Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:132–134
2:132Page 20
وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢
And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."
﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
لِما كانَ مِن شَأْنِ أهْلِ الحَقِّ والحِكْمَةِ أنْ يَكُونُوا حَرِيصِينَ عَلى صَلاحِ أنْفُسِهِمْ وصَلاحِ أُمَّتِهِمْ كانَ مِن مُكَمِّلاتِ ذَلِكَ أنْ يَحْرِصُوا عَلى دَوامِ الحَقِّ في النّاسِ مُتَّبَعًا مَشْهُورًا فَكانَ مِن سُنَنِهِمُ التَّوْصِيَةُ لِمَن يَظُنُّونَهم خَلَفًا عَنْهم في النّاسِ بِأنْ لا يَحِيدُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ولا يُفَرِّطُوا فِيما حَصَلَ لَهم مِنهُ، فَإنَّ حُصُولَهُ بِمُجاهَدَةِ نُفُوسٍ ومُرُورِ أزْمانٍ فَكانَ لِذَلِكَ أمْرًا نَفِيسًا يَجْدُرُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهِ.
والإيصاءُ أمْرٌ أوْ نَهْيٌ يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ المُخاطَبِ خُصُوصًا أوْ عُمُومًا، وفي فَوْتِهِ ضُرٌّ، فالوَصِيَّةُ أبْلَغُ مِن مُطْلَقِ أمْرٍ ونَهْيٍ فَلا تُطْلَقُ إلّا في حَيْثُ يَخافُ الفَواتَ إمّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوصِي ولِذَلِكَ كَثُرَ الإيصاءُ عِنْدَ تَوَقُّعِ المَوْتِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] وفي حَدِيثِ العِرْباضِ «وعَظَنا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَأنَّها مَوْعِظَةُ مُودِعٍ فَأوْصِنا» الحَدِيثَ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُوصى كالوَصِيَّةِ عِنْدَ السَّفَرِ في «حَدِيثِ مُعاذٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْيَمَنِ كانَ آخِرَ ما أوْصانِي رَسُولُ اللَّهِ حِينَ وضَعَتْ رِجْلِي في الغَرْزِ أنْ قالَ حَسِّنْ خُلُقَكَ لِلنّاسِ»، «وجاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ لَهُ أوْصِنِي قالَ ”لا تَغْضَبْ“»
صفحة ٧٢٨
فَوَصِيَّةُ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إمّا عِنْدَ المَوْتِ كَما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ الآتِيَةُ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ وإمّا في مَظانِّ خَشْيَةُ الفَواتِ.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ عَلى المِلَّةِ أوْ عَلى الكَلِمَةِ أيْ قَوْلُهُ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] فَإنْ كانَ بِالمِلَّةِ فالمَعْنى أنَّهُ أوْصى أنْ يُلازِمُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مَعَهُ في حَياتِهِ، وإنْ كانَ الثّانِي فالمَعْنى أنَّهُ أوْصى بِهَذا الكَلامِ الَّذِي هو شِعارٌ جامِعٌ لِمَعانِي ما في المِلَّةِ.
وبَنُو إبْراهِيمَ ثَمانِيَةٌ: إسْماعِيلُ وهو أكْبَرُ بَنِيهِ وأُمُّهُ هاجَرُ، وإسْحاقُ وأمُّهُ سارَّةُ وهو ثانِي بَنِيهِ، ومَدْيانُ، ومَدانُ، وزَمْرانُ، ويِقْشانُ، وبِشْباقُ، وشُوحُ، وهَؤُلاءِ أُمُّهم قَطُورَةُ الَّتِي تَزَوَّجَها إبْراهِيمُ بَعْدَ مَوْتِ سارَّةَ، ولَيْسَ لِغَيْرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ خَبَرٌ مُفَصَّلٌ في التَّوْراةِ سِوى أنَّ ظاهِرَ التَّوْراةِ أنَّ مَدْيانَ هو جَدُّ أُمَّةِ مَدْيَنَ أصْحابِ الأيْكَةِ وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَرَجَ خائِفًا مِن مِصْرَ نَزَلَ أرْضَ مَدْيانَ وأنْ يَثْرُونَ أوْ رَعُوئِيلَ هو شُعَيْبٌ كانَ كاهِنَ أهْلِ مَدْيَنَ. وأمّا يَعْقُوبُ فَهو ابْنُ إسْحاقَ مِن زَوْجِهِ رُفْقَةَ الأرامِيَّةِ تَزَوَّجَها سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ في حَياةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ فَكانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ رَجُلًا ولُقِّبَ بِإسْرائِيلَ وهو جَدُّ جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ وماتَ يَعْقُوبُ بِأرْضِ مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وثَمانِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ ودُفِنَ بِمَغارَةِ المَكْفُلِيَّةِ بِأرْضِ كَنْعانَ بَلَدِ الخَلِيلِ حَيْثُ دُفِنَ جَدُّهُ وأبُوهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وعَطْفُ يَعْقُوبَ عَلى إبْراهِيمَ هُنا إدْماجٌ مَقْصُودٌ بِهِ تَذْكِيرُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي هو يَعْقُوبُ بِوَصِيَّةِ جَدِّهِمْ فَكَما عَرَّضَ بِالمُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دِينٍ أوْصى بِهِ أبُوهم عَرَّضَ بِاليَهُودِ كَذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا انْتَسَبُوا إلى إسْرائِيلَ وهو يَعْقُوبُ الَّذِي هو جامِعُ نَسَبِهِمْ بَعْدَ إبْراهِيمَ لِتُقامَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِحَقِّ اتِّباعِهِمُ الإسْلامَ.
وقَوْلُهُ ”يا بُنَيَّ“ إلَخْ حِكايَةُ صِيغَةِ وصِيَّةِ إبْراهِيمَ وسَيَجِيءُ ذِكْرُ وصِيَّةِ يَعْقُوبَ. ولَمّا كانَ فِعْلُ أوْصى مُتَضَمِّنًا لِلْقَوْلِ صَحَّ مَجِيءُ جُمْلَةٍ بَعْدَهُ مِن شَأْنِها أنْ تَصْلُحَ لِحِكايَةِ الوَصِيَّةِ لِتُفَسِّرَ جُمْلَةَ أوْصى، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِأنِ التَّفْسِيرِيَّةَ الَّتِي كَثُرَ مَجِيئُها بَعْدَ جُمْلَةٍ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، لِأنَّ أنِ التَّفْسِيرِيَّةَ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَحْكِيًّا بِلَفْظِهِ أوْ بِمَعْناهُ والأكْثَرُ أنْ يُحْكى بِالمَعْنى، فَلَمّا أُرِيدَ هُنا التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حِكايَةٌ لِقَوْلِ إبْراهِيمَ بِنَصِّهِ ما عَدا مُخالَفَةَ المُفْرَداتِ العَرَبِيَّةِ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ فِعْلِ القَوْلِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ لا تَجِيءُ بَعْدَهُ أنِ التَّفْسِيرِيَّةَ بِحالٍ، ولِهَذا
صفحة ٧٢٩
يَقُولُ البَصْرِيُّونَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّهُ مُقَدَّرُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّ وصّى ونَحْوَهُ ناصِبٌ لِلْجُمْلَةِ المَقُولَةِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخِلافُ بَيْنَهم لَفْظِيًّا.
و”﴿اصْطَفى لَكُمُ﴾“ اخْتارَ لَكُمُ الدِّينَ أيِ الدِّينُ الكامِلُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ اخْتارَهُ لَهم مِن بَيْنِ الأدْيانِ وأنَّهُ فَضَّلَهم بِهِ لِأنَّ ”اصْطَفى لَكَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ادَّخَرَهُ لِأجْلِهِ، وأرادَ بِهِ دِينُ الحَنِيفِيَّةِ المُسَمّى بِالإسْلامِ فَلِذَلِكَ قالَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ومَعْنى فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ النَّهْيُ عَنْ مُفارَقَةِ الإسْلامِ أعَنى مِلَّةَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ أوْقاتِ حَياتِهِمْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُلازَمَتِهِ مُدَّةَ الحَياةِ لِأنَّ الحَيَّ لا يَدْرِي مَتى يَأْتِيهِ المَوْتُ فَنَهْيُ أحَدٍ عَنْ أنْ يَمُوتَ غَيْرَ مُسْلِمِ أمْرٌ بِالِاتِّصافِ بِالإسْلامِ في جَمِيعِ أوْقاتِ الحَياةِ فالمُرادُ مِن مِثْلِ هَذا النَّهْيِ شِدَّةُ الحِرْصِ عَلى تَرْكِ المَنهِيِّ.
ولِلْعَرَبِ في النَّهْيِ المُرادِ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ لازِمِهِ طُرُقٌ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: أنْ يَجْعَلُوا المَنهِيَّ عَنْهُ مِمّا لا قُدْرَةَ لِلْمُخاطَبِ عَلى اجْتِنابِهِ فَيَدُلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ نَفْيُ لازِمِهِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ لا تَنْسَ كَذا أيْ لا تَرْتَكِبُ أسْبابَ النِّسْيانِ، ومِثْلَ قَوْلِهِمْ لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا أيْ لا تَفْعَلُ فَأعْرِفُكَ لِأنَّ مَعْرِفَةَ المُتَكَلِّمِ لا يُنْهِي عَنْها المُخاطَبُ، وفي الحَدِيثِ «فَلا يُذادَنَّ أقْوامٌ عَنْ حَوْضِي»، الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَنهِيَّ عَنْهُ مَقْدُورًا لِلْمُخاطِبِ ولا يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ النَّهْيَ عَنْهُ ولَكِنْ عَمّا يَتَّصِلُ بِهِ أوْ يُقارِنُهُ فَيَجْعَلُ النَّهْيَ في اللَّفْظِ عَنْ شَيْءٍ ويُقَيِّدُهُ بِمُقارِنِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ مُضْطَرٌّ لِإيقاعِهِ فَإذا أوْقَعَهُ اضْطُرَّ لِإيقاعِ مُقارِنِهِ نَحْوَ قَوْلِكَ لا أراكَ بِثِيابٍ مُشَوَّهَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَنهِيُّ عَنْهُ مُمْكِنَ الحُصُولِ ويَجْعَلُهُ مُفِيدًا مَعَ احْتِمالِ المَقامِ لِأنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الأمْرَيْنِ إذا اجْتَمَعا ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ أحَدَهُما نَحْوَ لا تَجِئْنِي سائِلًا وأنْتَ تُرِيدُ أنْ لا يَسْألَكَ فَإمّا أنْ يَجِيءَ ولا يَسْألَ وإمّا أنْ لا يَجِيءَ بِالمَرَّةِ، وفي الثّانِيَةِ إثْباتُ أنَّ بَنِي إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ كانُوا عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وأنَّ الإسْلامَ جاءَ بِما كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ سُلْطانٌ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما طَرَأ عَلى بَنِيهِ بَعْدَ ذاكَ مِنَ الشَّرائِعِ إنَّما اقْتَضَتْهُ أحْوالٌ عَرَضَتْ وهي دُونَ الكَمالِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ولِهَذا قالَ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقالَ ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]
2:133Page 20
أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣
Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God.1 And we are Muslims [in submission] to Him."
صفحة ٧٣٠
﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
تَفْصِيلٌ لِوَصِيَّةِ يَعْقُوبَ بِأنَّهُ أمَرَ أبْناءَهُ أنْ يَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ وهي نَظِيرُ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمُ بَنِيهِ فَأجْمَلَ هُنا اعْتِمادًا عَلى ما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ سابِقًا ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وهَذا تَنْوِيهٌ بِالحَنِيفِيَّةِ الَّتِي هي أساسُ الإسْلامِ، وتَمْهِيدٌ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] وإبْطالٌ لِزَعْمِهِمْ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وأنَّهُ أوْصى بِها بَنِيهِ فَلَزِمَتْ ذُرِّيَّتَهُ فَلا يُحَوَّلُونَ عَنْها.
وقَدْ ذُكِرَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا ذَلِكَ قالَهُ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ بِدُونِ سَنَدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٤٠] الآيَةَ فَلِذَلِكَ جِيءَ هُنا بِتَفْصِيلِ وصِيَّةِ يَعْقُوبَ إبْطالًا لِدَعاوِي اليَهُودِ ونَقْضًا لِمُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَما أنْبَأ بِهِ الإنْكارُ في قَوْلِهِ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ إلَخْ.
و”أمْ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ”كُنْتُمْ شُهَداءَ“ عَلى جُمْلَةِ ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ فَإنَّ أمْ مِن حُرُوفِ العَطْفِ كَيْفَما وقَعَتْ، وهي هُنا مُنْقَطِعَةٌ لِلِانْتِقالِ مِنَ الخَبَرِ عَنْ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إلى مُجادَلَةِ مَنِ اعْتَقَدُوا خِلافَ ذَلِكَ الخَبَرِ، ولَمّا كانَتْ أمْ يُلازِمُها الِاسْتِفْهامُ كَما مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] إلَخْ فالِاسْتِفْهامُ هُنا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِظُهُورِ أنَّ عَدَمَ شُهُودِهِمُ احْتِضارَ يَعْقُوبَ مُحَقَّقٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ مَجازٌ: ومَحْمَلُهُ عَلى الإنْكارِ لِأنَّهُ أشْهَرُ مَحامِلِ الِاسْتِفْهامِ المَجازِيِّ، ولِأنَّ مِثْلَ هَذا المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَأْلُوفٌ في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ الِاسْتِفْهامِ إنْكارِيًّا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ الواقِعُ فِيهِ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمَظِنَّةِ حالِ مَن يَدَّعِي خِلافَ الواقِعِ حَتّى يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، خِلافًا لِمَن جَوَّزَ كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، تَوَهَّمُوا أنَّ الإنْكارَ يُساوِي النَّفْيَ مُساواةً تامَّةً وغَفَلُوا عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وبَيْنَ النَّفْيِ المُجَرَّدِ فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ مَجازًا بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ وهو يَسْتَلْزِمُ النَّفْيُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ، ومِنَ العَجِيبِ وُقُوعُ الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الغَفْلَةِ. فَتَعِينَ أنَّ المُخاطَبَ اليَهُودَ وأنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى اعْتِقادٍ اعْتَقَدُوهُ يُعْلَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ
صفحة ٧٣١
وسَوابِقِهِ وهو ادِّعاؤُهم أنَّ يَعْقُوبَ ماتَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وأوْصى بِها فَلَزِمَتْ ذُرِّيَّتَهُ، فَكانَ مَوْقِعَ الإنْكارِ عَلى اليَهُودِ واضِحًا وهو أنَّهُمُ ادَّعُوا ما لا قِبَلَ لَهم بِعِلْمِهِ إذْ لَمْ يَشْهَدُوا كَما سَيَأْتِي، فالمَعْنى ما كُنْتُمْ شُهَداءَ احْتِضارَ يَعْقُوبَ. ثُمَّ أكْمَلَ القِصَّةَ تَعْلِيمًا وتَفْصِيلًا واسْتِقْصاءً في الحُجَّةِ بِأنْ ذَكَرَ ما قالَهُ يَعْقُوبُ حِينَ اخْتِصارِهِ وما أجابَهُ أبْناؤُهُ ذَلِكَ بِداخِلٍ في حَيِّزِ الإنْكارِ، فالإنْكارُ يَنْتَهِي عِنْدَ قَوْلِهِ ”المَوْتُ“ والبَقِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِلْقِصَّةِ، والقَرِينَةُ عَلى الأمْرَيْنِ ظاهِرَةٌ اعْتِمادًا عَلى مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ فَإنَّهُ لا يُطالُ فِيهِ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِالإنْكارِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] فَلَمّا قالَ هُنا أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ عَلِمَ السّامِعُ مَوْقِعَ الإنْكارِ، ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ أبْناءِ يَعْقُوبَ نَعْبُدُ إلَهَكَ لَمْ يَكُنْ مِن دَعْوى اليَهُودِ حَتّى يَدْخُلَ في حَيِّزِ الإنْكارِ لِأنَّهم لَوِ ادَّعَوْا ذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ إذْ هو عَيْنُ المَقْصُودِ مِنَ الخَبَرِ، وبِذَلِكَ يَسْتَقِرُّ كِلا الكَلامَيْنِ في قَرارِهِ، ولَمْ يَكُنْ داعٍ لِجَعْلِ أمْ مُتَّصِلَةً بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ قَبْلَها تَكُونُ هي مُعادِلَةً لَهُ، كَأنْ يُقَدِّرَ أكُنْتُمْ غائِبِينَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ أمْ شُهَداءَ وأنَّ الخِطابَ لِلْيَهُودِ أوْ لِلْمُسْلِمِينَ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، ولا لِجَعْلِ الخِطابِ في قَوْلِهِ كُنْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى مَعْنى جَعْلِ الِاسْتِفْهامِ لِلنَّفْيِ المَحْضِ أيْ ما شَهِدْتُمُ احْتِضارَ يَعْقُوبَ أيْ عَلى حَدٍّ وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ وحَّدَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم كَما حاوَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ، وإنَّما حَداهُ إلى ذَلِكَ قِياسُهُ عَلى غالِبِ مَواقِعِ اسْتِعْمالِ أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ مَعَ أنَّ مَوْقِعَهُ هُنا مَوْقِعٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ وهو مِنِ الإيجازِ والإكْمالِ إذْ جَمَعَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في التَّقَوُّلِ عَلى مَن لَمْ يَشْهَدُوهُ، وتَعْلِيمُهم ما جَهِلُوهُ، ولِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى هَذا الجَمْعِ البَدِيعِ أُعِيدَتْ إذْ في قَوْلِهِ إذْ قالَ لِبَنِيهِ لِيَكُونَ كالبَدَلِ مِن إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ فَيَكُونُ مَقْصُودًا بِالحُكْمِ أيْضًا.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الشّاهِدِ أيِ الحاضِرِ لِلْأمْرِ والشَّأْنِ، ووَجْهُ دَلالَةِ نَفْيِ المُشاهَدَةِ عَلى نَفْيِ ما نَسَبُوهُ إلى يَعْقُوبَ هو أنَّ تَنْبِيهَهم إلى أنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا ذَلِكَ يُثِيرُ في نُفُوسِهِمُ الشَّكَّ في مُعْتَقَدِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ هو مِن بَقِيَّةِ القِصَّةِ المَنفِيِّ شُهُودُ المُخاطَبِينَ مَحْضَرَها فَهَذا مِن مَجِيءِ القَوْلِ في المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْنا، فَقَوْلُهُ ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] فَيَكُونُ الكَلامُ نَفْيًا لِشُهُودِهِمْ مَعَ إفادَةِ تِلْكَ الوَصِيَّةِ، أيْ ولَوْ شاهَدْتُمْ ما اعْتَقَدْتُمْ خِلافَها
صفحة ٧٣٢
فَلَمّا اعْتَقَدُوا اعْتِقادًا كالضَّرُورِيِّ وبَّخَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَرْجِعُوا إلى النَّظَرِ في الطُّرُقِ الَّتِي اسْتَنَدُوا إلَيْها فَيَعْلَمُوا أنَّها طُرُقٌ غَيْرُ مُوَصِّلَةٍ، وبِهَذا تَعْلَمُونَ وجِهَةَ الِاقْتِصارِ عَلى نَفْيِ الحُضُورِ مَعَ أنَّ نَفْيَ الحُضُورِ لا يَدُلُّ عَلى كَذِبِ المُدَّعِي لِأنَّ عَدَمَ الوِجْدانِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُودِ، فالمَقْصُودُ هُنا الِاسْتِدْراجُ في إبْطالِ الدَّعْوى بِإدْخالِ الشَّكِّ عَلى مُدَّعِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى إذْ قالَ لِبَنِيهِ بَدَلٌ مِن إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ وفائِدَةُ المَجِيءِ بِالخَبَرِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ دُونَ أنْ يُقالَ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ قالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ عِنْدَ المَوْتِ، هي قَصْدُ اسْتِقْلالِ الخَبَرِ وأهَمِّيَّةُ القِصَّةِ وقَصْدُ حِكايَتِها عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِها، وقَصْدُ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِأنَّ حالَةَ حُضُورِ المَوْتِ لا تَخْلُو مِن حَدَثٍ هامٍّ سَيُحْكى بَعْدَها فَيَتَرَقَّبُهُ السّامِعُ.
وهَذِهِ الوَصِيَّةُ جاءَتْ عِنْدَ المَوْتِ وهو وقْتُ التَّعْجِيلِ بِالحِرْصِ عَلى إبْلاغِ النَّصِيحَةِ في آخِرِ ما يَبْقى مِن كَلامِ المُوصِي فَيَكُونُ لَهُ رُسُوخٌ في نُفُوسِ المُوصَيْنِ، أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ «قالَ وعْظَنا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَأنَّها مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنا» الحَدِيثَ.
وجاءَ يَعْقُوبُ في وصِيَّتِهِ بِأُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ ثَباتِهِمْ عَلى الدِّينِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلى خالِصِ طَوِيَّتِهِمْ لِيُلْقِيَ إلَيْهِمْ ما سَيُوصِيهِمْ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ وجِيءَ في السُّؤالِ بِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ دُونَ مَن لِأنَّ ما هي الأصْلُ عِنْدَ قَصْدِ العُمُومِ لِأنَّهُ سَألَهم عَمّا يُمْكِنُ أنْ يَعْبُدَهُ العابِدُونَ.
واقْتَرَنَ ظَرْفُ ”بَعْدِي“ بِحَرْفِ مِن لَقَصْدِ التَّوْكِيدِ فَإنَّ مِن هَذِهِ في الأصْلِ ابْتِدائِيَّةٌ فَقَوْلُكَ جِئْتُ مِن بَعْدِ الزَّوالِ يُفِيدُ أنَّكَ جِئْتَ في أوَّلِ الأزْمِنَةِ بَعْدَ الزَّوالِ ثُمَّ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ حَرْفِ تَأْكِيدٍ. وبَنُو يَعْقُوبَ هُمُ الأسْباطُ أيْ أسْباطُ إسْحاقَ ومِنهم تَشَعَّبَتْ قَبائِلُ بَنِي إسْرائِيلَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا: رَءُوبِينُ، وشَمْعُونُ، ولاوى، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، وزَبُولُونُ، وهَؤُلاءِ أُمُّهم لِيئَةَ ويُوسُفُ، وبِنْيامِينُ، أُمُّهُما راحِيلُ ودانُ ونَفْتالى، أُمُّهُما بِلِهَةَ وجادُ، وأُشِيرُ أُمُّهُما زُلْفَةُ. وقَدْ أخْبَرَ القُرْآنُ بِأنَّ جَمِيعَهم صارُوا أنْبِياءَ وأنَّ يُوسُفَ كانَ رَسُولًا.
وواحِدُ الأسْباطِ سِبْطٌ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ الباءِ وهو ابْنُ الِابْنِ أيِ الحَفِيدُ، وقَدْ
صفحة ٧٣٣
اخْتُلِفَ في اشْتِقاقِ سِبْطٍ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ عَنِ الزَّجّاجِ الأظْهَرِ أنَّ السِّبْطَ عِبْرانِيٌّ عُرِّبَ اهـ. قُلْتُ وفي العِبْرانِيَّةِ سِيبَطُ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ السِّينِ ساكِنَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ ما تَعْبُدُونَ جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ بِدُونِ واوٍ ولَيْسَتِ اسْتِئْنافًا لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ ولا تَمامَ لَهُ قَبْلَ حُصُولِ الجَوابِ، وجِيءَ في قَوْلِهِ نَعْبُدُ إلَهَكَ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ بِأنْ يَقُولَ نَعْبُدُ اللَّهَ لِأنَّ إضافَةَ إلَهٍ إلى ضَمِيرِ يَعْقُوبَ وإلى آبائِهِ تُفِيدُ جَمِيعَ الصِّفاتِ الَّتِي كانَ يَعْقُوبُ وآباؤُهُ يَصِفُونَ اللَّهَ بِها فِيما لَقَّنَهُ مُنْذُ نَشْأتِهِمْ، ولِأنَّهم كانُوا سَكَنُوا أرْضَ كَنْعانَ وفِلَسْطِينَ مُخْتَلِطِينَ ومُصاهِرِينَ لِأُمَمٍ تَعْبُدُ الأصْنامَ مِن كَنْعانِيِّينَ وفِلَسْطِينِيِّينَ وحِثِّيِّينَ وأرامِيِّينَ ثُمَّ كانَ مَوْتُ يَعْقُوبَ في أرْضِ الفَراعِنَةِ وكانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرى.
وأيْضًا فَمِن فَوائِدِ تَعْرِيفِ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ أبِيهِمْ وإلى لَفْظِ آبائِهِ أنَّ فِيها إيماءً إلى أنَّهم مُقْتَدُونَ بِسَلَفِهِمْ.
وفِي الإتْيانِ بِعَطْفِ البَيانِ مِن قَوْلِهِمْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ضَرْبٌ مِن مُحَسِّنِ الِاطِّرادِ تَنْوِيهًا بِأسْماءِ هَؤُلاءِ الأسْلافِ كَقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ قَعِينَ:
إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهم بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ شِهابٍ وإنَّما أُعِيدَ المُضافُ في قَوْلِهِ ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ لِأنَّ إعادَةَ المُضافِ مَعَ المَعْطُوفِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ أفْصَحُ في الكَلامِ ولَيْسَتْ بِواجِبَةٍ، وإطْلاقُ الآباءِ عَلى ما شَمِلَ إسْماعِيلُ وهو عَمٌّ لِيَعْقُوبَ إطْلاقٌ مِن بابِ التَّغْلِيبِ ولِأنَّ العَمَّ بِمَنزِلَةِ الأبِ.
وقَدْ مَضى التَّعْرِيفُ بِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ.
وأمّا إسْحاقُ فَهو ابْنُ إبْراهِيمَ وهو أصْغَرُ مِن إسْماعِيلَ بِأرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ وأُمُّهُ سارَّةُ وُلِدَ سَنَةَ ١٨٩٦ سِتٍّ وتِسْعِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ وهو جَدٌّ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ مِن أُمَمٍ تَقْرُبُ لَهم.
واليَهُودُ يَقُولُونَ إنَّ الِابْنَ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ وفَداهُ اللَّهُ هو إسْحاقُ، والحَقُّ أنَّ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ هو إسْماعِيلُ في صِغَرِهِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِإبْراهِيمَ ولَدٌ غَيْرُهُ لِيَظْهَرَ كَمالُ الِامْتِثالِ
صفحة ٧٣٤
ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ التَّوْراةَ لَمّا ذَكَرَتْ قِصَّةَ الذَّبِيحِ وصَفَتْهُ بِالِابْنِ الوَحِيدِ لِإبْراهِيمَ ولَمْ يَكُنْ إسْحاقُ وحِيدًا قَطُّ، وتُوُفِّيَ إسْحاقُ سَنَةَ ثَمانٍ وسَبْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المِيلادِ ودُفِنَ مَعَ أبِيهِ وأُمِّهِ في مَغارَةِ المكفيلَةِ في حَبْرُونَ بَلَدِ الخَلِيلِ وقَوْلُهُ إلَهًا واحِدًا تَوْضِيحٌ لِصِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ فَقَوْلُهُ ”إلَهًا“ حالٌ مِن إلَهِكَ ووُقُوعُ ”إلَهًا“ حالًا مِن إلَهِكَ مَعَ أنَّهُ مُرادِفٌ لَهُ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ إنَّما هو بِاعْتِبارِ إجْراءِ الوَصْفِ عَلَيْهِ بِواحِدٍا، فالحالُ في الحَقِيقَةِ هو ذَلِكَ الوَصْفُ، وإنَّما أُعِيدَ لَفْظُ ”إلَهًا“ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى وصْفِ واحِدًا لِزِيادَةِ الإيضاحِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إطْنابٍ فَفي الإعادَةِ تَنْوِيهٌ بِالمَعادِ وتَوْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وهَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الفَصاحَةِ إذْ يُعادُ اللَّفْظُ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ وصْفٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ تَوْكِيدُ اللَّفْظِ السّابِقِ تَبَعًا، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّوْكِيدِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلُهُ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] . ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] إذْ أعادَ فِعْلَ ”أمَدَّكم“ وقَوْلُ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍتَخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ قالَ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ الحَماسَةِ مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ فَإذا تَزُولُ تَزُولُ لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ.
وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إلَهًا واحِدًا بَدَلًا مِن إلَهِكَ بِناءً عَلى جَوازِ إبْدالِ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ مِثْلَ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ. ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ، أوْ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ بِتَقْدِيرِ امْدَحُ فَإنَّ الِاخْتِصاصَ يَجِيءُ مِنَ الِاسْمِ الظّاهِرِ ومِن ضَمِيرِ الغائِبِ.
وقَوْلُهُ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”نَعْبُدُ“ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”نَعْبُدُ“، جِيءَ بِها اسْمِيَّةٌ لِإفادَةِ ثَباتِ الوَصْفِ لَهم ودَوامِهِ بَعْدَ أنْ أُفِيدَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها مَعْنى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ.
2:134Page 20
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤
That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
صفحة ٧٣٥
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عُقِّبَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ تَضَمَّنَتِ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ والتَّنْوِيهَ بِشَأْنِهِمْ والتَّعْرِيضَ بِمَن لَمْ يَقْتَفِ آثارَهم مِن ذُرِّيَّتِهِمْ وكَأنَّ ذَلِكَ قَدْ يَنْتَحِلُ مِنهُ المَغْرُورُونَ عُذْرًا لِأنْفُسِهِمْ فَيَقُولُونَ نَحْنُ وإنْ قَصَّرْنا فَإنَّ لَنا مِن فَضْلِ آبائِنا مَسْلَكًا لِنَجاتِنا، فَذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِإفادَةِ أنَّ الجَزاءَ بِالأعْمالِ لا بِالِاتِّكالِ.
والإشارَةُ بِتِلْكَ عائِدَةٌ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ بِاعْتِبارِ أنَّهم جَماعَةٌ وبِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنْهم بِاسْمٍ مُؤَنَّثٍ لَفْظُهُ وهو أُمَّةٌ.
والأُمَّةُ تَقَدَّمَ بَيانُها آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ ومَعْنى خَلَتْ مَضَتْ، وأصْلُ الخَلاءِ الفَراغُ فَأصْلُ مَعْنى خَلَتْ خَلا مِنها المَكانُ فَأسْنَدَ الخُلُوَّ إلى أصْحابِ المَكانِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِنُكْتَةِ المُبالَغَةِ، والخَبَرُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ انْتِفاعِ غَيْرِهِمْ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ وإلّا فَإنَّ كَوْنَها خَلَتْ مِمّا لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ، ولِذا فَقَوْلُهُ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ الآيَةَ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ”قَدْ خَلَتْ“ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى اليَهُودِ أيْ لا يَنْفَعُكم صَلاحُ آبائِكم إذا كُنْتُمْ غَيْرَ مُتَّبِعِينَ طَرِيقَتَهم، فَقَوْلُهُ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ إذْ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، والمُرادُ بِما كَسَبَتْ وبِما كَسَبْتُمْ ثَوابُ الأعْمالِ بِدَلِيلِ التَّعْبِيرِ فِيهِ بَلَها ولَكم، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الكَلامَ مِن نَوْعِ الِاحْتِباكِ والتَّقْرِيرِ لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْكم ما كَسَبْتُمْ أيْ إثْمُهُ. ومِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها انْتَزَعَ الأشْعَرِيُّ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ العَبْدِ بِالكَسْبِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدَيْنِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِما في لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ لِقَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ أيْ ما كَسَبَتِ الأُمَّةُ لا يَتَجاوَزُها إلى غَيْرِها وما كَسَبْتُمْ لا يَتَجاوَزُكم، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ فَإنَّهم لِغُرُورِهِمْ يَزْعُمُونَ أنَّ ما كانَ لِأسْلافِهِمْ مِنَ الفَضائِلِ يُزِيلُ ما ارْتَكَبُوهُ هم مِنَ المَعاصِي أوْ يَحْمِلُهُ عَنْهم أسْلافُهم.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ وهو مِن تَمامِ التَّفْصِيلِ
صفحة ٧٣٦
لِمَعْنى خَلَتْ، فَإنْ جَعَلْتَ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ خاصًّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُونَ﴾ إلَخْ تَكْمِيلٌ لِلْأقْسامِ أيْ وعَلى كُلِّ ما عَمِلَ مِنَ الإثْمِ ولِذا عَبَّرَ هُنالِكَ بِالكَسْبِ المُتَعارَفِ في الِادِّخارِ والتَّنافُسِ وعَبَّرَ هُنا بِالعَمَلِ.
وإنَّما نَفى السُّؤالَ عَنِ العَمَلِ لِأنَّهُ أقَلُّ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ بِالجَرِيمَةِ فَإنَّ المَرْءَ يُؤْخَذُ بِجَرِيمَتِهِ فَيُسْألُ عَنْها ويُعاقَبُ وقَدْ يُسْألُ المَرْءُ عَنْ جَرِيمَةِ غَيْرِهِ ولا يُعاقَبُ كَما يُلامُ عَلى القَوْمِ فِعْلُ بَعْضِهِمْ ما لا يَلِيقُ وهو شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ قالَ زُهَيْرٌ:
لَعَمْرِي لَنِعْمَ الحَيُّ جَرَّ عَلَيْهِمْ بِما لا يُواتِيهِمْ حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَمِ فَنَفْيُ أصْلِ السُّؤالِ أبْلَغُ وأشْمَلُ لِلْأمْرَيْنِ، وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ مُرادًا بِهِ الأعْمالَ الذَّمِيمَةَ المُحِيطَةَ بِهِمْ كانَ قَوْلُهُ ولا تُسْألُونَ إلَخِ احْتِراسًا واسْتِيفاءً لِتَحْقِيقِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ أيْ كُلُّ فَرِيقٍ مُخْتَصٌّ بِهِ عَمَلُهُ أوْ تَبِعَتُهُ، ولا يَلْحَقُ الآخَرَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا السُّؤالُ عَنْهُ، أيْ لا تُحاسَبُونَ بِأعْمالِ سَلَفِكم وإنَّما تُحاسَبُونَ بِأعْمالِكم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences