ الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَحَلَّ المَذَمَّةِ هو أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ، ولَكِنْ عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ أنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ قائِلُوهُ أجْدَرَ بِالمَذَمَّةِ حِينَ يَقُولُونَهُ في جَوابِ مَن يَقُولُ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ فَإنَّ هَذا الجَوابَ الصّادِرَ مِنَ المُفْسِدِينَ لا يَنْشَأُ إلّا عَنْ مَرَضِ القَلْبِ وأفَنِ الرَّأْيِ، لِأنَّ شَأْنَ الفَسادِ أنْ لا يَخْفى ولَئِنْ خَفِيَ فالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ واعْتِقادُ أنَّهُ صَلاحٌ بَعْدَ الإيقاظِ إلَيْهِ والمَوْعِظَةِ، إفْراطٌ في الغَباوَةِ أوِ المُكابَرَةِ وجَهْلٌ فَوْقَ جَهْلٍ.

وعِنْدِي أنَّ هَذا هو المُقْتَضِي لِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى جُمْلَةِ قالُوا. . .، لِأنَّهُ أهَمُّ إذْ هو مَحَلُّ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، ونُكَتُ الإعْجازِ لا تَتَناهى.

صفحة ٢٨٤

والقائِلُ لَهم ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بَعْضُ مَن وقَفَ عَلى حالِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمُ اطِّلاعٌ عَلى شُؤُونِهِمْ لِقَرابَةٍ أوْ صُحْبَةٍ، فَيُخْلِصُونَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ والمَوْعِظَةَ رَجاءَ إيمانِهِمْ ويَسْتُرُونَ عَلَيْهِمْ خَشْيَةً عَلَيْهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وعِلْمًا بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُغْضِي عَنْ زَلّاتِهِمْ كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وفِي جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ما يُفِيدُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُفْسِدُونَ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى حَرْفِ ”إنَّما“ كَما سَيَأْتِي ويَدُلُّ لِذَلِكَ عِنْدِي بِناءُ فِعْلِ قِيلَ لِلْمَجْهُولِ بِحَسَبِ ما يَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ القائِلُ لَهُمُ اللَّهُ والرَّسُولُ إذْ لَوْ نَزَلَ الوَحْيُ وبَلَّغَ إلى مُعَيَّنِينَ مِنهم لَعُلِمَ كُفْرُهم ولَوْ نَزَلَ مُجْمَلًا كَما تَنْزِلُ مَواعِظُ القُرْآنِ لَمْ يَسْتَقِمْ جَوابُهم بِقَوْلِهِمْ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ.

وقَدْ عَنَّ لِي في بَيانِ إيقاعِهِمُ الفَسادَ أنَّهُ مَراتِبٌ: أوَّلُها إفْسادُهم أنْفُسَهم بِالإصْرارِ عَلى تِلْكَ الأدْواءِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها فِيما مَضى وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ المَذامِّ ويَتَوَلَّدُ مِنَ المَفاسِدِ.

الثّانِيَةُ: إفْسادُهُمُ النّاسَ بِبَثِّ تِلْكَ الصِّفاتِ، والدَّعْوَةِ إلَيْها، وإفْسادُهم أبْناءَهم وعِيالَهم في اقْتِدائِهِمْ بِهِمْ في مَساوِيهِمْ كَما قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] الثّالِثَةُ: إفْسادُهم بِالأفْعالِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها فَسادُ المُجْتَمَعِ، كَإلْقاءِ النَّمِيمَةِ والعَداوَةِ وتَسْعِيرِ الفِتَنِ وتَأْلِيبِ الأحْزابِ عَلى المُسْلِمِينَ وإحْداثِ العَقَباتِ في طَرِيقِ المُصْلِحِينَ.

والإفْسادُ فِعْلُ ما بِهِ الفَسادُ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ أيْ جَعْلِ الأشْياءِ فاسِدَةً في الأرْضِ.

والفَسادُ أصْلُهُ اسْتِحالَةُ مَنفَعَةِ الشَّيْءِ النّافِعِ إلى مَضَرَّةٍ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ مُشْتَمِلًا عَلى مَضَرَّةٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ مِن قَبْلُ، يُقالُ: فَسَدَ الشَّيْءُ بَعْدَ أنْ كانَ صالِحًا ويُقالُ: فاسِدٌ إذا وُجِدَ فاسِدًا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وكَذَلِكَ يُقالُ: أفْسَدَ إذا عَمَدَ إلى شَيْءٍ صالِحٍ فَأزالَ صَلاحَهُ، ويُقالُ: أفْسَدَ إذا أوْجَدَ فَسادًا مِن أوَّلِ الأمْرِ.

والأظْهَرُ أنَّ الفَسادَ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ المَعْنَيَيْنِ ولَيْسَ مِنَ الوَضْعِ المُشْتَرَكِ، فَلَيْسَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِما كَما هُنا مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ.

فالإفْسادُ في الأرْضِ مِنهُ تَصْيِيرُ الأشْياءِ الصّالِحَةِ مُضِرَّةً كالغِشِّ في الأطْعِمَةِ، ومِنهُ إزالَةُ الأشْياءِ النّافِعَةِ كالحَرْقِ والقَتْلِ لِلْبَراءِ، ومِنهُ إفْسادُ الأنْظِمَةِ كالفِتَنِ والجَوْرِ، ومِنهُ إفْسادُ المَساعِي كَتَكْثِيرِ الجَهْلِ وتَعْلِيمِ الدَّعارَةِ وتَحْسِينِ الكُفْرِ ومُناوَأةِ

صفحة ٢٨٥

الصّالِحِينَ المُصْلِحِينَ، ولَعَلَّ المُنافِقِينَ قَدْ أخَذُوا مِن ضُرُوبِ الإفْسادِ بِالجَمِيعِ، فَلِذَلِكَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ تُفْسِدُوا تَأْكِيدًا لِلْعُمُومِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ.

وذِكْرُ المَحَلِّ الَّذِي أفْسَدُوا ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ وهو الأرْضُ لِتَفْظِيعِ فَسادِهِمْ بِأنَّهُ مَبْثُوثٌ في هَذِهِ الأرْضِ لِأنَّ وُقُوعَهُ في رُقْعَةٍ مِنها تَشْوِيهٌ لِمَجْمُوعِها. والمُرادُ بِالأرْضِ هَذِهِ الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الأشْياءِ القابِلَةِ لِلْإفْسادِ مِنَ النّاسِ والحَيَوانِ والنَّباتِ وسائِرِ الأنْظِمَةِ والنَّوامِيسِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ تَعالى لَها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ جَوابٌ بِالنَّقْضِ فَإنَّ الإصْلاحَ ضِدُّ الإفْسادِ، أيْ جَعْلِ الشَّيْءِ صالِحًا، والصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ يُقالُ: صَلَحَ بَعْدَ أنْ كانَ فاسِدًا، ويُقالُ: صَلَحَ بِمَعْنى وُجِدَ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ صالِحًا فَهو مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ كَما قُلْنا. وجاءُوا بِإنَّما المُفِيدَةِ لِلْقَصْرِ بِاتِّفاقِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ والتَّفْسِيرِ ولا اعْتِدادَ بِمُخالِفِهِ شُذُوذًا في ذَلِكَ. وأفادَ إنَّما هُنا قَصْرَ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ رَدًّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ لَهم: لا تُفْسِدُوا، لِأنَّ القائِلَ أثْبَتَ لَهم وصْفَ الفَسادِ إمّا بِاعْتِقادِ أنَّهم لَيْسُوا مِنَ الصَّلاحِ في شَيْءٍ أوْ بِاعْتِقادِ أنَّهم قَدْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وفاسِدًا، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ بِقَصْرِ القَلْبِ، ولَيْسَ هو قَصْرًا حَقِيقِيًّا لِأنَّ قَصْرَ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ لا يَكُونُ حَقِيقِيًّا ولِأنَّ حَرْفَ إنَّما يَخْتَصُّ بِقَصْرِ القَلْبِ كَما في دَلائِلِ الإعْجازِ، واخْتِيرَ في كَلامِهِمْ حَرْفُ إنَّما لِأنَّهُ يُخاطَبُ بِهِ مُخاطَبٌ مُصِرٌّ عَلى الخَطَأِ كَما في دَلائِلِ الإعْجازِ وجُعِلَتْ جُمْلَةُ القَصْرِ اسْمِيَّةً لِتُفِيدَ أنَّهم جَعَلُوا اتِّصافَهم بِالإصْلاحِ أمْرًا ثابِتًا دائِمًا، إذْ مِن خُصُوصِيّاتِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إفادَةُ الدَّوامِ.

2:12Page 3

أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾

رَدٌّ عَلَيْهِمْ في غُرُورِهِمْ وحَصْرِهِمْ أنْفُسَهم في الصَّلاحِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ القَصْرِ هو أبْلَغُ فِيهِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي قالُوهُ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ فَيُفِيدُ قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ قَصْرَ الإفْسادِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ في غَيْرِهِمْ وذَلِكَ يَنْفِي حَصْرَهم أنْفُسَهم في الإصْلاحِ ويَنْقُضُهُ وهو جارٍ عَلى قانُونِ النَّقْضِ وعَلى أُسْلُوبِ القَصْرِ الحاصِلِ بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وإنْ كانَ الرَّدُّ قَدْ يَكْفِي فِيهِ أنْ يُقالَ إنَّهم مُفْسِدُونَ بِدُونِ صِيغَةِ قَصْرٍ، إلّا أنَّهُ

صفحة ٢٨٦

قَصَرَ لِيُفِيدَ ادِّعاءَ نَفْيِ الإفْسادِ عَنْ غَيْرِهِمْ. وقَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ يَنْتَظِمُ في عِدادِ المُصْلِحِينَ لِأنَّ شَأْنَ المُفْسِدِ عُرْفًا أنْ لا يَكُونَ مُصْلِحًا إذِ الإفْسادُ هَيِّنُ الحُصُولِ وإنَّما يَصُدُّ عَنْهُ الوازِعُ فَإذا خَلَعَ المَرْءُ عَنْهُ الوازِعَ وأخَذَ في الإفْسادِ هانَ عَلَيْهِ الإفْسادُ ثُمَّ تَكَرَّرَ حَتّى يُصْبِحَ سَجِيَّةً ودَأْبًا لا يَكادُ يُفارِقُ مَوْصُوفَهُ.

وحَرْفُ ألا لِلتَّنْبِيهِ إعْلانًا لِوَصْفِهِمْ بِالإفْسادِ.

وقَدْ أكَّدَ قَصْرَ الفَسادِ عَلَيْهِمْ بِضَمِيرِ الفَصْلِ أيْضًا - كَما أكَّدَ بِهِ القَصْرَ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا ودُخُولُ (إنَّ) عَلى الجُمْلَةِ وقَرْنُها بِألا المُفِيدَةِ لِلتَّنْبِيهِ وذَلِكَ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وتَقْوِيَتِهِ دَلالَةً عَلى سَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فَإنَّ أدَواتِ الِاسْتِفْتاحِ مِثْلَ: ”ألا“، ”وأما“ لَمّا كانَ شَأْنُها أنْ يُنَبَّهَ بِها السّامِعُونَ دَلَّتْ عَلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وإشاعَتِهِ وإعْلانِهِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَدُلَّ عَلى أبْلَغِيَّةِ ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ أوْ غَيْرِهِما، ويَدُلُّ ذَلِكَ أيْضًا عَلى كَمالِ ظُهُورِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ لِلْعِيانِ لِأنَّ أدَواتِ التَّنْبِيهِ شارَكَتْ أسْماءَ الإشارَةِ في تَنْبِيهِ المُخاطَبِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ مَحْمَلُهُ مَحْمَلُ قَوْلِهِ تَعالى قَبْلَهُ (﴿وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]) فَإنَّ أفْعالَهُمُ الَّتِي يَبْتَهِجُونَ بِها ويَزْعُمُونَها مُنْتَهى الحِذْقِ والفِطْنَةِ وخِدْمَةِ المَصْلَحَةِ الخالِصَةِ آيِلَةٌ إلى فَسادٍ عامٍّ لا مَحالَةَ إلّا أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا إلى ذَلِكَ لِخَفائِهِ ولِلْغِشاوَةِ الَّتِي أُلْقِيَتْ عَلى قُلُوبِهِمْ مِن أثَرِ النِّفاقِ ومُخالَطَةِ عُظَماءِ أهْلِهِ، فَإنَّ حالَ القَرِينِ وسَخافَةَ المَذْهَبِ تَطْمِسُ عَلى العُقُولِ النَّيِّرَةِ وتَخِفُّ بِالأحْلامِ الرّاجِحَةِ حَتّى تَرى حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ. ومَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ هُنا لِأنَّ الكَلامَ دَفْعٌ لِما أثْبَتُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الخُلُوصِ لِلْإصْلاحِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ.

2:13Page 3

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ هو مِن تَمامِ المَقُولِ قَبْلَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ بِالعَطْفِ والقائِلِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ القائِلُ أيْضًا طائِفَةً مِنَ المُنافِقِينَ يُشِيرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ لِأنَّهم ضَجِرُوهُ وسَئِمُوا كُلَفَهُ ومُتَّقَياتِهِ، وكَلَّتْ أذْهانُهم مِنَ ابْتِكارِ الحِيَلِ واخْتِلاقِ الخَطَلِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ آمَنُوا اسْتِغْناءً عَنْهُ بِالتَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أوْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ. وقَوْلُهُ ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾

صفحة ٢٨٧

الكافُ فِيهِ لِلتَّشْبِيهِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ، واللّامُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ. والمُرادُ بِالنّاسِ مَن عَدا المُخاطَبِينَ، كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ في الإغْراءِ بِالفِعْلِ والحَثِّ عَلَيْهِ لِأنَّ شَأْنَ النُّفُوسِ أنْ تُسْرِعَ إلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِمَن يَسْبِقُها في الأمْرِ، فَلِذَلِكَ يَأْتُونَ بِهاتِهِ الكَلِمَةِ في مَقامِ الإغْراءِ أوِ التَّسْلِيَةِ أوِ الِائْتِساءِ. قالَ عَمْرُو ابْنُ البَرّاقَةِ النِّهْمِيُّ:

ونَنْصُرُ مَوْلانا ونَعْلَمُ أنَّهُ كَما النّاسِ مَجْرُومٌ عَلَيْهِ وجارِمُ

وقَوْلُهُ ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ اسْتِفْهامٌ لِلْإنْكارِ، قَصَدُوا مِنهُ التَّبَرُّؤَ مِنَ الإيمانِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وجَعَلُوا الإيمانَ المُتَبَرَّأ مِنهُ شَبِيهًا بِإيمانِ السُّفَهاءِ تَشْنِيعًا لَهُ وتَعْرِيضًا بِالمُسْلِمِينَ بِأنَّهم حَمَلَهم عَلى الإيمانِ سَفاهَةُ عُقُولِهِمْ، ودَلُّوا عَلى أنَّهم عَلِمُوا مُرادَ مَن يَقُولُ لَهم: كَما آمَنَ النّاسُ، أنَّهُ يَعْنِي بِالنّاسِ المُسْلِمِينَ. والسُّفَهاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ وهو المُتَّصِفُ بِالسَّفاهَةِ. والسَّفاهَةُ خِفَّةُ العَقْلِ وقِلَّةُ ضَبْطِهِ لِلْأُمُورِ قالَ السَّمَوْألُ:

نَخافُ أنْ تَسْفَهَ أحْلامُنا ∗∗∗ فَنَخْمُلَ الدَّهْرَ مَعَ الخامِلِ

والعَرَبُ تُطْلِقُ السَّفاهَةَ عَلى أفَنِ الرَّأْيِ وضَعْفِهِ، وتُطْلِقُها عَلى سُوءِ التَّدْبِيرِ لِلْمالِ. قالَ تَعالى ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وقالَ ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةَ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ مِن ضَعْفِ الرَّأْيِ. ووَصْفُهُمُ المُؤْمِنِينَ بِالسَّفاهَةِ بُهْتانٌ لِزَعْمِهِمْ أنَّ مُخالَفَتَهم لا تَكُونُ إلّا لِخِفَّةٍ في عُقُولِهِمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِتَحْقِيرِهِمْ، كَيْفَ وفي المُسْلِمِينَ سادَةُ العَرَبِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وهَذِهِ شَنْشَنَةُ أهْلِ الفَسادِ والسَّفَهِ أنْ يَرْمُوا المُصْلِحِينَ بِالمُذِمّاتِ بُهْتانًا ووَقاحَةً لِيُلْهُوهم عَنْ تَتَبُّعِ مَفاسِدِهِمْ ولِذَلِكَ قالَ أبُو الطَّيِّبِ:

وإذا أتَتْكَ مَذَمَّتِي مِن ناقِصٍ ∗∗∗ فَهي الشَّهادَةُ لِي بِأنِّيَ كامِلٌ

ولَيْسَ في هاتِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى حُكْمِ الزِّنْدِيقِ إذا ظَهَرَ عَلَيْهِ وعُرِفَتْ زَنْدَقَتُهُ إثْباتًا، ولا نَفْيًا لِأنَّ القائِلِينَ لَهم: آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ، هم مِن أقارِبِهِمْ أوْ خاصَّتِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُفْشُوا أمْرَهم فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ظُهُورِ نِفاقِهِمْ لِلرَّسُولِ بِوَجْهٍ مُعْتادٍ ولَكِنَّهُ شَيْءٌ أطْلَعَ

صفحة ٢٨٨

عَلَيْهِ نَبِيئَهُ، وكانَتِ المُصْلِحَةُ في سَتْرِهِ، وقَدِ اطَّلَعَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ بِمُخالَطَتِهِمْ وعَلِمُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ الإعْراضَ عَنْ إذاعَةِ ذَلِكَ فَكانَتِ الآيَةُ غَيْرَ دالَّةٍ عَلى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ النِّفاقِ والزَّنْدَقَةِ.

* * *

﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾

أتى بِما يُقابِلُ جَفاءَ طَبْعِهِمُ انْتِصارًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَوْلا جَفاءُ قَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ لَما تَصَدّى القُرْآنُ لِسِبابِهِمْ مَعَ أنَّ عادَتَهُ الإعْراضُ عَنِ الجاهِلِينَ ولَكِنَّهم كانُوا مَضْرِبَ المَثَلِ ”قُلْتَ فَأوْجَبْتَ“، ولِأنَّهُ مَقامُ بَيانِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ فَتَحْسُنُ فِيهِ الصَّراحَةُ والصَّرامَةُ كَما تَقَرَّرَ في آدابِ الخَطابَةِ، وأعْلَنَ ذَلِكَ بِكَلِمَةِ ألا المُؤْذِنَةُ بِالتَّنْبِيهِ لِلْخَبَرِ، وجاءَ بِصِيغَةِ القَصْرِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] لِيَدُلَّ عَلى أنَّ السَّفاهَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمْ دُونَ المُؤْمِنِينَ فَهو إضافِيٌّ لا مَحالَةَ. وإذا ثَبَتَتْ لَهُمُ السَّفاهَةُ انْتَفى عَنْهُمُ الحِلْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّهُما ضِدّانِ في صِفاتِ العُقُولِ. ”إنَّ“ هُنا لِتَوْكِيدِ الخَبَرِ وهو مَضْمُونُ القَصْرِ وضَمِيرُ الفَصْلِ لِتَأْكِيدِ القَصْرِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وألا كَأُخْتِها المُتَقَدِّمَةِ في ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ بِكَوْنِهِمْ سُفَهاءَ بِكَلِمَةِ يَعْلَمُونَ دُونَ يَشْعُرُونَ خِلافًا لِلْآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ لِأنَّ اتِّصافَهم بِالسَّفَهِ لَيْسَ مِمّا شَأْنُهُ الخَفاءُ حَتّى يَكُونَ العِلْمُ بِهِ شُعُورًا ويَكُونَ الجَهْلُ بِهِ نَفْيَ شُعُورٍ، بَلْ هو وصْفٌ ظاهِرٌ لا يَخْفى لِأنَّ لِقاءَهم كُلَّ فَرِيقٍ بِوَجْهٍ واضْطِرابَهم في الِاعْتِمادِ عَلى إحْدى الخَلَّتَيْنِ وعَدَمُ ثَباتِهِمْ عَلى دِينِهِمْ ثَباتًا كامِلًا ولا عَلى الإسْلامِ كَذَلِكَ كافٍ في النِّداءِ بِسَفاهَةِ أحْلامِهِمْ فَإنَّ السَّفاهَةَ صِفَةٌ لا تَكادُ تَخْفى، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: السَّفاهَةُ كاسْمِها. قالَ النّابِغَةُ:

نُبِّئْتُ زَرْعَةَ والسَّفاهَةُ كاسْمِها يُهْدى إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ

وقالَ جَزْءُ بْنُ كِلابٍ الفَقْعَسِيُّ:

تَبَغّى ابْنُ كُوزٍ والسَّفاهَةُ كاسْمِها ∗∗∗ لِيَسْتادَ مِنّا أنْ شَتَوْنا لَيالِيا

فَظَنُّهم أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ رُشْدٌ، وأنَّ ما تَقَلَّدَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ الإيمانِ سَفَهٌ يَدُلُّ عَلى

صفحة ٢٨٩

انْتِفاءُ العِلْمِ عَنْهم. فَمَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِدَفْعِ تَعَجُّبِ مَن يَتَعَجَّبُ مِن رِضاهم بِالِاخْتِصاصِ بِوَصْفِ السَّفاهَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском