Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:223–224
2:223Page 35
نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٢٣
Your wives are a place of cultivation [i.e., sowing of seed] for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allāh and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.
﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ ثانٍ لِجُمْلَةِ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قُصِدَ بِهِ الِارْتِفاقُ بِالمُخاطَبِينَ والتَّأنُّسُ لَهم لِإشْعارِهِمْ بِأنَّ مَنعَهم مِن قِرْبانِ النِّساءِ في مُدَّةِ المَحِيضِ مَنعٌ مُؤَقَّتٌ لِفائِدَتِهِمْ وأنَّ اللَّهَ
صفحة ٣٧١
يَعْلَمُ أنَّ نِساءَهم مَحَلُّ تَعَهُّدِهِمْ ومُلابَسَتِهِمْ لَيْسَ مَنعُهم مِنهُنَّ في بَعْضِ الأحْوالِ بِأمْرٍ هَيِّنٍ عَلَيْهِمْ لَوْلا إرادَةُ حِفْظِهِمْ مِنَ الأذى، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لَمّا حَمى الحِمى: لَوْلا المالُ الَّذِي أحْمِلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ ما حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِن بِلادِهِمْ شِبْرًا إنَّها لَبِلادُهم. وتُعْتَبَرُ جُمْلَةُ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ﴾ مُقَدِّمَةً لِجُمْلَةِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْإذْنِ بِإتْيانِهِنَّ أنّى شاءُوا، والعِلَّةُ قَدْ تُجْعَلُ مُقَدِّمَةً فَلَوْ أُوثِرَ مَعْنى التَّعْلِيلِ لَأُخِّرَتْ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ ولَكِنْ أُوثِرَ أنْ تَكُونَ مُقَدِّمَةً لِلَّتِي بَعْدَها لِأنَّهُ أحْكَمُ نَسِيجٍ نُظِمَ ولِتَتَأتّى عَقِبَهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ. والحَرْثُ مَصْدَرُ حَرَثَ الأرْضَ إذا شَقَّها بِآلَةٍ تَشُقُّ التُّرابَ لِيُزْرَعَ في شُقُوقِهِ زَرِيعَةٌ أوْ تُغْرَسَ أشْجارٌ. وهو هَنا مُطْلَقٌ عَلى مَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ.
وإطْلاقُ الحَرْثِ عَلى المَحْرُوثِ وأنْواعِهِ إطْلاقٌ مُتَعَدِّدٌ فَيُطْلَقُ عَلى الأرْضِ المَجْعُولَةِ لِلزَّرْعِ أوِ الغَرْسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] أيْ أرْضُ زَرْعٍ مَحْجُورَةٌ عَلى النّاسِ أنْ يَزْرَعُوها.
وقالَ ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] أيِ الجَنّاتِ والحَوائِطِ والحُقُولِ. وقالَ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧] أيْ أهْلَكَتْ زَرْعَهم. وقالَ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢١] يَعْنُونَ بِهِ جَنَّتَهم أيْ صارِمِينَ عَراجِينَ التَّمْرِ.
والحَرْثُ في هَذِهِ الآيَةِ مُرادٌ بِهِ المَحْرُوثُ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ المَصْدَرَ لِأنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنْهُ، وتَشْبِيهُ النِّساءِ بِالحَرْثِ تَشْبِيهٌ لَطِيفٌ كَما شُبِّهَ النَّسْلُ بِالزَّرْعِ في قَوْلِ أبِي طالِبٍ في خِطْبَتِهِ خَدِيجَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وزَرْعِ إسْماعِيلَ.
والفاءُ في ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ فاءٌ فَصِيحَةٌ لِابْتِناءِ ما بَعْدَها عَلى تَقَرُّرِ أنَّ النِّساءَ حَرْثٌ لَهم، لا سِيَّما إذا كانُوا قَدْ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ.
وكَلِمَةُ أنّى اسْمٌ لِمَكانٍ مُبْهَمٍ تُبَيِّنُهُ جُمْلَةٌ مُضافٌ هو إلَيْها، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ مَجازًا في مَعْنى كَيْفَ بِتَشْبِيهِ حالِ الشَّيْءِ بِمَكانِهِ، لِأنَّ كَيْفَ اسْمٌ لِلْحالِ المُبْهَمَةِ يُبَيِّنُها عامِلُها نَحْوَ كَيْفَ
صفحة ٣٧٢
يَشاءُ وقالَ في لِسانِ العَرَبِ: إنَّ (أنّى) تَكُونُ بِمَعْنى (مَتى)، وقَدْ أُضِيفَ (أنّى) في هَذِهِ الآيَةِ إلى جُمْلَةِ شِئْتُمْ والمَشِيئاتُ شَتّى فَتَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى حَمْلِ (أنّى) عَلى المَعْنى المَجازِيِّ وفَسَّرُوهُ بِكَيْفَ شِئْتُمْ وهو تَأْوِيلُ الجُمْهُورِ الَّذِي عَضَّدُوهُ بِما رَوَوْهُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وفِيها رِوايَتانِ. إحْداهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ والأُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَأوَّلَهُ الضَّحّاكُ عَلى مَعْنى: مَتى شِئْتُمْ وتَأوَّلَهُ جَمْعٌ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَكانٍ مُبْهَمٍ، فَمِنهم مَن جَعَلُوهُ ظَرْفًا لِأنَّهُ الأصْلُ في أسْماءِ المَكانِ إذا لَمْ يُصَرَّحُ فِيها بِما يَصْرِفُ عَنْ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ وفَسَّرُوهُ بِمَعْنى: في أيِّ مَكانٍ مِنَ المَرْأةِ شِئْتُمْ وهو المَرْوِيُّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ تَفْسِيرًا مِنِ ابْنِ عُمَرَ، ومِنهم مَن جَعَلُوهُ اسْمَ مَكانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ وقَدَّرُوا أنَّهُ مَجْرُورٌ بِـ (مِن) فَفَسَّرُوهُ مِن أيِّ مَكانٍ أوْ جِهَةٍ شِئْتُمْ وهو يَئُولُ إلى تَفْسِيرِهِ بِمَعْنى كَيْفَ، ونَسَبَ القُرْطُبِيُّ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ إلى سِيبَوَيْهِ.
فالَّذِي يَتَبادَرُ مِن مَوْقِعِ الآيَةِ وتُساعِدُ عَلَيْهِ مَعانِي ألْفاظِها أنَّها تَذْيِيلٌ وارِدٌ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ قِرْبانِ النِّساءِ في حالِ الحَيْضِ.
فَتُحْمَلُ (أنّى) عَلى مَعْنى ”مَتى“ ويَكُونُ المَعْنى: فَأْتُوا نِساءَكم مَتى شِئْتُمْ إذا تَطَهَّرْنَ فَوِزانُها وِزانُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] .
ولا مُناسَبَةَ تَبْعَثُ لِصَرْفِ الآيَةِ عَنْ هَذا المَعْنى إلّا أنَّ ما طارَ بَيْنَ عُلَماءِ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم مِنَ الخَوْضِ في مَحامِلَ أُخْرى لِهَذِهِ الآيَةِ، وما رَوَوْهُ مِن آثارٍ في أسْبابِ النُّزُولِ يَضْطَرُّنا إلى اسْتِفْصالِ البَيانِ في مُخْتَلَفِ الأقْوالِ والمَحامِلِ مُقْتَنِعِينَ بِذَلِكَ، لِما فِيهِ مِن إشارَةٍ إلى اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في مَعانِي الآيَةِ، وإنَّها لَمَسْألَةٌ جَدِيرَةٌ بِالِاهْتِمامِ، عَلى ثِقَلٍ في جَرَيانِها، عَلى الألْسِنَةِ والأقْلامِ. رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا إذا أتى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ مُجْبِيَةً جاءَ الوَلَدُ أُحْوَلَ، فَسَألَ المُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ وهم أهْلُ وثَنٍ مَعَ هَذا الحَيِّ مِنَ اليَهُودِ وهم أهْلُ كِتابٍ وكانُوا يَرَوْنَ لَهم فَضْلًا عَلَيْهِمْ في العِلْمِ فَكانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِن فِعْلِهِمْ، وكانَ مِن أمْرِ أهْلِ الكِتابِ ألّا يَأْتُوا النِّساءَ إلّا عَلى حَرْفٍ وذَلِكَ أسْتَرُ ما تَكُونُ المَرْأةُ، فَكانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ قَدْ أخَذُوا بِذَلِكَ، وكانَ هَذا الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ
صفحة ٣٧٣
يَشْرَحُونَ النِّساءَ شَرْحًا أيْ يَطَئُونَهُنَّ وهُنَّ مُسْتَلْقِياتٍ عَنْ أقَفِيَتِهِنَّ، ومُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ ومُسْتَلْقِياتٍ، فَلَمّا قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنهُمُ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِها ذَلِكَ فَأنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وقالَتْ: إنَّما كُنّا نُؤْتى عَلى حَرْفٍ فاصْنَعْ ذَلِكَ وإلّا فاجْتَنِبْنِي حَتّى شَرى أمْرُهُما أيْ تَفاقَمَ اللَّجاجُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ مُقْبِلاتٍ كُنَّ أوْ مُدْبِراتٍ أوْ مُسْتَلْقِياتٍ يَعْنِي بِذَلِكَ في مَوْضِعِ الوَلَدِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ ﷺ في التِّرْمِذِيِّ، وما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ عُمَرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قالَ، وما أهْلَكَكَ ؟ قالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ يُرِيدُ أنَّهُ أتى امْرَأتَهُ وهي مُسْتَدْبِرَةٌ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا فَأوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. ورَوى البُخارِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى يَفْرُغَ مِنهُ فَأخَذْتُ عَلَيْهِ المُصْحَفَ يَوْمًا فَقَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ حَتّى انْتَهى إلى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ قالَ: تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ ؟ قُلْتُ: لا قالَ: أُنْزِلَتْ في كَذا وكَذا وفي رِوايَةٍ عَنْ نافِعٍ في البُخارِيِّ: يَأْتِيها في. . .، ولَمْ يَزِدْ وهو يَعْنِي في كِلْتا الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ إتْيانَ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ: أُنْزِلَتْ إتْيانَ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ في غَرائِبَ مالِكٍ والطَّبَرِيِّ عَنْ نافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها فَوَجَدَ في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ وقَدْ رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّ رَجُلًا أصابَ امْرَأتَهُ في دُبُرِها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأنْكَرَ النّاسُ عَلَيْهِ وقالُوا: أثْفَرَها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾، فَعَلى تَأْوِيلِ هَؤُلاءِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ تَشْبِيهًا لِلْمَرْأةِ بِالحَرْثِ أيْ بِأرْضِ الحَرْثِ وأطْلَقَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ عَلى مَعْنى: فاحْرُثُوا في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ.
أقُولُ: قَدْ أُجْمِلَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى هُنا، وأُبْهِمَ وبَيَّنَ المُبْهَماتِ بِمُبْهَماتٍ مِن جِهَةٍ أُخْرى لِاحْتِمالِ (أمَرَكُمُ اللَّهُ) مَعانِيَ لَيْسَ مَعْنى الإيجابِ والتَّشْرِيعِ مِنها، إذْ لَمْ يُعْهَدْ سَبْقُ تَشْرِيعٍ مِنَ اللَّهِ في هَذا كَما قَدَّمْناهُ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَرُبَّما أشْعَرَ بِأنَّ فِعْلًا في هَذا البَيانِ كانَ يُرْتَكَبُ واللَّهُ يَدْعُو إلى الِانْكِفافِ عَنْهُ وأُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَأشْعَرَ بِأنَّ فِعْلًا
صفحة ٣٧٤
فِي هَذا الشَّأْنِ قَدْ يَلْتَبِسُ بِغَيْرِ التَّنَزُّهِ واللَّهُ يُحِبُّ التَّنَزُّهَ عَنْهُ، مَعَ احْتِمالِ المَحَبَّةِ عَنْهُ لِمَعْنى التَّفْضِيلِ والتَّكْرِمَةِ مِثْلَ ﴿يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، واحْتِمالُها لِمَعْنى: ويُبْغِضُ غَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ جاءَ ما هو كالدَّلِيلِ وهو قَوْلُهُ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فَجُعِلْنَ حَرْثًا عَلى احْتِمالِ وُجُوهٍ في الشَّبَهِ؛ فَقَدْ قالَ: إنَّهُ وُكِّلَ لِلْمَعْرُوفِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ جُعِلَ شائِعًا في المَرْأةِ، فَلِذَلِكَ نِيطَ الحُكْمُ بِذاتِ النِّساءِ كُلِّها، ثُمَّ قالَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ فَجاءَ بِأنّى المُحْتَمِلَةِ لِلْكَيْفِيّاتِ ولِلْأمْكِنَةِ وهي أصْلٌ في الأمْكِنَةِ ووَرَدَتْ في الكَيْفِيّاتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّها تَرِدُ لِلْأزْمِنَةِ فاحْتُمِلَ كَوْنُها أمْكِنَةَ الوُصُولِ مِن هَذا الإتْيانِ، أوْ أمْكِنَةَ الوُرُودِ إلى مَكانٍ آخَرَ مَقْصُودٍ فَهي أمْكِنَةُ ابْتِداءِ الإتْيانِ أوْ أمْكِنَةُ الِاسْتِقْرارِ فَأُجْمِلَ في هَذا كُلِّهِ إجْمالٌ بَدِيعٌ وأُثْنِيَ ثَناءٌ حَسَنٌ.
واخْتِلافُ مَحامِلِ الآيَةِ في أنْظارِ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ طَوْعُ عِلْمِ المُتَأمِّلِ، وفِيها أقْوالٌ كَثِيرَةٌ ومَذاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ لِفُقَهاءِ الأمْصارِ مُسْتَقْصاةٌ في كُتُبِ أحْكامِ القُرْآنِ، وكُتُبِ السُّنَّةِ، وفي دَواوِينِ الفِقْهِ، وقَدِ اقْتَصَرْنا عَلى الآثارِ الَّتِي تَمَّتْ إلى الآيَةِ بِسَبَبِ نُزُولٍ، وتَرَكْنا ما عَداهُ إلى أفْهامِ العُقُولِ.
* * *
﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها وإنْ كانَتْ خَبَرًا فالمَقْصُودُ مِنها الأمْرُ بِالتَّوْبَةِ والتَّطَهُّرِ؛ فَكُرِّرَ ذَلِكَ اهْتِمامًا بِالحِرْصِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَعْدَ الكَلامِ عَلى اللَّذائِذِ العاجِلَةِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ قَدِّمُوا اخْتِصارًا لِظُهُورِهِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيمَ هُنا إعْدادُ الحَسَناتِ فَإنَّها بِمَنزِلَةِ الثَّقَلِ الَّذِي يُقَدِّمُهُ المُسافِرُ.
وقَوْلُهُ لِأنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِـ (قَدِّمُوا)، واللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ لِأجْلِ أنْفُسِكم أيْ لِنَفْعِها، وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى امْتِثالِ الشَّرْعِ بِتَجَنُّبِ المُخالَفَةِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّخَلِّي عَنِ السَّيِّئاتِ والتَّحَلِّي بِالواجِباتِ والقُرُباتِ، فَمَضْمُونُها أعَمُّ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾ فَلِذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ تَذْيِيلًا.
صفحة ٣٧٥
وقَوْلُهُ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ يَجْمَعُ التَّحْذِيرَ والتَّرْغِيبَ، أيْ فَلاقُوهُ بِما يَرْضى بِهِ عَنْكم كَقَوْلِهِ: ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ، وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ .
والمُلاقاةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ اللِّقاءِ وهو الحُضُورُ لَدى الغَيْرِ بِقَصْدٍ أوْ مُصادَفَةٍ. وأصْلُ مادَّةِ لَقِيَ تَقْتَضِي الوُقُوعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَكانَتْ مُفِيدَةً مَعْنى المُفاعَلَةِ بِمُجَرَّدِها، فَلِذَلِكَ كانَ لَقِيَ ولاقى بِمَعْنًى واحِدٍ، وإنَّما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِعِلْمِ أنَّهم مُلاقُوهُ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ تَنْزِيلًا لِعِلْمِهِمْ مَنزِلَةَ العَدَمِ في هَذا الشَّأْنِ، لِيُزادَ مِن تَعْلِيمِهِمُ اهْتِمامًا بِهَذا المَعْلُومِ وتَنافُسًا فِيهِ عَلى أنَّنا رَأيْنا أنَّ في افْتِتاحِ الجُمْلَةِ بِكَلِمَةِ: ”اعْلَمُوا“ اهْتِمامًا بِالخَبَرِ واسْتِنْصاتًا لَهُ وهي نُقْطَةٌ عَظِيمَةٌ سَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وقَدْ رُتِّبَتِ الجُمَلُ الثَّلاثُ الأُوَلُ عَلى عَكْسِ تَرْتِيبِ حُصُولِ مَضامِينِها في الخارِجِ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ الإعْلامُ بِمُلاقاةِ اللَّهِ هو الحاصِلَ أوَّلًا ثُمَّ يَعْقُبُهُ الأمْرُ بِالتَّقْوى، ثُمَّ الأمْرُ بِأنْ يُقَدِّمُوا لِأنْفُسِهِمْ، فَخُولِفَ الظّاهِرُ لِلْمُبادَرَةِ بِالأمْرِ بِالِاسْتِعْدادِ لِيَوْمِ الجَزاءِ، وأُعْقِبَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى إشْعارًا بِأنَّها هي الِاسْتِعْدادُ، ثُمَّ ذُكِّرُوا بِأنَّهم مُلاقُو اللَّهِ فَجاءَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ.
وقَوْلُهُ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ تَعْقِيبٌ لِلتَّحْذِيرِ بِالبِشارَةِ، والمُرادُ: المُؤْمِنُونَ الكامِلُونَ وهُمُ الَّذِينَ يُسَرُّونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما جاءَ: «مَن أحَبِّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ»، وذِكْرُ هَذِهِ البِشارَةِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ إشارَةٌ إلى أنَّ امْتِثالَ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ مِن كَمالِ الإيمانِ، وجُمْلَةُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾، مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾، عَلى الأظْهَرِ مِن جَعْلِ جُمْلَةِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾، اسْتِئْنافًا غَيْرَ مَعْمُولَةٍ لِـ ﴿قُلْ هو أذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وإذا جَعَلْتَ جُمْلَةَ (نِساؤُكم) مِن مَعْمُولِ القَوْلِ كانَتْ جُمْلَةُ (وبَشِّرْ) مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ هو أذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ إذْ لا يَصِحُّ وُقُوعُها مَقُولًا لِلْقَوْلِ كَما اخْتارَهُ التَّفْتازانِيُّ.
2:224Page 35
وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٤
And do not make [your oath by] Allāh an excuse against being righteous and fearing Allāh and making peace among people. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] عَطْفَ تَشْرِيعٍ عَلى تَشْرِيعٍ فالمُناسَبَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَعَلُّقُ مَضْمُونَيْهِما بِأحْكامِ مُعاشَرَةِ الأزْواجِ مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى مَنعًا مِن
صفحة ٣٧٦
قِرْبانِ الأزْواجِ في حالَةِ الحَيْضِ، وكَوْنِ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فَوَقَعَ هَذا التَّمْهِيدُ مَوْقِعَ الِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وجُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وسُلِكَ فِيهِ طَرِيقُ العَطْفِ؛ لِأنَّهُ نَهْيٌ عُطِفَ عَلى نَهْيٍ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقالَ التَّفْتازانِيُّ: الأظْهَرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيِ امْتَثِلُوا ما أمَرْتُ بِهِ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً اهـ. وفِيهِ تَكَلُّفٌ وخُلُوٌّ عَنْ إبْداءِ المُناسَبَةِ، وجَوَّزَ التَّفْتازانِيُّ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الأوامِرِ السّابِقَةِ وهي وقَدِّمُوا وواتَّقُوا و﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] اهـ. أيْ فالمُناسَبَةُ أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِاسْتِحْضارِ يَوْمِ لِقائِهِ بَيَّنَ لَهم شَيْئًا مِنَ التَّقْوى دَقِيقِ المَسْلَكِ شَدِيدِ الخَفاءِ وهو التَّقْوى بِاحْتِرامِ الِاسْمِ المُعَظَّمِ؛ فَإنَّ التَّقْوى مِنَ الأحْداثِ الَّتِي إذا تَعَلَّقَتْ بِالأسْماءِ كانَ مُفادُها التَّعَلُّقَ بِمُسَمّى الِاسْمِ لا بِلَفْظِهِ، لِأنَّ الأحْكامَ اللَّفْظِيَّةَ إنَّما تَجْرِي عَلى المَدْلُولاتِ إلّا إذا قامَ دَلِيلٌ عَلى تَعَلُّقِها بِالأسْماءِ مِثْلُ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، فَجِيءَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِبَيانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ واتِّقائِهِ في حُرْمَةِ أسْمائِهِ عِنْدَ الحِنْثِ مَعَ بَيانِ ما رُخِّصَ فِيهِ مِنِ الحِنْثِ، أوْ لِبَيانِ التَّحْذِيرِ مِن تَعْرِيضِ اسْمِهِ تَعالى لِلِاسْتِخْفافِ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ حَتّى لا يُضْطَرَّ إلى الحِنْثِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآتِيَيْنِ، وبَعْدَ هَذا التَّوْجِيهِ كُلِّهِ فَهو يَمْنَعُ مِنهُ أنَّ مَجِيءَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مَجِيءَ التَّذْيِيلِ لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ مانِعٌ مِنِ اعْتِبارِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ حُكْمٌ مُعْتَدٌّ بِهِ، لِأنَّهُ يَطُولُ بِهِ التَّذْيِيلُ وشَأْنُ التَّذْيِيلِ الإيجازُ، وقالَ عَبْدُ الحَكِيمِ: مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ قُلْ بِتَقْدِيرِ قُلْ أيْ: وقُلْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً أوْ عَلى قَوْلِهِ: وقَدِّمُوا إنْ جَعَلَ قَوْلَهُ وقَدِّمُوا مِن جُمْلَةِ مَقُولِ قُلْ، وذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، إنَّها نَزَلَتْ حِينَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ألّا يُنْفِقَ عَلى قَرِيبِهِ مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ لِمُشارَكَتِهِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِخَبَرِ الإفْكِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقالَ الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَ خَتَنَهُ عَلى أُخْتِهِ بَشِيرَ بْنَ النُّعْمانِ ولا يَدْخُلَ بَيْتَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، وأيًّا ما كانَ فَواوُ العَطْفِ لا بُدَّ أنْ تَرْبُطَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِشَيْءٍ مِنَ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها.
وتَعَلُّقُ الجَعْلِ بِالذّاتِ هُنا هو عَلى مَعْنى التَّعْلِيقِ بِالِاسْمِ، فالتَّقْدِيرُ: ولا تَجْعَلُوا اسْمَ اللَّهِ، وحُذِفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ عِنْدَ قِيامِ القَرِينَةِ لِظُهُورِ عَدَمِ صِحَّةِ تُعَلُّقِ الفِعْلِ بِالمُسَمّى كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ
أيْ ولَيْسَ بَعْدَ اسْمِ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ لِلْحَلِفِ.
صفحة ٣٧٧
والعُرْضَةُ: اسْمٌ عَلى وزْنِ الفُعْلَةِ وهو وزْنٌ دالٌّ عَلى المَفْعُولِ كالقُبْضَةِ والمُسْكَةِ والهُزْأةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن: عَرَضَهُ إذا وضَعَهُ عَلى العُرْضِ أيِ الجانِبِ، ومَعْنى العَرْضِ هُنا جَعْلُ الشَّيْءِ حاجِزًا مِن قَوْلِهِمْ عَرَضَ العُودَ عَلى الإناءِ فَنَشَأ عَنْ ذَلِكَ إطْلاقُ العُرْضَةِ عَلى الحاجِزِ المُتَعَرِّضِ، وهو إطْلاقٌ شائِعٌ يُساوِي المَعْنى الحَقِيقِيَّ، وأُطْلِقَتْ عَلى ما يَكْثُرُ جَمْعُ النّاسِ حَوْلَهُ فَكَأنَّهُ يَعْتَرِضُهم عَنِ الِانْصِرافِ وأنْشَدَ في الكَشّافِ:
ولا تَجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ والآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ.
واللّامُ في قَوْلِ لِأيْمانِكم لامُ التَّعْدِيَةِ تَتَعَلَّقُ بِـ ”عُرْضَةً“ لِما فِيها مِن مَعْنى الفِعْلِ: أيْ لا تَجْعَلُوا اسْمَ اللَّهِ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم فَتَحْلِفُوا بِهِ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، ثُمَّ تَقُولُوا سَبَقَتْ مِنّا يَمِينٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأجْلِ أيْمانِكُمُ الصّادِرَةِ عَلى ألّا تَبَرُّوا. والأيْمانُ: جَمْعُ يَمِينٍ وهو الحَلِفُ سُمِّيَ الحَلِفُ يَمِينًا أخْذًا مِنَ اليَمِينِ الَّتِي هي إحْدى اليَدَيْنِ وهي اليَدُ الَّتِي يَفْعَلُ بِها الإنْسانُ مُعْظَمَ أفْعالِهِ، وهي اشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ: وهو البَرَكَةُ، لِأنَّ اليَدَ اليُمْنى يَتَيَسَّرُ بِها الفِعْلُ أحْسَنَ مِنَ اليَدِ الأُخْرى، وسُمِّيَ الحَلِفُ يَمِينًا لِأنَّ العَرَبَ كانَ مِن عادَتِهِمْ إذا تَحالَفُوا أنْ يُمْسِكَ المُتَحالِفانِ أحَدُهُما بِاليَدِ اليُمْنى مِنَ الآخَرِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فَكانُوا يَقُولُونَ: أعْطى يَمِينَهُ، إذا أكَّدَ العَهْدَ. وشاعَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
حَتّى وضَعْتُ يَمِينِي لا أُنازِعُهُ ∗∗∗ في كَفِّ ذِي يَسَراتِ قِيلُهُ القِيلُ
ثُمَّ اخْتَصَرُوا، فَقالُوا صَدَرَتْ مِنهُ يَمِينٌ، أوْ حَلَفَ يَمِينًا، فَتَسْمِيَةُ الحَلِفِ يَمِينًا مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُقارِنِهِ المُلازِمِ لَهُ، أوْ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَكانِهِ؛ كَما سَمَّوُا الماءَ وادِيًا وإنَّما المَحَلُّ في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَحَلٌّ تَخْيِيلِيٌّ.
ولَمّا كانَ غالِبُ أيْمانِهِمْ في العُهُودِ والحَلِفِ، وهو الَّذِي يَضَعُ فِيهِ المُتَعاهِدُونَ أيْدِيَهم
صفحة ٣٧٨
بَعْضَها في بَعْضٍ، شاعَ إطْلاقُ اليَمِينِ عَلى كُلِّ حَلِفٍ، جَرْيًا عَلى غالِبِ الأحْوالِ؛ فَأُطْلِقَتِ اليَمِينُ عَلى قَسَمِ المَرْءِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ دُونَ عَهْدٍ ولا حَلِفٍ.
والقَصْدُ مِنَ الحَلِفِ يَرْجِعُ إلى قَصْدِ أنْ يُشْهِدَ الإنْسانُ اللَّهَ تَعالى عَلى صِدْقِهِ: في خَبَرٍ أوْ وعْدٍ أوْ تَعْلِيقٍ. ولِذَلِكَ يَقُولُ: (بِاللَّهِ) أيْ أُخْبِرُ مُتَلَبِّسًا بِإشْهادِ اللَّهِ، أوْ أعِدُ أوْ أُعَلِّقُ مُتَلَبِّسًا بِإشْهادِ اللَّهِ عَلى تَحْقِيقِ ذَلِكَ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ تَضَمَّنَ اليَمِينُ مَعْنًى قَوِيًّا في الصِّدْقِ، لِأنَّ مَن أشْهَدَ بِاللَّهِ عَلى باطِلٍ فَقَدِ اجْتَرَأ عَلَيْهِ واسْتَخَفَّ بِهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ اليَمِينِ إشْهادُ اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] كَما تَقَدَّمَ، وقَوْلُ العَرَبِ: يَعْلَمُ اللَّهُ، في مَقامِ الحَلِفِ المُغَلَّظِ، ولِأجْلِهِ كانَتِ الباءُ هي أصْلَ حُرُوفِ القَسَمِ، لِدَلالَتِها عَلى المُلابَسَةِ في أصْلِ مَعانِيها، وكانَتِ الواوُ والتّاءُ لاحِقَتَيْنِ بِها في القَسَمِ الإنْشائِيِّ دُونَ الِاسْتِعْطافِيِّ.
ومَعْنى الآيَةِ إنْ كانَتِ العُرْضَةُ بِمَعْنى الحاجِزِ، نَهْيُ المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَجْعَلُوا اسْمَ اللَّهِ حائِلًا مَعْنَوِيًّا دُونَ فِعْلِ ما حَلَفُوا عَلى تَرْكِهِ مِنِ البِرِّ، والتَّقْوى، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ تَجْعَلُوا، و﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عُرْضَةً“ عَلى حَذْفِ اللّامِ الجارَّةِ، المُطَّرِدِ حَذْفُها مَعَ ”أنْ“، أيْ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ لِأجْلِ أنْ حَلَفْتُمْ بِهِ عُرْضَةً حاجِزًا عَنْ فِعْلِ البِرِّ، والإصْلاحِ، والتَّقْوى، فالآيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ، نَهْيٌ عَنِ المُحافَظَةِ عَلى اليَمِينِ إذا كانَتِ المُحافَظَةُ عَلَيْها تَمْنَعُ مِن فِعْلِ خَيْرٍ شَرْعِيٍّ، وهو نَهْيُ تَحْرِيمٍ أوْ تَنْزِيهٍ بِحَسَبِ حُكْمِ الشَّيْءِ المَحْذُوفِ عَلى تَرْكِهِ، ومِن لَوازِمِهِ التَّحَرُّزُ حِينَ الحَلِفِ وعَدَمُ التَّسَرُّعِ لِلْأيْمانِ، إذْ لا يَنْبَغِي التَّعَرُّضُ لِكَثْرَةِ التَّرَخُّصِ.
وقَدْ كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَغْضَبُ، فَتُقْسِمُ بِاللَّهِ، وبِآلِهَتِها، وبِآبائِها، عَلى الِامْتِناعِ مِن شَيْءٍ، لِيَسُدُّوا بِاليَمِينِ بابَ المُراجَعَةِ أوِ النَّدامَةِ.
وفِي الكَشّافِ كانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى تَرْكِ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، أوْ إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، أوْ إحْسانٍ، ثُمَّ يَقُولُ أخافُ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي، فَيَتْرُكُ فِعْلَ البِرِّ فَتَكُونُ الآيَةُ وارِدَةً لِإصْلاحِ خَلَلٍ مِن أحْوالِهِمْ.
وقَدْ قِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِها حَلِفُ أبِي بَكْرٍ: ألّا يُنْفِقَ عَلى ابْنِ خالَتِهِ. مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ لِأنَّهُ مِمَّنْ خاضُوا في الإفْكِ. ولا تَظْهَرُ لِهَذا القَوْلِ مُناسَبَةٌ بِمَوْقِعِ الآيَةِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَلِفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ألّا يُكَلِّمَ خَتَنَهُ بَشِيرَ بْنَ النُّعْمانِ الأنْصارِيَّ،
صفحة ٣٧٩
وكانَ قَدْ طَلَّقَ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ أرادَ الرُّجُوعَ والصُّلْحَ، فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ ألّا يُصْلِحَ بَيْنَهُما.
وإمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ العُرْضَةُ بِمَعْنى الشَّيْءِ المُعَرِّضِ لِفِعْلٍ في غَرَضٍ، فالمَعْنى: لا تَجْعَلُوا اسْمَ اللَّهِ مُعَرَّضًا لِأنْ تَحْلِفُوا بِهِ في الِامْتِناعِ مِنِ البِرِّ، والتَّقْوى، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، فالأيْمانُ عَلى ظاهِرِهِ، وهي الأقْسامُ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعُرْضَةٍ، وأنْ تَبَرُّوا مَفْعُولُ الأيْمانِ، بِتَقْدِيرِ ”لا“ مَحْذُوفَةٌ بَعْدَ ”أنْ“ والتَّقْدِيرُ: ألّا تَبَرُّوا، نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وهو كَثِيرٌ فَتَكُونُ الآيَةُ نَهْيًا عَنِ الحَلِفِ بِاللَّهِ عَلى تَرْكِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَبَبًا في قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، وهَذا النَّهْيُ يَسْتَلْزِمُ: أنَّهُ إنْ وقَعَ الحَلِفُ عَلى تَرْكِ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، أنَّهُ لا حَرَجَ في ذَلِكَ، وأنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ ويَفْعَلُ الخَيْرَ.
أوْ مَعْناهُ: لا تَجْعَلُوا اسْمَ اللَّهِ مُعَرَّضًا لِلْحَلِفِ، كَما قُلْنا، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ؛ أيْ إنَّما نَهَيْتُكم لِتَكُونُوا أبْرارًا، أتْقِياءَ، مُصْلِحِينَ، وفي قَرِيبٍ مِن هَذا، قالَ مالِكٌ: بَلَغَنِي أنَّهُ الحَلِفُ بِاللَّهِ في كُلِّ شَيْءٍ. وعَلَيْهِ فَتَكُونُ الآيَةُ نَهْيًا عَنِ الإسْراعِ بِالحَلِفِ، لِأنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ. تُعَرِّضُ الحالِفَ لِلْحِنْثِ. وكانَتْ كَثْرَةُ الأيْمانِ مِن عاداتِ الجاهِلِيَّةِ، في جُمْلَةِ العَوائِدِ النّاشِئَةِ عَنِ الغَضَبِ ونَعْرِ الحُمْقِ، فَنَهى الإسْلامُ عَنْ ذَلِكَ ولِذَلِكَ تَمَدَّحُوا بِقِلَّةِ الأيْمانِ قالَ كُثَيِّرٌ:
قَلِيلُ الألايِي حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
وفِي مَعْنى هَذا أنْ يَكُونَ العُرْضَةُ مُسْتَعارًا لِما يَكْثُرُ الحُلُولُ حَوْلَهُ، أيْ لا تَجْعَلُوا اسْمَ اللَّهِ كالشَّيْءِ المُعَرَّضِ لِلْقاصِدِينَ. ولَيْسَ في الآيَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ ما يُفْهِمُ الإذْنَ في الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، لِما تَقَرَّرَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ وصِفاتِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، والمُرادُ مِنهُ العِلْمُ بِالأقْوالِ والنِّيّاتِ، والمَقْصُودُ لازِمُهُ: وهو الوَعْدُ عَلى الِامْتِثالِ، عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ، والعُذْرُ في الحِنْثِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، والتَّحْذِيرُ مِنَ الحَلِفِ، عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي.
وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَعْنًى عَظِيمٍ: وهو أنَّ تَعْظِيمَ اللَّهِ لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ وسِيلَةً لِتَعْطِيلِ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَ الخَيْرِ، فَإنَّ المُحافَظَةَ عَلى البِرِّ في اليَمِينِ تَرْجِعُ إلى تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وتَصْدِيقِ الشَّهادَةِ بِهِ عَلى الفِعْلِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وهَذا وإنْ كانَ مَقْصِدًا جَلِيلًا يُشْكَرُ عَلَيْهِ الحالِفُ، الطّالِبُ لِلْبِرِّ؛ لَكِنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ لِقَطْعِ الخَيْراتِ مِمّا لا يَرْضى بِهِ اللَّهُ تَعالى، فَقَدْ تَعارَضَ أمْرانِ
صفحة ٣٨٠
مُرْضِيانِ لِلَّهِ تَعالى إذا حَصَلَ أحَدُهُما لَمْ يَحْصُلِ الآخَرُ. واللَّهُ يَأْمُرُنا أنْ نُقَدِّمَ أحَدَ الأمْرَيْنِ المُرْضِيَيْنِ لَهُ، وهو ما فِيهِ تَعْظِيمُهُ بِطَلَبِ إرْضائِهِ، مَعَ نَفْعِ خَلْقِهِ بِالبِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، دُونَ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ إرْضاؤُهُ بِتَعْظِيمِ اسْمِهِ فَقَطْ، إذْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى: أنَّ تَعْظِيمَ اسْمِهِ قَدْ حَصَلَ عِنْدَ تَحَرُّجِ الحالِفِ مِنَ الحِنْثِ، فَبَرُّ اليَمِينِ أدَبٌ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، والإتْيانُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ مَرْضاةٌ لِلَّهِ؛ فَأمَرَ اللَّهُ بِتَقْدِيمِ مَرْضاتِهِ عَلى الأدَبِ مَعَ اسْمِهِ، كَما قِيلَ: الِامْتِثالُ مُقَدَّمٌ عَلى الأدَبِ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنِّي لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ، فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، إلّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وفَعَلْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ»، ولِأجْلِ ذَلِكَ لَمّا أقْسَمَ أيُّوبُ أنْ يَضْرِبَ امْرَأتَهُ مِائَةَ جِلْدَةٍ، أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا مِن مِائَةِ عَصًا فَيَضْرِبَها بِهِ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ هَذا غَيْرُ مَقْصِدِ أيُّوبَ؛ ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَرْضَ اللَّهُ مِن أيُّوبَ أنْ يَضْرِبَ امْرَأتَهُ، نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ، وأمَرَهُ بِالتَّحَلُّلِ مُحافَظَةً عَلى حِرْصِ أيُّوبَ عَلى البِرِّ في يَمِينِهِ، وكَراهَتِهِ أنْ يَتَخَلَّفَ مِنهُ مُعْتادُهُ في تَعْظِيمِ اسْمِ رَبِّهِ، فَهَذا وجْهٌ مِنَ التَّحِلَّةِ، أفْتى اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ، ولَعَلَّ الكَفّارَةَ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً. فَهي مِن يُسْرِ الإسْلامِ وسَماحَتِهِ. فَقَدْ كَفانا اللَّهُ ذَلِكَ إذْ شَرَعَ لَنا تَحِلَّةَ اليَمِينِ بِالكَفّارَةِ؛ ولِذَلِكَ صارَ لا يُجْزِئُ في الإسْلامِ، أنْ يَفْعَلَ الحالِفُ مِثْلَ ما فَعَلَ أيُّوبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences